إوزة الثلج

ملهم الملائكة
2020 / 9 / 19

هذه ترجمة أمينة لملحمة صغيرة إبان الحرب العالمية الثانية، كتبها الكاتب البريطاني بول غاليكو، وقد انتجت عنها افلام ودراما اذاعية لمرات عدة.

على ساحل مقاطعة "أيسكس" ينام المستنقع الكبير، واحد من آخر المناطق البرية المتبقية في إنكلترا، ممتداً من قرية جلمبري حتى قرية صيادي المحار السكسونية العريقة المسماة "ويكلدورث"، وهو منفسح واطئ بعيد المدى تغطيه الحشائش المتراكمة على مروج نصف مغمورة بالماء، وتنتهي الهضبة المنخفضة إلى الممالح الكبرى والمنخفضات الطينية وأحواض المد والجزر قرب البحر المتململ، حيث الخلجان ومصبات الأنهار وألسنة النهيرات المعقوفة والمتعرجة التي تطل أفواهها على حافة المحيط المنحوتة في الأرض الغارقة بالمياه بشكل تبدو فيه كأنها ترتفع وتهبط لاهثة بتكرار الموج اليومي.
المكان مقفر وموحش تماماً، وتزداد وحشته بزعيق وصريخ الطيور البرية التي تتخذ من الممالح وأراضي المستنقع مأوى لها. طيور عديدة، وزات برية، نوارس، وطيور الحذف والودجون والطيطوس أحمر الساق والكروان. وكلها تجد لها منفذاً خلال الأحواض المائية. وينعدم الساكنون من البشر في هذا المكان، كما أن واحداً منهم لا يرتاده، باستثناء بعض صيادي الطيور البرية، أو صيادي المحار المحليين الذين ما برحوا يزاولون مهنتهم القديمة التي رافقت مجيء النورمنديين إلى "هيستنغر".
أما الألوان، فتتدرج من الرمادي والرصاصي والأزرق واللازورد والأخضر الشفاف إلى الفيروزي، وسر ذلك أن السماء حين تعتم في الشتاءات الطويلة، تشرع مياه الشطآن والمستنقعات تعكس اللون البارد المعتم للسماء، ولكن في أحيان قليلة، عند مشرق ومغرب الشمس تتأجج الأرض والسماء بلون لهيب أحمر مذهّب.
وبحذاء احد الألسنة اللولبية لنهر "ألدر" الصغير يمتد سد هو عبارة عن سور بحري ناعم وصلد وخال من الشروخ، وهو بمثابة ترس بوجه البحر المغير، ثم يغور السد عميقاً في إحدى الممالح التي تبعد ثلاثة اميال عن القنال الإنكليزي وهناك ينعطف شمالاً. في تلك الزاوية يبدو السد كأنه حفر في وجه الأرض بإزميل، ومن هذا الصدع كان البحر قد دخل واجتاح الأرض والسد والسور وكل ما ينتصب هناك.
في الماء الضحل تشف صخور مسودة وممزقة لبقايا فنار مهجور عن قمة سياج مائل لدائرة بريد قديمة، ويظهر السياج هنا وهناك كأنه شارات انقاذ او أطواف نجاة. في زمن ما كان هذا الفنار يتاخم البحر، وبمثابة مرشد مضيء على ساحل أيسكس، لكن يد الزمن عبثت بالأرض والماء، فانتهت حياة وفائدة هذا المكان.
ومنذ عهد قريب، اعيد استعمال الفنار كمسكن، حيث عاش فيه رجل متوحد مشوه الجسد، لكنّ فؤاده مفعم بحب الطرائد والبراري، كان يبدو بشع المنظر، لكنه كان مثالاً لجمال الخلق ورقة القلب.
هذه حكاية عن هذا الرجل، وعن طفلة جاءت لتتعرف به وتستشف ما بداخله مما يخفيه شكله الغريب المنفر. وهي ليست قصة تنساب بسهولة وبتتابع لين، فقد جمعت من مصادر وأناس عدة، فجاء بعضها على هيئة كسر نقلها رجال عاشوا مشاهد غريب وعنيفة في ذلك المكان والزمان، كما أن البحر قد بسط سلطانه وألقى بدثاره المتموج البارد على المكان، وبدوره، فإنّ الطائر الأبيض العظيم ذا القوادم المتوجة بالسواد، وهو الذي شهد الأمر منذ البداية حتى النهاية، قد عاد إلى الصمت المثلج المظلم لأراضي الشمال التي جاء منها أصلاً.
*
في نهاية ربيع عام 1930 جاء فيليب رايادر إلى الفناء المهجور عند مصب نهر "ألدر" واشتراه وما حوله من أراضي المستنقع والممالح. وعلى مدار العام، عاش واشتغل هناك. كان رساماً يصور الطبيعة والطيور ولأسباب بعينها انسحب من الحياة الاجتماعية. بعض تلك الأسباب كانت تبين خلال زيارات التبضع نصف الشهرية التي كان يقوم بها إلى قرية جلمبري الصغيرة، حيث اعتاد السكان المحليون على التطلع بازدراء بارد لجسده المشوه وسحنته الكالحة. كان رايادر أحدباً وذراعه اليسرى مشلولة، نحيفاً ومحنياً من الخصر كأنه مخلب طائر.
لكنهم سرعان ما ألفوا شكله الشاذ، واعتادوا ضآلة حجمه التي تحتوي قوة هائلة وألفوا منظر رأسه الضخم الملتحي والمنحرف قليلة عن الهضبة الغامضة الناتئة في ظهره. كما اعتادوا العينين البراقتين والذراع المخلبية، وصاروا ينعتونه ب "ذاك الرسام الغريب الذي يسكن الفنار المهجور".
وغالباً يكره المشوهون جسدياً عموم الجنس البشري بسبب عاهاتهم، إلا أن رايادر لم يعرف الكراهية قط وإنما أحب، وبقوة، أحب الإنسان، ومملكة الحيوان، وكل ذي قلب مليء بالعطف والتفهم استطاع أن يغض النظر عن عاهته. تغلب رايادر على عاهته، إلا أنه لم يستطع تجاوز الصدود الذي كان يعاني منه بسبب مظهره. وكان فشله في العثور على دفء يوازي الدفء الذي يشع منه سبباً لعزلته، ولهذا نفر من النساء. أما الرجال فما يكادون يألفونه عن قرب حتى يبادلونه دفئاً بدفء، إلا أن مجرد التفكير بأنهم كانوا يحاولون أن يبادلوه مشاعر الود بعد أن يبذلوا جهداً في تفهمه، كان يدفعه إلى تجنبهم.
في السابعة والعشرين من العمر جاء فيليب إلى المستنقع الكبير وكان قد سافر كثيرا وحارب ببسالة قبل أن يتخذ قراره بالانسحاب من عالم يستطيع أن يتحرك فيها مثل الآخرين. وبرغم كل الحساسة الفنية والرهافة الانثوية المخزونة في صدره المتجذع، فقد كان رجلاً بمعنى الكلمة.
في معتكفه جلب طيوره ورسومه وقاربه ذا الستة عشر قدماً والذي كان يبحر به بمهارة مدهشة، فحين يكون وحده ولا أحد يرصد حركاته، يكون بوسعه أن يستخدم يده العليلة بشكل فعال، وغالباً ما كان يستخدم أسنانه القوية لتثبيت أشرعة الزورق التي تتلاطم كالأمواج بفعل أي نفخة ريح مخاتلة.
وغالباً ما كان يبحر خلال الخلجان الصغيرة ومصبات الأنهر خارجاً إلى عرض البحر كي يغيب بضعة أيام في بعض الأحيان باحثاً عن أضراب جديدة من الطيور ليصورها أو ليرسمها، لذا فقد بات ماهراً في الإمساك بها بالشباك كي يضمها لمجموعة الطيور البرية المدجنة التي يربيها في الحظيرة المجاورة لمرسمه والذي يمثل قلب ملاذه المقدس.
ما كان يطلق النار على طائر، لذا فإن وجود صيادي الطيور البرية قرب ربوعه كان أمرأً لا يرحب به البتة. كان صديقاً محباً لكل ما هو بري، لذا بادله كل ما هو بري حباً بحب.
وفي حظيرته المسيجة تجد الوزات المدجنة التي تأتي كل أكتوبر من آيسلنده وشبايتزبيركن محلقة فيوق الساحل بأسراب هائلة العدد تظلم لها السماء وتملأ الهواء ضجيجاً بحفيف أجسادها وهي تمر محلقة بذاك المكان الفريد، كما تجد البرانق ذات الأجساد البنية والسيقان الوردية والصدور البيضاء المخططة بالأسود، والرقاب غامقة اللون، والوجوه الشبيهة بأقنعة المهرجين، وترى أضراباً عدة من البطات البرية ابتداء بالودجون والبركة والبلبول وصولاً إلى الحذف والشوار.
بعض تلك الطيور كان يقص أجنحتها لتبقى هنا كإشارة للأخريات النافرات اللائي يجئن في مبتدأ كل شتاء، تماماً كما يفعل مربو الحمام، وجود الطيور مقصوصة الجناح ينبه الأسراب المسافرة إلى وجود الطعام والملاذ الآمن في هذا المكان، وبالفعل فإن مئات عديدة تأتي وتبقى هنا خلال موسم البرد الممتد من أكتوبر وحتى الربيع حيث ترحل عندها شمالاً إلى مناطق تكاثرها عند أقدام الحافة الجليدية.
كان فيليب مرتاح البال إلى الخاطر الذي يلازمه كلما هبت عاصفة، أو حين يشتد البرد ويشح الزاد، أو حين تتفجر طلقات الصيادين في البعد، فطيوره بخير وأمان وهو إنما يجتني لخير يده وراحة قلبه كل تلك المخلوقات الشاردة الجميلة التي تعرفه وتثق به.
في الربيع تعود الطيور إلى الشمال ملبية نداءه، ولكنها ترجع ثانية في الخريف زاعقة ناعقة مغردة صارخة في سماء رمادية باردة، وما تبرح تطير في دوائر فوق حدود الفنار القديم، كأنها تحيي مزاراً مقدساً، ثم تحط على مقربة منه كضيوف يحلون عليه ثانية، تلك الطيور يعرفها ويتذكرها جيداً منذ العام السابق. وكان هذا يزيد فيليب رايادر بهجة، لأنه يعرف أن جرثومة المعرفة بوجوده وبجنته الآمنة مزروعة في كيان تلكم الكائنات، ويدرك أن هذه المعرفة باتت جزءاً من كينونتها بحيث أن تحول السماء إلى اللون الرمادي وهبوب الرياح من الشمال سوف يسوقها بغير ما خطأ إليه.
ولما تبقى، فقد كرس فيليب روحه وقلبه لرسم الأرباض التي يعيش فيها ولرسم ما يحيا فيها، ولم يبق عدد كبير من تلكم الرسوم التي كان قد اختزنها بالمئات بحمية غيورة مكدساً بعضها فوق بعض في الفنار وفي شعاب المخزن الموجودة في أعلاه. لم يكن مقتنعاً بها كأعمال فنية، لأنه كفنان كان عنيداً متصلباً ومع هذا فإن القليل الذي وصل منها إلى السوق كان تحفاً فنية تغمرها الألوان ويكسوها بريق ينعكس عن الأضواء المتساقطة على المستنقع، وكلها مليئة بمشاعر وحس التحليق، وبدفق الحيوية الذي تطلقه الطيور الزائرة وهي تتنفس ريح الصبح التي تحني القصب وسارية العلم القديمة التي توكر عليها.
رسم الوحدة والبرد العابق برائحة الملح، رسم خلود المستنقعات والبراري والأحياء، وتحليق الطيور فجراً، ورسم الكائنات الصغيرة المفزوعة إذ تلامس الهواء أول مرة، ورسم الظلال المجنحة التي تتوارى هاربة من نور القمر في جوف الليل.
*
في ظهيرة أحد أيام نوفمبر / تشرين الثاني، بعد 3 سنوات من استقرار رايادر في الفنار والمستنقع، اقتربت طفلة تحمل في يدها شيئاً بدا ثقيلاً نوعاً ما، قادمة إلى المرسم الموجود في الفنار وهي تعبر السور البحري. لم تكن تتجاوز الثانية عشرة، نحيلة، قذرة الملابس، متحفزة ورعديدة مثل طائر غريب، لكن تحت وسخها كان يتوارى جمال شبيه بجمال جنيات البحيرات والمستنقعات، كانت سكسونية خالصة، كبيرة العظام، شقراء، رأسها يكبر جسدها قليلاً، وعيناها نرجسيتان تغوصان عميقاً في محجريهما.
كانت خائفة حد الجزع من الرجل القبيح الذي جاءت لزيارته، لأن اسطورة بدأت تتشكل عنه، حتى بات صيادو الطيور البرية يمقتونه لتدخله في عملهم. ولكن أكبر من فزعها كانت حاجتها للشيء الذي تحمله في يديها، ففي أعماق قلبها كانت تنوس تلك الحكاية التي التقطتها من مكان ما من أرجاء المستنقع والتي تفيد بأن هذا "الغول" الذي يقطن الفنار يمتلك قوة سحرية تمكنّه من شفاء الكائنات الجريحة.
لم تكن قد رأت فيليب رايادر من قبل وكانت على وشك أن تهرب من الرعب حين رأت الشبح المعتم الذي ظهر في باب المرسم إثر سماعه خطواتها. الحدبة المشؤومة، الرأس المنحني، اللحية المغمورة بالسواد، والمخلب المعقوف. وتسمرت أمامه فزعة محملقة راجفة، كطائر فزع من طيور المستنقع يرفرف متأهباً للتحليق، لكنّ صوته جاءها عميقاً حنوناً وهو يقول: ما الخطب أيتها الطفلة؟
وتمالكت نفسها ثم تقدمت بوجل إلى أمام. كان الشيء الذي تحمله في يديها طائرا أبيض كبير الحجم، هامداً تماماً وقد تناثرت على ريشه الأبيض الرقيق بقع دم تسرب بعضها إلى قميصها حين امسكت به واحتضنته. وما لبثت أن وضعت الطائر الجريح في يده قائلة: لقد وجدته مصاباً يا سيدي، أما زال حياً؟
أجل، أجل...أحسب ذلك، ادخلي يا طفلتي، ادخلي!
ودلف رايادر حاملاً الطائر ليرقده فوق الطاولة، حيث أخذ يتحرك بوهن، وتغلب فضولها على خوفها فتبعته إلى الداخل حيث ألفت نفسها في حجرة يدفئها موقد فحم متقد وتزدان بلوحات ملونة عديدة تغطي الجدران، وتعبق برائحة رغم غرابتها تبدو محببة للنفس.
ارتعد الطائر، وبيده السليمة أفرد رايادر أحد جناحيه الأبيضين، وقد توشحت قوادمه بريش أسود جميل. تطلع الرجل مندهشاً وقال: أين وجدت الطائر أيتها الطفلة؟
في المستنقع حيث كان الصيادون، ما...ما هو هذا الطائر يا سيدي؟
هذه إوزة ثلج قادمة من كندا، ولكن كيف وصلت هنا بحق السماوات؟
وبدا أن الاسم لم يعن شيئا للصبية. عيناها النرجسيتان العميقتان اللتان تشعان من خلال الوسخ المتراكم على وجهها الناحل مثبتتان باهتمام مفرط على الطائر الجريج. تساءلت:
هل يمكن أن تشفى؟
نعم، نعم، ...سنبذل جهدنا، سوف تساعديني في ذلك، تعالي معي.
على الرف كانت هناك مقصات ولفائف وجبائر، وكان بارعاً رشيق الحركة حتى حين يستخدم المخلب المعقوف الذي استطاع أن يحمل اللوازم الطبية. قال فيليب رايادر:
لقد أصيب بطلق ناري، إن ساقها وطرف أحد جناحيها مكسوران، ولكنهما لم يتضررا بشدة، أنظري! سوف نقص قوادم الجناح الكسير كي يتاح لنا تضميده، وسينمو الريش في الربيع من جديد ليكسو الجناح، فترجع لها قدرتها على الطيران والتحليق. سنربط الجناح لصق جسدها كي لا تكون قادرة على تحريكه حتى يلتئم الكسر والجرح، ثم نضع جبيرة للساق المسكينة الكسيرة.
كانت الطفلة ترقب عمله مسحورة وقد نسيت مخاوفها في غمرة ذلك ولسبب آخر، فقد بدأ الرجل إبان تضميده الإوزة الجريحة الكسيرة يروي للبنية واحدة من أجمل القصص التي سمعتها في حياتها، هي قصة الأميرة الضائعة، وروى رايادر:
كانت إوزة صغيرة السن لا يتجاوز عمرها عاماً واحداً وقد ولدت في أرض تعود لإنكلترا، وبينما كانت تطير نحو الجنوب هاربة من الثلج والصقيع والبرد القارس ضربتها عاصفة جبارة ولفتها ودارت بها. كانت عاصفة مروعة بحق وقد فاقت قوتها قدرة جناحيها العملاقين. عاصفة أعتى من أي إعصار جرفت كل شيء، وظلت تمسك بخناقها وتقاذفها أيام وليال، فما عاد باستطاعتها سوى أن تطير مع الريح، وحين تلاشت العاصفة، توجهت الإوزة بغريزتها صوب الجنوب ثانية، فوجدت نفسها فوق أرض أخرى لم تألفها ومن حولها تحلق طيور لا تعرفها ولم ترها من قبل، وأخيرا وبعد أن انهكتها المحنة، حطت لترتاح قليلا في مستنقع ودود أخضر، فكان أن صادتها تلك الرصاصة الخارجة من فوهة بندقية صياد يبحث عن فريسة.
سكت هنينة، ثم علّق: استقبال مرير للأميرة الزائرة، سوف ندعوها بالأميرة الضائعة، وفي ظرف أيام قليلة سوف تتحسن أحوالها وتتعافى. انظري! ودس يده في جيبه وخرج بها محملة بحبات الحنطة، ففتحت الإوزة عينيها الصفراوين المدورتين وأخذت تنقر الحبات برفق.
ضحكت الطفلة بحبور، وما لبث أن داهمها شعور بالغربة من المكان التي هي فيه، فالتقطت أنفاسها بانزعاج، وبغير أن تنطق بكلمة واحدة، استدارت وفرت هاربة من باب الفنار.
انتظري، انتظري! صرخ رايادر خلفها وهو يتجه إلى مدخل الفنار حيث وقف يؤطر جذعه المعتم افريز المدخل، كانت الصبية تركض فوق السور البحري، لكنها ما برحت أن توقفت حين سمعت نداءه، واستدارت ناحيته فسألها من بعيد: ما اسمك ايتها الطفلة؟
فريث!
قال رايادر: فريثا فيما أظن، أين تسكنين؟
مع جمهرة الصيادين في "ويكلدورث" ...أجابت وهي تلفظ الاسم بلكنة سكسونية عتيقة.
ألن تأتي غدا أو بعد غد لتري كيف تسير الأمور مع الأميرة؟
فسكتت، ولمرة ثانية فكر رايادر بطيور الماء النافرة التي تتحفز باضطراب خلال ذلك الجزء من الثانية الذي يسبق طيرانها في الهواء، وجاء صوتها الرفيع الفتي مرة ثانية وهي تقول: بلى!
ثم مضت وشعرها الأشقر يموج خلفها.
شفيت الإوزة بسرعة، وفي منتصف الشتاء صارت تطلع متجولة في الحظيرة المسيجة، مفضلة مرافقة الوزات ذات الأقدام الوردية على البرانق، كما تعلمت أن تلبي نداء رايادر وهو يدعوها للطعام. وباتت الطفلة فريث أو فريثا زائراً منتظماً للمكان، واستطاعت أن تتغلب على خوفها من رايادر. كان يأسر مخيلتها حضور هذه الأميرة البيضاء الغريبة القادمة من أرض بعيدة ترقد خلف البحر، أرض وردية اللون بلا مساحات ملونة كما عرفت من الخارطة التي عرضها عليها رايادر والتي تتبعا عليها مسار العاصفة التي ألقت بهذا الطائر التائه من بيته في كندا المثلجة إلى أرض المستنقع الكبير في أيسكس.
بعد ذلك، وفي أحد صباحات شهر حزيران استجابت مجموعة متأخرة من الإوز ذي الأقدام التي سمنت بفعل وفرة الغذاء الذي حصلت عليه إبان فصل الشتاء في الفنار لنداء أراضي التناسل الطاغي، فنهضت الأميرة متكاسلة تتسلق عنان السماء في حلقات ما برحت تتسع لتحلق مع السرب الراحل، طارت إوزة الثلج بهيكلها الذي يكسوه الريش الأبيض وقوادمها السوداء التي تلمع في نور شمس الربيع، وصادف أن فريث كانت في الفنار، فصرخت مندهشة ما جعل رايادر يفد راكضاً قادمأً من مرسمه.
قالت فريثا: أنظر، انظر إنها الأميرة، أتراها ذاهبة بلا رجعة؟
تطلع رايادر في السماء محدقاً بالبقعة الصاعدة وقال: بلى! مقلدا بغير وعي طريقة الصغيرة في الكلام.
آن للأميرة ان تعود إلى بيتها، أنصتي إنها تُقرئنا الوداع!
ومن السماء الصافية تناهى إليهما صريخ الإوز وردي الأقدام، وتعالى فوقه وبصفاء أشد، صوت الأميرة البيضاء.
انحرفت البقعة المحلقة نحو الشمال لتشكل الحرف V وهي تطير، واستدق حجمها ثم اختفت. وبرحيل إوزة الثلج أنهت فريث زياراتها للفنار، وعاد رايادر ليتهجى من جديد كلمة "الوحدة".
في ذلك الصيف رسم فيليب رايادر من مخيلته صورة طفلة نحيفة تكسوها الأوساخ، وتعصف بشعرها رياح نوفمبر، وتحمل في يدها طائراً كبيراً جريحاً أبيض.
*
منتصف تشرين الأول/ أكتوبر التالي حدثت معجزة. كان رايادر يطعم طيوره في حظيرتها المسيجة، فيما تهب من الشمال الشرقي ريح رمادية تجعل الأرض تلهث تحت الموج الداخل عليها. وبرغم هدير البحر فقد سمع نغمة صافية عالية، فرفع عينيه إلى سماء الغروب ليرى لأول وهلة رقعة محلقة غير واضحة المعالم، ثم توضحت الرؤية فإذا هو حلم مجنّح بجناحين بيض تحف بهما قوادم سود يحلق فوق الفنار مرة، ثم يتحول إلى حقيقة تحط على أرض الحظيرة وتتقدم متهادية نحو رايادر خصيصاً ليطعمها كما لو أنها لم تكن قد سافرت بعيداً عنه قط.
إنها الأميرة إوزة الثلج، لا يخطئ المرء ذلك، وتحدرت دموع فرح من عيني فيليب، ترى أين كانت؟ بالتأكيد لم تكن في كندا، لا، لا ريب أنها قد قضت الصيف في "غرينلاند" أو "شبتز بيرغن" مع البطات ذوات الأقدام الوردية السمينة، ثم تذكرته فقفلت راجعة مع حلول موسم البرد.
وحين زار جلمبري في مرة قادمة للتبضع، ترك رايادر رسالة قصيرة مع سيدة مكتب البريد لاريب أنها قد أثارت فيها اضطرابا عظيماً. فقد قال: أخبري فريث التي تعيش مع جماعة الصيادين في ويكلدورث بأن الأميرة الضائعة قد رجعت.
بعد ثلاثة أيام ظهرت فريث وقد طال قوامها وما برحت شعثاء مبعثرة الشعر، جاءت خجلى إلى الفنار لتزور الأميرة الضائعة.
ومر الزمن على المستنقع الكبير، وكان يمكن رصد ذلك من ارتفاع موج البحر الداخل إليه، وتغير الفصول البطيء وتحليق الطيور. أما تقويم رايادر فقد كان يضبط إيقاعه وصول ورحيل إوزة الثلج.
العالم خارج هذه الصورة كان يغلي ويرغي مدمدماً بما يجيش فيه من هياج سيتفجر قريباً جالباً معه الدمار لكل ما حوله. لكن هذا بقي لا يمت بصلة لفيليب وفريث، إذ كان يجمعهما تناغم طبيعي عجيب رغم أنّ الطفلة قد كبرت قليلاً. حين تكون الأميرة البيضاء في الفنار كانت فريث تأتي لتراها وتتعلم من السيد رايادر أشياء جديدة. وأخذا يبحران سوياً في قاربه الشراعي الذي يقوده بمهارة، كما شرعا يصطادان معاً بالشباك طيوراً برية أخرى ليضيفاها إلى المستعمرة التي ما برحت تكبر وتتمدد لتشمل حظائر مسيجة جديدة تضاف إليها تباعاً.
واكتسبت فريثا منه معارف جديدة بشأن كل نوع من الطيور البرية ابتداء من الورس وانتهاء بالصقر الرمادي الذي يحلق فوق المستنقعات. أخذت تطهو له في بعض الأحيان، لا بل تعلمت أن تعد له ألوانه، ولكن حين تعود الإوزة إلى مسكنها الصيفي يتغير الأمر، كما لو أن حاجزاً يقوم بينهما فجأة، فتكف عن زيارة الفنار.
في إحدى السنين غابت الأميرة ولم تأت إلى الفنار، فأمسى رايادر جازعاً كسير القلب وهرع يرسم بجنون خلال الشتاء والصيف الذي تلاه، ولم يشاهد فريث ولا مرة، ولكن حين حل الخريف، رنت الصرخة المألوفة في أرجاء السماء التي تكلل الفنار، وحط الطائر الأبيض العملاق الذي بلغ غاية نموه الآن عائداً من السماء بنفس الغموض الذي رحل فيه، وبفرح ظاهر أبحر رايادر إلى جلمبري وترك الرسالة ذاتها لدى سيدة البريد. الغريب أن شهراً كاملاً قد مر قبل أن تأتي فريث مرة ثانية لزيارة الفنار، وحين رآها فيليب أدرك مصدوما أنها لم تعد تلك الطفلة الشعثاء التي عرفها.
بعد هذا العام، صارت فترات غياب الطائر تتقاصر، وأصبح أليفا إلى درجة أنه أخذ يتبع السيد رايادر حيثما ذهب، بل إنه بات يدرج داخلاً إلى المرسم أحياناً فيما كان فيليب مشغولا بصوره وألوانه.
*
في ربيع عام 1940 رحلت الطيور مبكرة عن المستنقع الكبير، كان العالم يشتعل ملتهباً، وكان أزيز وهدير القاصفات وصوت الانفجارات البعيد المكتوم قد أرعبها، وفي أول يوم من شهر أيار وقف رايادر وفريث كتفاً إلى كتف فوق السور البحري وهما يراقبان تحليق آخر مجموعة من الوزات ذات الأقدام الوردية والبرانق وهي تتسلق السماء مبتعدة عن مأواها الربيعي. فريثا طويلة ناحلة، طليقة كالهواء وجميلة بشكل مثير، وهو معتم وغريب ووحيد، رأسه الملتحي الهائل مرفوع للسماء وعيناه البراقتان تراقبان سرب الإوز وهو يتابع مسار طيرانه.
فيليب، أنظر! قالت فريث
وتطلع رايادر إلى حيث تنظر، كانت إوزة الثلج الأميرة قد شرعت ترفرف بجناحيها العملاقين محلقة في طيران منخفض، واقتربت كثيرا منهما في إحدى الدورات حتى خيل لهما لوهلة أن قوادمها المكللة بالسواد تربت على وجهيهما، وشعرا باندفاع الهواء الرقيق في مسار الطيران الذي اتخذته الأميرة. ودارت مرة ثم اثنتين حول الفنار ثم حطت أرضا داخل الحظيرة المسيجة منضمة إلى الوزات مقصوصة الجناح وقد تهيأت للأكل.
سوف تبقى، ولن ترحل ثانية! قالت فريث بلهفة، ويبدو أن تحليق الأميرة الواطئ البطيء قد لف فريث بسحر خاص، فهمست مرة أخرى: لن ترحل الأميرة سوف تظل هنا!
بلى، قال رايادر بدوره بصوت راجف: سوف تبقى ولن ترحل ثانية، الأميرة التي كانت ضائعة، لم تعد ضائعة البتة، فهذا مسكنها الآن بمحض اختيارها.
انكسرت الرقية التي أحاط الطائر بها نفسه فجأة، وأحست فريث فجأة بحقيقة كونها خائفة، كانت الأشياء التي تخفيها عينا رايادر تراوح بين الشوق والوحدة والأشياء العميقة التي لا تقال والتي ترقد في عمق عينيه. كانت كلماته الأخيرة تكرر نفسها وهي ترن في رأسها كما لو كان هو بنفسه يرددها ثانية: هذا هو مسكنها الآن...بمحض اختيارها.
كانت انساغ غريزته تصلها وتحمل إليها تقريراً عن الأشياء التي لا يستطيع أن يتفوه بها بسبب ما يحسه من كونه مشوها وشاذ الهيئة. كان صوته، لو تكلم سيهدئ جزعها الذي ما برح يتزايد بسبب صمته وبسبب قوة الأشياء التي لم تقل بينهما. وأوحت إليها غريزة الأنثى أن تهرب من هذا الشيء الذي لم تعد قادرة على فهمه، فقالت:
يجب أن أذهب...سأذهب، وداعاً، أنا سعيدة لأن الأميرة ستبقى، لن تظل وحيداً بعد الآن!
ثم استدارت برشاقة واخذت تمشي مبتعدة وجاءت كلماته جواباً لها حزينة الوقع: وداعاً فريث! كصوت نصف مسموع يخرج من جوف شبح فيعلو قليلاً فوق هسيس حشائش المستنقع. وكانت قد ابتعدت كثيراً قبل أن تجرؤ على الاستدارة ناظرة إليه حيث ما برح واقفاً فوق السور البحري، كأنه بقعة مظلمة بوجه السماء.
زال خوفها الآن، وحل محله شعور آخر، إحساس غامض بالخسارة جعلها تقف لحظات جامدة. كان الاحساس حاداً جداً. ثم استأنفت مسيرها ببطء مبتعدة عن الفنار المنتصب كأصبع يؤشر بوجه السماء، ومفارقة للرجل الواقف أسفل الأصبع المرفوع!
*
تقضّت أكثر من 3 أسابيع قبل أن تعود فريث إلى الفنار ثانية، كان أيار في نهايته وكذلك نهار ذلك اليوم، حيث امتد شفق ذهبي طويل سينزاح قريباً عن قمر فضي، ما برح يظهر في الأفق الشرقي.
كانت تعلل نفسها بينما خطواتها تأخذها إلى هناك، تعلل نفسها بأنها يجب أن تعرف هل بقيت إوزة الثلج كما أخبرها رايادر. قد تكون طارت راحلة. خطو فريثا الثابت فوق الحاجز البحري كان مليئاً باللهفة حتى أنها كانت تجد نفسها مسرعة في بعض الأحيان.
لمحت ضياء مصباح رايادر الأصفر في جوف باحة الفنار السفلى قريباً من رصيفه القصير الصغير، ووجدت فيليب هناك وهو يجهز قاربه الشراعي المتأرجح برفق فوق الماء المتماوج بالتجهيزات: طعام وماء وقناني من البراندي وعدة الإبحار وشراع إضافي. وحين استدار إثر سماعها قادمة باتجاهه، لحظت شحوب وجهه، لكن عينيه المظلمتين الحانيتين كانتا تشعان بريقاً مثيراً، وكان يلتقط أنفاسه اللاهثة بسبب الجهد الذي بذله. انتاب فريث انزعاج مفاجئ وأمسك بخناقها فصرخت وقد نسيت وزة الثلج: فيليب، أتراك راحلاً؟!
توقف رايادر عن عمله لوهلة ليجيبها، وفي وجهه كان يلوح بريق أو نظرة لم ترها من قبل: فريث، أنا مسرور لمجيئك، أجل يجب أرحل، رحلة قصيرة أعود بعدها! كان صوته العطوف يختنق بما يختلج في نفسه.
إلى أين أنت راحل؟ سألت فريث.
خرجت الكلمات راجفة من في فيليب وهو يشرح كيف أنه ينوي الذهاب إلى دنكرك التي تبعد مائة ميل عبر القنال الإنكليزي، حيق علقة ثلة من الجيش البريطاني فوق الرمال تحت رحمة الطيران الألماني الذي قد يدمرها في أي لحظة. كان الميناء كتلة من لهيب، والموقف ميؤوس منه، سمع ذلك من القرية حين ذهب للتبضع. رحل العديد من الرجال من جلمبري استجابة لطلب الحكومة. كل زورق أو قارب صيد أو لنش بخاري يمكنه الإبحار كان يراد منه أن يعبر القنال لنقل الجنود المحاصرين من السواحل إلى الناقلات والبوارج التي لم تكن تستطيع دخول المياه الضحلة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الجنود من نيران الطائرات الألمانية.
وفيما كانت فريث تصغي إليه، كان قلبها يموت رويدأ رويداً في داخلها، فيليب يقول إنه سيبحر عبر القنال بقاربه الصغير الذي يتسع لست أو سبعة اشخاص عند الضرورة، ويمكنه القيام بعدة رحلات من السواحل الى الناقلات البحرية.
تعجز الفتاة الصغيرة عن الإفصاح عن مشاعرها، لم تفهم الحرب ولا الذي يحدث في فرنسا وعلى شواطئها، ولا تعرف معنى أن يكون الجيش محاصراً، لكنها أدركت في لا وعيها أن خطراً داهماً يحف برحلته فقالت: فيليب، أيجب حقاً أن تذهب؟ وقد لا تعود! لماذا أنت بالذات؟
ويبدو أن نفس الحمى دهمت روح فيليب فقال شارحاً بلغة يمكن أن تفهمها: هناك رجال يتكدسون فوق بعضهم على الشاطئ مثل طيور مصابة بخراطيش الصيد، فريث، إنهم مثل الطيور الجريحة التي اعتدنا أن نعثر عليها ونجيء بها إلى الحظيرة لنداويها ونأويها. فوقهم تحلق عقبان وصقور في صناقر حديدية، وليس فوقهم سقف يقيهم شر هذه الجوارح الفولاذية، إنهم ضائعون ألقت بهم العاصفة مثل الأميرة الضائعة التي وجدتها لسنين عديدة خلت والتي جلبتها له لي ثم داويناها معاً. هم بحاجة إلى العون كما أن الكائنات البحرية محتاجة لذلك العون، لهذا السبب ترينني ذاهباً، إنه شيء يمكنني أن انجزه، أجل، يمكنني لمرة.. لمرة واحدة أن أؤدي وظيفتي كإنسان ورجل.
حملقت فريث فيه، لقد تغير كثيراً، لأول مرة تراه غير قبيح أو مشوه أو منفر الهيئة، بل باتت تراه جميلاً جداً. كانت الأشياء تغلي في روحها جاهدة أن تقال ولم كيف تنطق بها، لكنها أردفت قائلة بعد جهد: أنا آتية معك يا فيليب!
هز رايادر رأسه رافضاً وهو يقول: مكانك في الزورق سيترك جندياً على الساحل المشتعل، وآخر وآخر...يجب أن أذهب لوحدي.
وارتدى معطفاً وجزمة من المطاط ثم اعتلى قاربه ورحل وهو يلوح بيده لها هاتفا: وداعاً فريث، هلا عنيتِ بالطيور حتى عودتي يا فريث!
رعاكَ الرب! قالت بلهجة سكسونية: سأعنى بالطيور، رعاك الرب يا فيليب!
كان الليل قد حل الآن، وهدأ المستنقع يضيئه بضع قمر ونجيمات ووهج غامض يأتي من الشمال. وقفت فريثا على السور البحري ترقب الشراع وهو ينزلق في مصب النهر العملاق، وفجأة صدر من جوف الظلام خلفها صوت رفيف أجنحة، ليمرق من أمامها شيء، وفي نور يضيء عتمة الليل رأت التماع الأجنحة البيض المتوجة بالسواد، وشخّصت رأس الأميرة وهو يندفع إلى أمام.
ارتفع الطائر وحلق حول الفنار مرة واحدة، كأنه يؤدي سلاماً ثم اندفع صوب الخليج الذي تغمره الريح حيث كان شراع قارب رايادر يخفق، وأخذت الأميرة تحلق ببطء في حلقات واسعة في سماء القارب. وصار يرى ولدة طويلة في المدى شراع أبيض يظلله طائر أبيض.
ضعيه تحت ناظريك، ضعيه تحت نظرك! همست فريث، وحين اختفيا كلاهما أخيراً، استدارت ومشت بتؤدة، محنية الرأس وهي تعود إلى الفنار الخاوي.
*
أضحت القصة الآن في شكل كسر وشظايا، واحدة من هذه الكسر جاءت في كلمات الرجل الذي كان يستمتع بإجازته السنوية والتي حكاها في مقهى "التاج والسهم" الملحق بالكنيسة الشرقية.
*كانت وزة، وزة ملعونة هي التي ساعدتني، قال الجندي بوتون وهو أحد أفراد كتيبة رماة لندن التابعة لجيش جلالة الملك.
*بل كان طائر كرين، قال جندي من المشاة أصيب في ساقه.
*أقول إنها وزة، جاك هنا رآها بنفسه كما رأيتها، جاءت طائرة خارجة من الأقذار والنتن والدخان الذي يغطي الرؤوس في دنكرك، كانت بيضاء موشحة اجنحتها بالسواد، وحامت فوق رؤوسنا مثل قاصفة ملعونة، وحينها قال جاك: لقد انتهى أمرنا، هذا ملاك الموت يحوم فوقنا! تقول كرين؟ بل هي وزة لعينة جاءت من الوطن وهي تحمل رسالة من تشرشل تسأل عنّا وكيف نستمتع بحمام النار الملعون؟! إنها نذير شؤم...نذير شؤم وحشي، وبهلاكنا سننتهي من كل ذلك!
كنّا نشوى على الساحل بين دنكرك ولاباني مثل كوم حمام يقف على سدة فيكتوريا بانتظار الطيران الألماني ليقصفنا، وقد طبخنا جيداً، كانوا فوقنا على جوانبنا وخلفنا، وما برحت طائراتهم تهمي علينا بالمسامير وقنابل "ه.ي" وتمطرنا بوابل من زخات الجنون من تلك السماء المشتعلة، وخارج الساحل كان يقف يخت "كينتش ميد" وهو صندل نزهات أحمر اللون كان سيأخذنا، لكنه ظل راسياً على مبعدة نصف ميل بعيداً عن المياه الضحلة الحقيرة!
وفيما كنا نستلقي على الشاطئ ونحن يائسون تماماً، نسب ونلعن بسبب عدم وجود أي منفذ لنا للخروج والوصول إلى الصندل، إذ جاءت طائرة شتوكا وأغارت على الصندل ملقية قنابلها على جانبيه، وكان الماء يتصاعد في الهواء مثل نافورة لعينة في حديقة قصر. كان عرضاً منظماً، ثم اقتربت مدمرة وهي تقول للشتوكا: لا لا لن تضربي، وصارت ترميها بنيران المدافع والرشاشات، إلا أن ألمانيا آخر جاء وانقضّ على المدمرة، وقصفها فارتفعت في الهواء كو و و و و و، واحترقت قبل أن تغرق، وعم الدخان المتصاعد منها كل الشاطئ، دخان اسود وأصفر ومن خلاله حلقت الوزة الملعونة لتحوم فوقنا نحن المحبوسين على الشاطئ.
ومن حول أحد المنعطفات خرج قارب شراعي صغير، يتهادى بهدوء يثير الإعجاب، مثل متأنق يخرج للنزهة ظهيرة يوم أحد في هينلي!
من جاء؟ هتف أحد المدنيين المستمعين متسائلاً
*هو، هو الذي أنقذ حياة كثيرين، خرج بقاربه نظيفاً من جحيم مدفع رشاش كان يستهدف المياه من قاصفة ألمانية من طراز جيتر سمث. وكان هناك طراد بخاري من طراز رامسكيت يحاول أن ينقذنا إلا أن القصف الألماني طاله فغرق قبل نصف ساعة من ظهور الزورق. كان سطح الماء مغطى ببقايا الزوارق المدمرة ونثار القنابل والشظايا، إلا أنه لم يبال بكل ذلك، إذ لم يكن في قاربه بترول يمكن أن يلتهب أو ينفجر. أبحر بين القذائف داخلاً على المياه الضحلة من بين دخان المدمرة المشتعل الأسود، رجل قصير القامة معتم الملامح ملتحٍ، له مخلب بدل الذراع، وذو ندبة على ظهره، وبين اسنانه التي تشع من خلال لحيته السوداء كان يعض على حبل، يده السليمة على الدفة أما الأخرى فكان يلوح بها لنا مشيراً علينا بالمجيء، فيما تحوم في دوائر فوق رأسه تلك الوزة اللعينة.
عندها قال جاك: أنظر! لقد انتهى الأمر الآن، إنه الشيطان الدموي بعينه قد جاءنا الآن، لابد أن يكون قد أصيب بغير أن يشعر. فقلت: أبدأً، يبدو لي أن هذا هو المسيح المقدس أكثر مما هو الشيطان اللعين. وكان يبدو كذلك بحق، كما يصورونه في كتب المدارس، بوجهه الأبيض وعينيه ولحيته وقاربه الشراعي الملعون.
يمكنه أن يستوعب 7 رجال في السفرة الواحدة! صرخ الرجل قائلاً حين اقترب، ثم صرخ ضابطنا:
أيها الرجل الصالح! أنتم السبعة القريبين، اصعدوا إلى الزورق!
وتقدمنا إلى حيث يرسو، كنت ضعيفاً لدرجة أنني لم أستطع تسلق حافة الزورق، لكنه أمسكني من ياقتي وجذبني بقوة قائلا: اصعد يا رجل، اصعد، هيا...أين البقية؟
كوووو...لقد كان رجلاً قوياً. بعد أن ركبنا نشر شراع الزورق الذي صار يشبه منخلاً بسبب الثقوب التي احدثتها الاطلاقات والشظايا، فصرخ بقوة: ابقوا في قعر الزورق، فربما تستهدفنا قنابل وقذائف الأسلحة الألمانية!
وهكذا كان، فقد رقدنا في قعر الزورق فيما جلس هو إلى الدفة وحبل الشراع بين أسنانه وحبل آخر في يده المشلولة، فيما وضع ذراعه السليمة على ذراع دفة الزورق، وابحرنا قدماً خلال حزام ساحلي، فيما بقيت الوزة اللعينة تحوم فوق رؤوسنا وهي تخترق الريح والدخان الذي خلفه الألمان مثل سيارة رولس رويس لعينة تمر بشوارع وينجستر.
هل قلت إن الوزة نذير شؤم؟؟ انظر إليها، أليست هي ملاك رحمة ملعون؟!
أما "هو" الجالس إلى دفة الزورق فقد كان يرفع رأسه ناظراً اليها وحبله بين أسنانه، وكأنه يعرفها منذ زمن طويل. ثم اوصلنا إلى يخت "كينتش ميد" وقفل راجعاً ليأتي بالمزيد، وما برح يقوم برحلاته طيلة ما بعد الظهر حتى الليل، مهتدياً بضوء النيران التي كانت تشتعل في دنكرك. لا أعلم كم عدد الرحلات التي قام بها، إلا أنه ومعه يخت أنيق من نادي "تيمز" وقارب نجاة كبير من "بول" جاءوا بكل أفراد تلك القطعة الذين علقوا في الجحيم بغير خسارة رجل واحد.
وأبحر بنا الصندل بعد أن التأم شمل الجميع، كان عددنا يربو عن السبعمائة وقد تكدسنا في قارب يتسع لمائتين، وكان "هو" لا يزال باقياً، وقد رفع ذراعه مودعاً ثم اتجه صوب دنكرك برفقة الطائر.
أما كان المنظر غريبا يا "بليمي"؟ تلك الوزة الكبيرة اللعينة وهي تحلق فوق قاربه، تنير الحرائق لها الطريق كملاك أبيض يطير خلال الدخان؟
وفي منتصف الطريق أغارت علينا طائرة شتوكا أخرى، لكنّ الطيار كان قد سهر الليل برمته فأخطأنا، وفي الصباح كنا قد عدنا إلى أرض الوطن سالمين. ولم نعرف قط ما جرى للرجل أو من عساه يكون؟ هو...بتلك الحدبة وبقاربه الشراعي الصغير...كان الملعون رجلاً صالحا، ذاك الرجل كووووو، قال جندي المشاة: إوزة ملعونة كبيرة، من يعرف؟!
وفي أحد أندية الضباط في "بروك ستريت" كان ضابط بحرية متقاعد في الخامسة والستين من عمره ويدعى القبطان "كيث بريل أودينر" يتحدث عما شاهده في عملية إخلاء دنكرك، فقد دعي من فراشه في الساعة الرابعة صباحاً لإدارة دفة طراد من نوع لايم هاوس مائل الجانب، وقد أبحر بالطراد عبر نيران المعركة ساحباً خلفه 4 زوارق من نوع تيمس عاد بها لأربع مرات محملة بالجنود. وفي رحلته الأخيرة عاد بالطراد وقد نسفت مدخنته وحدث في جانبه ثقب كبير، ومع ذلك فقد نجح في ايصاله إلى دنكرك.
وتساءل ضابط احتياط من القوة البحرية وقد كان بحوزته تراولتان من نوع "بريكسهام" ومقومة مسار من نوع "يارماوث" فقدهن جميعاً في أيام الجلاء الأربعة الأخيرة: هل صادفتك تلك الخرافة الغريبة التي تدعى بالوزة البرية؟ كان صيتها يتردد على طول الساحل. أنت تعلم كيف تظهر مثل هذه الأشياء، بعض الرجال الذين عدت بهم كانوا يتحدثون عنها. ومن المفترض أن تكون قد ظهرت في فترات متقطعة خلال الأيام الأخيرة في دنكرك ولابان...كان الجميع يقولون: إن رأيتها فأنت ناجٍ بلا شك...شيء من هذا القبيل!
هممم مم م تمتم بريل اودينر: وزة برية؟ لقد رأيت واحدة مدجنة! تلك حادثة عجيبة ومأساوية إلى حد ما وقد وقعت فيما يبدو لحسن طوالعنا. سأحكي لكم عنها. في رحلة العودة الثالثة وبحدود الساعة السادسة مساء رأينا قارباً صغيراً مهجوراً، يظهر فيه جسد رجل ما وعلى صارية الزورق يحط طائر أبيض عملاق. غيرنا مسارنا لنقترب من الزورق، يا للرب، لقد كان رجلاً، او سبق أن كان رجلاً، فقد صفاه مدفع رشاش، يا للحزن، كان وجهه مدلى في الماء، أما الطائر فقد كان إوزة، إوزة داجنة.
قاربنا الزورق، ولكن حين حاول أحد الرجال أن يقفز إليه، هس الطائر نحوه وضربه بجناحه، ولم نستطع أن نزحزح الطائر قيد أنملة عن مكانه. وفجأة أطلق "كيترنك" الصغير صرخة وهو يشير إلى ميمنة الطراد، كان هناك لغم بحري عائم، واحد من تحف الألمان القاتلة، ولو كنا بقينا على مسارنا الأول لكنا اصطدمنا به وقضي الأمر. أبحرنا إلى أمام وخلفناه وراءنا وابتعدنا عنه بنحو 100 ذراع وفجره الرجال بنيران بنادقهم. وبعد أن هدأ الدخان وسكن العصف، التفتنا للنظر ماذا حل بالزورق فوجدناه قد اختفى بفعل الانفجار، واختفى معه الرجل الغامض، لا ريب أنّه كان قد أوثق نفسه إلى دفة القارب بسلسة أو بحبل!
أما الطائر العملاق فقد أخذ يحلق في دوائر فوق المكان، 3 مرات مثل طائرة تؤدي التحية العسكرية، يا لذلك من شعور غريب كئيب! ثم حلّق متجهاً إلى الغرب. لحسن حظنا ذهبنا لنستطلع الأمر، أليس كذلك؟ ومن الغريب أنك تتكلم عن اوزة برية!
*
في المستنقع الكبير، ظلت فريثا وحدها تقطن الفنار الصغير وهي ترعى الطيور مقصوصة الجناح وتنتظر شيئاً لا تدرك كنهه.
في الأيام الأولى اقامت فوق السور البحري منتظرة، رغم اقتناعها بعدم جدوى ذلك. وفيما بعد أخذت تطوف غرف الفنار المخصصة للخزن والمليئة بأكداس اللوحات التي جسد عليها رايادر كل مزاج وكل ضوء في تلك البرية المنعزلة بما يسكنها من طيور مدهشة تتقاطر اليها لتقيم فيها. بين ركام الصور وجدت فريث الصورة التي رسمها فيليب لها من مخيلته لسنين عدة خلت، حين كانت لا تزال طفلة تقف بحياء تصفعها الريح في عتبة مسكنه وتضم إليها طائراً جريحاً.
هزتها اللوحة وما فيها كما لم يهزها شيء من قبل وذلك لأن رايادر سكب من روحه فيها الشيء الكثير، ومن الغريب أن تلك كانت المرة الوحيدة التي رسم فيها رايادر إوزة الثلج، الكائن الضائع المشرد الذي ألقت به العاصفة إلى أرض أخرى، والذي بات صديقاً لكليهما، والذي عاد في النهاية بما يشعرها أنها لن تراه ثانية. ولزمن طويل قبل ظهور الأميرة في الأفق الشرقي المحمر ودورانها حول الفنار في وداع أخير، شعرت فريثا من أعماق الأرواح المائجة في عمق دمها أن رايادر غير راجع.
وهكذا، حين صدح الصوت المألوف بنبرته العالية مرة أخرى في السماء، لم يجلب لها لحظة أمل زائف واحدة، بل شعرت في تلك الهنيهة أنها قد عاشت تلك اللحظة مرات عديدة سابقاً.
وراحت تعدو إلى السور البحري ثم رنت بعينيها، ليس نحو القنال البعيد حيث يحتمل أن يظهر رايادر بزورقه، بل نحو السماء التي تظهر من أقواسها اللاهبة إوزة الثلج وهي تهبط عمودياً.
ثم كسر المشهد والصوت والوحدة المحيطة بها الحاجز في داخلها، ليطلق حقيقة حبها القاهر الجياش، فتفجرت عاطفتها في دموع همت من عينيها، واستجابت روح قلقة لروح شاردة، وبدا كما لو أنها تحلق مع الطائر العظيم في سماء المساء مصغية لنداء رايادر. كانت رحاب السماء وجنبات الأرض تختلج بذكره وتغصان بأكبر من مجرد معنى الاسم.
فريثّ! فريث! فريث يا حبيبتي...وداعاً يا حبيبتي!
كانت الأجنحة البيضاء المتوحة بالسواد تخفق بذلك فوق قلبها الذي أخذ يجيب: فيليب، أحبك!
ولوهلة خيل لفريث أن الأميرة ستحط في أرض الحظيرة القديمة، حيث كانت البطات مقصوصة الجناح تدرج وهي تطلق بربرة ترحيب صاخبة، ولكنها اكتفت بالحوم في طيران منخفض ثم حلقت عالياً ثانية وهي تطير بشكل لولبي حول الفنار العتيق، ثم تتسلق مرتفعة الى سمت السماء.
أحست فريث وهي تراقبها بأنها لم تعد مجرد إوزة ثلج، بل باتت روح فيليب التي تودعها قبل أن ترحل صوب الأبدية، ولم تعد تطير معه وفوقه، بل باتت مقيدة تطير فوق الأرض. وبسطت ذراعيها إلى السماء وهي تقف على أطراف أصابعها صارخة: يرعاك الرب، يرعاك الرب يا فيليب!
هدأت دموع فريث ووقفت لوقت طويل تتطلع نحو الأفق الذي اختفى فيه الطائر، ثم قصدت الفنار، وأخذت اللوحة التي رسمها لها فيليب رايادر وضمتها إلى صدرها بشدة وسلكت طريق العودة إلى مسكنها عبر السور البحري القديم.
وفي كل ليلة، لأسابيع عدة تلت، ما برحت فريثا تأتي إلى الفنار وتطعم الطيور مقصوصة الاجنحة، وفي ذات صباح باكر، خيل لطيار ألماني كان يتهيأ لغارة الفجر أن الفنار المهجور هدف حربي فعال، فانقض عليها كصقر فولاذي صاخب، وأمطره بالقنابل محولاً إياه وكل من وما فيه إلى نسيان.
في تلك الليلة، وحين جاءت فريث لتطعم الطيور مقصوصة الجناح، كان البحر قد دخل عبر الجدران المتصدعة وغمر جوف المكان بالماء.
وحل صمت مطبق ولم يبق ما يعكر ذلك الخراب المطلق، ولم يجرؤ أيّ طائر على العودة إلى المستنقع، باستثناء النوارس الجسورة التي كانت تحلق وتحوم وتدرج على الأرض مطلقة تفجعها على المكان الذي كان.
***
The snow goose