أبق حيث الغناء ـ 12 ـ

آرام كربيت
2020 / 9 / 17

ـ هذا بيت أهلي، أنظر إلى هناك، وأشار إلى فلسطين، هناك قلعة على ذلك الجبل المزين بالأشجار هو قلعة عجلون، سنزورها إذا وقتنا سمح بذلك.
رحت أمعن، أنظر إلى عجلون وطبيعة عجلون باستغراب شديد:
هل يوجد في الأردن مثل هذه الطبيعة الساحرة؟ لماذا لم أعرف أي شيء عن هذا البلد العربي الساحر؟ يا إلهي على هذا القدر الجميل، الذي جاء بي إلى نجيب وبيت أهل نجيب؟
وقلت لنفسي:
ـ الانتماء إلى المكان هو جزء من جدلية الحياة والموت والبقاء. بيني وبين هذه الأرض جاذبية غريبة لا يمكن تفسيرها، أريد أن أقبض على الدهر، لأبقى ماسكًا هذه الأرض لأبقى عليها وأكون فيها. واستمر وأكون جزءًا منها. ثم قلت لنفسي، أنها السياسة، الوحشة، الفراق والافتراق، تقود إلإنسان إلى التمزق الذاتي والعملي، تشوهه، تفككه، تحوله إلى وحش كاسر، متوحش، يأكل الحجارة والبيوت والتراث والبراكين وحيتان المحيطات وأسماك السلمون والقرش.
عندما تحول الإنسان إلى كائن سياسي أصبح عدوًا لذاتت، عدو البقاء على هذا الوجود، وبدأ بأكل نفسه وتمزيقها من الداخل ثم انتقل إلى اكل الطبيعة كلها، ولن يقف إلا بفناء هذا العالم. وقلت:
ما أقسى أن يفكر الإنسان بمنطق أعوج.
وصلنا إلى البيت، وقفت السيارة على مسافة أمتار منه، المكان هادئ، بعيد عن حركة الناس والسوق والآليات والسيارات، وفيه القليل من الناس. رأيت في عيون أهل نجيب رائحة الأرض الخضراء، حقول القمح والذرة وأقواس القزح.
عائلة لها طعم الأرض المشبع بالمطر وخيوط السنابل المتمددة إلى جذور السماء، وجوه شابة بريئة، يمكننا قراءة البسمة الدافئة الرقيقة على ملامحهم، النضارة على الوجنات، والفرحة الممزوجة بالحسرة أخذتنا إلى البعيد عندما اقتربوا أكثر، ورأوا نجيب، وكأنه إله قادم من السماء.
كل ما يقترب أحدهم منه يحضنه ويرحبوا به أيما ترحيب. ورحبوا بي، وتعاملوا معي كأخ وصديق لهم.
دخلنا إلى البيت الواسع، على الطراز الحديث هندسيًا، بيد أن جماله جمال، جمال قابع فوق أعلى قمة من قمم عجلون، في السماء.
وقفت أنظر إلى الجنوب الغربي والشمالي، مسحورًا بالمكان الأليف، واتساءل:
ـ لماذا لم نرتق إلى مصاف الدول المتقدمة ولدينا كل مقومات الحياة؟ لماذا بقيت بلادنا رهينة الاستبداد الديني والاجتماعي؟ إلى متى سيبقى الشرق مثقلًا بحمولاته الداخلية ولا يرغب في الخروج منه؟
في البيت كان هناك والد نجيب الأخ العزيز سالم، الرجل الهادئ، الطويل القامة، الجميل القسمات، الأبيض الوجه. رحب بنا بسعادة بالغة.
هذا الرجل كان يردد دائمًا عندما أكون بحضوره، ويعبر عن أعجاب واعتزازه بعجلون وبأرض عجلون، مسحورًا بأرض وطنه. ومرات كثيرة كنت أذهب معه إلى الأرض في الجهة الغربية من عجلون، ننزل الوادي ثم نصعد بالسيارة اللاندروفر إلى الجبل القريب من قلعة عجلون، نمشي في الأرض الخضراء، هناك تكون أم نجيب جالسة على الكرسي في انتظارنا.
جالسة هناك، بالقرب من الحقل أو على جانب من جوانبه تنظر إلى الشمس أو الشجر او الحقل. واحيانًا كثيرة يتواجد الأعمام وأولاد الأعمام والخال والعمة فيتحول المكان إلى مزار أو كرنفال يشع بالناس الجميلة.
وابو نجيب رجل جاد وصادق وأمين، مرات كثيرة كنت أمشي برفقته أراه مرتاح البال، في حالة استرخاء. ومرات يذهب بعيدًا، أرى المرارة تخرج من صدره وكأنه يريد القول أن زمن الأرض والشجر والناس في بلادنا مات.
ومات الثمر والفرح، بيد أنه كان يعبر عن تمسكه الأصيل بالبلد، يحدثني عنه، يرافق ذلك أحيانًا كثيرة حزن دفين، يمد يده وكأنه يخرج قلبه من صدره ويعبر عن ذلك بوضوح عن عجز الأرض أن تكون أرضًا في زمننا المهزوم.
وفي لحظة من اللحظات كنت أرى الدموع تنهمر من عينه، قال لي، بعد أن انحنى على الأرض ومسك قبضة من التراب بيده، فركه، وكتل التراب الأحمر اللون ورفع رأسه ونظر إلي:
ـ هذا وطني أعتز به، وهذا اللون، لون التراب هو لون دماء أجدادي الذين كافحوا وجدوا وعملوا وقاوموا قسوة الزمن من أجل أن تبقى هذه الأرض عامرة بالجمال، رافدة مجد الأجداد والأبناء والأولاد من أمثالنا في الاستمرار.
بعد أن صعدنا أحد التلال فوق الجبال، رأينا الأرض المستوية لأهل نجيب، مشينا في الحقول، حقول عجلون، أنا والعم سالم، وعلى مبعدة قصيرة رأيت طارق ورامي وأم نجيب، منهم الجالس ومنهم الواقف، والشمس المنعشة لبلادنا تمدنا بالطاقة الإيجابية والحنان.
شجرة وراء شجرة، غابات خضراء وأرفة الظلال، وعلى يسارنا قلعة عجلون على المدى القريب. هنا فطرنا على الأرض وعلى فرحها ورشاقتها. أكلنا الزاد وشربنا وتبضعنا الهواء النقي، وسرحنا على المدى الواسع عبر الحدود المفتوحة على الله. شيء أشبه بالجنة الواعدة في الأساطير المتعددة.
كانت تأتي سناء أخت نجيب الكبرى برفقة أبنتها غدير، والأخت الثانية له، ليلى الطالبة الجامعية التي كانت تدرس في جامعة أربد القريبة من عجلون في كلية الأدب الفرنسي، صبية تعج بالطاقة والحياة والحيوية، نشيطة مرتبة، جميلة ورقيقة. ويرافقها أخيها الأصغر منها، طارق، الذي كان يدرس الأدب الأنكليزي، يذهبان كل يوم في السيارة ويعودان في أخر النهار.
في ليالي الشتاء الطويلة كنت أجالس طارق وليلى ورامي وحدنا في الصالون، نضع المدفأة بالقرب منه ننهل منها الحرارة. أجلس معهم دون نجيب، نتحدث في الأدب الروسي والفرنسي والأنكليزي، ونحلق في عوالم الوجود، والحياة والجامعة والطلاب وحياة الأردنيين، عوالم الناس الداخلية، الفقر والأوجاع وانعدام العمل وصعوبة العيش في بلد صغير ومحاصر من كل الجوانب وثلاث أرباع أرضه صحراء قاحلة خاصة في المناطق القريبة من السعودية.
ويبقى السؤال يرافق السؤال، ويرافق الجميع:
ـ من هو الله، ما هو الوجود؟ من أين جاء هذا الوجود أو الله؟
وتبقى الاسئلة العاجزة عاجزة عن الرد. ونبقى نتحدث في السياسة والحلم والأمل، ودراستهما، وطموحهما، وكان طارق يكرر علي هذا السؤال:
ـ من أين جئت إلينا، هل جئت من عند الله، ما هذه الثقافة الغزيرة التي لديك؟ من أنت؟
وتبقى ليلى مسحورة، مبتسمة بحياء، واحيانا تطرح الاسئلة الصعبة دون قدرة على صياغتها، ونطير على جناح الحديث بين إنسان خارج للتو من السجن وطعم السجن تحت لسانه برفقة شباب صغار، شباب في ريعان الشباب، لم يدخلا معترك الحياة بعد، وصعوبة الأقدار التي توجه الإنسان وتواجهه في مسيرة الحياة.
تحدثت عن السجن تحت ظل العيون المنبهرة المستغربة والأفواه المفتوحة عن غرابة هذا العالم القاسي القابع في ذوات الناس وقدرتهم على إخراجه من غمده وتحويله إلى ألم ووجع وتشويه نفسي.
كنت أقول في نفسي:
ـ لا تتحدث يا آرام عن السجن، لا تقتل البراءة والجمال في عيونهما، لليلى وطارق، وأرى اهتمامهما، وهما ما زالا في بداية الطريق. لا تصدمهما، لا تزرع الخوف والقلق في قلوبهما من المستقبل، أرفق بهما ولا تسترسل. فالألم لا لذة فيه بالرغم من أنه لذة.
السجن شرخ في الذات لا يبرح صاحبه، والذاكرة وجع دائم إذا شحن بالألم. دعهما يعيشان حياتهما دون أن يعرفا هذا العالم الموبوء. أجلّ الحديث في هذا الشأن، ليعرفا هذا العالم رويدا رويدا، ليستقي كل واحد منهما الخبرة والمعرفة من خلال خبرته في الحياة، لا تأذ مشاعرهما، فهما كالجدول الآخاذ الذي يجري في الأرض بالراحة.
مرات كثيرة كنت اتصل بنجيب، أقول له أنا في محطة الباصات، سأذهب إلى عجلون، أريد أن أخرج من الروتين من الأماكن المغلقة في داخلي، أريد أن أذهب إلى الطبيعة والحرية:
ـ هل تأتي معي؟
ـ لا يا آرام، لن أتي معك. أذهب لوحدك. ثم ماذا سأفعل في عجلون؟ هنا عملي وحياتي ولا أستطيع أن أبارحه.
ـ كنت أريد أن أخبرك، أن أضعك في الصورة عن يومي والأيام القادمة.
ـ أركب المكرو باص وأجلس في المقدمة لانهل من المكان جمال التلال والأشجار والهدوء. كنت اشعر بالأطمئنان في هذا الوطن الأخر، أكثر مما كنت اشعر به في سوريا، ربما أن ثقل السلطة في الأردن على المجتمع أقل بكثير من سوريا.