نوري المالكي - تحليل شخصية بمعطيات العملية السياسية في العراق(3)

قاسم حسين صالح
2020 / 9 / 17

نوري المالكي
تحليل شخصية بمعطيات العملية السياسية في العراق(3)
مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية
تضمنت الحلقة السابقة تنويها خاصا بالسيد المالكي،بأن من واجب علماء النفس تحليل شخصيات حكّام بلدانهم،بهدف ان يكونوا على دراية بحقيقة دوافع خفية في داخلهم تجبرهم قسرا على القيام بتصرفات واتخاذ قرارات لا تخدم مصالح أوطانهم وشعوبهم،وتعدّ أحد أهم أسباب فشل القائد السياسي في أن يكون رجل دولة،وموجز لما يحسب للمالكي وما عليه..ونخصص هذه الحلقة لتقديم مؤشرات سيكولوجية لشخصيته،مع تنويه ان التحليل العلمي للشخصية يتطلب تطبيق اختبارات متنوعة ومقابلات شخصية تستخدم اسئلة مفتوحة وأخرى مغلقة وحوارات،وهذا ما لم يحصل مع السيد المالكي..الذي ندعو سيادته ،بعد اطلاعه على تحليلنا بكامل حلقاته، الى مناظرة او حوار في فضائية عربية محايدة.
توضيح
بدءا نشير الى ان علم النفس الشخصية (Personality Psychology) يعدّ أحد أهم الفروع العلمية في علم النفس العام،بل انه يتميز عليها بأنه يستقطب النخبة من علماء النفس الذين يرتقون من باحثين علميين الى منظّرّين. وهنالك ستة منظورات رئيسة فيها ،تبدأ من التحليل النفسي الى التحليل الوجودي،وعشرات النظريات الصغرى..تختص جميعها بدراسة مكونات الشخصية(الفكر،والسلوك،والأنفعال،والدوافع الشعورية واللاشعوريه) التي تحدد اهداف الفرد في الحياة وطرائق تعامله مع الآخرين.
وفي الجانب التطبيقي،يستخدم هذا العلم اختبارات تتمتع بالصدق والثبات تساعد في ادراك الفرد لذاته ولمن حوله،والتعرف على طريقته في اتخاذ القرارات..تطورت الى ان اصبحت تستخدم في انتقاء الأفراد لصنوف محددة من القوات المسلحة وفي اجهزة المخابرات ورواد الفضاء..فضلا عن ان رؤساء دول وحكومات يستعينون بعلماء نفس الشخصية في فهم خصومهم السياسيين وطريقة التعامل معهم ،ورأيهم في ما يتخذونه من قرارات قبل تنفيذها.
وللأسف فان السياسيين بشكل خاص لا يعيرون لعلم النفس اهتماما،ولا يدركون انه العلم المعني بدراسة العمليات العقلية( Mental Processes) الخاصة بطبيعة تفكير السياسي وانفعالاته وسلوكه والدوافع الخفية التي تجبره على اتخاذ قراراته.
مؤشرات التحليل
نشير بدءا الى ان مؤشرات التحليل و(العقد) الخاصة بشخصية السيد نوري المالكي،هي حصيلة مصدرين:شخصيته هو كأنسان،وطبيعة الأحداث التي عاشها بعد 2003..ولهذا تناولت هذه الدراسة تحليلا (سيكوبولتك) للعملية السياسية في العراق..ما يعني انها شريك في تشكيل تلك المؤشرات وصناعة تلك الاحداث.
• عقدة الضحية:
ما حصل في العراق بعد (2003) نوجزه بما يشبه القانون السيكولوجي:(حين تكون السلطة بيد طائفة احتفظت بها أكثر من ألف عام،لها مذهب يختلف أو يتعارض مع مذهب طائفة أخرى،فان الطائفة الثانية تتهم الأولى بصفات: "الاستبداد،والاضطهاد،والجلاّد"، وتضفي على نفسها صفات:"المظلومية،والمحرومية،والضحية. ولأن "الضحية" تكون مشحونة بالشعور بالحيف،فانه يحرّضها للآنتقام من "الجلاّد"..فيتطور الحال الى انتقام متبادل).
وأخطر ما حصل انه جرى تبادل للأدوار، دون تمهيد، فصار الشيعة في السلطة والسّنة في المعارضة،وتبادل سيكولوجي لها نجم عنه أن الطائفة التي كانت تعدّ نفسها " ضحية " بالغت في الانتقام ممن تعدّه " جلادّها " حين امتلكت السلطة،وأن الطائفة التي كانت تعدّ " جلادّا " دافعت عن نفسها أن تكون "ضحية " وبالغت في الانتقام ممن تعدّه صار " جلادها ".وأصيب كلا الطرفين بحالة تعدت الخوف من الآخر إلى " بارانويا " في أقصى درجاتها بأن وصل كلاهما إلى الاعتقاد أن الآخر قد رفع شعار:" لأتغدى بصاحبي قبل أن يتعشى بي !"..وصارت أحياء بغداد تتبادل القصف فيما بينها!
وللأسف، ان السيد المالكي ما كان مدركا في سنته الأولى للحكم(2006) او مقدّرا لخطورة ما سيحصل،لأن عقدة (الضحية) والشعور بالمظلومية كانت متحكمة فيه،ولأن جماهير الشيعة الذين يشاركونه الشعور نفسه والعقدة ذاتها،أضفوا عليه صفات والقابا منحته الشعور بالزهو،اضعفت لديه القدرة على التحكم بالانفعالات فأوصلته الى ان يعلن (صارت عدنه وما ننطيها)،وانسته انه يمثل كل العراقيين ومسؤول عن حياتهم ايا كانت هوياتهم ودياناتهم.
ونشير الى مسألة غاية في الأهمية،هي أن جوهر مشكلة " العداء " بين السنّة والشيعة يكمن – برأينا – في ( الثقافة الشعبية )لجماهير كلا الطائفتين. فمع أن أكثر المثقفين من الطائفتين يستسخفون الخلاف بين السّنة والشيعة،الا ان جماهيرهما الشعبية التي تشكل الغالبية العظمى،متشبعة بثقافة الخلاف..وهي التي تؤثر في القادة السياسيين،فيستغلها قسم منهم ويتعاطف قسم آخرمعها لكسب ودّها من أجل البقاء في السلطة..وهذا ما حصل ويحصل لدى القيادات السياسية من الطائفتين.
وعلى وفق المنطق السيكولوجي فأن انتصار " الضحية " على من تعدّه " جلادّها " يدفعها الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم،وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا بصفة أو عنوان على الجلاّد. والممارسة المضخّمة لأنماط سلوكية أو طقوسية كان " الجلاّد " قد منعهم منها. فالشيعة ملئوا شوارع المدن والأحياء الشيعية بالمواكب الحسينية وزادوا في اللطم والضرب بالزنجيل،وبالغوا في وسائل التعبير عن أنهم كانوا ضحية. والكورد ايضا ركزوا في تجسيد ما أصابهم من ظلم،حتى صار الأمر بين الشيعة والكورد في حينه أشبه بالمباراة في تصوير ما أصابهما من ظلم،نجم عنها ان شاعت " ثقافة الضحية " عبر صحف ومجلات صدرت بالمئات في 2003. وتولى هذه المهمة مثقفون أو من أخذ دورهم ممن لم تكن لهم علاقة بالثقافة، نجم عنها تهميش الولاء للعراق، وتكريس الولاءات الكبرى : الطائفية والاثنية والدينية...والولاءات الصغرى: حزب أو تكتل أو عضو نافذ في مجلس الحكم، أو شخصية اجتماعية مستقلة ومتمكنة ماديا،أو مسنودة خارجيا. وكان اكثر تلك الولاءات تخلفا ظهور ما يمكن أن نصطلح على تسميته بــ ( شيوخ التحرير ) الذي يذكرّنا بــ ( شيوخ أم المعارك )..في موقفين متشابهين من حيث الغاية بين صدام والمالكي..هو كسب ود شيوخ العشائر بالهدايا والوعود لبقاء الحاكم في السلطة، وكانت (المس بيل)هي التي ابتكرت هذه الطريقة السيكولوجية في كسب ودّ شيوخ العشائر لتأمين احتلال الأنجليز للعراق.
• الحول العقلي
اوصلتنا متابعتنا للعملية السياسية ( 2003 – 2020)الى ابتكار مصطلح جديد في علم النفس هو (الحول العقلي)،ويعني أن الفرد يرى ايجابيات جماعته ويغمض عينيه عن سلبياتها،ويضخّم سلبيات الجماعة الأخرى ويغمض عينيه عن ايجابياتها ،ويحملّها التقصير،الأخطاء ،الأزمات..مع ان جماعته شريك فيها.
والحول العقلي هذا يحصل لدى الأشخاص المصابين ب(الدوغماتية) التي تعني طريقة منغلقة في التفكيرتصاحب الايديولجيات النصية المتزمتة دينية كانت ام علمانية،يحكمها تنظيم معرفي جامد بخصوص الحقائق والوقائع، ناجم عن اعتقاد جازم ويقين مطلق مستند الى مباديء تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق فيها تجبر الفرد على اتخاذ قرارات او احكام تقوم على موروثات لا يتوافر على صحتها دليل منطقي.
والحول العقلي هذا كان يتحكم بالسيد المالكي في السنتين الأولى لولايته الأولى.ومع انه حاول تعديل هذا الحول الا انه لم ينجح لسببين،الأول سيكولوجي يخص الناس، هو ان الأنطباع الأول الذي يأخذونه عن الحاكم هو الذي يدفعهم الى اصدار قرارهم النهائي،قبولا او رفضا..حبا او كراهية، لاسيما العراقيين الذين لديهم خبرة بحكامهم ينفردون بها عن شعوب المنطقة. والثاني ديني سياسي يخصه ،انه مؤمن بمعتقدات يرى فيها كثيرون انها ماضوية تجاوزها التطور الفكري، فيما يرى فيها آخرون انها معبأة باشكالات خلافية،وانها لا تصلح لقيادة مجتمع متنوع الديانات والقوميات والطوائف. والمؤسف أن بعض قيادات حزبه الذي تولى رئاسة ثلاث حكومات لأثنتي عشرة سنة(2006-2018)،اتهمت العلمانية علنا بانها كفر والحاد وزندقة..وأن السيد المالكي لم يوجه بمنعها بحكم انه امين عام حزبه ورئيس مجلس الوزراء وممثل لكل العراقيين..ما يعني ان الحول العقلي لديه ما يزال له دور في تقسيمه الناس الى (هم) و(نحن)..بمعياري الأفضلية والأحقية.
• الأفعال والأقوال
السبب الرئيس لفشل الحاكم سياسيا يحصل حين لا تتطابق افعاله مع اقواله ولا يفي بوعوده.دليل ذلك ان العبادي اعلن يوم توليه الحكم(2014) انه سيضرب الفساد بيد من حديد..وما ضرب ،فتراجعت مكانته الأعتبارية التي حققها في الحرب على داعش،لأن الناس افتقدت فيه المصداقية.وكان المالكي قد خاطب العراقيين قائلا:خصصنا 18 مليار دولار للزراعة،و25 مليار دولار لبناء وحدات سكنية،و25 مليار دولار لسكك الحديد،و4 مليار دولار لبناء مدارس...ولم يشهد احد من الذين يعنيهم الأمر أن واقعه قد تحسّن.ولم يعتذر كما فعل العبادي الذي لم ينفذ وعده بضرب الفساد في خطابه بجامعة بغداد (27/ 11/ 2017 ) بقوله ان (الفساد مافيا، يملكون المال..فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد).
وكثيرا ما يقع المالكي في تناقض بين اقواله وافعاله في قضايا تخص حياة الناس ومستقبلهم .ففي شباط 2011 اعلن انه مع مطالب المتظاهرين السلميين وان على الحكومة تلبيتها،فيما ارسل احد القياديين بحزب الدعوة ليصعد على سطح العمارة المطلة على ساحة التحرير ويعطي الاوامر بضرب المتظاهرين السلميين.
وحديثا،صرح المالكي في احدى الفضائيات(..وانا اعتقد بان هذه الطبقة السياسية وانا منهم ينبغي ان لا يكون لهم دور في رسم خريطة العملية السياسية في العراق لانهم فشلوا فشلا ذريعا)،ومع ذلك فانه لم يغادر العملية السياسية،بل ما يزال يمارسها ويتدخل في رسم خريطتها.وقبلها قال:كثيرون يتهمونني انني (امريكي) وآخرون يقولون عني (ايراني)..وهو يعلم انه ليس صادقا في وصفه لنفسه.
وفي تدوينة له على صفحته بالفيسبوك، كتب المالكي " أرى من واجبي ان اطالب الحكومة(حكومة الكاظمي) ووزراء الكهرباء والموارد المائية والبلديات والمالية الى الاسراع بالاستجابة لمطالب المتظاهرين من اجل انهاء المعاناة التي يواجهها اهلنا في البصرة يوميا)..وهو يعلم ان حكومة الكاظمي تعاني ازمة اقتصادية،وكان بالأمكان ان لا يحصل هذا الحال المأساوي لأهلنا في البصرة لو انه قام بتأمين الخدمات للعراقيين زمن حكمه التي وصل فيها سعر برميل النفط 140 دولارا..فيما وصف البصرة والناصرية بالمدن الساقطة بسبب المتظاهرين في لقائه بفضائية الشرقية..في الأسبوع نفسه من (آب 2020).
* في الحلقة الثالثة..سيكولوجيا الخليفة واخرى