المصالح المشتركة أقوى من أرض إسرائيل والتضامن مع الفلسطينيين

الوف بن
2020 / 9 / 17



*المصالح المشتركة بين اسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها العرب أقوى من ايديولوجية ارض اسرائيل الكاملة وأقوى من تضامن العرب مع الفلسطينيين. ولكن من السابق لأوانه الفرح من اجل المستوطنين*

محرر صحيفة "هآرتس" الراحل، دافيد لنداو، قال لي ذات مرة بأن التاريخ سيظهر جميع أحداث السلام كعملية واحدة وهي قبول اسرائيل في الشرق الاوسط، التي بدأت بعد حرب يوم الغفران وهي تواصل منذ ذلك الحين بشكل مستمر، حتى لو تعرضت لاوقات توقف طويلة.



صياغته كانت لامعة، لكن في السنوات الاخيرة اعتقدت بأنه كان متفائل جدا، وأن عملية التطبيع توقفت أو على الاقل ستحتاج الى وقت طويل. ولم تكن تنقصها الاسباب: الجمود في العملية السياسية مع الفلسطينيين، سعي حكومة اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو لضم اجزاء من الضفة الغربية وضعف الانظمة في الدول العربية الذي كشف عنه في ثورة الربيع العربي.

عندما شاهدت أمس مراسيم التوقيع على "اتفاقات ابراهيم" في البيت الابيض تذكرت الرئيس السابق، وأردت القول له: يا دافيد، لقد كنت محقا. في نهاية المطاف فان المصالح المشتركة بين اسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها العرب أقوى من ايديولوجية ارض اسرائيل الكاملة، أو التضامن العربي مع الفلسطينيين. وقد جعلت المصالح االإمارات المتحدة والبحرين تعلن عن السلام مع اسرائيل واقامة علاقات كاملة وعلنية معها.

وجعلت نتنياهو يتنازل عن اتباع الضم و"أمناء جبل الهيكل" في اليمين المتطرف والعودة الى المسار الذي سار فيه كل أسلافه منذ العام 1973، البعض منهم بشكل متحمس، والبعض تحت الضغط، لكن مع نفس النتيجة وهي التنازل عن أحلام مسيحانية كبيرة لصالح اتفاقات عملية في الواقع، التي تحول اسرائيل الى جارة مرغوب فيها.



المراسيم ظهرت مثل اعادة بث لاحداث مشابهة في السابق، خاصة توقيع اتفاق السلام مع الاردن الذي حصل على تأييد الجمهور الواسع في اسرائيل. خطاب نتنياهو سمع مثل "القص واللصق" من النصوص التي كتبها في حينه ايتان هابر ليتسحاق رابين.

نفس الذكريات من الحروب والمعارك والثكل، التي بفضلها يدرك القائد أهمية السلام. ونفس الآية من التوراة. ونفس انفعال رئيس حكومة اسرائيل من التقرب من الجيران الذين لم يعودوا يختبئون ويتملصون عندما يمر بجانبهم. ونفس الفهم لحكام الدول العربية بأن الطريق الى واشنطن تمر عبر القدس. ونفس السطور الانفعالية لمن يقرأون الأخبار. وحتى نفس صافرات الانذار التي تذكر بوجود الفلسطينيين ووجود الاحتلال والنزاع حول تقسيم البلاد لمن اعتقدوا بأنهم قد اختفوا عن الانظار.

عندما تولى نتنياهو الحكم بعد قتل رابين وبعد هزيمة شمعون بيرس في الانتخابات، قامت دول الضواحي العربية في الخليج وفي شمال افريقيا بطي أعلام التطبيع التي رفعت بعد التوقيع على اتفاقات اوسلو.



توجد عدالة محزنة في حقيقة أن نتنياهو قد حظي الآن برفع الأعلام من جديد. الرئيس الامريكي ترامب وعد بأنه بعد دولة الامارات ودولة البحرين ستكون دول اخرى. ومن الصعب التعويل على مصداقيته، لكن فجأة هذا الوعد لا يبدو وعد باطل، حتى لو أنه لم يتحقق في الاسابيع المتبقية حتى موعد الانتخابات الرئاسية. ومن ترعرعوا في دولة محاصرة والتي جميع حدودها البرية مغلقة وجواز سفرها مقاطع على أبواب الكثير من الدول، فان أي اتفاق لاقامة علاقات وأي افتتاح لخط طيران، هي انتصار صغير آخر في الطريق لتكون اسرائيل "دولة مثل كل الدول".

مقابل هذا الانتصار وقفت أمس ثلاث قوى في الطرف الخاسر. الاولى، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي مقاطعته للرئيس الامريكي ولنتنياهو اعفتهما حتى من عبء تقديم أي بادرة حسن نية رمزية.

بجهد غير كبير كان عباس يمكنه أن يقف أمس الى جانب الموقعين والحصول على شيء معين في المقابل. الثانية، اليسار في اسرائيل الذي يؤيد مقاطعة اسرائيل على اعتبار أنها الأداة الاكثر فاعلية لانهاء الاحتلال ومنح الحرية للفلسطينيين. الثالثة، المستوطنون ومبعوثوهم في احزاب اليمين وفي المؤسسة الاسرائيلية، الذين اضطروا الى التخلي عن حلم الضم العلني. ولكن من السابق لأوانه الفرح من اجلهم.

أو الاعتقاد بأن ايديولوجياتهم قد تلقت ضربة شديدة في حديقة البيت الابيض. التجربة تعلم بأنه حتى اذا تراكمت الخطوات الصغيرة واصبحت عملية واحدة، فان من يعارضونها سيجدون طرق جديدة لحرف قطار السلام عن السكة. وحلم دافيد لنداو سيجتاز المزيد من العقبات والاضطرابات الى حين تحققه بالكامل.