ألبير كامو: عدمي ضد العدمية

مالك ابوعليا
2020 / 9 / 20

كاتبة المقال: الماركسية السوفييتية ايلفا مازيتوفنا كوتاسوفا*

ترجمة مالك أبوعليا

ان الملاحظات والشروح بعد الحروف الأبجدية بين الأقواس (أ)، (ب)... هي من عمل المترجم

ان العدمية، هي سمة مُميزة لنفسية والنظرة الى العالم لعدة أجيال من الشباب في المُجتمع الرأسمالي. ان نبذ الدين التقليدي والايديولوجيا والأخلاق السائدة، وازدراء كل السُلطة والمطالبة بالتحرر الكامل للروح والذهاب الى حد انكار القِيَم الثقافية ونمط الحاة الراسخ (العادات ووسائل الراحة والملابس وتصفيفات الشعر)-كلها الى هذا الحد أو ذاك، سمة من سمات النظرة العامة لكلٍ من"الجيل التائه" الذي نشأ مع الحرب العالمية الأولى بقناعة أنه تم تضليله بقسوة، والوجوديين من البيتنيك Beatniks في الخمسينيات، أتباع رُسُل "التمرد الأخلاقي والجنسي". يدفعهم الافتقار الواضح للأفكار الايجابية والتوجهات القِيَمية الى "الانسحاب من المُجتمع" على نطاقٍ واسع، أو الانتحار أو الأعمال الارهابية، أو المظاهرات ذات الطبيعة التمردية. أصبحت العدمية، بكل مظاهرها الاحتجاجية واليائسة مصدراً لقلق الحكومات ومصدر كراهية غبية من جانب المُحافظين وضيقي الأفق، وهي محل نقاش جاد من قِبَل الشخصيات في الأحزاب السياسية. ان البحث عن مخرجٍ لنظرة العدمية كطريقٍ مسدود هو مصدر الهامٍ لعمل العديد من الكُتّاب والفلاسفة في القرن العشرين.
خلال اسبوع الفكر الماركسي الذي عُقِد في باريس في شباط 1974، اتفق الشيوعي لوسيان سيف Lucien Sève واللاهوتي الكاثوليكي كلود جيفري Claude Geffre في مناظرةٍ بينهما، على أن "العديد من الشباب اليوم يتحلون بالعدمية"(1). لكن، في تقييمهما لـ"الانحلال الأخلاقي والديني والسياسي" للشباب فقد اختلفا بشكلٍ جذري، بطبيعة الحال. يرى جيفري العدمية، مثله مثل كل الشخصيات الدينية، كمجرد ظاهرةٍ سلبية. في رأيه يمكن أن يكون هناك طريقةٌ واحدة فقط للخروج من الأزمة العالمية المُتمثلة بالافتقار الى الايمان: اعتراف المرء بـ"خطيئته" ورجوعه الى الله. لذلك، يؤكد أن "خلاص الانسان لا يتضمن عواملاً تاريخية"(2).
يتقدم سيف بصراحة بوجهة النظر الماركسية المُعارضة للفهم الديني للعدمية: "بالنسبة لك، فان القِيَم الانسانية تقع في مجال المُتعالي، ضمن شيءٍ لا يخضع للتحليل التاريخي. بالنسبة لي، كل شيء يخضع لهذا التحليل، ولا يوجد شيء يقع خارج حدوده". يؤكد سيف، من هذا المُنطلق، أنه من الضروري التمييز بين "أخلاق الرفض" و"رفض الأخلاق". لذلك، يتوصل هو نفسه الى استنتاج مفاده أن الشباب في المُجتمع الرأسمالي الحديث "يرفضون احترام الأشياء التي لم تعد تستحق الاحترام... العدمية تجمع في ذاتها كلاً من رفض المعايير القائمة، والمُطالبة بتغيير القيم الأخلاقية والروحية"(3). على عكس رجال الدين، يكشف الشيوعيون عن المعنى الحقيقي للنقد العدمي للمجتمع الرأسمالي المُعاصر وتناقض وتعقيد عملية التغير في قِيَم ومُثل الشباب الروحية.
ينخرط الماركسيون الفرنسيون كذلك في "حوارٍ" مع عناصر واسعةٍ من المثقفين الديمقراطيين. في النضال من أجل الشباب، لجأوا ليس فقط الى أعمال الشاعر بول ايلوارد Paul Éluard ولويس اراغون Louis Aragon والكاتبة ايلسا تريوليت Elsa Triolet واندريه ستيل André Stil، الذين استوحوا أبطالهم من المُثُل الثورية، ولكن ايضاً الى أعمال "سادة عقول" الشباب المُعاصر مثل ارنست همنغواي وأنطوان اكسوبيري Antoine de Saint-Exupéry، الذين أظهروا عظمة مُقاومة الانسان الأخلاقية للظروف المأساوية Tragic في حياته.
تصطف رواية (الطاعون) لالبير كامو في هذا الصدد مع همنغواي واكسوبيري. يبحث قُرّاء المُجتمع الرأسمالي المُعاصر فيها عن اجابة لسؤال: كيف ينبغي للمرء أن يعيش في هذا العالم المشوه في مواجهة كارثةٍ مُهددة أو كارثةٍ تحدث؟ يُجيب كامو على هذا السؤال من وجهة نظر تصور مأساوي Tragic للعالم يتضمن مع ذلك وعياً بالحاجة الى النضال، وبجدالٍ عاطفيٍ ضد اولئك الذين خضعوا لليأس أو استسلموا أو حتى دخلوا في تحالفٍ مع الشر. ومع ذلك، فان الصراع الشديد ضد العدمية- ذلك العصب الحيوي في عمل كامو-لم يُلاحظه مُعظم طلابه. يُميز هؤلاء العلماء، ولا سيما المسيحيون، مسائل العبث واليأس في روايات كامو، ومقالاته الفلسفية، من أجل استنتاج أن هناك طريقة واحدة للنجاة من العالم العَبَثي، انه الطريق الذي يؤدي الى اختيار الله(4).
غالباً ما يميل بعض مؤلفينا الى رؤية فلسفة كامو "تبشيراً للامعنى الحياة، والانتحار"(5)، وفي أعماله الابداعية "الميل نحو مأساة الشخص المظلوم من قِبَل عالمٍ مُعادٍ، وعجزه عن التغلب على تناقضات الحياة، وعدم وجود آفاق، وانعدام مغزى وجوده"(6). ومع ذلك، فان الكُتّاب الذين يستمتعون بالعبث واليأس، بعد أن تمتعوا بشعبيةٍ لم تدم طويلاً، يختفون ويتراجعون الى الخلف، في حين أن أجيال قُراء كامو الجُدد، يسعون للبحث عن الاجابة حول مسألة كيفية ايجاد مخرج من اليأس. تتزايد شعبية هذا الكاتب المسرحي والروائي وكاتب المقالات الفرنسي منذ عام 1957، منذ أن حصل على جائزة نوبل. ظهرت، في بداية عام 1960 (عام وفاته المأساوية)، مجموعة من الكتابات الكثيرة حوله في مُجلدٍ ضخم(7)، توسعت منذ ذلك الحين بشكلٍ كبير، بفضل الدراسات العديدة المنشورة في فرنسا وألمانيا الغربية والايات المتحدة واليابان.
لقد شَهِدَ بلدنا الاتحاد السوفييتي نشر دراسة فيليكوفسكي، وهي دراسة ماركسية جادة لأعمال كامو الأدبية(8). ولكن في هذا الكتاب أيضاً، لم يتم مُعالجة كامو بشكلٍ كافٍ، من وجهة نظرنا، بصفته كاتباً مُنخرطاً في جدالٍ مُستمرٍ ضد العدمية. الهدف من هذا المقال هو تتبع سلسلة اعتراضات كامو على العدمية، لكشف معناها وأهميتها، وفي الوقت نفسه، لاثبات استحالة التغلب على العدمية انطلاقاً من المواقف الذاتية-الارادية.
أدت الأزمة الاقتصادية في الأعوام بين 1929-1933، واقامة الدكتاتورية الفاشية في ألمانيا، وخطر الاستعباد الفاشي لأوروبا الى ايصال عملية تقليل قيمة الأفكار والقِيَم التقليدية للمجتمع الرأسمالي الى نهايتها، وخلق حالة من اليأس وتوليد مشاعر عدم جدوى الوجود البشري.
كشف الشيوعيين، الذين قادوا الصراع المُعادي للفاشية في فرنسا، للناس الذين اجتذبهم "المد الطوفاني للنظريات المجنونة التي دعتهم الى الانتحار"(9)، كشفوا السبب الحقيقي لمصائبهم: الرأسمالية الاحتكارية والنظام الذي وُلِدَت فيه. ومع ذلك، فان العديد من المُثقفين الفرنسيين، الذين فقدوا الثقة في التقدم الاجتماعي، مثلما فعل دوستويفسكي، رأوا في أي حركة اجتماعية-سياسية ان لم تكن شيئاً "مشؤوماً"، فانها على الأقل شيء مُعادٍ، شيء يُهدد حريتهم الشخصية. يعترف بطل رواية سارتر (دروب الحرية)، ماتيو، رداً على اقتراح صديقه بالانتساب الى الحزب الشيوعي: "لا أستطيع الالتزام، فليست عندي أسباب كافيةٌ لذلك. انني أحتج مثلك ضد الأشخاص أنفسهم، وضد الأشياء نفسها، ولكن ليس بما فيه الكفاية... فاذا أخذت أجري في الاستعراض رافعاً قبضتي، منشداً نشيد (الأممية)، واذا صرحت لنفسي بأني راضٍ مع ذلك، فانما أكذب على نفسي"(10). لقد حذّر الشيوعي هنري باربوس بالتحديد ضد هؤلاء الأشخاص المُضطربين و"قصار النظر بشكل مُذهل"، الذين أعمتهم الديماغوجية الفاشية. قال: "الفاشية تُضلل المرء وتُلهمه على أنه سيصير قائداً... والفاشية تستغل شغف الشباب الحماسي وسعيها لتحقيق المجد"(11).
في ذلك الوقت ولاحقاً، كان كامو بعيداً عن الماركسية والتحليل العلمي لتطور المُجتمع الرأسمالي. لقد دفن نفسه في قراءة دوستويفسكي ونيتشه، ووجد أنه مُعجب، من بين مُعاصريه الأكبر سناً، بالروائي اندريه مالرو André Malraux وجان بول سارتر. ومع ذلك، حتى في مسرحيته التراجيدية الأولى (كاليغولا) 1938، نصب كامو لنفسه هدفاً لاثبات مدى انعدام افق الطريق المسدود الذي وصلت اليه عدمية ذلك الوقت، وهي ايديولوجية كراهية البشر التي تُعلن "العُنف والمكر كأنها القِيَم الوحيدة"(12).
كان الامبراطور كاليغولا، الذي تغلغل الظلم في عصره، مُقتنع، أنه من أجل اصلاحه، يجب أن يُصبح قاسياً مثل الآلهة. انه يُجبر الزوج على أن يكون قواداً لزوجته، ويجبر الأب أن يسخر من وفاة ابنه. انه يطرح "تجربةً تربويةً" ليكشف لرعاياه "حقيقة هذا العالم الذي انعدمت فيه كل حقيقة"(13). انه يؤكد أنه لا يوجد شيء أخلاقي أو لا أخلاقي، وأن الأفعال الانسانية "جميعاً تحتل ذات المنزلة"(14). يعزو بعض النُقّاد تصريحات كاليغولا هذه الى كاتب المسرحية نفسه(15)، لكن كامو كان بعيداً عن تبرير سلبية كاليغولا الشاملة. يسخر كاليغولا من حكمة نبلاء بلاطه لانه يفهم جيداً الدوافع التي تُلهم سلوكهم، يقول: "انظري اليهم يا سيزونيا، لم يبق اي شيء. لا الشرف ولا والوقار ولا الاسم الطيب ولا الحكمة الأزلية، ولم تُعد هذه الخصال تعني اي شيء. جميعها تختفي أمام الجزع"(16). انه يحتقر رعاياه، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالرعب من خضوعهم الخنوع وقدرة الشر المُطلقة. وهذا يؤدي الى الخاتمة التراجيدية: يُلقي الطاغية بنفسه على خناجر المُتآمرين. أراد كامو أن يُظهر أن"الفلسفة المُتجسدة في الجُثث" تحتوي في ذاتها على بذور الهزيمة. لذلك، في نهاية مساره الدموي، أدرك كاليغولا أنه "مُذنب"(17)، وأنه اختار الطريق الخاطئة، وأنه لن يقود الى اي شيء.
يُعاني كاليغولا من الهزيمة، ولكن ابتكار المؤلف كان ناجحاً تماماً. وفي عام 1945، عندما قال جيرارد فيليب "بوجهٍ شاحبٍ ومتشنج"(18)، وهو أول من قام بدور كاليغولا "أنا أعيش، اذن أنا أقتل، اذن أنا أمتلك عظمة مُدمر، التي أمامها تُصبح عَظمة المُبدع شيءٌ لا يُذكر. هذا ما تعنيه السعادة-الحرية المُطلقة، الحق على كل ما هو موجود على الأرض والدم ونشر الكراهية والعزلة المُنقطعة النظير لانسانٍ يتمعن الحياة والأفراح لقاتلٍ خارجٍ عن القانون والمنطق، قلبه لا يرحم ولا ينفك عن طحن حيوات البشر"(19)، عندما قال ذلك، اعتبر الجمهور هذا الخطاب مُحاكاةً للمجنون الذي أغرق أوروبا بالدم والذي أحاطته كراهية جميع الشعوب، وأنهى حياته في قبو. وقد صفّق الجمهور بكامو، الذي استشرف في وقتٍ مُبكرٍ من عام 1938 نهاية الفوهرر المُخزية.
بعد أن رفض المظهر "الوحشي" للعدمية، شَرع كامو في دراسة نوع غير محسوس تقريباً من العدمية، ربما يكون النوع الأكثر انتشاراً: اللامبالاة تجاه كل شيء، ما عدا الذات وبواعثها الحسية.
تشترك الشخصية القاصة لسيرتها الذاتية في رواية (الغريب) كثيراً مع أبطال روايات الفرنسي اندريه جيد André Paul Guillaume Gide واريك ريمارك Erich Maria Remarque وارنسك همنغواي. مثل الشخصية المركزية في رواية همنغواي (وداعاً أيها السلاح)، عندما يُعاني من احراجٍ بدرجةٍ قليلة عندما تُلفظ كلمات "مُقدس، مجيد، تضحية"، يُفكر بطل رواية (الغريب) لكامو بشيءٍ خاص "استثنائي" عندما يلوح الكاهن بالصليب على رأسه، مُتحدثاً عن معنى الحياة وعن المسيح الذي مات على الصليب من أجله. يُعارض بطل رواية الغريب مواعظ الكاهن بالمشاعر الانسانية البسيطة ويُلقي بالحقائق الواضحة في وجه الكاهن "لقد كان يبدو الكاهن متيقناً، اليس كذلك؟ ومع ذلك، لا يُساوي يقين من يقيناته شعرةً من شعر امرأة. هو ليس متيقناً حتى مما اذا كان حياً، ما دام يحيا كميت. أما أنا فكنت أبدو صفر اليدين، بيد أني كُنت متيقناً من نفسي، متيقناً من كل شيء، أكثر يقيناً منه، متيقناً من حياتي ومن هذه الميتة القادمة"(20).
يتفاعل بطل رواية (الغريب) ميرسو، الذي عادةً ما يكون غائباً وبعيداً عن الحياة الاجتماعية، بحساسية تجاه دفئ أشعة الشمس، برودة الظل عند مجرىً مائي و"ونسائم الصيف". يبحث هذا الرجل، الذي سئم من حياة المدينة، عن "قِيَم أرفع وأعظم من الأخلاق"(21) جنباً الى جنب عن جماليات الطبيعة و"بهجات الجسد". لم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدا لكامو نفسه أنه يعرف ما هو المجد والقيِيَم الرفيعة، وما الذي يجب أن يكونه: انه "الحق في الحب الى ما لا نهاية. ليس في هذا العالم الا حبٌ واحد. فعناق جسد امرأة هو أيضاً عناقٌ لهذا الفرح الغريب الذي يهبط من السماء الى البحر. بعد قليل، لحين سألقي بنفسي بين الافسنتين لأدخل ريحه الى جسدي، سأعي أنني، رغم كل الآراء المُسبقة، أحقق حقيقةً هي الشمس، وستكون ايضاً حقيقة موتي"(22)(أ). نادراً ما يُمكننا أن نعثر في كتابات القرن العشرين على وصفِ للأرض و"احتفالات الزواج من الطبيعة"، وفرحة دمج نبض المرء مع وقع قلب الطبيعة بمثل هذا الحماس الوثني(23).
سارع بعض النُقّاد الى تفسير ذلك "الزواج من الطبيعة" كعودة الى العبادة الديونيسية(ب) التي تحدث عنها نيتشه، أو استشراف وسبق لمبدأ "الحساسية الجديدة" لماركوز.
ومع ذلك، فان هوةً حقيقيةً هائلة تفصل رُسُل "الحساسية الجديدة" والتمرد عن كامو. كامو لا يبرر مورسو على الاطلاق. لكنه لا يعتبره مُذنباً، ولا يعتبر أن لدى المحكمة والمُجتمع الذي لا يُبالي به و حتى الله-الذي يحلف القضاء والمُحقق والقاضي باسمه، الحق في مساءلته. ومع ذلك، فان مورسو مذنبٌ بنفس القدر. انه مذنبٌ بلامبالاته تجاه البشر.
لا يرغب مورسو في لعب دور المنافق. انه مُخلص ومباشر في علاقته مع الجميع، من البواب وحتى المُحقق. لكنه غريبٌ عنهم جميعاً-جميع الناس والجيران والزملاء في وظيفته والأصدقاء. ان أكثر الكلمات استخداماً في مفرداته المحدودة جداً هي "لا يوجد فرق"، "كله سيان"، "ليس له أهمية". عندما سألته ماري عما اذا كان يفكر في الزواج منها أجاب "ان الأمر سيان بالنسبة لي"(24). ان اللامبالاة، بالتحديد، هي التي تُميز "الغريب" عن أبطال همنغواي وريمارك واكسوبيري "باستعدادهم الدائم للتضحية بأنفسهم، وهو أعلى مظهر من مظاهر الانسانية"(25). يُشكل أبطال رواية (الطاعون)، الذين يشاركون أفراح وأحزان مواطنيهم، تبايناً في أعماله، عن رواية (الغريب).
بالنسبة الى الدكتور ريو والصحافي رامبير، فان الشمس ورائحة البحر وقوة الحب الملوسة هي قِيَم لا تقبل الجَدَل. لذلك عندما كان رامبير يرغب في مغادر المدينة التي أصابها الطاعون للانضمام الى المرأة التي يُحبها فقد أجابه رامبير بأن "هذا على اي حال يبدو معقولاً"(26). لكن رامبير لم يُغادر المدينة، وأصبح مُساعداً للدكتور ريو، لانه "عندما يُقال ويتم كل شيء، من العار أن تكون الشخص الوحيد السعيد" وسيمنعه العار "من محبة الشخص الذي افترق عنه". على عكس (الغريب) الذي كان يعتبر "عبير الصيف" و"ساعة الشفق" و"القبة البضاء الهائلة التي تتلألئ في الماء" ملجأً للهروب من الناس، فان المُكافحين الذين يضحون بأنفسهم ضد الطاعون قادرين على الابتهاج والحب، فقط الى جانب الناس. بالنسبة لهم، الحب والجمال والسعادة هي معنى وتبرير نضالهم. يقول تارو للدكتور ريو "ومن أجل هذا عزمت على أن أقف في جانب الضحايا في كل مناسبة"(27)(جـ).
في روايته عن (الغريب) يكشف كامو بشكلٍ مُقنع عن منطق سلوك شخصٍ لا أهمية عنده سوى دوافعه الحسية. ينتج عن اللامبالاة تجاه البشر الآخرين جريمةً يرتكبها مورسو بلامبالاة كما أنه يقوم بأي شيءٍ آخر. يُدين كامو بطله ليس لانه ارتكب جريمة قتل: انه يُدين عدمية "جني الملذات" لانه مقتنعٌ بشدة أن كل ما هو جميل في عالم حواس الانسان يكتسب معنىً حقيقياً فقط بفضل حب الانسان الآخر. يقول عن نفسه: "نشأت منذ الطفولة في تأمل الجمال، الذي كان ثروتي الوحيدة، لقد انطلقت من ملئ الأحاسيس. لاحقاً ظهرت الأسلاك الشائكة على مرمى البصر-أعني الاستبداد، الحرية، البوليس-وبدأ عصرر التمرد(28).
كُتِبَت رواية (الغريب) عام 1940 ونُشِرَت في باريس المُحتلة. انها لا تتعلق بالحرب على الاطلاق. أطلق مورسو رصاصته، كما أنه يقول للمحكمة أنها "بسبب الشمس". لقد انطلقت الرصاصة عن طريق الصدفة، ولكن كان هذا هو منطق الشخص الذي لم يكن لدى حياته أي معنىً سوى رضاه او عدم رضاه الجسدي. اعتمد القتلة الفاشيون، الذين اغتصبوا حق التصرف بحياة شعوبٍ بأكملها، اعتمدوا على مثل هؤلاء الناس الذين استندوا في تصرفاتهم على ردودهم البيولوجية بدلاً من الأخلاقية. يتضح أن لدى كاليغولا والغريب شيءٌ مُشترك: ان منطق سلوكهما لا يأخذ الآخرين في عين الاعتبار.
يُعد مؤلفي (كاليغولا) و(الغريب) دراساتٍ سيكولوجية لأكثر تناقضات حُجج نوعين من العدمية تعقيداً. بعد دراسة الوجوه الأكثر انتشاراً للعدمية، ييوضح كامو بشكلٍ مُقنع أن الخاتمة المنطقية للقسوة تجاه البشر، والاعتداد غير المُبرر بالنفس، هي ارتكاب جريمة والانتحار. ففي كلتا الحالتين "لا تعود الحياة الانسانية سوى مدار لعب"(29). يرفض كامو "انتحار كاليغولا في القمة" وقبول الغريب لموته. في نفس العام، اي 1940، بدأ كامو بالدراسة الفلسفية لمسألة الانتحار.
ان تصور العالم على أنه عبثي يرتبط ارتباطاُ وثيقاً بمسألة الانتحار: صاح كيركيغارد "كم هي الحياة فارغة وتافهة... لِمَ لا تُنهيها على الفور؟"(30). وليس من على المرء أن يكون وجودياً ليكتشف الصلة بين المشاعر القائلة بأن "الليل قبرٌ تُدفَن فيه الفوضى" والرغبة في "الدخول في حالة النسيان والتخلص من هذا العبئ بينما يُحررك الوقت من توترك العصبي"... (بودليير).
كان لموضوع الانتحار، في أدبيات القرن التاسع عشر، طابع احتجاجٍ رومانسي، حكم غاضب ضد عالمٍ "كل شيءٍ فيه كذبة، وكل شيءٍ شرير وخادع". في أدبيات القرن العشرين، يبدو الانتحار بلا معنىً مثله مثل استمرار الحياة. واحدة من شخصيات رواية (تحوّل مانهاتن) Manhattan Transfer للروائي الأمريكي جون دوس باسوس، المحامي الثري بالدوين، الذي يستمر بالعيش "ويركض مثل السنجاب على عجلة" لانه "بغض النظر عن المدى الذي تجعلك نيويورك تشعر بالغثيان منها، فانه لا يوجد أي مكان تهرب اليه"(31). شخصية أُخرى في (تحوّل مانهاتن) تأتي فجأةً من سباق الفئران هذا، متجاهلاً رفاقه في الشرب: "الجميع يشعر بالملل. انتم تشعرون بالملل من الذباب الذي على اطارات النوافذ. انت لا تعرفون ما يعنيه السواد الذي لا نهاية له"(32). رجل ثالث من مانهاتن، ستان اميرتي، لا يقول شيئاً على الاطلاق، لكنه ببساطة يموت من الهذيان الارتعاشي.
ان مسألة الانتحار تواجه حتماً العدمي اذا كان مُتسقاً بما فيه الكفاية ولا يسعى للتهرب من الاجابة. في عام 1951 يُلخص كامو ما حدث، في (الانسان المتمرد): "فمنذ ثلاثين عاماً، قبل عقد النية على القتل، أنكرنا وأنكرنا كثيراً حتى أنكرنا ذاتنا بالانتحار. الله يغش، والجميع يغشون معه، وأنا نفسي أغش، بناءاً على ذلك، أنا أموت: لقد كان الانتحار محور الموضوع"(33). في الواقع، اذا كان كل شيءٍ كذب، وكل شيءٍ شرير، فان السؤال الذي يطرح نفسه لا محالة هو اذا ما كانت "الحياة تستحق أن تُعاش"، وبالطبع، يبدو للعدمي أن حل هذه المسألة يعني "الجواب على السؤال الأساسي في الفلسفة"(34). وفي تفسيره لماذا كانت المسألة المطروحة في (أسطورة سيزيف) هي الانتحار، وليس جوهر الأشياء، كتب كامو: "ليس المهم أن نرجع الى أصل الأشياء، بل أن نعرف-والعالم على ما هو عليه-كيف نتصرف فيه. ففي زمان العدمية يكون من المفيد العودة الى مسألة الانتحار"(35)(د).
أصبحت مسألة الانتحار حادةً بشكلٍ خاص خلال سنوات الاحتلال الفاشي الألماني لفرنسا. قاتل الشيوعيون قوات الاحتلال من أجل التحرر الوطني والاجتماعي لفرنسا، بينما دافع الكاثوليكيين عن معتقداتهم التقليدية. ولكن سأل اكسوبيري، حول الجنود الذين رفضوا القتال، ما الذي كان اولئك الناس، الذين لا يؤمنون بأي شيءٍ، سيقاتلون من أجله؟ "ماذا كان هناك ليُلهمهم"، "من أين ستنشأ الموجة التي قد تهزهم؟ ما هو المعنى المُشترك الذي قد يوحدهم؟"(36).
احتلت مسألة الانتحار، خلال سنوات الهزيمة الوطني، مكانةً خاصة اجتماعية. أراد الفاشيون أن يجعلوا كل فرنسي اما عبداً أو ميتاً. كان يعني انهاء حياة المرء بالانتحار استسلاماً للعدو. في هذا السياق التاريخي المُحدد يجب على المرء أن يفهم بداية (اسطورة سيزيف): يقول كامو فيها "هناك مُشكلة فلسفية هامة وحيدة، هي الانتحار"(37).
نحن اليوم نفهم بشكلٍ أكثر وضوحاً السياق الاجتماعي-السياسي لعنوان (اسطورة سيزيف) الفرعي (دراسة عن العبث)، الذي نُشِرَ عام 1942 في باريس المُحتلة. يعتبر كامو النظرة العبثية، نظرة الشخص للعالم، الذي فقد الاحساس بوحدته مع المُجتمع الذي يعيش فيه والذي يشعر بأنه "فاشل". روكنتان، على سبيل المثال، الشخصية المحورية في رواية سارتر (الغثيان) الذي توصل الى استنتاج مفاده أن مفتاح حياته نفسها "يتلخص في هذه العبثية الأساسية"(38)، هو شخص "عبثي" من هذا النوع.
في البحث عن مخرجٍ من الموقف الذي يتم فيه اغلاق جميع الأبواب مُسبقاً والذي لا يُمكن فيه التوصل الى نتيجةٍ منطقيةٍ "صحيحة"، بذل الوجوديون المسيحيون جهوداً عديدة لاحداث انتقالٍ من "عبثية هذا الوجود" الى فكرة "أن هناك واقع في العالم ما بعد القبر".
يُسمي كامو، المخرج الذي يُقدمه الوجوديون المتدينون "الانتحار الميتافيزيقي"، لان هذا الطريق يفترض التخلي عن العقل. ومع ذلك، فهو مُهتم "ليس بالانتحار الفلسفي، بل بالانتحار العادي فقط"، اي نظرة الفرد الذي يعتبر وجوده عبثاً، يقول كامو "انني اريد فقط أن انقيه وأخلصه من محتواه العاطفي وأن أعرف منطقه وتماسكه. وكل موقف آخر يعني بالنسبة للذهن اللامُجدي (العبثي-م. أ) الخداع وتراجع الذهن أمام ما كان الذهن قد كشف عنه"(39). ورداً على محاولات كيركيغارد وشيستوف البائسة لجعل العبث "معياراً للتدين"، يُعلن بحزم أن "اللاجدوى(العبثية-م. أ)، التي هي الحالة الميتافيزيقية للانسان المُدرِك، لا تقود الى الله"(40).
يُمكن القول أن كامو وجودي أكثر من الوجوديين: انه لا ينخرط في نقاشٍ ديني، ولكنه يقصر نفسه على دراسة "حالة الشخص الذي يُفكر" كما كانت (أي حالته) في الثلاثينيات. المهم بالنسبة له ليس النقاشات العقلانية أو اللاعقلانية، بقدر ما يُهمه الحالة الواقعية للعقل. بالنسبة له لا يوجد اله لان "الله قد مات" في قلب الانسان: "انه متأكد من أن هذه هي خطيئة الغرور، ولكنه لا يفهم فكرة الخطيئة، وهو متأكدٌ من أن جهنم قد تنتظره، ولكنه لا يملك الخيال الكافي ليرى ذلك المُستقبل الغريب، وهو متأكدٌ من أنه سيضيع الحياة الخالدة، ولكن هذا يلوح له اعتباراً كسولاً. هناك مُحاولةٌ لجعله يعترف بجرمه، وهو يشعر بأنه بريء. الحق أن هذا هو كل ما يشعر به، براءته التي لا يمكن تبديلها"(41).
رأى مارسيل، في "براءة" الانسان هذه، أو على حد قوله، في انفصاله عن الله، سبب مزاج الانسان العدمي ومعاناته. لذلك، استنتج أن المطلوب هو "مُخاطرة الايمان"، حيث أن الايمان وحده، في رأيه، يؤدي الى "الحرية الحقيقية، وهي الاستجابة الى نداء الله"(42). على عكس الوجوديين المسيحيين، يرغب كامو فقط في معرفة كيفية العيش بدون "نداء" الله. يجب على الانسان، بمجرد أن يُدرك عبثية وجوده، ان "يعيش فقط بما يعرفه، وأن يهب نفسه ما هو أكيد والا يهبها ما هو غير أكيد. ويُقال له أنه ليس هنالك شيءٌ هو هو. ولكن هذا بحد ذاته أكيد، وهو معني بهذا، فهو يريد أن يرى اذا كان مُمكناً أن يعيش بدون أي نقص (أي التضرع الى الله-م. أ)"(43). لا يُعارض كامو التقليد الفلسفي الأوروبي العقلاني بالفلسفة اللاعقلانية، كما يفعل كيركيغارد وشيستوف. انه مستعدٌ للاعتراف بفعالية العقل والعلم، ولكن فقط في حدودٍ "نسبية"(44). يبدو له أنه يتغلب على تطرف كلٍ من العقلانية واللاعقلانية: ان العالم ليس "بهذه المعقولية، ولا بهذه اللامعقولية. انه غير مُبرر أو غير عقلاني Unrational وحسب"(45). لكن في الحقيقة، يميل كامو نحو اللاعقلانية. يُثني على كيركيغارد وشيستوف وياسبرز باعتبارهم "عباقرة" "اتخذوا في نفس الوقت طريق العقل" "يُنافس بعضهم بعضاً في بيان أنه ليس هنالك شيءٌ واضح، وأن كل شيء هو فوضى، وأن كل ما لدى الانسان هو وضوحه ومعرفته الأكيدة للأسوار المُحيطة به"(46). تُفسر هذه الخطابة الحماسية لاولئك الذين يُسمي تفكيرهم "الانتحار الفلسفي"، الموقف النقدي العام الذي يُتخذ في مقابل الايديولوجيا البرجوازية الرسمية، والتي تسعى بكل الطرق الى اخفاء الأزمة الروحية للمجتمع الرأسمالي.
في الفلسفة المثالية كما تُعلنها منصات الجامعات، يتحول العقل، الذي أخضع الفلاسفة التنويريين الواقع له، الى حكمة ضيقة، ويتم تحويل الدياليكتيك الى سكولائية، والخير الى أفعال فيلانتروبية. وتُختزل الحقيقة الى التفاهات. مُتتبعاً خُطى سارتر، الذي لجأ في أعماله الأولى الى فينومينولوجيا هوسرل وفلسفة هايدغر الوجودية، من أجل وضع حد لـ"الفلسفة المُحايثة" Immanence Philosophy ويرد من خلالها الى الموضوع اعتباره برد صفاته اليه (اخراجها من نطاق المُدركات الحسية)(47)، انفصل كامو عن تلك الفلسفة، التي سعت الى تفسير وتوفيق كل شيء بمساعدة مقولات العقل الشاملة. لم يجد "غذاءاً للفكر" في فلسفة عصره ورَفَضَ "الموقف الروحي الواسع الانتشار في عصرنا المُثقف، ذلك الموقف الذي يستند على المبدأ القائل بأن كل شيء هو العقل، والذي يهدف الى تفسير العالم"(48). رَفَضَ كامو "عقلانية" العالم لنفس سبب رفضه لله: فقد الناس من حوله المنظور التاريخي، والأمل في سياق أحداثٍ سليمٍ ومحظوظ، والايمان بمستقبلٍ أفضل.
لقد بدأ الرفض الجماهيري لتصديق الدعاية الرسمية التي تُعلن عقلانية النظام الاجتماعي الرأسمالي وطبيعته وتقدميته وعدالة نظامه الاجتماعي، حتى في الخنادق والطُرق التي انسحبت منها الجيوش في الحرب العالمية الأولى.
في سنوات ما بعد الحرب، كان لدى الكثير من الناس الرغبة في تقويم حياتهم الشخصية بطريقةٍ أو بأُخرى، وتقبلوا مرةً أُخرى فكرة أنه لا يزال هناك، في مُجتمع "تكافؤ الفُرَص"، امكانية للنهوض، لانه يُمكن، كما قالت احدى شخصيات رواية دوس باسوس "يُمكن لأي أُناس بأي قدرات أياً كانت، أن ينهضوا" و"لا تصلح هذه الجماهير المُكتئبة لأي شيءٍ آخر عدا ذلك"(49). لقد بيّنت الأزمة الاقتصادية العالمية في 1929-1933 كيف كانت آمالهم مُتزعزعة، وأن أصحاب القدرات لا ينجحون دائماً، وأن الفشل يُمكن أن يلحق بأي شخص، وأن هذا الدمار لا يُصيب المُنهكين وحسب، بل ويصيب الأشخاص الأقوياء والأذكياء أيضاً. جلبت الأحداث التي تلت ذلك مشاعر انعدام الثقة وعدم استقرار الوجود الى حد الشعور بالكارثة واليأس. لم يكن هذا النوع من الأشخاص الذين يحدوهم هذا الشعور، والموصوفين في الفلسفة الوجودية، وفقاً لميرلوبونتي مُتشككاً أو متعجرفاً أو مُنحلاً، لقد كان الأمر ببساطة، في حقيقة الأمر، حسب ميرلوبونتي "أنه خاض الكثير من أحداث الهزائم والحوادث والاحباط، منذ عام 1936 الحرب في اسبانيا حتى عام 1940. انه يعيش في زمنٍ تكون فيه الواجبات والأهداف غير واضحة. أنه يشعر، أكثر من أي وقتٍ مضى بدور الصُدفة في تشكيل المُستقبل وحرية الانسان...(50).
وهكذا عندما قامت جحافل الفاشية مُسلحةً بأحدث الأسلحة بمسيرة نصرٍ عبر عواصم اوروبا، بدا الأمر وكأن أكثر الاستنتاجات كآبةً فيما يتعلق بمأساة الوجود الانساني ووضعه الميؤوس منه في عالمٍ معادٍ، قد تحققت على أرض الواقع. أثبت التاريخ أنه يقف الى جانب الأقوياء والقُساة. بدا أنه لا يوجد أي ذرةٍ من العقل في تقدمه. في عام 1940، عندما كتب كامو "أسطورة سيزيف"، استسلم الأشخاص الذين كانوا يؤمنون بـ"عقلانية" التاريخ بسهولة لحجج العقل، وعقدوا صفقاتٍ واتفاقياتٍ مع الغُزاة. كتب اكسوبيري في ذلك الوقت: "الفتنة هي اغواء الخضوع لحُجج العقل عندما تنام الروح"(51). لهذا السبب، على الرغم من كل محاولاته للتغلب على كل "التطرفات"، ذهب كامو بتفضيله الفعلي نحو اللاعقلانية. مستولياً عليه اليأس، سَخِر من العقل "ان ذلك العقل الشامل، عملياً كان أم أخلاقياً، وتلك الحتمية، وتلك المقولات التي تُفسر كل شيء، كافية كلها لتجعل المرء المعقول يضحك"(52)(هـ).
يضع كامو مفهوم "العبث" الذي كان له معنىً تاريخي ملموس باعتباره المفهوم الأساسي لمنظومته في النظرة الى العالم والأخلاق، بدلاً من الله والعقل. انه يعني التحرر من أوهام المواساة حول المكافأة في العالم الآخر، أو انتصار العجالة في عصر الآلات والعلم والازدهار. ان الاعتراف بالعبث كواقع مُعاش قضى على التفاؤل المُكتفي بذاته والذي أصبح لفترةٍ طويلةٍ بمثابة تبرير للظلم ومعاناة الانسانية واستغلال الانسان في المُجتمع الرأسمالي.
ولكن ما الذي تُقدمه العدمية كبدائل عنها؟ يعترف البطل الشاب لرواية ( المزيفون) Counterfeiters: "ان أصدق ما بداخلي هو الاشمئزاز وكراهية كل ما يُسمى بالفضيلة. أنت لا تعرف ما يُمكن أن تصنعه منا التربية الطهرانية. انها تترك في قلوبنا مرارةً يستحيل علاجها لاحقاً...(53). ما الذي يُمكن للعدمية أن تُقدمه كبديل غير الاشمئزاز والكراهية والمرارة؟ هل يُمكن أن تُصبح العبثية، كونها مفهوماً يصف الوعي العَدَمي، أساساً للقيم الجمالية والأخلاقية والانسانية الأخرى؟ بالطبع لا. على الرغم من أن فكرة العبثية تتعارض مع المفاهيم الأساسية للأنماط الأُخرى من النظرة الى العالم-مفاهيم الله والعقل ومعرفة العالم ككل- فانه لا يُمكن قبولها كأساس موضوعي للتمييز بين الخير والشر، لان ذلك سيتعارض مع المُقدمات الأساسية للوجودية، التي ترفض كل لجوءٍ الى كل ضرورة خارجية، أو الى أي مبدأ يعلو فوق الفرد، كمبرر للقرارات والأفعال الفردية(54).
لا يمكن أن تكون العبثية "أساساً للحياة"، خاصةً وأن "الكراهية" و"الغثيان" و"التمرد" على العالم المُحيط هي أهم سمة من سمات النظرة العبثية الى العالم. ظهرت رواية سارتر الأولى تحت العنوان المُميز (الغثيان). يُشير اليها كامو في (اسطورة سيزيف). ان شخصيات روايات ومسرحيات سارتر هم أشخاص "فاشلين"، أفراد "بلا جذوور"، يشعرون بالاشمئزاز ليس فقط من المُجتمع الذي يعيشون فيه، ولكن يشمئزون أيضاً من ماضيه ومُستقبله، ومن أُناسه ومن أنفسهم. كتب كامو في تعميمه لتصور العالم على أنه عبثي: "ان العالم الذي يُمكن تفسيره بالأسباب الرديئة هو عالمٌ مألوف. ولكن، من الناحية الأخرى، نجد أن الانسان يُحس بالغربة في كونٍ يتجرد فجأةً من الأوهام والضوضاء، ونفيه هذا هو بلا علاج، ما دام قد حُرِمَ من ذكريات وطنٍ مضيع، أو من أمل أرضٍ موعودة. وهذا الطلاق بين الانسان وحياته، المُمثل ومشهده، هو بالضبط الشعور باللاجدوى (العبثية-م. أ)"(55). ان مفهوم العبث ليس حُكماً على جوهر العالم، بل هو تعبيرٌ عن "الخلاف" بين الانسان والعالم من حوله. العالم من تلقاء نفسه، هو غيرعقلانيٌ أو غير مُبرر Unrationalببساطة، وهذا كل ما يُمكن للمرء أن يقوله عنه. لكن هذا الصراع بين هذا الوضع غير المُبرر، والرغبة اليائسة في الوضوح والأصوات التي تأتي من أعماق الانسان-هذا هو العبث. يقوم العبث على الانسان أكثر مما يقوم على العالم، وهذه هي اللحظة، التي يقوم فيها الرباط الوحيد بينهما، انه (اي العبث) "يربطهما معاً كما يربط الحقد بين مخلوقين. وهذا هو كل ما أستطيع أن أراه بوضوح في هذا الكون الذي لا قياس له والذي تحدث فيه مغامرتي"(56).
وبالتالي، فان العبث، لا يمكن أن يكون حصناً أو تبريراً أو عُذراً بالنسبة للانسان. ولكن اذا لم تكن هناك أفكار يرغب الانسان القيام بعملٍ شًجاعٍ من أجلها، واذا لم يكن هناك مثل أعلى يجعل المرء يُدافع عن "دموع طفلٍ بريء"، فلا يوجد مبدأ يمنع المرء من ارتكاب جريمة. كان لدوستويفسكي أسباب جدية لقوله "ان لم يكن هناك اله، فسيكون كل شيءٍ مُباح". علّق سارتر على هذه النقطة، في مُحاضرته عن الوجودية بأن هذه هي "النقطة التي تنطلق منها الوجودية"(57). العبث لا يُقرر شيئاً ويُعيد الفيلسوف الوجودي الى سؤاله الأول: اذا كان الانسان مُرتبطاً بالعالم من حوله فقط بخيوط الكراهية، فلماذا لا يقطع هذا الرباط فوراً؟ يُجيب كامو أن سبب عدم القيام بذلك هو أن الانتحار يعني الاستسلام التام لعالمٍ مُعادٍ، تماماً كما يعني القفز في أحضان الله، بالمعنى الدقيق للكلمة، التصالح مع هذا العالم. ولكن لا يجوز للانسان أن يتصالح، يجب عليه أن يُقاتل، وكما يقول كامو "فان التمرد هو احد المواقف الفلسفية الوحيدة المُتماسكة"(58)(و). ان شجاعة الانسان وكرامته الحقيقيتان لا يكمنان في الهروب من الواقع أو التصالح معه، بل في مواجهة القوى المُعارضة لان "...الصراع وجهاً لوجه، كل تلك الأمور تتميز بصفاتٍ غير عادية"(59). ان صورة كبرياء الانسان تتجسد في تصوير سيزيف.
يرتبط سيزيف بالحياة لانه يُحب شعاع الشمس وطعم الماء والحجارة الدافئة والبحر. من أجل كل هذا اختار أن لا يعود الى ظُلمة العالم السفلي. تُعاقبه الآلهة على عصيانه، وعليه، تنفيذاً لهذا العقاب، أن يرفع صخرةً بلا انقطاع الى قمة الجبل حيث تسقط الصخرة بسبب ثقلها ثانيةً. سيزيف مُرتبط بشدة بالأرض ويستمر بدحرجته للصخرة. كل جهوده غير مُثمرة ولا أمل فيها، "هذا هو الثمن الذي يجب أن يُدفع لقاء الانفعالات والعواطف تجاه الأرض"(60)(حـ). ان العمل الشاق الذي يقوم به سيزيف مُستمر ولا ينتهي أبداً. لكن سيزيف نفسه هو تجسيدٌ للعناء والحزم والشجاعة. يعرف سيزيف أن الصخرة التي يحاول رفعها ستتدحرج مرةً أًخرى. ان مصيره مأساوي وهو "يعرف أنه سيد أيامه"(61). يحتقر سيزيف حكم الآلهة. "ليس هنالك مصيرٌ لا يمكن أن يعلوه الاحتقار"(62). ينتصر سيزيف على لامعنى المصير الذي يقوده اليه نشاطه غير ذي المعنى، النشاط الذي لا يقود أصلاً الى الانتصار.
في قرار سيزيف بعدم الخضوع للآلهة، في المصير الذي اختاره لنفسه "يكمن كل سرور سيزيف الصامت هنا. ان مصيره يخصه هو"(63).
عَرَفَ كامو جيداً أن هنالك أنواعاً مُختلفة من السعادة: كان كاليغولا سعيداً "بالسرور اللامحدود للجريمة التي لا عقاب عليها". كان ميرسو سعيداً لانه فتح روحه "للامبالاة اللطيفة بالعالم". ان كل أبطال العبث المُصنفين في (أسطورة سيزيف)، ينفذون مشاريع سعادتهم من خلال ايجاد السلوان في شيءٍ ما. يبلغ أحدهم عزاؤه في "السيطرة" على العالم، بفرض أموره على الآخرين، ويبلغها آخرٌ في "الدون جوانية"، وآخرٌ في تجسيد نفسه في الأعمال الفنية. يكتشف بطل العبث أروع أشكال السعادة في "التوبة". انه يكون سعيداً تماماً "عندما يعترف بخطاياه وتمتع بمتعةٍ مضاعفة "في المقام الأول بارضاء طبيعته، وثانياً بمعرفة سحر التوبة، وهو يتمتع بأنه يسحق "كل شيءٍ سريعاً، الناس والأشياء، تحت عبئ تردده"(64). ان للقاضي التائب في رواية (السقطة) الكثير من القواسم المُشتركة مع مواطنيه، بمفهومهم البسيط عن السعادة على أنها تتشكل من الأشياء الخيرة في الحياة والمكافئات على الطاعة. كل هؤلاء الناس لا يستطيعون حتى تخيّل أي سعادة أُخرى. انهم يؤمنون بصدق أن من رفضته الآلهة وأدانته هو أكثر الناس تعاسةً. ولكن على المرء أن يتصور بأن سيزيف سعيد. "ولكن سيزيف يعلمنا الأمانة الأسمى، التي تنفي الآلهة وترفع الصخور"(65). يُعلم سيزيف أخلاقيات الرواقية التراجيدية ومقاومة المصيرحتى عندما لا يُقدم النضال أي أملٍ بالنجاح. انه وحيد، مثل كل أبطال العبث. لكن هذه ليست وحدة ميرسو، اللامبالي بالناس، أو وحدة كاليغولا "الفريدة" الذي يحتقر الناس. دخل سيزيف في معركةٍ واحدةٍ ضد الآلهة لانه قرر جعل "المصير أمراً بشرياً، يجب أن تتم تسويته بين البشر"(66). كان سيزيف وحيداًمثله مثل هنري فريدريك وهاري مورغان وآخرين من أبطال همنغواي، مثل "الجُزُر في المحيط"، فان سيزيف مثلها، مُحاطٌ بأشخاصٍ لا يفضلون قلب "ادارة" الصخور بل تجاوزها. هذا هو السبب أن فرح سيزيف "صامت". يظل سيزيف صامتاً، لكنه لا يتفوه بالكذب. يبدو صمت سيزيف مُهدداً عندما تطلب الآلهة من البشر أن يمدحوهم بصوتٍ عالٍ وفي سرهم. وهكذا يؤكد كامو أنه في حالة القتال الفردي ضد حَرَس مملكة ما تحت الأرض، فان الانسان سيظل انساناً اذا لم يستسلم، ويختار مصيره بازدراءه لحكم الآلهة.
وهكذا، فان سيزيف هو تعبيرٌ نموذجي عن الافتراضات الأساسية للفلسفة الوجودية لطبيعة الوجود الانساني العبثية والمأساوية: استحالة النشاط الاجتماعي-التاريخي العقلاني من قِبَل الانسان لتغيير العالم، وحقيقة أنه لا يمكن تحقيق نواياه وأهدافه. يُفضل كامو نموذج سيزيف الرواقي على أبطال (العدالة) Les Justes الذين يخوضون صراعاً اجتماعياً سياسياً نشطاً، أي بمعنى أدق، يمارسون الارهاب. يُعارض كامو النضال الواعي ضد المُجتمع الرأسمالي بالسَخَط الأخلاقي، ويُعارض العنف الثوري بالتوبيخات الأخلاقوية، والرفاقية في السلاح بالتعاطف مع المعاناة الانسانية. في الوقت نفسه، فان سيزيف ليس مُجرد وسيلة للتعبير عن الذات من قِبَل المثقفين المضطربين واليائسين أكثر من كونه انعكاساً لحدود "الوعي غير السعيد": يُشير كتاب كامو أيضاً الى انشاء نظرته الخاصة للعالم حول "اسطورته" في معارضة الأساطير الكارهة للبشر مثل "انحطاط اوروبا"" و"عَظَمة الأمم" و"الاشتراكية القومية" التي ازدهرت بشدة في عشرينيات القرن الماضي وأسفرت عن ثمارٍ سامة في نهاية الثلاثينيات. شكّل رفض سيزيف الخضوع، مثل المتطلبات الأخلاقية للوجودية ككل، مطلباً بعدم الانصياع لتاريخٍ انقلب ضد الانسان، وعدم المشاركة في العدمية الشاملة والاستسلام لـ"الكالغوليين الفاشيين" وخدمهم الصغار المخلصين. يكمن المعنى الكامل للوجود الانساني وأساس الأحكام الأخلاقية في ازدراء "القَدَر" واتباع المرء لنفسه. يُعارض كامو المثل الأعلى الرواقي لسيزيف والصور الرومانسية البطولية للمقاتلين ضد "الطاعون" باولئك الذين تصالحوا مع حُكم الآلهة واولئك الذين استنتجوا أن كل شيء مُباح. ان أفضل أعماله، مثل أعمال همنغواي واكسوبيري، تقتحم قارءها بخيبة أملها المريرة من العدمية وايمانها بتعاطف وشجاعة قلب الانسان. ومع ذلك، بعد أن تم التغلب على الطاعون البني للفاشية من خلال جهود جميع القوى المُناهضة لهتلر، فقد تبيّن ضيق مقاربة وعدم كفاية الرفض الرواقي للنهج التاريخي، ومُعارضة "العيش الروحي" بنشاط الجماهير الاجتماعية والتاريخية. نشأ جيل جديد يعرف جيداً أنه لا يريد المزيد من الحروب من أي نوع، لكن هذا لا يسعه الا الشك في أخلاقية "اللامبالاة وعدم المُشاركة". أدى هذا الوضع الى قيام قائمة كاملة من الأسئلة التي توضع أمام مؤلف كتاب (اسطورة سيزيف): اين هو الحد الذي اذا تم تجاوزه سيتحول سلوك المُقاتل الفردي أو العبقري الى عُزلة شخصٍ بائسٍ كارهٍ للبشر، او الى سلوك كوتارد، والذي لم يجلب له الطاعون سوى المكاسب؟ اين هو الحد الذي يتحول بعده صمت الرفض الى صمت الرضا؟ اين هو الحد الذي تتحول بعده أخلاق عدم المشاركة الى أخلاق التقاعس والهروبية من الواقع والعدمية؟ وأخيراً، هل يجب علينا، ونحن نُكتّف ايدينا، انتظار ظهور وباءٍ جديد اذا لم نتمكن من معرفة المصادر التي يأتي منها أو القنوات التي تنتشر من خلالها العدوى؟
كان لا يزال لازدهار الجماعات اليسارية الراديكالية الشابة 15 عاماً قادمةً عندما سعى كامو في كتابه (الانسان المُتمرد) الى اجابات يُمكن أن يرى فيها هو نفسه مخرجاً من الأزمة الروحية في منتصف القرن العشرين، والتي أصبحت شعاراتٍ تعبويةً لطلاب الستينيات المُتعطشين للتغيير. من أجل تجنب العزلة والتقلب في الخيارات الأخلاقية، اقترح كامو استبدال كوجيتو ديكارت بصيغة "أنا متمرد اذاً نحن موجودون"(67). تأثر النشطاء ذوو العقلية الرومانسية في حركة الشباب بأفكار "الفردية الايثارية" التي عارض بها كامو كلاً من الانحلال الفردي البرجوازي والهروبية اللامُبالية. يصف كامو هذه الفردية التي يُبشر بها بروحٍ انجيلية، قائلاً بأنها ليست تمتعاً "وانما هي كفاح دائماً، وفرحة لا مثيل لها أحياناً"(68). أصبحت "الفردية الايثارية" من ناحية، وسيلةً للفرد لمقاومة أفعال "رأسمالية الشركات"، مؤكداً فرديتها في "مُجتمع ذو بُعدٍ واحد"، ومن ناحيةٍ أُخرى، محاولة مُلهمة لتوحيد الناس بطريقةٍ جديدة.
على عكس سيزيف، فان المُتمرد لا يصمت. انه يقول "لا" لعالم لاعقلانيٍ وظالم، "انه أيضاً انسان يقول: نعم منذ أول بادرٍة تصدر عنه"(69). لذلك انه يود أن يُحول العالم الظالم الذي لا معنىً له، "ولكن التحويل معناه القيام بعمل، والقيام بعملٍ معناه، غداً، القتل، في حين أنه لا يعلم هل القتل مشروع"(70). يُثير كامو مسألةً ظهرت أكثر من مرة في الايديولوجيات الثورية وأصبحت سؤالاً اساسياً للحركات اليسارية الراديكالية في التسينيات.
كان كامو يتذكر جيداً تجربة الحرب العالمية الثانية الدموية حتى وافق بسهولة على القتل. كان مُحقاً تماماً في رؤية العلاقة المنطقية بين جرائم القتل الجماعي وعدمية النمط الفاشي. وهذا هو أصل رده حول مسألة حق المُتمرد في العنف: "لم يكن القتل ليولد سوى تناقضات منطقية"(71). هذه الاجابة تفصل كامو عن اليساريين الراديكاليين وعن سارتر، الذي لام كامو لانه سعى لتقديم هديةٍ لكل مملكة القانون الأخلاقي...(72). خضعت مواقف سارتر باستمرار لتعديلات وصار الطلاب اليساريين والمثقفين أكثر راديكاليةً، لدرجة مباركته للشعار الفاضح السلبي "الرفض الأعظم" و"العنف المُطلق". كامو، من ناحيةٍ أُخرى، عارض "النفي الكُلي" والعدمية الأخلاقية والثقافية، بالقانون الأخلاقي. هذا القانون المُجرد، الذي يقف فوق التاريخ، فوق حركات الجماهير، يجعله قريباً من هؤلاء المفكرين المُتدينين للغاية الذي انخرط ضدهم في النقاشات.
ظل كامو وسارتر واليساريين الجُدد أوفياء لمُقدمات الوجودية الأساسية(73). من وجهة نظر مبادئ الفلسفة التي تُنكر امكانية معرفة قوانين التطور الاجتماعي وتضع الأخلاق في مُعارضة حادة مع المعرفة، والحُرية في مقابل الضرورة التاريخية، فان مُشكلة المسار الذي يجب أن يسلكه المتمردون في القرن العشرين والهروب من "العالم العبثي" غير قابل للحل. أثبتت جميع أشكال الاجابات التي قدمها مارسيل وكامو وسارتر على أنها اما وهمية أو أخلاقوية أو مُغامرة. ان التغلب على العدمية الأخلاقية مُهمة مُستحيلة لأولئك الذين يستمرون في الوقوف على منصة العدمية التاريخية والابستمولوجية.

* التحقت كوتاسوفا بكلية الفلسفة في جامعة موسكو عام 1948، ودرّست في المدرسة الثانوية بعد تخرجها. درّت الفلسفة من عام 1956-1960، وعملت في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية. دافعت عام 1964 عن اطروحتها في الدكتوراة (من تاريخ الفكر البوذي في الهند في القرون الوسطى) في جامعة موسكو الحكومية. درست الفلسفة الوجودية التي نشأت في فرنسا، وكتبت عدة مقالات وكتب، منها كتاب (العداء للفلسفة- في الفلسفة المُعاصرة) عام 1984.

1- "La morale au tournant," a debate between Lucien Seve and Father Claude Geffre, France nouvelle, Feb. 5- 11, 1974, No. 1473, p. 24.
2- Ibid., p. 27
3- Ibid., p. 24
4- See R. Jolivet, Les doctrines existentialistes de Kierkegaard a J.-P. Sartre, Paris, 1948 Ch. Moeller ,Latterature du XX siecle et christianisme, Vol. 1, Paris, 1957 Nguyen-Van- Huy, La Metaphysique du bonheur chez Albert Camus, Neuch" neu chatel, 1962 P.-H. Simon, Presence de Camus, Brussels, 1961 L Homme en proces, Paris, 1967
5- A. B. Arabei, "Propoved bessmyslennosti zhizni v filosofii A. Kamiu," in symposium Sotsial no-ekonomicheskie problemy mirovogo obshchestvennogo razvitiia, Moscow, 1971, p. 178.
6- T. A. Sakharova, Ot filosofii sushchestvovaniia k strukturalizmu, Moscow, "Nauka" Publishers, 1974, p. 41
تُرجِمَ هذا الكتاب الى العربية (من فلسفة الوجود الى البنيوية-دراسة نقدية للاتجاهات الرئيسية، ت. أ. ساخاروفا، ترجمة أحمد برقاوي، دار دمشق 1984).
7- S. Crepin, Albert Camus. Essai de bibliographie, Brussels, 1960
8- See S. Velikovskii, Grani "neschastnogo soznaniia," Moscow, "Iskusstvo" Publishers, 1973
9- Henri Barbusse, "Obrashchenie k studentam i intelligentam molodogo pokoleniia," Inostrannaia literatura, 1974, No. 12, p. 236
10- دروب الحرية-سن الرشد، جان بول سارتر، ترجمة الدكتور سهيل ادريس، منشورات دار الآداب، بيروت 1962، ص138
11- Henri Barbusse, "Obrashchenie k studentam i intelligentam molodogo pokoleniia," Inostrannaia literatura, 1974, No. 12, p. 236
12- Albert Camus, Lettres a un ami allemand, Paris, 1945, p. 69
13- كاليغولا، البير كامو، ترجمة يوسف الجهماني، دار حوران للنشر، ص63
14- نفس المصدر، ص76
15- See A. N. Kuznetsov, "Eticheskie vzgliady frantsuzskikh ekzistentsialistov," in symposium Protiv sovremennoi burzhuaznoi etiki, Moscow, "Nauka" Publishers, 1965, pp. 88-91 T. A. Sakharkova, op. cit., p. 41
16- كاليغولا، البير كامو، ترجمة يوسف الجهماني، دار حوران للنشر، ص44
17- نفس المصدر، ص101
18- Zherar Filipp. Vospominaniia, Leningrad and Moscow, "Iskusstvo" Publishers, 1962, p. 61
19- كاليغولا، البير كامو، ترجمة يوسف الجهماني، دار حوران للنشر، ص100
20- الغريب، البير كامو، ترجمة محمد آيت حنّا، منشورات الجمل 2014، ص138-139
21- A. Camus, Vozvrashchenie v Tipasa, p. 541
22- أعراس، البير كامو، ترجمة جورج طرابيشي، دار مكتبة الحياة 1970، ص16-17
أ- ان ترجمة جورج طرابيشي للنص (وستكون ايضاً حقيقة موتي)، لا تتوافق بالمرة مع ما هو موجود في مقالة كوتاسوفا، فالنص كما تورده كوتاسوفا هو كما يلي: "is the right to love without-limit-. There is only one love in this world. To grasp the body of a woman in one s embrace is like taking into oneself a strange joy descending to the sea from the heavens. Now I cast myself upon the earth, and rolling on the clearing so as to drink in its aroma, I will recognize that I am acting in accordance with the true nature of things by virtue of which the sun shines, and I will never die.". وعند رجوعنا الى النص باللغة الفرنسية، وجدنا أن ترجمة جورج طرابيشي هي الأقرب الى الصحة، مما تورده المقالة، لذلك سنبقي على ترجمته.
23- - انظر: أعراس، البير كامو، ترجمة جورج طرابيشي، دار مكتبة الحياة1970، ص15
ب- الديونيسية مُرتبطة بالاله ديونيس ابن زيوس الخالد وسيميلي الفانية. انه اله مُزدوج الجوانب، من حيث هو ارتباطه بكل ما هو حسي، وبالجانب العاطفي من الطبيعة البشرية، ومن ناحية أُخرى، انه اله فانٍ ويعاني من هذا العذاب. بالنسبة الى نيتشه، يرمز ديونيس الى تبرير الألم والمُعاناة على الصعيد الشخصي، سواءاً كانت مُعاناة المرأة التي تلد أو معاناة ابداع العمل الفني، وكذلك الألم على المستوى الكوني. ان الألم هو جزء من الجوهر الأساسي للأشياء، وان ازالته هو أمر مُستحيل، ولا يصلح، ان ازالته يعني ازالة جوهر الحياة.
24- الغريب، البير كامو، ترجمة محمد آيت حنّا، منشورات الجمل 2014، ص52
25- ntoine de Saint-Exupery, Voennyi letchik. Sochineniia, Moscow, 1964, p. 316
26- الطاعون، البير كامو، ترجمة د. سهيل ادريس، دار الآداب، بيروت، ص87
27- نفس المصدر، ص249
جـ- على الرغم من أن كوتاسوفا أشارت في نهاية المقالة الى موقف كامو الأخلاقوي، والاستسلامي في نهاية المطاف، الا أنه كان عليها ربما، أن تُشير كذلك الى استسلامية كامو في روايته (الطاعون)، واعتباره الكوارث الاجتماعية حتمية ولا يمكن اصلاحها لانها نابعة من الطبيعة البشرية. تقول احدى شخصيات الرواية لريو "انني أعرف معرفةً أكيدةً (نعم يا ريو، فأنا أعرف كل شيءٍ عن الجحياة كما ترى) ان كل انسان يحمل في جلده الطاعون، لانه ليس ثمة في الدنيا من هو معصومٌ منه" لان هذا المرض، الشر، ينتقل من انسانٍ الى آخر.ان ماساة الانسان عند البير كامو (الانسان بشكل عام)، او الفرد، تتحول الى عبثية الحياة. ومأساة عبثية الحياة تظهر لا لأن الانسان يواجه الموت فقط، بل لأنه كذلك في وسط التشويش واللامعقول والظلم، وهو يدرك عبثية هذا الموقف، ولا يستطيع الوصول الى المخرج القادر على اخراجه من هذا الوضع اللاعقلاني. والأنسان لا يأمل في تغيير عبثية وجوده، ولذا يحصل على حرية وحق التمرد على (كل شيء). وأذا تم نزع الرداء الفلسفي عن تأملات كامو، تبدت بوضوح المصادر الأجتماعية لميتافيزيقيته الخاصة بالعبثية. ان كامو يقاوم كـ(راديكالي) كافة الأشكال الظاهرة للرجعية السياسية كما يقاوم الفاشية، ولكنه كفنان ومفكر نجده مسحوقا على الصعيد الروحي بأحداث عصره، ثوراته وحروبه، والأرهاب الفاشي، مسحوقا بنزاعاته ومصائبه التي لا تحصى. وهو لا يأخذ عصره الا من ناحيته القاتمة المأساوية، التي تحمل الى البشر كل الوان العذاب، ولا يريد كامو الأعتراف بأن قوى العقل الخلاقة قادرة على تغيير بنى العالم المعاصر (على الأقل الامكانية كانت كبيرة في وقته. في رواية الطاعون، يرمز الوباء الى هجوم الفاشية والنظام التوتاليتاري على الأنسان بغية القضاء على حريته. وشخصيات الرواية سواء منهم اولئك الذين يكافحون الطاعون او المترددون وأنصار الطاعون يعكسون القوى الاجتماعية المختلفة في زمن النضال ضد الهتلرية. ان الطاعون في الرواية يمثل (الشر الدائم)، فالأنسان في رأي كامو محكوم عليه ان يعيش وجها لوجه مع الشر، فهو مضطر الى العمل على (حماية نفسه، تحمل الأخرين،الأبتعاد عنهم)، ويرفض كامو الاسباب التاريخية المادية التي تقود الناس الى مقاومة الشر الذي ياخذه كامو على انه تجريد. ان الطاعون مثل المد والجزر حركته لا زوال لها، لأن جراثيمه تعيش في الناس انفسهم، اي في داخل الأنسان.
28- A. Camus, Vozvrashchenie v Tipasa, p536
29- الانسان المُتمرد، البير كامو، ترجمة نهادر رضا، منشورات عويدات بيروت 1983، ص10
30- soren Kierkegaard, Naslazhdenie i dolg, St. Petersburg, 1894, p. 29
31- John Dos Passos, Manhattan Transfer, Russ. ed., Leningrad, 1930, p. 194
32- ibid., p. 317
33- الانسان المُتمرد، البير كامو، ترجمة نهادر رضا، منشورات عويدات بيروت 1983، ص9
34- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص11
35- الانسان المُتمرد، البير كامو، ترجمة نهادر رضا، منشورات عويدات بيروت 1983، ص9
د- ان ترجمة نهار، تبدو غير صحيحة. فهو يُترجم Nihilism بأنها "الانكار"، ومن ثم يُكمل الجملة "ربما كان من السهل أن نتسائل حول مُشكلة الانتحار"، وهذا لا يتوافق مع سياق الموضوع. النص باللغة الانجليزية في مقالة كوتاسوفا هو التالي: For what is most important is not digging down to the root of things, but knowing how to live in this world as it is. In the age of nihilism it might be useful to turn to the problem of suicide.
التعديل الذي قُمت به أنا، يتناسب أكثر مع السياق.
36- A. de Saint-Exupery, op. cit., p. 360
37- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص11
38- الغثيان، جان بول سارتر، ترجمة د. سهيل ادريس، دار الآداب، ص181
39- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص59
40- نفس المصدر، ص49
41- نفس المصدر، ص62
42- G. Marcel, Journal metaphysique, Paris, 1949, p. 137
43- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص62
44- نفس المصدر، ص49
45- نفس المصدر، ص58
46- نفس المصدر، ص36
47- انظر كتاب: تعالي الأنا موجود، جان بول سارتر، ترجمة د. حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر بيروت.
48- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص51
49- John Dos Passos, Manhattan Transfer, p. 232
50- M. Merleau-Ponty, Sens et non-sens, Paris, 1948, p. 379
51- A. de St Exupery op. cit., p. 316
52- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص30
هـ- هذا في الحقيقة، تعديل قمت به لترجمة أنيس زكي حسن للنص. ان ترجمته في الكتاب كما يلي: "ان ذلك السبب العام، عملياً كان أم أخلاقياً، وتلك النظرة التقريرية، تلك الأصناف التي تٌفسر كل شيء، كافية كلها لتجعل المرء المعقول يضحك". النص الوارد باللغة الانجليزية في مقالة كوتاسوفا هو كما يلي: " that reason, all-encompassing, practical´-or-moral that determinism, those categories that explain everything, are laughable to the honest man". راجعت النص الأصلي باللغة الفرنسية الوارد ص26: " Cette raison universelle, pratique ou morale, ce déterminisme, ces catégories qui [37] expliquent tout, ont de quoi faire rire l homme honnête، وتبيّن لي أن ترجمة السيد أنيس غير دقيقة، وغير مُتصلة مع سياق النص. فهو يقول "السبب" وهي في حقيقة الأمر العقل، و"النظرة التقريرية"، يجب أن تكون حسب النص (الحتمية)، أما "الأصناف"، فيجب أن تكون (المقولات). Le Mythe De Sisyphe, Camus, P26
53- Andre Gide, Fal shivomonetchiki, Sobr. soch., Vol. 111, Leningrad, GIKhL, 1936, p. 329
54- See O. G. Drobnitskii, Poniatie morali, Moscow, "Nauka" Publishers, 1974, pp. 187-207
55- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص14
56- نفس المصدر، ص30
57- الوجودية مذهب انساني، جان بول سارتر، ترجمة عبد المنعم الحفني، الدار المصرية للطباعة والنشر والتوزيع 1964، ص25
58- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص63
و- مرةً أُخرى، يُترجم أنيس زكي الاقتباس ويستخدم مفهوم "الثورة"، بينما كان عليه أن يستخدم مفهوم (التمرد). هناك فرق بين التمرد والثورة. اذا أخذنا بالاعتبار المفاهيم الوجودية واليسارية الراديكالية من جهة، والمفاهيم الماركسية من جهةٍ أُخرى.
59- نفس المصدر، ص64
60- نفس المصدر، ص139
حـ- يُترجم أنيس زكي هذا الاقتباس كالتالي: "هذا هو الثمن الذي يجب أن يدفع لقاء انفعالات وعواطف هذه الأرض". اذا رجعنا للسياق الذي يتحدث عن حب زيزيف للماء والشمس والصخور الدافئة والبحر، نرى أن الترجمة التي قمت بها تصلح أكثر للسياق.
61- نفس المصدر، ص142
62- نفس المصدر، ص140
63- نفس المصدر، ص142
64- السقطة، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة، ص115
65- اسطورة سيزيف، البير كامو، ترجمة أنيس زكي حسن، دار مكتبة الحياة بيروت 1983، ص143
66- نفس المصدر، ص142
67- الانسان المُتمرد، البير كامو، ترجمة نهادر رضا، منشورات عويدات بيروت 1983، ص29
68- نفس المصدر، ص368
69- نفس المصدر، ص18
70- نفس المصدر، ص16
71- نفس المصدر، ص348-349
72- J. P. Sartre, "response a Albert Camus," Situations IV, Paris, 1964, p. 91
73- For a comparison of existentialism and the philosophies of the New Leftists, see E. Iu. Solov ev, "Ekzistentsializm i Frankfurtskaia shkola," Voprosy filosofii, 1975, No. 4

ترجمة لمقالة:
Albert Camus: Nihilist vs. Nihilism, Ilfa Kutasova, Soviet Studies in Philosophy, 14:4, 72-95, 1976

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي