توفيق الحكيم والبطولة بأثر رجعى: حين تخذل السياسة الفن

محمد السعدنى
2020 / 9 / 17

رغم برد الإسكندرية وشتاؤها الأبهى جمالاً، فقد جاءت جلستنا ساخنة هذه المرة مع بعض المثقفين والشبان وأساتذة الجامعة، تجاذبنا أطراف الحديث كيفما اتفق إلى أن وصلنا لمقارنة رأيتها ظالمة، طرفاها الكاتب الكبير فيلسوف المسرح توفيق الحكيم، وذلك الدعى المتطاول على تاريخ الوطن ورموزه صلاح الدين وأحمد عرابى وعمرو بن العاص وجمال عبد الناصر وثورة يوليو، إذ قارن البعض بين موقف الدعى فى مغازلة إسرائيل وموقف الحكيم باعتبار كلاهما رأيا فيها طريقاً للعالمية والوصول لجائزة نوبل. وقادنا الحوار إلى علاقة الأدب بالسياسة، وهى علاقة يصعب إنكارها وأيضاً يصعب القياس عليها بشكل عام، فليس كل الأدب سياسة، وإن استعرض بعض المتحدثين أن المنشق الروسى "بوريس باستيرناك" ماكان يحصل على نوبل عن روايته "دكتور شيفاجو" لولا انتقاده للإتحاد السوفيتى، وأن سلفادور الليندى فى شيلى ما كان ليقتل الشاعر "بابلو نيرودا" لولا السياسة، وأن نزار قبانى ما حصل شهرته الكبرى إلا عندما اتجه باشعاره نحو السياسة، وهكذا جابرييل جارسيا ماركيز، وبيرل باك، وجيمس جويس، ومارك توين، وجان بول سارتر وبرتراند راسل، ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وبيكاسو وسلفادور دالى، ويوسف شاهين ومايكل سكورسيزى، ومئات غيرهم لم يحصلوا على الذيوع والشهرة إلا بما أبدعوه من أدب وفن ترجم رؤيتهم ومواقفهم من السياسة. ورغم وجاهة الطرح، إلا أننى لازلت أجد فارقاً بين حسابات الإبداع والمبدعين فيما يبدعوا وبين مواقفهم السياسية. إذ الإبداع عملية توهج موهبة لها خصوصيتها التى كثيراً ماتختلف عن شخصية صاحبها السياسية ومعتقده، ولك أن تختلف، لكنك حتماً يسوء حكمك على الكاتب أو الفنان أو الموسيقار لو حاسبته على الفن والأدب بمعايير السياسة، ولقد كان ذلك المبحث محط حوار دائم بينى وجمال الغيطانى رحمه الله فى معرض دفاعه عن نجيب محفوظ ومواقفه من الإسرائيليين وإصراره على عدم العمل يوم السبت، واشتراكه مع الحكيم فى مبادرة تبنتها لهما الأهرام للتبرع بإعادة بناء "مدينة الفيروز" التى كانت مستوطنة ياميت الإسرائيلية على أراضينا بين رفح والعريش واضطروا لإخلائها فى أبريل 1982 بعد معاهدة السلام، لكنهم نسفوها ودمروها قبل تسليمها لمصر، وبينمت كنا طلاباً مشغولين بتجهيز سفينتى المناصرة 1و2 لانقاذ المقاومة الفلسطينية فى بيروت، كان الحكيم ومحفوظ يتبنيان مبادرة للتبرع لا للمقاومة وإنما لإعادة بناء المستوطنة وكأنهما يريدان غسل عار إسرائيل التاريخى وعدوانيتها، وتزامن أن كتب كمال الملاخ فى "بدون عنوان" فى الصفحة الأخيرة للأهرام بأن تدشين محفوظ والحكيم للمبادرة كان ساعة صلاة الجمعة، وأردف أن الوجود فى حضرة الحكيم هى فى ذاتها صلاة. ولم ننسى أن الحكيم كتب فى الأهرام 1980 يمهد لخروج مصر من الصراع العربى الإسرائيلى وتكون دولة محايدة بين فلسطين والاسرائيليين، ولا ننسى أنه كتب "عودة الوعى" ونشره فى 1972 هاجم فيه عبد الناصر وثورة يوليو بضراوة وغل، واعتبر أن دعمه لناصر وسياساته من قبل كان من قبيل فقدان الوعى وهو نادم عليه. وهنا قال منتقدوه إنه يقدم ناصر وثورته قرباناً على مذبح الإسرايليين علها تشفع له فى الحصول على نوبل. وهاجمه الكاتب الفذ محمد عودة فى كتاب مقابل "الوعى المفقود" فند كل دعاواه وعرى حقيقة موقفه وانتهازيته. ولا أنسى تقديم عودة للكتاب، حين أورد قصة رمزية، عن الفنان الشاب الذى حضر لتتويج قائد الأوركسترا الذى عمل معه سنوات، طلب الكلمة قائلاً: "بالنسبة لتوسكانينى الفنان العظيم فأنا أحنى الرأس، أما بالنسبى لتوسكانينى الإنسان، .. وخلع حذائه وانهال عليه".
ولم ننسى أن نزار قبانى كتب للرد على الحكيم مقالاً بعنوان "مظاهرة ضد رمسيس" كان محاكمة قاسية، جاء فيه: " هل يسامحني استاذنا توفيق الحكيم إذا قلت له أن كتابه ردئ جدا، قدمه للناس على أنه تحدى لعبدالناصر وهو في الحقيقة لا يتحدى أحدا، لأن ناصر كان فى قبره بمنشية البكري. والكتاب ليس فيه من توفيق الحكيم القديم شئ، إنه ثرثره فارغة، وهو متأخر جدا وكأن الحكيم فكر في أداء فريضة الحج بعد عودة الناس من الديار المقدسه، لقد تصرف توفيق الحكيم كما يتصرف العاشق حين يحتفظ بمكاتيب عشقه عشرين عاما ثم يخطر له فجاه أن يبيع رسائل حبيبته في المزاد العلني. والفضيحه في كتابه عودة الوعي هى محاولته اقناعنا أنه كان خلال أعوام الثوره واقعا تحت تاثير السحر ومنوما تنويما مغناطيسيا، كأنه كان مسطولا ومهبولا ومجذوبا طيلة عشرون عاما".
فسر البعض مافعله الحكيم بأنه كان يستهدف نوبل بأى طريقة، وهو نفسه مايحاوله ذلك الكاتب السارق اللزج، لكن شتان بين قامة الحكيم الفيلسوف الفنان الذى خذلت نفسه الضعيفة فنه، وبين غيره من أصحاب المؤخرات الغليظة والجلد السميك، حتى لو سلكوا نفس الطريق، طريق الندامة، و"سكة اللى يروح ما يرجعش"