هل هذه الأمة المعطوبة قابلة للإصلاح ؟ لا زلنا نأمل و نَنشُد ذلك على أيَّة حال…

أحمد إدريس
2020 / 9 / 21

« المشكلة الأكبر و الأعمق بالنسبة للعرب و المسلمين هي مشكلة لاهوتية. الفقهاء هم المسؤولون عن إنغلاقاتنا و عن الفهم القائم على التكفير و الإقصاء، و نحن لا نستطيع العيش في عصر العَولمة مع الشعوب الأخرى و نحن نعتنق فكراً يُكفر أربعة أخماس البشرية. التراث العربي الإسلامي فيه كنوز عظيمة و لكنها مُغيَّبة من قِبَل التيار الظلامي. الإسلام التنويري سوف يستيقظ، و سيَحُل الإسلام مشكلته و انسداده التاريخي. إسلام الأنوار هو طريق الخلاص لكي يتصالح العرب و المسلمون مع أنفسهم و مع العالَم. » (د. هاشم صالح، صاحب كتاب "الإنتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ"، 2013)


أُمتنا تتخبَّط فِعلاً في قدر هائل من الأزمات و المشاكل، و للأسف غفلنا في غَمْرَتِها عن حقيقة في غاية البداهة : المشاكل لا يُمكن حلُّها باستخدام نفسِ طريقة التفكير التي أَوْقعت في هذه المشاكل… أحد كبار أئمة هذا العصر يُحرَّم لعن الدَّواب و حتى الجمادات، و في المقابل يُقر فضيلته سب و لعن أغلب المخلوقات الآدمية. لأن أغلب الآدميين هم في نظره مجرَّد "كفار" و سماحتُه لا يرى أي مَنقَصة في لعن "الكفار". يستحيل علينا أن نندمج إيجابياً في المجتمع البشري و نُقدِّم إسهاماً فعَّالاً و ذا قيمة في أنْسَنة العالَم، ما دمنا مُصرين على استعمال لفظة تنطوي على ذم و ازدراء و قدحٍ بحق أغلب سكان هذا العالَم… ذلك لأن كُلَّ فردٍ من بني الإنسان هو في صميم كِيانه عالَم بِحَدِّ ذاته، بالتالي ليس مِن العدل و الإنصاف في شيء أن نَحصِر الآخر بشكل قاطع في تصنيفات وَضَعتها عقولُنا المُعبَّأة بأحكام مُسبَقة كثيراً ما تكون مُجحِفة و لا مُبرِّر لها، و عليه لا يَجُوز اختصارُ إنسان ما أياً كان في عُنوانٍ ديني أو غيره.

الخالق سبحانه لو شاء لجعل البشر قاطِبةً أُمة واحدة أو نُسَخاً متطابقة، لكِنه أراد أمراً آخر تماماً ـ القرآن واضح بهذا الشأن -، و ذلك لِحكمةٍ تخفى على العقليات الضيِّقة المحدودة و الألباب العاطِلة : مشايخَنا الأفاضل و مُرشدينا في سَيْرنا إلى الله، كفى إذن سَخطاً و تذمُّراً و استِياءً من إرادة الله ! فلِلأسف ما زال عَصِياً على أذهان الكثيرين مِنْكُم، إدراكُ قيمة التنَوُّع - إذ هو قانونُ الحياة -، و أنه بركة للناس و نِعمة عظيمة مِن فاطر الكون. فَلِكُلِّ ما في الوجود أهمية و دور في ضمان توازن و استمرار الحياة في هذا الكون. عجيب و غريب هذا السَّخط و التذمُّر الصارخ مِن مشيئة الله مِمَّن يُفتَرض أنْ يكونوا نموذجاً في الرِّضا الكامل بمشيئة الله. إننا بِأمَس الحاجة إلى ثورة بداخل عقول المشايخ. فشيوخ الدين عندنا في مجملهم بحاجة إلى طريقة تفكير جديدة تُمكِّنهم من استيعاب رحابة التجربة الإنسانية على مُستوى العالَم، و تُخرجهم من قَوْقعة التمايُز المَزهُوِّ عن الآخر التي ما زالوا يتمترسون بعناد وراءها إلى الفضاء الإنساني و الحضاري الواسع. و ليبدأوا بِفَتح قلوبهم لجميع الخلائق !

في القرآن آية تُعلِن : "و لِكُل وِجهة هو مُوَليها فاستبقوا الخيرات، أين ما تكونوا يأتِ بِكُم الله جميعاً". استباق الخيرات… بذلك فقط تنصلح أحوال العباد، و تستقيم حياة الفرد و المجتمع. إن مَن فاتني و فاقني في الخيرات، هيهات أن أُدركه بمُجرَّد كَوْنِي "وُلِدت مسلماً" و إنَّما بِمُنافسته في أعمال البِر، إلى أن ألحقه و أسبقه إن استطعت. يا لَفظاعة ما تعلَّمناه مِن العديد مِن مشايخ الدين و أئمة المساجد : لقد لقَّنونا و غرسوا في أذهانِنا أنَّ الخيرَ الذي يفعله في هذه الدنيا غيرُنا - و لو كان إيجادَ علاج لِداءٍ فتَّاك أو مشروعاً ما ينفعُ خَلْقاً كثيراً، و لو كان إطعامَ سُكانِ قارَّةٍ بكاملها أو حتى إنقاذَ كافة الكائنات - لن يُجديهم شيئاً في الآخرة فهو حَسَب زعمِهم لا قيمة له في ميزان ربِّنا. لا أنسى مقالاً لأحدهم يُؤكِّد فيه أن مخترع المصباح الكهربائي الذي يُضيء مَنزِلَه قد ربح الدنيا و لكِنَّه خسر الآخرة. و مِمَّا تعلمناه منهم أيضاً : الترحُّم على موتى الغير لا يجوز، و قد يَجلِبُ علينا غضبَ الرحمان… هذه من ضِمن الأفكار و التصورات التي نتوارثها على مَرِّ الأجيال و التي يستحيل أن يقوم عليها مجتمع سوي.



لذا كتبت مجموعة مقالات (منشورة على موقع "الحوار المتمدن") من بينها هذان المقالان :

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=669013
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=689093


تذكير لأولي الألباب :

« سُنة إلهية ثابتة لا تعرف التبديل و لا التغيير، و تكاد تُمثِّل القانون الحاكم لتاريخ الإنسان على الأرض، وَردتْ في قول الله تعالى : "إِن الله لا يُغيِّر ما بِقَوْمٍ حتَّى يُغيِّرُوا ما بأنفُسهم". و تطبيق هذه السنة الكَوْنِية الربانية على الأمة الإسلامية، هو مفتاحُ تفسير استمرار عِلَّتها، و بابُ معرفة السر في فشل كل محاولات الإصلاح التي جرَّبتها حتى الآن. » (إسماعيل راجي الفاروقي، "التوحيد و آثاره في الفكر و الحياة"، 1982)

« أيها المسلمون ! الفِتن و البلايا مُنبِّهات و موقظات، تحمل الأمم الحَيَّة على العودة إلى نفسها و القيام بمراجعة مواريثها العلمية، و مواقفها العملية، و مسيرتها الحضارية بجدٍ و مصداقية، و صراحة و شفافِية. » (الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد، عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية، في خطبة عنوانها "الأحداث الكبرى دعوة إلى مراجعة الماضي"، تجدونها على هذا الرابط : https://al-maktaba.org/book/32591/258)


"(…) حتَّى يُغيِّرُوا ما بأنفُسهم" : أول ما يجب أن نعمل على تغييره، هو طريقة تفكيرنا و نظرتُنا للعالَم. نزعة الإستعلاء الديني المُتجذِّرة في أمتنا التي هي في انحدارٍ مُستمِر مُنذ قرون، أنتجت عقلية ضيِّقة و مُنغلِقة صارت أمارتَنا بين الكائنات ؛ سببُ ذلك جهل مُطبِق بالآخرين و بما في ثقافاتِهم و مُعتقداتِهم و فلسفاتِهم مِن كنوز، و نسيانُ المخزون لدى أي إنسان سَوِي مِن الخيرات. الإنفتاح الواثق الواعي المُتبصِّر على الآخرين و ثقافاتِهم و الكفُّ نهائياً عن نَعتِهم بالكفار، ذلك بدون شك هو حجرُ الأساس لأي مشروع تحرُّري نهضوي حقيقي، و لبناء حضارة الحُب و العدل و السلام و الخير و التراحُم التي يهنأ في ظِلها جميع الخلق.


أضرع إلى رب العباد أن يوحِّد عبادَه على كلمة سواء ! و أن يرزقهم قدراً من الحكمة يُجنِّبهم تدمير مستقبلهم المُشترَك، و أن يُؤلِّف بين قلوبهم و يجعل بينهم مودة و رحمة، و أن يهديهم سُبل السلام و الوئام و يسلُك بهم الصراط المستقيم. فالوضع الحالي كارثي بكل المقاييس. أوطانُنا العربية المكلومة الحزينة عَطشى إلى أمطار الحب، الأرضُ كُلُّها مِن شرقِها إلى غربها ظَمأى إلى أمطار الحب. البشرية الآن تَقِفُ في مفترق طُرُق و سلوكها الجماعي أصبح يُهدِّد بِمَحوِها من الكون، فقدانُها البُوصلة أوْصَلها إلى مُنعطَف خطير للغاية، مَنطِقُ المسؤولية التاريخية يَسْتَوْجِب علينا إذاً أن نسمع بسرعة نِداءَ بل صرخة الكون : إصطلحوا مع الحب، قبل أن يَفُوت الأوان. نحن في خطر ! المحبَّة فيما بيننا هي الحل، و فيها تَكمُن نجاتنا يا بشر.



« لا أبالي إن كنتُ في جانب و الجميع في جانب آخر، و لا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم. و لا أجزع إن خذلني مَن يؤمن بما أقول. و لا أفزع إن هاجمني مَن يفزع لما أقول. و إنما يُؤرقني أشد الأرق، أن لا تصل هذه الرسالة إلى مَن قصدت. فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح. أخاطب أنصار المبدأ لا محترفي المزايدة. و قُصَّاد الحق لا طالبي السلطان. و أنصار الحكمة لا محبي الحُكم. أتوجه إلى المستقبل قبل الحاضر. » (فرج فودة، "قبل السقوط"، 1984)