عبر القرى نحو شنكال

مراد سليمان علو
2020 / 9 / 17

(عبر القرى نحو شنكال)
بالرغم من الجراح الثخينة، دائما نتلمس الطريق إلى شنكال، ولكن بعكازات بالكاد تحملنا، فالذهاب من القرية إلى شنكال تشبه التوجه من مطار دوسلدروف إلى بابل، فلا تزال تسمّى عند البعض منا ب (السفر شرقا)، وهي مناسبة تدعو للفرح، وربما للاحتفال كما أيام زمان عندما كانت سيارة (حسن حجيكا) البيك آب هي الوسيلة الحديثة الوحيدة للتنقل.
كان (أبو فلاح) يستخدم منبّه السيارة (الهورن) ثلاث مرات متتالية فجرا وهي علامة كي يستعد وينتظر على الطريق من يروم الذهاب إلى شنكال من أهالي (السكينية العليا) ومن ثم النزول إلى (السكينية السفلى) ولهم نفس العدد من التنبيهات، وكان يحرص على إطلاقها قبل أن يصل للقرية ثم يتجه شرقا وبمحاذاة التلول إلى أن يصل قرية (المجنونية ـ تل حيالى) فيلتقط من يتواجد على الطريق، وهكذا هو الأمر في قرية (الوردية) و (زرافكي) و(قصركي) إلى أن يصل إلى شنكال. الركاب يشترون من مغازات الصولبند ودكاكين السوق ما يحتاجونه. ويقفل راجعا قبل المغيب؛ ليحكي من ذهب في مغامرة اليوم إلى الشرق عمّا شاهد من عجائب وغرائب المدينة .
منذ أيام (حسن حجيكا) و(شيخ ماجو) وذهابنا إلى شنكال يكون لأمر مهم أو ظرف طارئ، فقبل الفرمان كان من يدخل في يوم السبت إلى المدينة يذهب مباشرة إلى عيادات الأطباء؛ لأن السبت عطلة رسمية وصرنا الآن نشبه المدن الأوربية في عطلاتها الأسبوعية المكونة من يومين متتالين، وعيادات الأطباء تكون مفتوحة على مدار اليوم، وأكثر المرضى من النساء، ومن أرادت أن تسرع بالعودة إلى بيتها عليها أن تنقد الفرّاش بأكبر نقد كاف، ولا تتبع تعليمات مصلحة نقل الركاب فهي مصلحة لئيمة ولهذا عاقبها الله بمحوها عن الوجود.
ويوم الأحد كان يوم السعد الكبير لأن الجميع يراجعون الدوائر الرسمية وعلى الأغلب لأجل (التعيين) أو في سبيل الحصول على رعاية اجتماعية بطريقة أو بأخرى، أو ترويج معاملة لأحد أركان المربع الذهبي المكوّن من هوية الأحوال المدنية والجنسية العراقية وبطاقة السكن وبطاقة المواد الغذائية، وشعارهم في ذلك عدم الاستسلام لليأس، فلا حياة مع اليأس؛ لأنك قد تحتاج أشهرا لأنهاء معاملة ورقية لك وحينئذ تكون من المحظوظين ويحق عليك ذبح ديك الجيران المزعج سرا لعمل وليمة بالمناسبة.
أما الاثنين فهو يوم مخصص للثلاجات والمجمدات العاطلة وجلبها إلى المصلحين، وإن سألت (أبو حيدر) المصلّح التلعفري الطيب الخلق لماذا تتعطل ثلاجاتنا وهي جديدة فسيقول لك:
"والله قرداش السبب هو من المنشأ فالصناعة التركية والإيرانية سيئة للغاية وبعد أن يأخذ نَفَس من سيجارته سيضيف قائلا: أو ربما السبب من الكهرباء فهي ضعيفة وخاصة كهرباء المولّدة الملعونة". تقول احدى بناتي إن الأذن اليسرى ل(داود) مشغّل موّلدتنا لا ترتاح من الطنين نتيجة لعناتك ومسبّاتك له عندما يعبث بقاطع الدورة ـ السركت ـ خاصتنا.
والثلاثاء يوم مشئوم للمعيز، فقد قارب الصيف من نهايته وجف الحليب من ضروعها لذا حلّ بيعها وإلا ستعلف كلّ شيء دون مقابل وهكذا نتخلى عن معيزنا بعد أن شربنا من حليبها وأكلنا من أجبانها طيلة الأشهر الماضية نبيعها دون أن يرف لنا جفن، نعم كلّ أربع سيارات تجد أحداها تحمل بعض المعيز وهي تنظر للخلف وبدلا من أن تقول:
".. مااااااء.. تقول مااااال.." أي (البيت) لعلها تريد أن ترجع للبيت بدلا من السوق، ولله في خلقه شؤون.
وفي يوم الأربعاء لو سئلت طبيبا مختصا بالكسور عن الموسم الذي تكثر فيه الإصابات لأجابك دون تردد فصل الشتاء نظرا للصقيع و(الزحلقة) على الصقيع وخاصة الصغار وكبار السن، ولكن لو أجريت مسحا أو راقبت عيادات الكسور والمستشفيات لرأيت أن النسبة في الصيف هي ضعف الشتاء على الأقل في (شنكال) لثلاثة أسباب: أولها لم نعد نرى الثلوج والصقيع في الشتاء، وثانيا استخدام السيراميك في البيوت الحديثة وفي أماكن ينبغي استخدام الكاشي بدلا عنه فالعملية أشبه بارتداء بذلة ألسموكن صباحا إيغالا في الأناقة لذا نرى الصغار يتزحلقون ويسقطون ما أن يبلل الكبار تلك الأرضية لمسحها، والسبب الثالث يكمن في الملاعب الخماسية ذات الأرضية الاصطناعية والتي لم يعتاد عليها الناس بعد، فتراهم يندفعون بكلّ قواهم ويختل توازنهم فتكون النتيجة كسر أو فسخ في أقل تقدير.
وبما أن اليومين التاليين عطلة فيوم الخميس هو يوم التسوق بكلّ أشكاله وألوانه وأجناسه وطبعا بالآجل (بالديَن) حتى لو كانت الجيوب مليئة بالنقود.
والجمعة شلل رباعي تام في كلّ مكان.
أما بعد الفرمان فقد نسينا كلّ شيء ولم يبقى في الذاكرة إلا صوت واحد تردده إيكو على أسماعنا ليل نهار: متى سنعود لشنكال؟
*******

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية