الفيضان (مابين الماء والدماء ) ف1

عبد الغني سهاد
2020 / 9 / 20

رواية الفيضان.. سنة 1965 مابين الماء والدماء..
الفصل 1
كان ذلك الصيف مشهودا سواء بالنسبة للاسرة او لمعظم الناس التي عاشت نفس الظروف القاسية بل اكثر من مأساة الاسرة زقد يكون هذا مسجلا في التاريخ الشفوي الجهة مراكش تانسيفت الحوز ..والى حد الساعة لم يستطع احد منا كتابته او تنزيله على الورق ..أرخت هذه السنة اول مرة تقضي فيها اسرة (بو )عطلتها الصيفية في منتزه جبلي في وادي اوريكة على سفوح الاطلس الكبير لازيد من عشرون يوما ..جنوب مراكش المدينة ...تتكون اسرة (بو) من سبعة افراد الاب والام وخمسة ابناء ثلاثة ذكور واثنان اناث ,واصغر الابناء كان لم يتجاوز بعد عامه الاول ..وهو (م)..مع حصول البلد على استقلاله حصل (بو) على الفيلا الصغيرة بالحي الاوروبي وهي في ملكية وزارة البريد والتلغراف ..هكذا كانت تسمى شركة اتصالات المغرب اليوم ..وكان شعارها بالاخضر ثم تحول الى الاصفر الى التلوينات اليوم الجميلة الابيض والاحمر والازرق بعد ان باعتها دولة المخزن للراسمال الاجنبي بصفة خاصة ,,هل تذكرك هذه التلوينات بعلم فرنسا الذي لا ينغير منذ الثورة الكبرى 1897 نهاية الثامن عشر .مع حصول البلد على استقلاله السياسي سنة 1955م حصل السيد (بو) بدوره على السكن الوظيفي في وزارة البريد والتلغراف التي احدتثها فرنسا في المغرب وكانت فيلا صغيرة على يسار مستودع اعمدة واسلاك البريد في الحي الاوروبي جيليز . كان بو في البداية يعمل كطباخ في المصلحة وعند اندلاع الحرب نودي عليه في اللاحتياطي ..لكن انتهاء الحرب بسرعة جعله يعود الى مصلحة البريد كعون خدمة ..او رجل خط يقيم اعمدة الهاتف وينصب الاسلاك النحاسية وييربطها بقنينات من زجاج اخصر وفي بداية الاستقلال قررت الدولة ان تنشر الهاتف والتلغراف في الارياف ..يعني في البوادي المغربية وكان اقرب جهة واوعرها في الجنوب هي جبال درن الاطلس الكبير ..حينما كان يشتغل مع ادارة المعمر الفرنسي كانت الشاحنات بلون اخضر من نوع بيرلي وكانت قوية المحرك والهياكل وبعد الاستقلال تغير لون المصلحة الى الاصفر ..وعندما تم تفويت المصلحة الى الخواص ولم تعد ملك عام تخلصت من تلك الالوان التي كانت تحمل قليلا من الامل ..وجلت لون اتصالات المغرب قرييبة من لون علم فرنسا ..كان بو يردد علينا دائما ..
اقراؤا ..ولا تفرطوا في دراستكم ..في يوم قادم ستكون مهنة السي الحسين الكراب ..بالشواهد والمباريات ..كان حينها ياتينا السي الحسين الكراب بخمس قربات في اليوم للشرب وللتصبين وتنظيف البيت .خمس قربات بدرهم وربع ...اي بخمس ريالات للقربة الواحدة وكان يصب الماء في بهو الدار بداخل خابيات فارعات في ظل الجيدار ..ياتي بهذا الماء من ساقية تتوسط الحي ينتظم حولها السكان للسقي ..اي لملاء اسطلهم ..وكلما سمع الحسين القراب يتكلمنا في موضوع الدراسة والتطور السريع للاحوال المجتمعية والمستقبل والمصير المجهول وهو يضحك ساخرا منا يغمزنا بعينه الحولاء ويامرنا بالابتعاد عن التحرش بحمارته ...(..سيروا تقراو ..وبعدوا على حمارتي راه ما عندها باش تفيدكم في المستقبل ...سيروا تقراو يالولاد ..القراية هي اللي تنفعكوم ..؟.......لم يهتم يو بشيء اخر غير احوال اسرته ولم يكن يهتم بما يحدث في البلاد من امور سياسية تحت سيطرة المستعمر ونهوض المقاومة والحركات السياسي ....تنحصرمهمته في انجاز الاعمال التالية الحفر وتثبيت الاعمدة من الخشب ..والاسلاك النحاسية والقنان الخضراء لنقل الكلام بين الناس وفي بعض الاوقات العصيبة يزداد الثوتر مابين الثوار وقوات الاستعمار فيحضر شباب المقاومة يامرون العمال بنزع اسلاك الهاتف وتخريب الاعمدة ..فيقومون بالعمل في الليل بينما في النهار ..يعملون على اعادتها واصلاحها...في الليل يتم الهدم وفي النهار يعاودون البناء والاصلاح والترميم ...هكذا كنا نشتغل في الفترات العصيبة ..نهارا نعمل وننفذ مخططات الادارة الاستعمارية وفي الليل نبدع الطرق المرنة لقطع احبال الهاتف النحاسية ..وبذلك كنا نكسب عطف الطرفين معا ..المعمر والشباب الوطني المقاوم..لم يكن عملنا هذا مجرد تخايل ساذج نمرره على الطرفين بل في حقيقة الامر كان عملا شاقا مكلفا وحتى عبثيا .وان كان يعتبر ساذجا فما يقوم به شباب المقاومة كان لا يحسب على العقل والموضوع...فكيف يعقل ان تتخد المقاومة هذا الموقف السلبي من العلم والتقنية..وتتجه بالعداء الى ادوات التواصل ونقل المعرفة والعلم ..وتتغافل عن المقاومة في نواحي اخرى اقصد تصفية بعض اطر الادارة الاستعمارية والضغط على المستعمر باسلوب مباشر..لكن لا شك ان المقاومة كانت في موقفها هذا ضعيفة جدا ..لذلك كانت تقوم باستعمال هذه الاساليب المراوغة بالاعتماد على جهود الضعفاء من العمال والمشغلين..هذه الامور لم يكن يفهمها اعضاء المقاومة التي كانت حينها تعمل في السر ومشتعلة في كل ربوع المغرب ..
احسست حينها بماسماه افلاطون في نظرية الكهف بلغط الحواس شعرت باللخبطة وتصادم الحواس فيما بينها وكان ذلك الم عظيم في استمناء الحيش داخل التناقض مسحورا بتاملات السماء في ليل بهيم داخل الفيلا الصغيرة لا اشبع من مشاهدة خطوط السكك الحديدية التي لا اعرف الى اين تذهب ولا من اين تاتي تلك القطارات الطويلة حاوياتها خاوية وعامرة ..هديرها وصرير عجلاتها يملاء راسي قبل ملء المكان.. في وقت الظهيرة اعب رؤيتي بحلقات العمال والعاملات التي تتناول غدؤها البسيط جدا اسفل جدران القصيرة للفيلا الصغيرة في الحي الاوروبي .. كانت جميلة ومغطاة باغصان طويلة لدالية العنب الابيض ..الطبقة العاملة الرثة يسميها البعض الطبقة البدون سراويل داخلية ..او الدهماء والطغام ..ومن يكرهها يطلق عليها الهمج اللمج او الرعاع وبعد ذلك يستريح من وجودها المعكر للاجواء الاجتماعية البورجوازية ..كثيرا ما كنت تسمع اصوات الخصومات تنشب مابين العمالة من النساء والرجال ولم تكن تتواجد بالقرب من المكان مراكز للشرطة ...فالمكان لا توجد به احياء للسكن ..فقط معامل وسكك ومستودعات للبضائع ..فيما بعد سمي الحي بالحي الصناعي ..وهو لايقتصر سوى على بعض الصناعات الغذائية او المصبرات ..و يقترب من دوار العسكر ومن اسمه تدرك بسهولة انه يضم سكنيات بئيسة للعساكر من ضباط الاحتياطي او الطبقة الثانية الدوزيام كلاس ..ديور المساكين ..هذه العناصر كانت كلها احيانا مصدر اضطرابات اجتماعية وعصيانات وقلائل اجتماعية متكررة ..لكن للحقيقة اقول انه ولا واحد من هؤلاء الناس تذكرت يوما انه اعتدى علينا في الفيلا الصغيرة تلك ولا على السكان الاخرين في الفلل المجاورة لنا فكلهم كانوا يحترموننا ويوقروننا
...قد تكونت لذي في الحي الاوروبي ادراكاتي الحسية وبدات الح بالتدريج مرحلة الادراكات العقلية ..بدات انتقل من المحسوس الى المعقول ..ولقول الصراحة لم اسست عقلي بعد كنت اسجل الصور والاحداث والكلمات دون فهمها ..اترك الفهم والادراك لماياتي من الزمن ..كل شيء سياتي فيما بعد ..في الفيلا الصغيرة كنت وكنا نتعذب بسبب البعد من جهة وغياب بو في العمل لمدة طويلة خارج المدينة ....في مهمات خارجية يحصل فيها على تعويضات مالية مهمة .
هي الخلافات دائما عادية في الاسرة لكن الامر الغير العادي هو ان لا توجد اذنى رغبة للاعضاء سواء الاب او الام في ايجاد حل لها ...الا انها بدت تتعمق مابين بو وفا ..حول البقاء في سكنى الفيلا الصغيرة وسط المعامل والمستودعات ..كانت المشكلة تقلقها وتحاول علاجها بمختلف الوسائل كان تستدعي افراد العائلة ليستقروا معها في الفيلا حين غياب بو..كانت تزورنا الخالة مينة ..والعم ابراهيم ..وكل الاطفال الذين يمكن لهم يؤنسوننا في غياب االاب بورحيم ..هذا الخلاف الاول سيحل بالانتقال الى الحي الشعبي بباب دكالة ..وبداية العيش مع الشعب وطبقاته الكادحة ....
الخلاف الثاني ..تاييد بو للمعلمة التي ارادت ان تهاجر الى فرنسا صحبة عزيز الولد البكر لب والى باريز بالذات بعد حصول عزيز على شهادة الدروس الابتدائية ...من مدرسة الزيتون في حي جيليز حيث كان يدرس وقد حصل على هذه الشهادة بميزة حسن جدا ..كانت تلك المعلمة الفرنسية تعز عزيز لذكائه ونبوغه في اللغة الفرنسية ..ولاجل ذلك اقترحت على بو ان يوافق لها رسميا على الخجرة معها الى الخارج.. كانت ف ترفض ذلك ان كان على الولد ان يقرا فما عليه الا ان يقرأ ويتابع قرائته في بلده المغرب ..فهي لا تريد ان يضع له ابنها البكر ...عزيز..ولاجل حل هذا الخلاف الثاني قبل بو على تسجيل ابنه البكر في مدرسة الاغنياء والاعيان في الحي الاوروبي جيليز ثانوية فيكتور هيغو صاحب رواية البؤساء ومخترع شخصيات جان فالجان وكوزيط واسرة تينارديي.....الخلاف الثالث كيفية بناء المنزل المهدوم الذي اشتراه بو من صهره بلقاس ..حلافات تنتهي جلها بالحلول الوجيهة ..الا الخلاف حول ترميم المنزل القديم ..فهو خلاف استمر طويلا طويلا في عمر الاسرة حتى ما بعد الفيضان وموت بو مجروفا بمياه وادي اوريكة العنيف ..احدى تلك الحلافات الاسرية حول بناء المنزل المتهدم ادت الى شجار عنيف مابين بو وفا انتهى بمرض فا ومكوتها لمدة قصيرة تحت الرعاية النفسية في مشفى الامراش العقلية باكدال ...لشهر كامل ...في السنة التي سبقت الاستجممام في وادي اوريكة اي ما قبل الفيضان بقليل ...؟عللا المرء ان يتعلم ويرضى بنتائج تعلمه ولا يعارض الاقدار غالبا ما لا نفهم بالعقل شيئا لكن بالروح وبالقلب قد نستوعب الكثير من الاشياء يكمن الاحساس بشعور القلب و فهم لغة القلب بدون استعمال منطق العقل هذا ما قال احدهم لي وكنت على وشك الرد عليه للقلب اسبابه الخاصة لا يستطيع العقل ان يستوعبها....ومن الغرابة ان هؤلاء الاخيار من مفكري عصر التنوير وتبجيل العقل الذين درسون بعض اقوالهم في المدارس في حياتهم الخاصة ارتكبوا العديد من الاخطاء وكانت زلا تهم كبيرة ..
عند قراتي لقصة الفيضان لاميل زولا لم افهم الا القليل من مضامينها التي تمزد مابين الواقعية والخيال وكذلك فيضان اوريكة 1965 فهي تخلط الواقع بالخيال ..الا ان الخيال فيها قليل لاني اعتمدت فيها على سرد الوقائع التاريخية التي تخصني واسرتي كافرا داو التي تخص الجماعة ..المجتمع بكامله ..وبذلك هي تمزج مابين الذاتي والموضوعي ..لا استفيض فيها في ذكر مكر الطبيعة وعنفوانها الذي لا يميزمابين انسان او حيوان اوجماد ..جل الوقائع التي حصلت في عالم الفيضان قبله او حينه او بعده هي ماساوية تعبر عن هزات اجتماعية قوية في العمق ارومة من صنع القدر تجمع الاشياء عليها في بؤرة الصراع مابين الانسان والطبيعىة او ما بين الانسان والانسان ...
فيضان الحشود البشرية وهي تجري وتركض في شوارع المدينة وتصل الى الحي الاوروبي تبكي وتردد في الشعارات وتهلل تكبر كانت المناسبة موت الملك المفاجئ في 1961..وكان بو في مهمة خارج المدينة ..مرت تلك التظاهرات ليلا بعد العشاء امام الفيلا وطافت على المعامل والمصانع الا انها لم تقم بالتخريب او الهدم ..كانت حزينة تردد الشهادة وتكبر لروح الملك الذي مات وتهلل للملك الذي عاش ...مات الملك عاش الملك ..لاذت سويسا الكلبة الكنيش البيضاء التي تحرس لنا الفيلا . لاذت بالصمت ولم تنبح كعادتها عند سماع اصوات غريبة ..وظلت تراقب بصمت مرور الجحافل والحشود من الناس .وربما بصمتها هذا كانت تشارك بطريقتها في المصاب الجلل ..في ذلك الخريف من تلك السنة مات الملك ..وكان الفزع والخوف يتملكنا جميعا توغلنا في داخل الصالون واغلقنا الباب علينا ..وكنا نترقب الهجوم علينا في كل لحظة
وفي تلك الليلة نما معا في الصالون ..وكان نومنا خفيفا نستيقظ عند كل صرخة او نبحة لكلب او كلبة في الخلاء والهواء الطلق ....
لكن الحشود الباكية لم تعد ..وفي هذه الليلة استقر قرار فا على مغادرة الفيلا الصغيرة ..فالاخطار المحدقة بها عديدة وهي مجرة انثى واطفالها صغار السن في حاجة دائمة للرعاية والاهتمام .القرار كان اغلاق الفيلا والفرار للعيش في المنزل القديم للجد بلقاس بين الاهل والناس بلا خوف ولا رعب في كل الاوقات .
اخبرت فا بو بقرارها عبر مكالمة هاتفية من مستودع الهاتف المركزي لم يرد بو على قرارها ولا بكلمة ..لقد سمع وعلم ما كانت تفعله الحشود بالممتلكات في مدن العاصمة والمجاورة لها

شتنبر 2020

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي