الانتحار احتجاج ورفض للواقع البائس

جلال الصباغ
2020 / 9 / 17

نسمع بشكل يومي عن حوادث انتحار في صفوف الشباب والشابات، خصوصا في المناطق والمحافظات الأكثر فقرا وبطالة، فهذه عروس أقدمت على شنق نفسها بعد إجبارها على الزواج من مغتصبها، وذلك شاب القى بنفسه من أعلى جسر في الناصرية وهو خريج كلية الهندسة العاطل عن العمل، وآخر أنهى حياته بطلق ناري في الرأس بعد أن عجز عن توفير احتياجات أطفاله.....

حوادث كثيرة وحزينة، قصص تُدمي قلب اي انسان، لا يزال يحتفظ بشيء من إنسانيته، فكل يوم نتفاجيء بسماع اخبار المنتحرين الذين لم يطيقوا العيش في دولة الاسلاميين.

يبقى السؤال المهم وسط تضاعف حالات الانتحار بهذه الطريقة التراجيدية؛ من المسؤول عن انتحار هذا العدد من الأشخاص سنويا؟ ولماذا الاعداد في تزايد مرعب؟ وما العمل من أجل إيقاف إزهاق هذه الأرواح بشكل يومي دون وجود حلول عملية لهذه الظاهرة التي باتت تشكل خطرا يهدد الكثيرين؟
في البدء تعد ظاهرة الانتحار حالة مركبة تحمل في مظاهرها أسبابا نفسية واجتماعية واقتصادية حيث تتفاعل هذه الأسباب فيما بينها لتدفع باحدهم او أحدهن إلى الانتحار، والانتحار ليس ترفا او قرارا يتخذه الشخص، هكذا بمحض إرادته دون ظروف خارجية قاهرة تجعل من حياته عبئا ثقيلا، لا يستطيع تحمله، ما يجعل من حياته الاجتماعية حياة عزلة وقلق وعدم ثقة بالآخرين، وينعكس على وضعه النفسي ليجعله عرضة لمختلف الأمراض النفسية، وهذا الوضع برمته هو نتاج وضع سياسي واقتصادي سيء جدا.

تكثر حالات الانتحار في مناطق الجنوب وتحديدا محافظة ذي قار، التي تسجل سنويا أعلى نسبة من حالات الانتحار على مستوى البلاد، وهي إحدى أكثر المحافظات فقرا حيث تتجاوز نسبة الفقر فيها الأربعين بالمئة، وهو أحد أهم المؤشرات التي تسبب الانتحار بالإضافة إلى تحكم الأعراف العشائرية والدينية، ناهيك عن انعدام الحريات الشخصية والاجتماعية، بفعل سيطرة قوى الرجعية والتخلف من أحزاب الاسلام السياسي والمليشيات، على المحافظة ومدنها، وهذا الأمر ينطبق إلى حد كبير على كل مدن الوسط والجنوب.

ان التفكير بإنهاء الحياة في العراق هو نتيجة لأوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية، سببها سيطرة الاسلام السياسي وشركاؤه ونهبهم المنظم لموارد الدولة ما حول المجتمع إلى مستنقع يسوده التغالب والتفكك وسيطرة قوى الدين والطائفية والمليشيات، الذين يعتاشون كما السياسين على دماء الفقراء وقوتهم، وبالتالي خلفوا البؤس والبطالة وانعدام الخدمات، وانتجوا العصابات والمجرمين وتجار المخدرات، وكل هذه الأمراض ستنتج أناسا معترضين، لكن بطريقة مختلفة، فظروف هؤلاء القاهرة وواقعهم الاليم دفعهم للخلاص من معذبيهم وسارقيهم ومستغليهم بالانتحار .

ان الخلاص من هذه الظاهرة التي تحصد حياة المئات سنويا، لن يتم الا بالخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والقومية المقيت، الذي اشبع العراقيين موتا وانتحارا وتهجيرا وفقرا.