-إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية- - الجزء الثاني

عبد السلام أديب
2020 / 9 / 17

1 - في الجزء الأول من هذه المداخلة التي قدمت خلال الندوة الرقمية التي انعقدت يومي 20 و21 غشت 2020، تمت محاولة ربط السيرورة الاجتماعية بثلاث مكونات رئيسية وهي نمط الإنتاج والتشكيلة الاجتماعية وما يحدث داخلهما من تناقضات تشكل أساس الصراعات الطبقية والسياسية. وبما ان المداخلة كانت مرتجلة وعرفت الكثير من النقاشات بعد انتهائها، فقد حاولت إعادة كتابتها من خلال محاور الموضوع وعززتها باستشهادات ماركس وإنجلز ولينين كما طعمتها بالأفكار التي أضافها الرفاق خلال المناقشة اللاحقةللعروض الثلاثة، لذلك جاء القسم الأول من المداخلة طويلا نسبيا، وبعد عزل القسم الثاني من العرض أقدمه فيما يلي بعد اعادة كتابته بنفس طريقة تحرير القسم الأول مع ادماج الاستشهادات الضرورية والنقاشات المهمة التي تلت العرض.

2 – ويركز الجزء الثاني من العرض على عدد من النقاط انطلاقا من المفهوم الماركسي اللينيني للطبقات وموضوعية الصراع الطبقي تاريخيا ثم السياق الحالي للصراع الطبقي.

أولا: المفهوم الماركسي اللينيني للطبقات:

1 - حدد لينين في كتابه المبادرة الكبرى طبيعة الطبقات الاجتماعية كما يلي:

"تطلق كلمة الطبقات على جماعات واسعة من الناس تمتاز بالمكان الذي تشغله في نظام الانتاج الاجتماعي محدد تاريخيا بعلاقاتها (التي يحددها ويكرسها القانون في معظم الاحيان) بوسائل الانتاج وبدورها في التنظيم الاجتماعي للعمل وبالتالي بطرق الحصول على الثروات الاجتماعية وبمقدار حصتها من هذه الثروات، فالطبقات عبارة عن جماعات من الناس تستطيع احداها ان تستملك عمل جماعة اخرى بسبب الفرق في المكان الذي تشغله في نمط معين من الاقتصاد الاجتماعي". (لينين، المبادرة الكبرى، المختارات في عشر مجلدات، المجلد 9، ص: 40)

2 - كما أكد لينين في العديد من النصوص الأخرى على العلاقة القائمة بين وضع الفرد في مسلسل الإنتاج الاجتماعي أو ارتباطا بوسائل الإنتاج وبطبقته الاجتماعية. من هنا يمكن تحديد هذه العلاقة بدقة، فيمكن وصف الطبقات الاجتماعية على أنها مجموعات اجتماعية متعادية، يستملك بعضها عمل البعض الآخر، بسبب المواقع المختلفة التي يشغلونها في البنية الاقتصادية لنمط الإنتاج القائم، وتتحدد هذه المواقع بشكل أساسي من خلال شكل ارتباطها بوسائل الإنتاج. فالطبقة الاجتماعية اذن عبارة افراز طبيعي لنمط الإنتاج القائم. وحيث نجد في كل نمط من أنماط الإنتاج مجموعتين اجتماعيتين متضادتين: مستغلون ومستغلون: عبيد وسادة، أقنان الأرض والاسياد الإقطاعيين، عمال وأرباب عمل.

3 – والجدير بالذكر أن كارل ماركس لم يكن هو مكتشف الطبقات والفئات والمجموعات المتعادية، بل سبقه العديد من المؤرخين والاقتصاديين الآخرين كآدام سميت وريكاردو، كما أن نقطة انطلاق كارل ماركس في تحديده للطبقات هي نقطة وصول هؤلاء، ويؤكد ماركس نفسه هذه الحقيقة من خلال رسالته الى ج. وايدمايير في 5 مارس 1852 كما يلي:

"... فيما يتعلق بي، فلا يعود لى فضل في اكتشاف وجود الطبقات في المجتمع الحديث أو الصراع فيما بينها. إن مؤرخين بورجوازيين قد عرضوا قبلي بوقت طويل التطور التاريخي لهذا الصراع الطبقي، ووصف اقتصاديون برجوازيين التشريح الاقتصادي لهذه الطبقات. إن ما جلبته من جديد هو البرهان:

1 - على أن وجود الطبقات لا يرتبط الا بأطوار تاريخية معينة من تطور الانتاج؛

2 - على أن الصراع الطبقي يقود بالضرورة إلى دكتاتورية البروليتاريا؛

3 - على أن هذه دكتاتورية البروليتاريا نفسها لا تمثل سوى انتقال نحو إلغاء جميع الطبقات ونحو مجتمع لا طبقي. ".( رسالة كارل ماركس الى ج. ويديمير، في 5 مارس 1852)

4 - لذلك، عندما بدأ كارل ماركس بيانه الشيوعي سنة 1848 بالعبارة الشهيرة، "إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية" إنما كان يلخص فقط الاستنتاجات التي توصل إليها أسلافه. كما شكلت هذه الاستنتاجات المادة الأساسية التي اشتغل عليها نظريًا من أجل بناء نظريته العلمية للطبقات ونضالاتها.

5 – وتنقسم العلاقة بين الطبقات على أساس امتلاك أو عدم امتلاك وسائل الإنتاج، وينتج عن الارتباط أو عدم الارتباط بهذه العلاقات تأثيرات مختلفة على المجموعات المختلفة المعنية.

6 - فملكية وسائل الإنتاج في نمط الإنتاج الرأسمالي، ينتج عنه فصل العمال بشكل كامل عن وسائل الإنتاج، وهو ما يلزم العمال على تقديم قوة عملهم طواعية إلى الرأسمالي من أجل الاستمرار في البقاء، مما يجعل تدخل العوامل القسرية غير الاقتصادية لإنتاج هذه العلاقات الطبقية غير ضروري من الناحية النظرية.

7 – ولكن هذا لا يعني أن هذه العوامل القسرية غائبة تمامًا. فعلاقات الإنتاج الرأسمالية ترتكز على مفهوم قانوني معين للملكية وعقد عمل وعلى وجود جيش وشرطة مستعدان دوما للتدخل في أية للحظة عندما يحتد الصراع الطبقي، وتاريخ الصراع الطبقي حافل بالهزائم الدموية للعمال أمام أرباب العمل.

8 - فعلى الرغم من وجود بنيات فوقية في الرأسمالية، إلا أنها لا تتدخل الا عندما يحدث تهديد ضد "النظام" (نمط الانتاج القائم) الذي يميل إلى إعادة إنتاج نفسه تلقائيًا وفقًا لقوانينه الاقتصادية الخاصة.

9 - ويشير كارل ماركس في الفصل السادس المجهول من رأس المال الى سيرورة هذا الخضوع الطوعي للعمال كما يلي: "إن الدافع الذي يسوق رجلا حرا للعمل دافع أكثر عنفا من ذاك الذي يسوق العبد: فعلى الرجل الحر أن يختار بين العمل الشاق والموت جوعا، والعبد بين العمل والجلد بالسياط. وإن الفرق بين شروط العبد والعامل في ظل النظام النقدي ضئيل تماما، فسيد العبد يفهم جيدا تماما مصلحته الخاصة في إضعاف عبيده بتقييدهم بطعامهم؛ ولكن سيد العامل الحر يعطيه أقل ما يمكن من الطعام، لأن الضرر الذي يحل بالعامل لا يقع على كاهله وحده، بل على كامل طبقة أرباب العمل"

10 - وتتحدد أشكال الارتباط بين التشكيلة الاجتماعية للطبقات بنمط الإنتاج الرأسمالي من خلال تحكم الطبقة الرأسمالية المهيمنة في القدرة على تلبية احتياجات استهلاك المجتمع البرجوازي، وضمان عدم توقف عملية انتاج السلع المادية التي بدونها لا يمكن لهذا المجتمع أن يستمر.

11 - وتميل هذه العملية الى إعادة انتاج نفسها وفقا لنمط انتاجها، حيث تميل الى إعادة انتاج نفسها دون قطع علاقات الإنتاج الاجتماعية التي تعمل في نطاقها. لذا، يتم تفعيل مفهوم إعادة انتاج نمط الإنتاج والتشكيلة الطبقية القائمة. ويشير ماركس في هذا الصدد الى ما يلي: "أن عملية الإنتاج الرأسمالية تعيد، بمجراها بالذات، إنتاج فصل قوة العمل عن شروط العمل. وهي بذلك تعيد إنتاج شروط استغلال العامل وتخلدها. فهي ترغم العامل، دون انقطاع، على بيع قوة عمله لكي يعيش، وتمكن الرأسمالي على الدوام من شراء قوة العمل لكي يثرى، ... وعليه فإن عملية الإنتاج الرأسمالية، منظورا إليها في ترابطها، أي كعملية تجديد الإنتاج، لا تنتج سلعة وحسب، ولا فائض قيمة وحسب، بل تنتج وتجدد إنتاج العلاقة الرأسمالية بالذات، الرأسمالي في هذا الجانب، والعامل المأجور، في الجانب الآخر".( ماركس ، رأس المال ، المجلد الأول، ص 712-713)

12 - وتنقسم البرجوازية المهيمنة كطبقة إلى برجوازية صناعية وبرجوازية فلاحية وبرجوازية تجارية وبرجوازية مالية. لكن ما هو المعيار العلمي الذي يمكننا بواسطته التمييز بين هذه الفصائل المختلفة للبرجوازية.

13 - يحدد كارل ماركس في رأس المال المنهج الذي يجب اتباعه لتحديد الفصائل التي يمكن تقسيم طبقات نمط الإنتاج الرأسمالي إليها. فبنفس الطريقة التي يمر بها ماركس من المفهوم المجرد لقيمة الفائض إلى المفاهيم الأكثر واقعية للربح الصناعي والربح التجاري والفائدة - التي هي فقط الأشكال المتطورة لفائض القيمة، أي الأشكال التي تظهر فيها بشكل ملموس أكثر في تحليل رأس المال، يمكننا أيضا أن ننتقل من الطبقتين الاساسيتين لنمط الإنتاج الرأسمالي، المنظور اليها على مستوى عملية إنتاج فائض القيمة - الرأسماليين والعمال - إلى الفصائل الطبقية الأخرى التي تنشأ في اطار عملية تداول رأس المال.

14 - في الواقع، يتبع ماركس هذه الطريقة عندما يحلل الأشكال المتطورة لقيمة الفائض: حيث يتوافق الربح الصناعي مع البرجوازية الصناعية. وحيث يتوافق الربح التجاري مع البرجوازية التجارية؛ وحيث تتوافق المضاربة المالية مع مصالح البرجوازية المالية.

15 - فهل يتم تطبيق نفس المعيار لتحليل البروليتاريا؟ بالفعل، فبنفس المنطق القائل بأن نمط الإنتاج توجد به برجوازية غير منتجة لا ترتبط مباشرة بإنتاج فائض القيمة - كالبرجوازيات التجارية والمالية وبرجوازية الخدمات- تتواجد أيضًا بروليتاريا غير منتجة تتوافق مع كل من هذه الفصائل البرجوازية. ويؤكد كارل ماركس ذلك حين حديثه عن العامل بأجر تجاري:

"ما وضع العمال الماجورين الذين يستخدمهم الرأسمالي التجاري، ونعني به هنا المتاجر بالسلع؟"

"من ناحية أولى، أن مثل هذا العامل التجاري عامل مأجور شأن غيره. فأولا - إن عمله يشترى برأس المال المتغير للتاجر لا بالنقد الذي ينفقه هذا كإيراد، وبالتالي فإنه لا يشترى من أجل خدمة شخصية، بل بهدف الإنماء الذاتي لقيمة رأس المال الذي سلفه التاجر. ثانيا - إن قيمة قوة عمله، وبالتالي أجوره، تتحدد، شانه شان سائر العمال المأجورين، بتكاليف إنتاج وتجديد إنتاج قوة عمله الخاصة، لا بمنتوج عمله".

"ولكن ثمة فارق يميزه عن العمال الذين يستخدمهم رأس المال الصناعي مباشرة يماثل الفارق القائم بين رأس المال الصناعي ورأس المال التجاري، وبالتالي الفارق بين الرأسمالي الصناعي والتاجر. وبما أن التاجر بوصفه محض وسيط منفذ للتداول، لا ينتج قيمة ولا فائض قيمة (لأن القيمة الإضافية التي يضيفها إلى السلع بتكاليفه تنحصر في إضافة قيمة موجودة سابقة، رغم أن السؤال يظل قائما، وهو: كيف يحفظ ويصون قيمة رأسماله الثابت؟) فالعمال التجاريون الذين يستخدمهم لأداء هذه الوظائف لا يمكن لهم أن يخلقوا له، بصورة مباشرة، فائض قيمة. ". (كارل ماركس، رأس المال، المجلد الثالث، ص 341.)

16 - وتتطور ديناميكية هذا الجزء من البروليتاريا بحسب ميل نمط الإنتاج الرأسمالي لاعادة إنتاج نفسه في شكل موسع؟ وهو الامر الذي يؤكده كارل ماركس من خلال ما يلي: "ينتمي العامل التجاري، بالمعنى الدقيق للكلمة، إلى الطبقة الأفضل أجرا من العمال الماجورين ذوي العمل الماهر الذي يقف فوق العمل الوسطي. مع ذلك تنزع الأجور إلى الهبوط، حتى بالقياس إلى أجور العمل الوسطي، كلما مضى نمط الإنتاج الرأسمالي قدما. ويرجع ذلك جزئيا إلى تقسيم العمل داخل المكتب . . . ثانيًا ... إن إشاعة التعليم العام يسمح بتجنيد هذا الصنف من العمال من بين الطبقات التي كانت الطريق نحو هذه المهن مسدودة في وجهها سابقا والتي اعتادت على نمط عيش أردأ نسبيا. وهذا يضاعف التزاحم، فيزيد التنافس ... إن الرأسمالي يضاعف عدد هؤلاء العمال، عندما يكون من الضروري تحقيق المزيد من فائض القيمة والربح. وإن زيادة مثل هذا العمل هي على الدوام نتيجة، لا سببا لتنامي فائض القيمة". (المرجع السابق، الصفحة 349.)

17 - إن استخدام هذا المفهوم بالمعنى الذي استخدمه ماركس في بعض التحليلات، يؤدي إلى تضمين مفهوم عمال البروليتاريا الصناعية بدءًا من العمال غير المهرة ووصولا الى مدير الشركة، أي انطلاقا من العمال المباشرين الذين يتم استغلالهم جسديا الى أولئك العمال غير المباشرين الذين ليسوا أكثر من موظفين لدى الرأسمالي في عملية استخلاص فائض القيمة.

ثانيا: دور الوعي بالمصالح الطبقية:

1 - ومع ذلك، حتى لو لم يكن مفهوم العمل المنتج كافياً لتحديد الطبقتين المتعارضتين في نمط الإنتاج الرأسمالي، فمن المفيد، على المستوى السياسي، تحديد الطبقة والفصيل الطبقي القادر على تنفيذ وقيادة الثورة الاشتراكية. إنها البروليتاريا المنتجة، فالبروليتاريا، تبقى خاصية الرأسمالية المتقدمة، والتي، بسبب وضعها في الإنتاج (التنظيم المعقد والعمل الجماعي ومستوى التعليم، إلخ)، هي جزء البروليتاريا الأكثر وعيا واستعدادًا لتوجيه الثورة الاشتراكية فهي طليعة البروليتاريا. ويقول لينين بخصوص وعي البروليتاريا:

" لنا في تاريخ جميع البلدان شاهد على أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تكتسب بقواها الخاصة فقط غير الوعي التريديونيوني، أي الاقتناع بضرورة الانتظام في نقابات والنضال ضد أصحاب الأعمال ومطالبة الحكومة بإصدار هذه أو تلك من القوانين الضرورية للعمال، الخ.. " وبالتالي: "فإن كل تقدیس لعفوية حركة العمال كل انتقاص من دور "عنصر الوعي" دور الاشتراكية الديموقراطية يعني - سواء اراد المنتقص ام لم يرد، فليس لذلك اقل اهمية – سوى تقوية نفوذ الايديولوجية البرجوازية وسط العمال. (لينين، الأعمال المختارة في 10 مجلدات، المجلد رقم 2، ص. 44-54).

2 – كما يركز كارل ماركس على أهمية وعي الطبقة العاملة بمصالحها وحتمية دخولها في صراع مع البرجوازية للدفاع عن تلك المصالح في مؤلفه العائلة المقدسة: "المسألة ليست مسألة ماذا يتبنى هذا أو ذاك البروليتاري او كل البروليتاريا من اهداف مؤقتة ولكن المسألة هي مم تتكون البروليتاريا؟ وما الذي، نتيجة هذا التكوين، تضطر أن تفعله، أن هدفها وعملها التاريخي يظهران بشکل حتمي وواضح في وضع حياتها الخاصة كما يظهران في كل تنظيم المجتمع البورجوازي المعاصر". (كارل ماركس وفردريك انجلز، العائلة المقدسة، أو نقد النقد النقدي، ترجمة حنا عبود، دار دمشق للنشر، الصفحة : 42.)

3 - لذلك، هناك مصالح طبقية متناقضة ناشئة عن وضع كل طبقة في البنية الاقتصادية للمجتمع. فالمصلحة الاستراتيجية بعيدة المدى للطبقة المهيمنة تتمثل في العمل على استدامة نظام هيمنتها واستغلالها، بينما تترسخ المصالح الاستراتيجية للطبقة المهيمن عليها في تدمير هذا النظام من الهيمنة والاستغلال. فالمصلحة الاستراتيجية للبروليتاريا، هي تدمير نظام الإنتاج الرأسمالي، سبب استغلالها واضطهادها وفي مقدمته الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

4 - ولا يمكن حدوث الوعي بالمصالح الاستراتيجية للبروليتاريا بطريقة عفوية؛ فمن الضروري أن يتعرف عليها أفراد الطبقات المضطهدة. وهو ما يحتم فعالية انغراس النظرية الماركسية اللينينية وسط الحركة العمالية كنمط تفكير بروليتاري معادي للاستغلال الرأسمالي، ويشير لينين في هذا الصدد الى أن: "الاشتراكية-الديمقراطية هي مزيج من حركة الطبقة العاملة والاشتراكية. مهمتها ليست خدمة حركة الطبقة العاملة بشكل سلبي في كل مرحلة من مراحلها المنفصلة، ولكن تمثيل مصالح الحركة ككل، والإشارة إلى هذه الحركة هدفها النهائي ومهامها السياسية، والمحافظة على استقلالية سياستها وايديولوجيتها. وبانعزالها عن الاشتراكية الديموقراطية، تصبح حركة الطبقة العاملة تافهة وتصبح حتمًا برجوازية". (المصدر السابق ، المجلد. 4 ، ص. 368.)

5 - قد تكون لدى البروليتاريا تناقضات بين مصالحها الفورية والعفوية ومصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى التي تعكس الثنائية الجدلية للهدف قصير المدى والهدف النهائي. فالحصول على أجور عالية، إذا لم يكن مصحوبًا بتأطير أيديولوجي صحيح، فيمكن أن يعمل على خلود البروليتاريا الى النوم، وتحريف طاقتها النضالية عن النضال من أجل مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، أي النضال من أجل تدمير النظام الرأسمالي وإقامة النظام الاشتراكي. فالطبقات الحاكمة واحزابها ونقاباتها بارعة جدًا في استخدام هذه التناقضات لإدامة حكمها.

6 – لذلك يركز لينين على ربط نضالات العمال اليومية بالنضال السياسي ضد خدام رأس المال من أحزاب ونقابات: "من الضروري ربط النضال بمصالح يومية معينة... ولكن، الا يعني طمس هذه المصالح المختلفة بمطالب سیاسية خالصة لا يفهمها الا المثقفون، العودة من جديد الى الوراء، والاقتصار من جديد على مجرد نضال المثقفين الذين اعترف للتو بعجزهم؟". (لينين، من هم أصدقاء الشعب وكيف يحاربون الاشتراكيين الديموقراطيين، مختارات لينين في عشرة أجزاء، الجزء الأول، الصفحة: 263-264.)

7 - ويرتبط الوعي الطبقي مباشرة بمفهوم المصلحة الطبقية، حيث يصبح لدى الفرد أو مجموعة اجتماعية وعي طبقي عندما يصبح واعيًا بمصالحه الطبقية الحقيقية. وبالتالي، فإن الوعي الطبقي هو مرجع موضوعي مرتبط بحالة موضوعية، أي وضع كل طبقة في مسلسل الإنتاج الاجتماعي. لكن هل ينشأ الوعي الطبقي تلقائيًا؟

8 - تميل كل طبقة اجتماعية، بسبب وضعها الموضوعي في مسلسل الإنتاج الاجتماعي، إلى التفاعل بطريقة تلقائية غريزية، فهناك إذن عنصر الغريزة أو الحس الطبقي الذي هو بالتحديد عبارة عن ردود فعل لا واعية، ناتجة عن الوضع الطبقي القائم، والتي توجد في صلب جميع التعبيرات العفوية للطبقة.

9 – وتعتبر الغريزة الطبقية ذاتية وعفوية، بينما يعتبر الوعي الطبقي موضوعي وعقلاني. وكثيرا ما استعمل لينين مصطلح الغريزة الطبقية: "الفلاحون لديهم "غريزة" بروليتارية .... العمال يتطلعون غريزيًا إلى الاشتراكية ... إن غريزة المستغلين هي التي تجعلهم يتآخون في جبهة ... إلخ".

10 – وغالبا ما تتدخل الأيديولوجية السائدة بين الغريزة والوعي عبر احزاب ونقابات رأس المال، من اجل إفساد الغريزة وقصرها على تلك المظاهر التي لا تجعل النظام موضع مراجعة، ولهذا السبب، لا يقتصر الوعي الطبقي البروليتاري على مجرد التعبير عن وضعها في البنية الاقتصادية للمجتمع، وإنما أيضا الوعي بحقيقة اعدائها الطبقيين من أحزاب ونقابات حتى من بين تلك المتخفية تحت يافطة الاشتراكية.

11 - وإذا كانت البروليتاريا في بلد ما ليس لديها وعي طبقي، ولكن مجرد ضمير نقابي، فلا يمكن إلقاء اللوم فقط على عدم تطور الظروف الموضوعية، حيث لن تتطور هذه الظروف بشكل كافٍ حتى تتمكن البروليتاريا من اكتساب وعيها الطبقي. وتتحدد مهمة تنظيمات الطبقة العاملة أساسا في نشر الوعي الطبقي البروليتاري، من خلال إبرازه وحصول انسجام في الوعي الطبقي البروليتاري بمصالحها الاستراتيجية الحقيقية.

12 – لكن هناك ميكانيزم يمر عبره تطور الوعي الطبقي تلقائيا وسط البروليتاريا، سبق ان نظر له هيغل من خلال تطور وضه الانسان من "انسان لذاته الى انسان من أجل ذاته" وهو ما استخدمه ماركس في للتنظير لسيرورة الوعي الطبقي انطلاقا من الطبقة لذاتها ووصولا الى الطبقة من أجل ذاتها، فوجود الطبقة لذاتها في مرحلة أولى يكون عبارة عن وجود غريزي لا واعي ثم ينتقل بحسب الممارسات النضالية الميدانية للطبقة نحو الطبقة من أجل ذاتها، حيث تكتسب فيه الطبقة بشكل موضوعي وعيا عقلانيا بمصالحها، تم تنتقل نحو مرحلة ثالثة متقدمة كطبقة لذاتها من جديد. ومن خلال هذا الميكانيزم تتحقق الحركة الثورية الذاتية للبروليتارية، وهي الحركة التي ضمنها كارل ماركس في النظام الداخلي للأممية العمالية الأولى: " تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون من إنجاز الطبقة العاملة نفسها " علما أن التنظيم البروليتاري يشكل جزءا من هذه الحركة الثورية الذاتية للبروليتاريا.

ثالثا: إعادة انتاج نفس الوضع الطبقي:

1 - إن الطبقة السائدة في نمط الإنتاج الرأسمالي والتي تهيمن على التشكيلة الاجتماعية القائمة، ترى بأن مصالحها الطبقية هي التي يجب أن تسود على مصالح جميع الطبقات الأخرى، كما تؤدي طبيعة الهيمنة نفسها الى انتاج قرارات مبتكرة غير موجودة على مستوى نمط الإنتاج الخالص. وتعمل الطبقة المهيمنة، في الواقع، على المحافظة على علاقات الاستغلال والتعاون والقمع السياسي، وما إلى ذلك، ليس فقط على حساب البروليتاريا ولكن أيضًا على حساب الطبقات الأخرى داخل التشكيلة الاجتماعية. وهذا يعني ايجاد أدوات طبقية جديدة (اقتصادية ومالية وسياسية وأيديولوجية) تسمح لها بتحصين سيطرتها واستغلالها واستئثارها بفائض القيمة وإستدامة هذا الاستئثار.

2- في اطار التشكيلة الاجتماعية القائمة تلجأ الطبقة الرأسمالية المهيمنة الى إعادة إنتاج علاقة الاستغلال الأصلية الرأسمالية - البروليتاريا؛ وتوسيع هذه السيطرة نحو الطبقات الأخرى (ملاكي الاراضي، المنتجون الصغار، الحرفيون والفلاحون الصغار).

3 - إن المحفظة على مجموع العلاقات الطبقية هو الذي يسمح للطبقة الحاكمة بإعادة إنتاج نفسها كطبقة حاكمة وتطوير هيمنتها، فتتجلى في ثلاث مستويات للتشكيلة الاجتماعية، على اعتبار تبعية الفئات الوسيطة(البرجوازية الصغرى) للطبقة المهيمنة نظرا لالتصاق مصالحها بمصالح البرجوازية.

4 - على المستوى الاقتصادي وفي ظل اقتصاد السوق وتطور قوى الإنتاج داخل الشركات الرأسمالية، يميل الحرفي، على سبيل المثال، إلى الاختفاء، بعد أن منح الرأسمالي استغلالًا فائقًا سابقًا. كما يميل الفلاحون، مع بعض الاستثناءات القليلة، إلى التحول إلى بروليتاريا زراعية أو الى الهجرة نحو المدن، لأن استغلالهم الصغير لم يعد مربحًا في مواجهة الاستغلال الرأسمالي الواسع النطاق.

5 - على الصعيد السياسي، تعمل آليات النظام السياسية والنقابية على إعادة إنتاج شروط الاستغلال. "فالبورجوازية الناهضة، تحتاج إلى عنف الدولة بل تستخدمه فعلا ابتغاء "ضبط" الأجور، أي إبقائها قسرا في حدود تلائم الحصول على المغانم، وإطالة يوم العمل، وإبقاء العامل ذاته في درجة عادية من التبعية لراس المال". (ماركس، رأس المال، المجلد الأول، ص. 909.)

6 - أخيرًا، على المستوى الأيديولوجي، تميل أيديولوجية الطبقة السائدة إلى الدفاع عن النظام الاجتماعي، الذي ليس أكثر من النظام الذي تم إنشاؤه لإعادة إنتاج هيمنتها. فقد لوحظ عبر التاريخ أن بعض الأفكار التي رفضتها البرجوازية في حقبة معينة، مثل تحديد النسل، يتم قبولها ونشرها بعد سنوات، لتجنب الانفجار السكاني، لأن تزايد عدد الأشخاص المهمشين من طرف نمط الإنتاج يزيد من عدد غير الراضين عن النظام مما يعرضها للخطر.

رابعا: تشكل البرجوازية الصغرى من تحلل التشكيلة الاجتماعية القديمة:

1 – لقد ساد تاريخياً نمط إنتاج قائم على العبودية، وبعد أن تم الغاء روابط العبودية وتحرير أقنان الأرض القدامى، تحولوا إلى منتجين صغار مستقلين إلى حد ما. لكن اختفاء القنانة لا يحدث عن طريق الصدفة أو حسن نية الاقطاعيين، وانما تحت تأثير الضغط الذي مارسته الرأسمالية الناشئة، والتي، بعد تجاوز درجة معينة من التطور الحضري، عملت على اختراق البوادي.

2 – نجم عن الاختراق الرأسمالي للبوادي تفكيك طبقة أقنان الأرض والملاكين الاسياد للأرض، مما أدى شيئًا فشيئًا إلى تشكل بروليتاريا وبرجوازية ريفية. لذلك أخذ الفلاحون كطبقة يميلون إلى الاختفاء، لأنهم أصبحوا غير قادرين على التنافس مع الإنتاج الرأسمالي في السوق، وأيضا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، فإما أنها تتعرض إلى الخراب فتتحول إلى بروليتاريا ريفية أو تهاجر إلى المدينة، ما عدا بعض الاستثناءات النادرة التي تجعل بعض الفلاحين يطورون انتاجهم فيتحولون الى فلاحين أغنياء، فيرتقون إلى صفوف البرجوازية الريفية.

3 - لكن تحلل طبقة الفلاحين هذا شكل عملية لا رجعة فيها طالما أن قوانين الإنتاج الرأسمالي أصبحت هي المهيمنة. كما لا توجد رغبة سياسية في المحافظة على المنتج الصغير ولا يمكن أن تتم رعاية هذه العملية وانما يتم فقط اتخاذ تدابير لتقليل سرعتها.

4 – نفس الشيء حدث مع المنتجين الصغار والمستقلين، فهؤلاء المنتجين الصغار يتوفرون أيضًا على وسائل الانتاج. لكن عدم القدرة على التنافس مع المؤسسات الرأسمالية في السوق جعلتهم ينحدرون شيئًا فشيئًا نحو ظروف البروليتاريين.

5 - لذلك، لا توجد برجوازية صغيرة مستقلة كطبقة (صغار المنتجين والفلاحين الذين ينتجون في نظام اقتصادي تجاري) على مستوى نمط نقي من الإنتاج، ولكنها تظهر على هذا النحو على مستوى التشكيلة الاجتماعية، باعتبارها مرحلة انتقالية من الطبقة التي تنشأ عقب تفكك علاقات الإنتاج القديمة فتميل إلى الاختفاء مع تمدد علاقات الإنتاج الرأسمالية.

6 - إن انعزال أعضاء هذه الشريحة، بسبب شكلها المستقل في الإنتاج، وطبيعتها الانتقالية، وموقعها بين البروليتاريا والبرجوازية، يحدد خصائصها على مختلف مستويات التكوين الاجتماعي.

7 - ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن البرجوازية الصغيرة هي طبقة مستغلة تابعة، يسيطر عليها نمط الإنتاج الرأسمالي، ولكن بالضبط بسبب عزلتها، وبسبب ظروف الإنتاج الخاصة بها، تظل محاصرة في هذا الموقف وفي هذا الشكل المحدد من الاستغلال.

8 - يقول لينين عن البرجوازية الصغيرة: "من السمات الاساسية والمميزة التي تتصف بها البرجوازية الصغيرة وتجعل منها، فيما تجعل، طبقة رجعية، أن المنتج الصغير، المعزول والمنفرد بحكم ظروف الانتاج ذاتها، والمربوط بمكان معين وبمستثمر معين، عاجز عن ادراك الطابع الطبقي لهذا الاستثمار وهذا الاضطهاد اللذين يعاني وطأتهما احيانا لا اقل مما يعانيها البروليتاري، عاجز عن ادراك أن الدولة في المجتمع البرجوازي لا يمكن لها أن لا تكون دولة طبقية". (لينين، "من هم" أصدقاء الشعب وكيف يحاربون الاشتراكيين الديموقراطيين ". الصفحة: 171 – 172)

9 - من وجهة نظر إيديولوجية، وبسبب طبيعته الانتقالية، فإن المنتج الصغير لديه وضع مزدوج؛ من جهة، يعتبر عنصرا تقدميا بقدر ما يمثل نزعة تحررية من نظام التبعية السابق، ومن جهة أخرى يعتبر عنصرا رجعيا بقدر ما يكافح من أجل المحافظة على موقعه كمنتج صغير مستقل. لكن الوضع الوسطي الذي يشغله، بين الباطرونا والعمال، يجعله شديد التقلب بين مصالح البرجوازية والبروليتاريا.

10 - علاوة على ذلك، فإن هذه الشرائح هي الأكثر عرضة للإيديولوجيا الحاكمة لاعتقادها ان ذلك يحمي مصالحها، لذلك فهي تقيم معها علاقات وتيقة تمنعها من إدراك الظروف الموضوعية لعبوديتها وتدميرها الحتمي في المستقبل. وقد حاول لوكاتش التعبير عن طبيعة البرجوازية الصغيرة من خلال العبارات التالية:

"البرجوازية الصغيرة التي، تعيش، على الأقل جزئيأ، في المدن الرأسمالية الكبرى، وتخضع مباشرة لتأثيرات الرأسمالية في كل مظاهر الحياة الخارجية، ولا تستطيع أن تمضي لا مبالية تماما بجانب واقع صراع الطبقات بين البرجوازية والبروليتاريا. ولكن البرجوازية الصغيرة، "كطبقة انتقالية حيث مصالح الطبقتين تتصور بذات الحين"، تحس نفسها "فوق تناقض الطبقات بصفة عامة". نتيجة لذلك، فانها تفتش عن الوسائل "لا لضمحلة الطرفين، رأس المال والمأجور، بل للتخفيف من تناقضهما وإحالته إلى تناغم". فإنها تمر إذن، في عملها، إلى جانب كل القرارات الصعبة للمجتمع وتصبح مجبرة بالضرورة على خوض الصراع على الواجهتين، ودائما بدون وعي". (جورج لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي، ص 60.)

خامسا: السلوك السياسي للطبقات الاجتماعية:

1 – رأينا كيف تتحدد الطبقات على مستوى نمط الإنتاج وعلى مستوى التشكيلة الاجتماعية، أي المجتمع كما يتبلور تاريخياً. فعلى كلا المستويين، تتحدد الطبقات من خلال وضعها في التشكيلة الاجتماعية، وهو وضع يعتمد على العلاقات المحددة التي توجد عليها المجموعات الاجتماعية في مقابل وسائل الإنتاج. وبالتالي، فإن تحديد الوضع الطبقي من خلال الموقع الذي يشغله الأفراد في عملية الإنتاج الاجتماعي، يحدد معالم الطبقة في الحالة التي يشغلها الأفراد في البنية الاجتماعية، ومن خلال الدور الذي يلعبونه في عملية الإنتاج الاجتماعي.

2 - ولا ينبغي الخلط بين هذا المفهوم ومفهوم الأصول الطبقية للفرد، والذي لا يشير إلى وضعه الحالي في البنية الاجتماعية، ولكن إلى الحالة الطبقية التي تم فيها تشكيل الوضع الطبقي لهذا الفرد كالوضع الطبقي لوالديه. فكيف يتحدد السلوك السياسي لكل طبقة انطلاقا من مواقعها الطبقية. فمثلا لا يدافع كل أفراد الطبقة عن مصالح طبقتهم في ظروف سياسية معينة، حيث نلاحظ أن ما يسمى بالأرستقراطية العمالية، وهي القطاع المتميز من الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية والإمبريالية في العديد من الظروف السياسية، تتحول الى بيروقراطيات نقابية، لا تدافع الا شكليا عن مصالح الطبقة العاملة، بينما تدافع عمليا عن مصالح البرجوازية، لذلك، لا يكفي أن يكون الفرد عضوا في طبقة ما - حتى يكون لديه موقف طبقي محدد - وتبني مواقف سياسية تتوافق مع هذا الوضع الطبقي.

3 – ويقول كارل ماركس بهذا الصدد عن الطبقة الوسطى، كالصناعي الصغير، والتاجر الصغير والحرفي والفلاح: "إنهم ثوريون فقط في ضوء انتقالهم الوشيك إلى البروليتاريا". وهكذا يدافعون "ليس عن حاضرهم، ولكن عن مصالحهم المستقبلية"، ويتخلون عن "موقفهم الخاص ليضعوا أنفسهم في موقف البروليتاريا".

4 - ويصف كارل ماركس في كتابه "18 برومير لويس بونابرت" ممثلي البرجوازية الصغيرة: "بانهم وفقا لتعليمهم ووضعهم الفردي قد يكونون بعيدين عن ذلك بعد السماء عن الأرض. إن مما يجعلهم ممثلين للبرجوازية الصغيرة هو إنهم عاجزين عن أن يتعدوا في تفكيرهم النطاق الذي لا تتعداه حياة البرجوازيين الصغار، وإنهم يتوصلون بالتالي نظريا، إلى القضايا والحلول ذاتها التي تساق البرجوازية الصغيرة إليها عمليا بدافع مصلحتها المادية ووضعها الاجتماعي. هذه، بصورة عامة، هي العلاقة بين الممثلين السياسيين والفكريين لطبقة من الطبقات وبين الطبقة التي يمثلونها". (كارل ماركس، لويس بونابارت، 18 برومر، الصفحة 25.)

5 – ويبدوا واضحا هنا كيف يتشكل الموقف الطبقي انطلاقا من الوضع الطبقي، وحيث يمكن لشرائح أو مجموعات معزولة تنتمي إلى طبقات أخرى أن تنضم إلى طبقة ليست خاصة بها وتناضل من أجلها.

6 - من أجل الوصول إلى موقع طبقي بروليتاري، فإن الغريزة الطبقية للبروليتاريا تحتاج فقط إلى التعليم. بينما ينجح المثقفون البرجوازيون الصغار في الوصول إلى موقع طبقي بروليتاري، إذا ما حدثت في أوساطهم ثورة غريزية طبقية تدفعهم الى ما يسمى بالانتحار الطبقي أي الانتقال اراديا من وضع طبقي متميز الى وضع البروليتاريا سياسيا.

7 - يتطلب الوصول إلى وضع طبقي بروليتاري عملية طويلة، حيث غالبًا ما ينضم المثقفون البرجوازيون الصغار إلى التنظيم البروليتاري لأنهم أصبحوا مقتنعين بالحقيقة والفعالية السياسية للتحليل الماركسي، ولكن في ظروف سياسية صعبة، وقد يقعون فريسة مواقف برجوازية صغيرة. ولهذا تعطي الماركسية أهمية عميقة للتشكيلة الاجتماعية للتنظيم البروليتاري. وكلما زاد عدد أعضاء التنظيم ذوي الوضع الطبقي البروليتاري، كان من السهل تجنب الانحرافات اليسارية أو اليمينية التي هي تعبير عن تغلغل إيديولوجية البرجوازية الصغرى في صفوف البروليتاريا.

8 – ويشير ماركس في كتابه بؤس الفلسفة الى الطابع الطبقي لمجموعة تنخرط في النضال السياسي دون أن يكون لها انتماء فعلي للطبقة العاملة، فيعتبرها طبقة لذاتها: " لقد حولت الظروف الاقتصادية جماهير البلاد إلى عمال، وخلقت سيطرة رأس المال لهذه الجماهير وضعية مشتركة، مصالح مشتركة. ومن هنا فإن هذه الجماهير هي بالفعل طبقة، في مواجهة رأس المال، ولكنها ليست بعد طبقة لذاتها. وفي الصراع الذي لم نشر إلا إلى بعض جوانبه تتوحد هذه الجماهير وتتشكل كطبقة لذاتها، وتغدو المصالح التي تدافع عنها مصالح طبقية، لكن صراع طبقة ضد طبقة هو صراع سياسي.". (كارل ماركس، بؤس الفلسفة. الصفحة: 252)

9 – وتتميز مواقع الطبقات الاجتماعية من خلال التأثير المتبادل بين بعضها البعض داخل التشكيلة الاجتماعية القائمة. وبدون المشاركة النشطة للطبقات، تميل التشكيلة الاجتماعية إلى إعادة إنتاج نفسها، والتغلب على الأزمات التي تسببها تناقضاتها الداخلية. ولا تحدث التغييرات الجذرية في التشكيلة الاجتماعية إلا عندما تكون الطبقات الثورية قادرة على الاستفادة من أزمات النظام لإحداث تغييرات هيكلية عميقة، أي تغييرات ثورية، وهذا ما يفسر الدور الأساسي الذي تنسبه الماركسية للصراع الطبقي كمحرك للتاريخ.

سادسا: موضوعية الصراع الطبقي تاريخيا:

1 – كما تؤثر الطبقات في بنية التشكيلة الاجتماعية القائمة، تشكل في نفس الوقت نتيجة لبنية هذه التشكيلة. ويمكن في هذا الاطار تحديد الطبقات الاجتماعية على أنها نتيجة التشكيلة الاجتماعية الكلية وتأثيرها على الأفراد الذين يشاركون بطريقة أو بأخرى في الإنتاج الاجتماعي. ومع ذلك يبقى العنصر الحاسم في تحديد الموقع الطبقي والتشكيلة الاجتماعية معا هي علاقات الإنتاج. ويؤكد كارل ماركس على أن هذه العلاقات هي بمثابة المركز المهيكل لكل التشكيلة الاجتماعية، بالموازاة مع دور نمط الإنتاج في هذه الهيكلة. ولهذا السبب فإن علاقات الإنتاج هي أساس تكوين الطبقات الاجتماعية.

2 – فتأثير الطبقات على التشكيلة الاجتماعية، يعني كونها تؤثر بشكل أساسي على علاقات الإنتاج، وأنها تحدث تأثيرات في مختلف مستويات المجتمع، كآثار إيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية. وتؤكد هذه الآثار، على الممارسة السياسية الملموسة لهذه الفئات. حيث لا يمكن تصور وجود الطبقات الاجتماعية على المستوى السياسي، إلا من خلال "ممارساتها الطبقية"، وبما أن الطبقات هي مجموعات لها مصالح متعارضة، فإن هذه الممارسات الطبقية هو ما يتخذ طابع الصراع الطبقي. فهذا بالتحديد هو الأساس الموضوعي للصراع الطبقي، الذي يقع داخل حدود التشكيلة الاجتماعية، والتي، تعتبر في نظر ماركس محرك التاريخ في المجتمعات الطبقية.

3 – ويؤكد فردريك إنجلز على أهمية هذا القانون المحرك للتاريخ في التقديم الثالث لكتاب ماركس "برومر 18، لويس بونابارت": "إن ماركس هو على وجه التحديد أول من أكتشف القانون العظيم لحركة التاريخ، - القانون الذي يقول أن النضال التاريخي ليس في الواقع سوى التعبير الواضح، بدرجة تزيد أو تقل، عن النضال بين الطبقات الاجتماعية - سواء أقام هذا النضال في ميادين السياسة أم الدين أم الفلسفة أم في أي ميدان أيديولوجي أخر، وإن وجود هذه الطبقات، وبالتالي الاصطدامات التي تقع بينها، إنما تحددها بدورها درجة تطور وضعها الاقتصادي وطابع الإنتاج وأسلوب الإنتاج وطريقة التبادل التي يعينها أسلوب الإنتاج. أن هذا القانون الذي يعني بالنسبة للتاريخ نفس ما يعنيه قانون تحويل الطاقة بالنسبة للعلم الطبيعي - أن هذا القانون كان بالنسبة لماركس في هذا الحال أيضا بمثابة المفتاح لفهم تاریخ". (إنجلز ، مقدمة للطبعة الألمانية الثالثة من كتاب كارل ماركس، برومير الثامن عشر لويس بونابرت، هامبورغ 1885.)

4 – إن تناول الصراع الطبقي يتطلب تحديد المفهوم أولا، فهل الصراع الطبقي هو المواجهة التي تحدث بين عمال مصنع أو تجارة وأرباب ذلك المصنع أو التجارة؟ يوضح لينين هذه النقطة كما يلي: "لا، ليس ذلك غير جنين ضعيف. لا يصبح نضال العمال نضالا طبقيا إلا عندما يعي كافة الممثلين الطليعيين لمجموع الطبقة العاملة كونهم يشكلون طبقة عاملة واحدة ويشرعون في التحرك لا ضد هذا أو ذاك من أرباب العمل بل ضد طبقة الرأسماليين برمتها وضد الحكومة التي تدعمها. فقط عندما يعي كل عامل أنه عضو بالطبقة العاملة برمتها وعندما يعتبر نضاله اليومي لأجل مطالب جزئية ضد أرباب عمل أو موظفين معركة ضد البرجوازية وضد الحكومة، آنذاك فقط يصبح نضاله نضالا طبقيا". (لينين ، مهمتنا الآنية (1899).

5 - فالصراع الطبقي طبقا لتصور لينين هي المواجهة التي تتم بين طبقتين متناقضتين عندما يتصارعان من أجل مصالحهما الطبقية. ويؤكد نيكولاي بوخارين في هذا الصدد على نفس الاتجاه في تحديد طبيعة الصراع الطبقي في كتابه المادية التاريخية عندما يقول: "يظهر الصراع الطبقي عندما تعارض طبقة واحدة طبقة أخرى في العمل، وبالتالي، فإنها تظهر فقط في لحظة معينة من تطور المجتمع. في مراحل أخرى من تطوره، لا يمكن أن يظهر الصراع الطبقي إلا في أشكال جنينية كما هو الحال في الصراعات المعزولة بين عمال بعض المصانع ورؤسائهم، أو في الصراعات التي، على الرغم من أنها تحرك الطبقة بأكملها، لا تنجح في رفع النضال إلى مستوى مصالحها الطبقية الحقيقية، أو كما هو الحال في الصراعات الكامنة الخفية عندما لا يكون هناك صراع مفتوح ولكن استياء كامن ومعارضة صامتة" .

6 – ويمكن تفكيك واجهات الصراع الطبقي كما تتبلور في الواقع على مستوى التشكيلة الاجتماعية القائمة. فهناك واجهة الصراع الاقتصادي وواجهة الصراع الأيديولوجي ثم هناك واجهة الصراع السياسي التي تتبلور على مستوى البنية السياسية الفوقية.

7 – ويتمثل الصراع الاقتصادي في المواجهة التي تحدث بين الطبقات المتناحرة على المستوى الاقتصادي. فتتميز هذه المواجهة بالمقاومة التي تعبر عنها الطبقات المستغلة ضد الطبقات المستغلة. ويعرف لينين الصراع الاقتصادي للبروليتاريا بما يلي: "إن النضال الاقتصادي هو نضال العمال الجماعي ضد أصحاب العمل بغية بيع قوة العمل بشروط مفيدة، بغية تحسين ظروف عمل العمال وظروف حياتهم. وهذا النضال هو بالضرورة نضال نقابي، لأن ظروف العمل تختلف اختلافا كبيرا باختلاف المهن، ولذا لا يمكن للنضال بغية تحسين هذه الظروف أن يجري إلا تبعا للمهن (النقابات في الغرب والإتحادات المهنية المؤقتة والمناشير في روسيا، الخ.). إذن، إن إضفاء "الطابع السياسي على النضال الاقتصادي نفسه" يعني السعي إلى تحقيق المطالب المهنية نفسها، وإلى التحسين نفسه في ظروف العمل المهنية بواسطة "إجراءات تشريعية وإدارية"، وهذا بالذات ما تقوم به وما قامت به على الدوام جميع نقابات العمال". (لينين، ما العمل؟ القسم الثالث، الجزء أ).

8 – أما بالنسبة للصراع الأيديولوجي، فيتجسد في الصراع بين إيديولوجية الطبقة المستغلة وأيديولوجية الطبقة المستغلة، حيث توجد ميول أيديولوجية مختلفة لدي الطبقات الاجتماعية المختلفة، رغم طغيان أيديولوجية الطبقة المسيطرة. لذلك يشهد المجتمع الرأسمالي، صراع بين الأيديولوجية البرجوازية بمختلف أشكالها الظاهرة وايديولوجية البروليتارية القائمة على النظرية الماركسية للتاريخ.

9 - ولكي يكون هذا الصراع ناجحًا، فيجب، على عكس الأشكال الأخرى للصراع، مهاجمة العدو حيث يكون أقوى، أي حيث يوجد أفضل دعاة إيديولوجية الطبقة المهيمنة، وغالبا ما يتم انتقاد هذه الأيديولوجية من خلال التبسيط المفرط لها أو اختيار أضعف أنصارها. وكثيراً ما يسمح ذلك للعدو بالتقدم بدلاً من إجباره على التراجع.

10 – أما الصراع السياسي، فيتمثل في المواجهة التي تحدث بين الطبقات في سعيها لانتزاع السلطة السياسية، أي في الصراع من أجل الاستئثار بسلطة الدولة. ويؤكد لينين في هذا الصدد على أن: "كل صراع طبقي هو صراع سياسي. نحن نعرف أن الانتهازيين، عبيد الأفكار الليبرالية، قد فهموا كلمات ماركس العميقة هذه بشكل خاطئ، وحاولوا أن يضعوا لها تفسيراً مشوهاً. وكان من ضمن الانتهازيين، على سبيل المثال، الاقتصادويين، الإخوة الأكبر للتصفويين. اعتقد الاقتصادويون أن كل نزاع بين طبقتين كان نضالاً سياسياً. وقد اعتبروا الصراع من أجل زيادة الأجر خمسة كوبيكات على الروبل “صراعاً طبقياً“، ورفضوا أن يعترفوا بصراع طبقي أعلى وأكثر تطوراً، على المستوى القومي أي الصراع من أجل أهداف سياسية. اعترف الاقتصادويون، من ثم، بالصراع الطبقي الجنيني ولكن لم يعترفوا به في شكله الأكثر تطوراً. لقد اعترف الاقتصادويون، بمعنى آخر، فقط بذلك القسم من الصراع الطبقي الذي كان مقبولاً أكثر لدى البورجوازية الليبرالية، ورفضوا أن يمضوا أبعد من الليبراليين، كما رفضوا الاعتراف بالشكل الأعلى للصراع الطبقي الغير مقبول لدى الليبراليين. بإتباع هذا النهج، أصبح الاقتصادويون سياسيين عمال ليبراليين. وبعمل ذلك، رفض الاقتصادويون المفهوم الماركسي الثوري للصراع الطبقي".

"ولنواصل. لا يكفي أن يصبح الصراع الطبقي واقعياً ومتواصلاً ومتطوراً فقط حين يحتضن المجال السياسي. ففي السياسة أيضاً، من الممكن أن نقصر أنفسنا على الأمور الصغرى، ومن الممكن أن نذهب أعمق، إلى أس الأسس. تعترف الماركسية بالصراع الطبقي بوصفه متطوراً على “النطاق القومي” فقط إن لم يحتضن السياسة فحسب وإنما أن يشتمل على أكثر الأشياء أهمية في السياسة؛ وهو تنظيم سلطة الدولة."

"من ناحية أخرى، فإن الليبراليين، بعد أن نمت حركة الطبقة العاملة لتصبح أقوى قليلاً، لم يجرؤوا على إنكار الصراع الطبقي وإنما حاولوا أن يضيقوا ويقلصوا ويخصوا مفهوم الصراع الطبقي. والليبراليون على استعداد للاعتراف بالصراع الطبقي في المجال السياسي أيضاً، ولكن بشرط واحد؛ وهو ألا يدخل تنظيم سلطة الدولة في ذلك المجال. ليس من الصعب أن نفهم أي من المصالح الطبقية للبورجوازية هي التي تؤدي للتشويه الليبرالي لمفهوم الصراع الطبقي.". (لينين، المفاهيم الليبرالية والماركسية للنضال الطبقي (1913).

11 – ان الأشكال الثلاثة من الصراع الطبقي، الاقتصادي والايديولوجي والسياسي، لا تكون مفصولة عن بعضها البعض، وانما يدمجها الماركسيون اللينينيون في وحدة واحدة تشكل الصراع الطبقي ضمن مراحل استراتيجية وتكتيكات تنتقل من مرحلة الوضع غير الثوري نحو مرحلة الأزمة الثورية الحادة نحو مرحلة الحسم الطبقي التي تنتزع فيها ديكتاتورية البروليتاريا السلطة من الطبقة المهيمنة ثوريا من اجل الغاء الطبقات والعمل المأجور وإلغاء البروليتاريا والدولة البرجوازية نفسها.

12 - إذن، ففي كل مرحلة يوجد شكل معين من الانصهار بين هذه الأنواع المختلفة من الصراع، حيث يلعب نمط التفكير البروليتاري دورًا قائدا. وقد يكون الصراع الأيديولوجي في لحظة تاريخية معينة، هو نقطة الارتكاز الاستراتيجية للصراع الطبقي، بينما في حالات أخرى تكون الأولوية للصراع السياسي أو الاقتصادي.

13 - ولكي تكون هناك مواجهة طبقية حقيقية، لا يكفي الصراع الاقتصادي أو الإيديولوجي، بل من الضروري خوض الصراع السياسي على السلطة، لكي يكتسب الصراع الطبقي معناه الكامل، حيث يقول لينين في هذا الصدد: "يصبح نضال العمال صراعًا طبقيًا فقط عندما يكون جميع الممثلين الرئيسيين للطبقة العاملة بأكملها في الدولة كلهم واعين بأنفسهم كطبقة عمل واحدة ويشنون نضالًا موجهًا، ليس ضد أصحاب العمل الأفراد، ولكن ضد الطبقة بأكملها من الرأسماليين وضد الحكومة التي تدعم تلك الطبقة". (لينين ، مهمتنا الآنية.)

14 - ولكن التأكيد على أن الصراع السياسي هو صراع طبقي بامتياز لا يعني إنكار أهمية الصراع الاقتصادي، فقد انتقد ماركس وإنجلز الاشتراكيين الطوباويين بسبب استنكارهم لهذا النوع من النضال، في قرارات مؤتمر الرابطة الدولية للعمال في عام 1866، محذرا من التقليل من أهميتها أو في الإفراط في تقديرها.

15 – وقد يتخذ الصراع على الصعيد الاقتصادي، شكل إضرابات ومسيرات والتباطؤ في العمل والاستحواذ على المصانع ، إلخ. كما قد يتخذ الصراع الأيديولوجي اصدار مطبوعات، وتوزيع المنشورات والبلاغات في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. أما على مستوى الصراع السياسي فقد تتخذ المواجهة شكل التشهير بالعملية الانتخابية وفضح خلفيات القوى السياسية البرجوازية واليسار البرجوازي المشارك في العملية الانتخابية، وقد يصل هذا الصراع السياسي درجة التمرد المسلح، والحرب الشعبية بأشكالها المختلفة. ويؤكد لينين على أن الصراع الطبقي قد يتخذ أشكالا متعددة:

"في المقام الأول، تختلف الماركسية عن جميع أشكال الاشتراكية البدائية من خلال عدم ربط الحركة بأي شكل معين من أشكال النضال. إنها تعترف بأشكال النضال الأكثر تنوعا: وهي لا "تبنيها"، ولكنها فقط تعمم وتنظم وتعطي تعبيرا واعيا لتلك الأشكال من النضال من الطبقات الثورية التي تنشأ من تلقاء ذاتها في سياق الحركة. معادية تمامًا لجميع الصيغ المجردة وجميع الوصفات العقائدية، تتطلب الماركسية موقفًا يقظًا للنضال الجماهيري الجاري، والذي، مع تطور الحركة، مع نمو الوعي الطبقي للجماهير، مع ازدياد حدة الأزمات الاقتصادية والسياسية، يعطي باستمرار ارتقاء نحو أساليب الدفاع والهجوم الجديدة والمتنوعة. لذلك، لا ترفض الماركسية بشكل إيجابي أي شكل من أشكال النضال. ولا تقتصر الماركسية تحت أي ظرف من الظروف على أشكال النضال الممكنة والموجودة في لحظة معينة فقط، مع الاعتراف كما تفعل بأن الأشكال الجديدة من النضال، غير المعروفة للمشاركين في فترة معينة، تنشأ حتمًا مع تغير الوضع الاجتماعي المعطى. في هذا الصدد تتعلم الماركسية، إذا جاز التعبير عن ذلك، من الممارسة الجماهيرية، ولا تدعي أيًا كان ما لتعليم الجماهير أشكال النضال التي اخترعها "المنظمون" في عزلة دراستهم. نعلم - قال كاوتسكي، على سبيل المثال، عند فحص أشكال الثورة الاجتماعية أن الأزمة القادمة ستدخل أشكالًا جديدة من النضال التي لا نستطيع الآن أن نتخيلها.

16 - ثانياً، تتطلب الماركسية فحصاً تاريخياً مطلقاً لمسألة أشكال النضال. لمعالجة هذا السؤال بصرف النظر عن الوضع التاريخي الملموس يخون الفشل في فهم أساسيات المادية الجدلية. في مراحل مختلفة من التطور الاقتصادي، اعتمادًا على الاختلافات في الظروف السياسية والثقافية الوطنية والظروف المعيشية وغيرها، تظهر أشكال مختلفة من النضال وتصبح الأشكال الرئيسية للنضال؛ وفيما يتعلق بهذا، فإن الأشكال الثانوية المساعدة للنضال تخضع للتغيير بدورها. إن محاولة الإجابة بنعم أو لا على السؤال حول ما إذا كان ينبغي استخدام أي وسيلة معينة للنضال، دون إجراء فحص مفصل للحالة الملموسة لحركة معينة في مرحلة معينة من تطورها، يعني التخلي تمامًا عن الموقف الماركسي.

17 - هذان هما الاقتراحان النظريان الرئيسيان اللذان يجب أن نسترشد بهما". (لينين ، حرب العصابات (1906).

18 - لذلك، ترى الماركسية أن الصراع الطبقي يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة. كما تؤكد أن الدور الذي يمكن أن يلعبه شكل معين من النضال لا يمكن الحكم عليه إلا وفقًا للظروف السياسية في تلك اللحظة، وأخيرًا فإن التنظيم هو الذي يجب أن يعمم وينظم ويمنح شخصية واعية للصراعات الطبقية الثورية. فالتنظيم هو الذي أن يقرر في كل لحظة أي شكل من أشكال النضال يجب أن يشغل الدور الرئيسي، وكيف يجب أن تخضع الأشكال الأخرى للصيغة الرئيسية. إن الإعلان بأن الماركسية تقبل جميع أشكال النضال لا يعفي التنظيم الثوري من تحديد الشكل النضالي المناسب في كل مرحلة. فلا يمكن للتنظيم أن يقتصر على اتباع أشكال النضال التي تنشأ تلقائيًا وسط الجماهير العاملة. بل يجب تحويلها إلى أنسب الوسائل لتلبية مصالحها الطبقية.

19 – والمصالح الطبقية لا تتحقق دائما على الفور، فمن الضروري أن تمر بمرحلة أولى يتم خلالها إعداد خارطة طريق تحقيق هذه المصالح. فيمكن للبروليتاريا أن تنسق مع الفلاحين وقطاعات شعبية أخرى من اجل استكمال اهداف الديمقراطية السياسية. وفي مرحلة أخرى، يثبت التنظيم قدرته كقوة داعمة لتحقيق مهام الديمقراطية السياسية، وبعد أن يركز وجوده وسط الجماهير الشعبية يمكن للتنظيم البروليتاري أن يبدأ في تنفيذ مهام المواجهة النهائية لاسقاط الاستغلال الاجتماعي.

20 - ويجب أن يتوفر التنظيم الثوري على برنامج الحد الأدنى الذي يتمكن من خلاله بلوغ أهداف المرحلة الأولى وأن يتوفر في نفس الوقت على برنامج الحد الأقصى، يتمكن من خلاله تحقيق هدفه النهائي المتمثل في اسقاط بنيات الاستغلال القائمة.

21 - ولكن لا يكفي صياغة استراتيجية عامة، فمن أجل تحقيق هذه الأهداف، من الضروري أن يكون التنظيم قادرا على تعبئة الجماهير، لأنه بدون مشاركة الجماهير لا يمكن أن تكون هناك ثورة. ولتعبئة الجماهير، من الضروري البدء بالدفاع عن مصالحهم العفوية والفورية، فلا يمكن تقديم صيغ مجردة عامة للجماهير، بل يجب تقديم مقترحات ملموسة للعمل تتوافق مع الظروف السياسية لكل لحظة.

22 - تميل التنظيمات التي تفتقر إلى الاتصال بالجماهير إلى طرح شعارات مجردة يمكن أن تكون صحيحة من وجهة نظر استراتيجية ولكنها تفتقر إلى أي معنى وسط الجماهير، لأنها لا تبدو مرتبطة بأي شكل من الأشكال بمصالحها المباشرة والعفوية. فمن الضروري انغراس التنظيم البروليتاري وسط الجماهير العمالية، حيث تتطور تناقضات المجتمع التي تزيد من حدة الصراع الطبقي، فتكتسب البروليتاريا من خلال ذلك الصراع شخصية أكثر استقلالية وحدة، الى أن تأتي اللحظة التي تنجح فيها الطبقات المضطهدة في الاستيلاء على السلطة السياسية وتبدأ في تدمير علاقات الإنتاج القديمة. ويشير لينين في هذا الصدد الى "إن العملية الواعية والعنيفة لتدمير علاقات الإنتاج القديمة، وبالتالي للطبقات الاجتماعية التي تحملها، هي ما تسميه الماركسية الثورة الاجتماعية". (لينين ، حرب العصابات (1906).

23 – ونستخلص مما سبق، أن كل ثورة اجتماعية، عبارة عن مزيج من العوامل الذاتية والموضوعية. وتتمثل العوامل الموضوعية في التغييرات الموضوعية التي تحدث في الظروف السياسية والاقتصادية-الاجتماعية الوطنية والدولية. فهي القاعدة المادية للثورة. وتشكل مجموع العوامل الموضوعية والذاتية اللازمة لاشتعال الثورة ما أطلق عليه لينين بالوضع الثوري، حيث يشير لينين في مقاله حول "انهيار الأممية الثانية" الذي كتبه قبل ثورة أكتوبر بعامين إلى "ان الماركسي لا يشك مطلقا في أن الثورة مستحيلة دون وضع ثوري ولكن ليس كل وضع ثوري يؤدي الى الثورة فما هي بشكل عام دلائل الوضع الثوري؟ يقينا لن نخطئ اذا اشرنا الى الدلائل الرئيسية الثلاثة التالية":

1" - أن يستحيل على الطبقات السائدة الاحتفاظ بسيادتها دون اي تغيير ان تنشب هذه الأزمة او تلك في «القمة»، أي تنشب ازمة في سياسة الطبقة السائدة، تسفر عن صدع يتدفق منه استياء الطبقات المضطهدة وغضبها. فلكي تتفجر الثورة لا يكفي عادة «ألا تريد القاعدة بعد الآن» ان تعيش كما في السابق بل ينبغي ايضا "ألا تستطيع القمة ذلك".

"2 - ان يتفاقم بؤس الطبقات المضطهدة ويشتد شقاؤها اكثر من المألوف."

"3 - ان يتعاظم كثيرا للأسباب المشار اليها آنفا نشاط الجماهير التي تستسلم للنهب بهدوء في زمن «السلم»، ولكن التي تدفعها، في زمن العاصفة سواء اجواء الأزمة كلها أم «القمة» نفسها الى القيام بنشاط تاریخی مستقل."

"ودون هذه التغيرات الموضوعية المستقلة، لا عن ارادة هذه الكتل والاحزاب او تلك وحسب بل ايضا عن ارادة هذه الطبقات او تلك تستحيل الثورة بوجه عام ومجموع هذه التغيرات الموضوعية يسمى وضعا ثوريا ". (لينين، افلاس الأممية الثانية (1915).

24 - لكن التاريخ شهد العديد من الحالات الثورية التي لم تتحول إلى ثورات منتصرة، على سبيل المثال في ألمانيا في ستينيات القرن التاسع عشر، وروسيا عام 1905، وفي السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى الإمبريالية في بلدان مختلفة في أوروبا، إلخ. لذا تكون الظروف الموضوعية غير كافية. من أجل الانتقال من حالة ثورية إلى ثورة منتصرة، من الضروري توفر الشروط الذاتية إلى جانب الشروط الموضوعية، ويشير لينين في هذا الاطار، "... ليست كل حالة ثورية هي التي تؤدي إلى ثورة؛ تنشأ الثورة فقط من حالة تكون فيها التغييرات الموضوعية المذكورة أعلاه مصحوبة بتغيير ذاتي، أي قدرة الطبقة الثورية على اتخاذ إجراءات جماهيرية ثورية قوية بما يكفي لكسر (أو خلع) الحكومة القديمة، التي لم تقم أبدًا، ولا حتى في فترة الأزمة، "تسقط"، إذا لم يتم إسقاطها". (لينين ، افلاس الأممية الثانية.)

25 - من المهم أن نشير إلى أن هذه الشروط الموضوعية والذاتية التي كانت بالنسبة للينين تشكل الشروط اللازمة لانتصار التمرد العام لا يمكن استخدامها، كمعيار لتحديد اللحظة التي يجب أن تنطلق فيها الثورات الاجتماعية.

سابعا: ملائمة السياق الحالي للثورة البروليتارية عالميا:

1 – وللتذكير بطبيعة السياق التاريخي الحالي الذي يميز مسيرة الصراع الطبقي بين القوى المسيطرة والقوى المسيطر عليها، نطرح السؤال التالي، ماذا يميز الصراع الطبقي اليوم عن الصراع الطبقي في القرنين التاسع عشر والعشرين؟ وماهي التحولات التي طرأت على مسيرة الصراع الطبقي؟ وهل فعلا يعتبر السياق الحالي لنمط الإنتاج الرأسمالي ملائما جدا للثورة البروليتارية المظفرة؟

2 – ننطلق من الخلاصات التي توصل اليها كارل ماركس من خلال دراسته للمادية التاريخية سواء الواردة في الأيديولوجية الألمانية أو الغوندريسة أو رأس المال والتي نجدها تنكشف واضحة في بعض اعماله، ونخص بالذكر منها مقدمته لنقد الاقتصاد السياسي لسنة 1859 والفصل السادس المجهول من رأس المال. فما هي إذن هذه الخلاصات:

3 – تؤكد الخلاصة الأولى الواردة في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي لسنة 1859، على ان سيرورة كل نمط انتاجي ببنياته التحتية والفوقية تعرف بالضرورة مرحلتين اثنتين. المرحلة الأولى صاعدة بالضرورة نظرا لتوازن تطور قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج المطابقة لها. ويستمر هذا الصعود الى غاية بلوغ نقطة معينة تحدث فيها ازمة وتناقض حاد بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. آنذاك لا تتمكن قوى الإنتاج من التطور أكثر من المستوى الذي بلغته. بل تعرف بسبب هذا التناقض الحاد تقهقرا تدريجيا يؤثر بعمق في كامل بناء نمط الإنتاج القائم. وتفكك واختلال عميقين بين البنيات التحتية والبنيات الفوقية، مما يصيب هذه الأخيرة بالشلل وفقدان السيطرة على البنيات التحتية وعلى العلاقات الإنتاجية والتشكيلة الاجتماعية ككل، والتي لم تعد مطابقة لها. وانطلاقا من هنا تبدأ مرحلة الثورات الاجتماعية وهي المرحلة الثانية النهائية لنمط الإنتاج، أي مرحلة الانهيار الحتمي التي لا تتوقف الا حين استبدال نمط الإنتاج القائم بنمط انتاج بديل قادر على خلق التوازن بين البنيات الفوقية والبنيات التحتية.

4 – اذا ما طبقنا هذه الخلاصة الواضحة لكارل ماركس الواردة في مقدمته المذكورة، على سيرورة تطور نمط الإنتاج الرأسمالي، كما فعل في مختلف اعماله، عبر تطبيق نظرياته المستخلصة من المادية التاريخية والمادية الجدلية. وعمل على تفكيك ميكانيزمات مختلف مراحل تطور اشتغال هذا النمط، سواء في مرحلة صعوده أو في مرحلة انهياره. فسنجد أن هذه المنهجية الماركسية تقدم لنا تصورا شاملا لسيرورة نمط الإنتاج الرأسمالي، سواء خلال حياته أو حتى قبيل وفاته. وتفسر لنا المنهجية الماركسية حتى السياق الحالي الذي بلغه نمط الإنتاج الرأسمالي التي يتزامن مع مرحلة احتضاره وانهياره. فكيف حدد إذن كارل ماركس الدورة الكاملة لسيرورة نمط الإنتاج الرأسمالي؟ وما علاقة ذلك بأشكال الصراع سابقا وحاليا في القرن الواحد والعشرين؟

5 – الإجابة عن هذه الأسئلة يشير اليها كارل ماركس من خلال خلاصاته الواردة بوضوح في الفصل السادس المجهول من رأس المال. ففي هذا الفصل يحدد ماركس مرحلتين لنمط الإنتاج الرأسمالي، حيث يسمى المرحلة الأولى بمرحلة الهيمنة الشكلية لرأس المال على العمل أي المرحلة التي يكون فيها هذا النمط ببنياته الفوقية والتحتية في حالة تنافس مع بنيات أنماط الانتاج السابقة، وفي حالة صعود متواصل، من خلال المنجزات الباهرة التي يحققها، والتي ذكر ماركس بعضا منها في البيان الشيوعي لسنة 1848. لكن هذه المرحلة لم تتحقق فيها بعد الهيمنة الفعلية لرأس المال على مختلف اشكال العمل، وإذن لم تتحقق فيها بالكامل مختلف ميكانيزمات اشتغال نمط الإنتاج الرأسمالي. ويتناول كارل ماركس البدايات الأولى التي عاشها خلال حياته بخصوص دخول نمط الإنتاج الرأسمالي مرحلته الثانية، أي مرحلة الهيمنة الفعلية لرأس المال على كافة أشكال العمل. وتتمثل هذه البدايات في التحول التدريجي في المكونات العضوية لرأس المال، خاصة تزايد مكون رأس المال الثابت (رأس الميت) من وسائل انتاج كالآلات والتكنولوجيات والمواد أولية، على حساب مكون رأس المال المتغير (رأس المال الحي) أي العمل. وهو التحول التي سيصبح مطلقا بعد وفاة كارل ماركس وخاصة مع بداية القرن العشرين.

6 – فمنذ الحرب العالمية الأولى أدى هذا التغير الهيكلي في المكونات العضوية لرأس المال الى تحكم مطلق لهذا الأخير في عملية العمل، وهو التحكم الذي سيشمل الدورة الإنتاجية بكاملها بما في ذلك التسويق والتوزيع والخدمات الناتجة عنها. وهذا ما سيجعل رأس المال يحطم كافة أنماط الإنتاج السابقة على امتداد كوكبي للجغرافية السياسية، وهي المرحلة التي أصبحت تشتغل فيها ميكانيزمات نمط الإنتاج الرأسمالي بمطلق طاقاتها، مع كامل انعكاساتها على البنيات الفوقية والتحتية وبالتالي تكيفها الكوني للتشكيلات الاجتماعية السائدة، لكي يتحول الى مجتمع برجوازي عالمي بالكامل. فوسائل الإنتاج من رأس المال الثابت هي التي أصبحت تهيمن على عملية العمل منذ انطلاقها الى حين تصريفها الكامل أو النسبي لتحقيق فوائض القيمة المستهدفة.

7 – ومن بين الخلاصات التي اوردها كارل ماركس في الكتاب الثالث من رأس المال خاصة الفصول 13 و14 و15 ، والتي تحدد بشكل واضح الأزمة الختامية لنمط الإنتاج الرأسمالي، والتي ستتفاقم مع الدخول في مرحلة الهيمنة الفعلية لرأس المال على العمل وهو قانون اتجاه معدل الربح نحو الانخفاض. فتناقض قانون القيمة العمل مع قانون الاحتكار والمنافسة يؤدي بشكل حتمي "الا في حالات استثنائية ضيقة" الى انخفاض معدل الربح. فالأزمة الحادة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج لا تحدث في ظل مرحلة الهيمنة الشكلية لرأس المال على العمل، لأن رأس المال لم يصبح بعد عالميا ولم يحطم بالكامل أنماط الإنتاج القديمة. وكان بإمكانه عند حدوث أية ازمة رأسمالية ان يجد لها حلولا سواء عبر تحطيم جزء من وسائل الإنتاج أو عن طريق الاستعمار وتصدير رؤوس الأموال واليد العاملة الفائضة وإيجاد الأسواق الكفيلة بتصريف الإنتاج الزائد. لكن مع بلوغ نمط الإنتاج الرأسمالي مرحلة الامبريالية وغزو العالم بكامله وتحطيمه لكافة أنماط الإنتاج القديمة أصبحت أسواق تصريف منتجاته الزائدة أكثر ضيقا ومعدلات أرباحه لا تتحقق، وهنا امكننا ملاحظة ان نمط الإنتاج الرأسمالي قد بلغ مرحلة ازمته الختامية حيث التناقض الحاد بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج التي تتعفن تدريجيا، ولعل الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي يتم التغطية عليها اليوم بالأزمة الصحية لكوفيد19 تعبر بالملموس عن هذا التناقض الحاد والذي من شأنه ان يدفع نحو ثورات اجتماعية في كل مكان.

8 – ان تحليل سيرورة الصراع الطبقي يرتبط بتحليل سيرورة تطور نمط الإنتاج الرأسمالي من مرحلة الهيمنة الشكلية الى مرحلة الهيمنة الفعلية. كما ان تصاعد حدة هذا الصراع أو انخفاضه منذ الثورات البروليتارية الأولى في الثلاثينات من القرن التاسع عشر مرورا عبر ثورات 1848 و1871 ثم ثورة 1905 و1917 وكافة الثورات التي حدثت في ظل انقسام العالم الى معسكرين شرقي اشتراكي وغربي رأسمالي خاصة انتفاضات 1968 ثم الانتفاضات اللاحقة عقب انهيار المعسكر الشرقي وسيادة تعددية قطبية رأسمالية، كانت ترتبط بشكل وثيق بأزمات انخفاض معدل الربح والإنتاج الزائد. فعند كل ازمة تحاول الطبقة الرأسمالية المحافظة على عائداتها عبر نقل الازمة على كاهل الكادحين وهي العملية التي تؤدي تلقائيا الى أزمات اجتماعية وبالتالي الى احتجاجات وانتفاضات شعبية وهو ما يجعل الصراع الطبقي مكونا موضوعيا من مكونات المجتمع الرأسمالي الطبقي.

9- تفيدنا إذن خلاصات أعمال كارل ماركس بحتمية الصراع الطبقي وبانتصار هذه الحتمية عند بلوغ نمط الإنتاج القائم مرحلته الختامية أي مرحلة احتداد التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وهي الازمة التي تشتد خلالها الثورات الاجتماعية والتي لا تتوقف الا بسقوط نمط الإنتاج القائم. فنحن اليوم اذن في مواجهة فترة حاسمة من تناقض نمط الإنتاج الرأسمالي والتي تتطلب وعيا طبقيا وتنظيما ذاتيا للبروليتاريا العالمية لتحقيق أهدافها الثورية وفرض ديكتاتورية البروليتاريا لإلغاء الدولة البرجوازية وإلغاء الطبقات والعمل المأجور والقيمة التبادلية والبروليتاريا نفسها من أجل مجتمع شيوعي.