انا ... الفلسطيني !

عارف معروف
2020 / 9 / 19

انا ... الفلسطيني !

نحن ، جميعا ، فلسطينيون ، مع وقف التنفيذ
----------------------------------------
حينما كنت في الابتدائية ، كنت ارى " فلسطين " مجرد رسم لوتد اسود يتجه بنصله الحاد الى الاسفل، تملأه وجوه مكروبة واعين دامعة مع كلمة " عائدون " كبيرة ..... ولم يكن ذلك يعني لديّ شيئا يحرك مشاعري !
كنت ارى ملصق فلسطين هذا في مدرستنا وفي زقاقنا ، بل واراه مرسوما بالبويه على واجهة جدارمعمل الثلج في طريق الذهاب الى والعودة من المدرسة ...لكنه لم يخرج ، بالنسبة اليّ ، او حتى بالنسبة لأقراني ، عن صورة رسمية تخص المعلم ، المدرسة ، الحكومة ، ولا تعنينا بشيء !
كان كتاب " القراءة " او " المطالعة " فيما بعد ، ولكل السنوات ، يحوي اشياء مماثلة : نصوص نثرية ، قصائد حماسية ، لكن فلسطين بقيت كل تلك السنوات، في الواقع ، موضوعا غير حميم ولا يلتصق بشيء ملموس ... اما في البيت فلم يكن هناك ذكر لفلسطين ابدا ، فهي شيء ينتمي الى الحكومة والى ضباطها الذين يقودون الانقلابات كل بضعة سنين ، اكثر من انتمائه لعالمنا ، وان ذُكر فيذكر على لسان أبي :
اهتموا بشأنكم فهي كذبة كبيرة والفلسطينيون هم اول من باعها !
في المتوسطة اصبحت فلسطين موضوعا لهتاف لا تخلوا منه تظاهرة من تلك التظاهرات التي كنا نفرح بها ونهلل لها لأنها تحررنا من سجن المدرسة بحجة مقبولة لدى اهلنا : " طلعونا مظاهرة " ، وكان هتافنا الدائم الذي نُلقن به دون ان نعيه : فلسطين عربية فلتسقط الصهيونية !
في نهاية المتوسطة كان العمل الفدائي قد غير قليلا من طبيعة تفاعلنا مع " القضية " ، اصبحنا اكثر قربا منها واكثر وعيا بها فالقضية اضحت اكثر من ملصقٍ باكٍ على جدار ...كانت اناشيد الثورة الفلسطينية تهز مشاعرنا واخبارالعمليات الفدائية تجعل من البطولة شيئا قريبا وربما ملموسا ، وشهد زقاقنا مغادرة بعض الشباب للانضمام للمقاومة ..." صاروا فدائيين" !
اما في السنة اللاحقة فزفت محلتنا ، كلها ، اول شهيد فدائي ، في تشييع اطلقت فيه زخات الرصاص وهتفت به الحناجر وانهمرت الدموع بفيض حماسات ومشاعر لم ار مثله من قبل !
بعد ذلك العام حصلت مجزرة ايلول الاسود ... قيل وقتها ان العدو كان ارحم بالفدائيين من الجزارالعربي الشقيق ..قررنا ، نحن مجموعة الاولاد الذين غادروا للتو عالم الطفولة ويجاهدون لكي يقال عنهم " رجال " ان نلبي نداء التطوع الذي اطلقه الفلسطينيون ... الحَفَ " جواد الاعور " ... " جواد السمّاك " الذي يبيع السمك في سوق المحلة علينا بالانضمام الينا والذهاب معنا . قبِلنا على مضض .... اعور وسمّاك ماله وفلسطين ؟! قبلنا رجاءه بان نذهب الى امه لكي نقنعها بمشروعية تطوعنا . ذهبنا الى ام جواد ووقفنا عند بابها : لماذا تعارضين تطوعه ياخالة ؟!
كانت كما وصفها ابنها جواد وهو يقهقه قبل ان نصل الى داره " لا تعرف الجُك من البوك " امرأة ممتلئة ذات جسد مترامي وعينين غائرتين وضحكة مجلجلة : دعوا ذلك وعودوا الى امهاتكم ... وادعوا معي ان ينصر الله " اسرايين" على اليهود !
لم نضحك لنكته سياسية مثل تلك من قبل ولا من بعد !
وحتى بعد سنوات طويلة كنا نذكر ام جواد ومقولتها الخالدة تلك كلما تحدثنا عن طبيعة ومدى وعي الناس البسطاء بالقضية ، كما ارادته وعملت عليه الانظمة العربية : الله ينصر " اسرايين " ع اليهود !
وقفنا طوابيرطويلة امام مكاتب المنظمات الفدائية الفلسطينية في كرادة مريم ونحن نبغي التطوع لكنهم
صرفونا بعد يوم متعب ، نشكركم ياشباب ، ونحن اليوم نحتاج الى من خدم عسكريه ويعرف استعمال السلاح ....
هذه هي فلسطين كما عرفتها طوال سنين الطفولة والفتوة والشباب ... لكن هذا شيء وفلسطين الاخرى التي عرفتها لاحقا شيء آخر !
مرتين فقط احسست بفلسطين في عمق مشاعري ....
مرتين فقط عرفت معاناة الفلسطيني وهو يقتلع من ارضه ووجوده
مناسبتين فقط جعلتا مني الفلسطيني الذي انا عليه اليوم ...
مرّة في نهاية السبعينات وانا ارى والمس الشحنة العدائية التي غطّتْ ارضنا وغضّنتْ سمائنا وسوّدتْ مشاعرنا بالسخام ...
الكراهية التي غيّرت من سلوك الناس وملامح الشوارع وعذوبة ليل بغداد ورطوبة ضفاف دجلة وجعلت منا فريقا خائفا يلوذ بالفرار الى لامكان وفريقا متربصا بعيون حادة وآذان مرهفة واعناق مشرأبة واياد قابضة على السكاكين او الكلبجات ....
كان اصدقاء الامس واحبة الايام الحلوة يتوارون عن الانظار ويغادرون فرداي وجماعات ...
هتفت بالشهيد عادل وانا انظر في عمق عينيه الواسعتين المتسائلتين ... هتفت بصوت مرتجف حاولت جاهدا ان اجعله واثقا واخفي ارتجافه ورنة الخوف والارتعاد البائنة في صداه :
لن نغادر .... لن نستسلم لصهاينة الداخل هؤلاء ابدا " هكذا سميناهم يومذاك "... لن نترك لهم جدران محلتنا الآجرية الجميلة ولا ضفاف شاطيء الكرخ ولا اعمدة شارع الرشيد ولا ليل ابي نؤاس الندي ّ .... ورددتُ معه الاغنية التي احببناها من القلب ... اغنية توفيق زياد ، لاننا عند ذاك فقط احسسنا بما كانت تعنيه واصبحنا قريبين منها :
هنا
على صدوركم ... باقون كالجدار
وفي حلوقكم ...كقطعة الزجاج كالصبّار !
كانت غيمة الكراهية والموت والزيف السوداء تلك قد شملت الفلسطيني ايضا ، فقربت الموالي وطاردت المختلف مطاردة دامية حوّلت بعضهم الى جثث مرمية ورؤوس مقطوعة في سواق جافة اوشوارع مهجورة او خرائب على حافات المدن تحت شعار : عاشت فلسطين حرّة ابّية !
لكن كل هذا شيء وتحولي الى فلسطيني حقيقي من هذا الزمان شيء آخر ..
ففي ضحى احد ايام عام2006 لعلع رصاص كثيف ، في منطقتنا ، خرجت على حذر كان قد اصبح عادة لأعرف ما يجري ، قال جاري الشاب : انهم المجاهدون ياعم !
كان هذا اعلان وجود لمنطقة نفوذ وتحكّم
.. بعد ايام بدأ مسلسل رسائل التهديد واوامر المغادرة لسعيدي الحظ قبل ان نبلغ ، خلال ايام ، مرحلة الجثث المرمية والرؤوس المقطوعة ...
غادرنا مع المغادرين وفي القلب لوعة وفي العين دمعة وفي الصدر حشرجة ...
كانت اعناق الصغار تلتوي الى الخلف حيث بقيت قلوبهم : بيتنا ... اشيائنا... كتبنا .. حديقتنا !
خمنّا ان المسالة قد تطول اياما ..ربما اسابيع ، ولم تخطرالاشهر على بالنا ... لكن الامر استطال ليصبح سنوات !
في تلك الايام بدأ البعض بالاستسلام للامر الواقع والبحث عن حلول " عملية " في مواجهة ازمة ليس لهم من مغيث فيها : لا سلطة احتلال معنية بحل ، وربما العكس هو الصحيح ، و لا حكومة قويّة يمكن ان تطمن شيئا ...وارتفعت الحواجز الكونكريتية بين منطقة واخرى فيما نُصبت بنادق القنص على المداخل ...
بدأ البعض تحت ضغط هذا الظرف المؤلم ببيع بيوتهم باثمان بخسة وكان يجري تشجيع هذا الامر من قبل مستفيدين جشعين يلغون بالدماء ويستثمرون الرعب كتجارة وذباحين عميان ليسوا في واقع الحال اكثر من ادوات اجرامية منفذة ...
في تلك الايام بدأت معرفتي بمحنة الفلسطيني تصبح اكثر يقينية واحساسي بمعاناته يسري الى خلايا عقلي وجسدي وتحول مفتاح بيتي الى قرآن ورمز مثلما كان لدى الفلسطيني ...
ليس ثمة اختلاف ...فقد جاءت عصابات شتيرن والهاغاناه مثلما جاء هؤلاء الاوباش ... الرصاص والذبح والمجازر ورسائل التهديد !
فهل سيصبح بيتي ذكرى كما امسى بيت الفلسطيني ؟
هل سيتوارث ابنائي واحفادي قصة قديمة عن بيت جميل وحبيب كان لهم في بغداد ؟!
حينما غادرنا بيتنا كان ابنائي قد احتفظوا بصور وافلام لكل شيء فيه تقريبا ... كانت هوايتهم ، آنذاك ، التصوير والتوثيق ... مثلما كانت العاب الطين في حديقة المنزل افضل العابهم ...
عمل احدهم فلما عن الارهاب والتهجير ..استعرض الجدران والنخلات واشجار الزيتون والعرموط تحت قطرات الطل في تشرين وهي تتطاول في زرقة سماءه الصافية ، وعلى العشب النديّ جعل اخيه الاصغر يتدحرج ممثلا دور الضحّية للارهابيين حين اقتحامهم البيت .. جعلت الموسيقى التصويرية والاغنية العراقية الحزينة المرافقة انفاسي تثقل وصدري يتحشرج عندها :
هل سنعود يوما ام سنكون فلسطينيي هذه المرحلة ؟!
لم يستمر الامر وعادت بغداد وتبددت الكثير من المخاوف السوداء لكن التهديد ما يزال قائما والشبح الكريه لم يتوارى بعد ...
ففي بغداد كان هناك نازحون بين شارع وآخر.. وفي العراق كان هناك لاجئون بين مدينة واخرى من شيعة وسنة وكرد وايزيديين ومسيحيين وغيرهم ، لكل منهم مفتاح داره الذي كان يقبض عليه بقوة ويتمتم : عائدون !
وما حصل في العراق ، في تلك الايام ، يمكن ان يعاد في العراق و يمكن ان يحصل في كل مكان من النيل الى الفرات !
فحيثما تقتضي المصالح الكبرى فلا مبالاة بالدم ولا بالمشاعر ولا الحقوق ولا الذكريات
فالصهاينة موجودون في كل عصر ومصر والضحايا كذلك
لذلك لا يمكن لي او لك ان ننصر مغتصبا مهما طال الزمن ولا يمكن لنا ان نرضخ لامر واقع في قضية حق وباطل ولا يجوز لنا ان نقبل بالتطبيع بين غادر ومغدور والاّ كنا الضحايا اللاحقين ، فنحن جميعا ، في واقع الحال ، في العراق وسوريا مثلما نحن في مصر او اليمن او الحجاز او الخليج او اي مكان آخر فلسطينيون حينما تأتي ساعتنا ... اننا فلسطينيون مع وقف التنفيذ !

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي