التطبيع بوصفه ثقافة امبريالية للهيمنة وايديولوجية خضوع

حزب اليسار الشيوعي العراقي
2020 / 9 / 17

1- إنّ وباءَ التطبيعِ الذي يجتاحُ المنطقةَ العربيةَ بشكل سافرٍ واستفزازي، إنّما يعرّض المنطقة الآن إلى عللٍ لن تشفى منها إلاّ بعد زمنٍ طويلٍ، فهو يهدّدُ مستقبلَنا ويضع مصالحنا وحقوقنا في مهبِّ الريح. إن خطورةَ هذه الخطوة بلا شكٍ كارثيةٌ، ومن المحتّم أنْ تتجاوزَ بتأثيرها حدودِ أمنِ المنطقة والتضحية به دونما مسؤولية. ومن جهة أخرى يكشفُُ التطبيع بوضوح تخلّي أمراءِ المحميّات والملوكِ في الخلييج عن ثوابتِ احترامِ الذات والكرامة والدفاعِ عن النفس. إنّهُ الاستسلامُ التامُّ والتسليمُ بالضعف البالغ والهزيمة دونما معركة. وقد فضحتْ ذلك التصريحات الصهيونية الوقحة مؤخراً وهي تردُّ على الذرائع الواهية والكاذبة التي أطلقتها محميّة أبو ظبي في تبريرِ هذه الخيانةِ، وكان الردُ أوضحَ صورةٍ عمّا ينتظر المنطقة من تنمرٍ صهيوني ووعيدٍ بعدوانات قادمة.
فحينما أطلقت الإمارات ذريعة أنها منعتْ ضمّ الأراضي الفلسطينية، التي أباحته صفعة ترامب (صفقة القرن) للاحتلال الصهيوني في ظلِّ صمتٍ عربيٍ مخزٍ، انبرى نتنياهو ليقول إنّ الضمّ جرى تأجيله لوقتٍ آخرَ فقط، فكشفَ طبيعةَ التهافتِ الإماراتي المذل على التطبيع. فضلاً عن أنّه رفضَ بيعَ أمريكا طائرات أف 35 للإمارات بمبررٍ عدوانيٍ حينما صرّح أنّ بيعَ هذه الطائرة للإمارات "يخل بالتوازن العسكري في المنطقة" تأكيداً على بقاء تفوّقه العسكري.
2- ولسنا هنا بصدد سردِ وقائعِ التاريخ التي أوصلتنا إلى هذا التردي فحسب، بل لابدَّ من كشف وتحليلِ العوامل المتعدّدة والوقائع التي صنعتْ هذا التردي السياسي والاجتماعي في المنطقة فوصلنا الى حدّ تحكّم زعماءِ الرجعية العربية اليوم، بمسارات المنطقة التاريخية والتضحية بمستقبل شعوبها وخسارة أرض فلسطين. فالمنطقة العربية اليوم في بؤرة مخططات حاسمةٍ لتحقيق أهمّ المشاريع الصهيو- أمريكية في بلادنا. والأمر لن ينتهي هنا، فالدول العربية جميعها تقريباً تقيم بهذا المستوى أو ذاك علاقات واتصالات مع العدو الصهيوني، عدا سوريا والعراق واليمن والجزائر ولبنان. فالمحيط العربي لم يعد معادياً، لذلك فان العدو الصهيوني ليس مستعداً للتنازل عن شيء، ولن يمنحَ الفلسطينيين أيّ شيءٍ، بل هو الآن جاهزٌ لابتلاع فلسطين بصورة كاملة.
ولكن لابدّ أن نسأل عن طبيعة الخطر الذي تواجههُ أبو ظبي لكي تذهبَ نحو التطبيع، ونسأل عن التكافؤ بين الطرفين الذي يدفعُ محميات مثل الامارات والبحرين للإقدام على خطوة إذلال الذات هذه. ولابدَّ من التذكير بقواعدٍ قديمةٍ وبديهيةٍ فيما يتعلّق بأيّة قضية سياسية تتطلب الاتفاق، تقول؛ (أنتَ لا تحصل على الاحترام عبر التصالح مع من لا يراك ندّاً له).
ومن المعروف أنّ الاتفاق الإماراتي الصهيوني لم يكنْ هو مدخلُ المنطقة إلى التطبيع. وصحيحٌ أنّ الرجعيين العرب، السعودية ومحميات الخليج ورؤساءَ وملوكَ آخرين، منذ عام 1948 لم يقيموا علاقات رسمية مع العدو الصهيوني، بل التزموا ظاهرياً بمقاطعته، لكنّ الملوكَ والامراء هؤلاء كانوا جنوداً آليين في المنظومة الأميركية التي تحمي الوجود الصهيوني وتضمن بقاءه وتمدّده في فلسطين والأراضي العربية في سوريا ولبنان ومصر والأردن، وقد تدعم عدوانه كالذي حصل في حرب 1973 حينما قدّمت السعودية إمكاناتها البحرية لإنقاذ سفينة الصواريخ الصهيونية التي كادت تغرق في البحر الأحمر لولا البحرية السعودية، لكي يتمكن العدو الصهيوني أنْ يطلق فيما بعد صواريخه على جيش مصر. وأغلب مثقفي الدول الرجعية العربية يتفقون مع حكوماتهم ويشجعونها في أن تتسترّ على التعامل مع العدو الصهيوني، وأن تستمر بذلك خلف الكواليس أو عبر الأمريكان، و ليس علانية.
ولقدكشفت نشاطات سابقة عن خطوات هذا التطبيع، فحالما نعود إلى إجراءات التنسيق الأمني بين الإمارات والعدو الصهيوني في الحرب على اليمن، ونتابع تمويل مؤسسة الدوحة للأفلام للمخرجين الصهاينة، مروراً بالدعوات التجارية والاستثمارية المتعددة التي كانت تنظمها وزارات محميات الخليج في مؤتمراتها الاقتصادية التي لا تنقطع، حينما كانت تضيّف الشركات الصهيونية القادمة من الأرض المحتلة وتتعامل معها باحترام مبالغ فيه، وتبذل التعاون الغالي معها، سنعرف بالنتيجة كيف كان هذا التعاون يسير على سكة التطبيع.
3- ولاشك في أنّ التشابك الايجابي واتحاد مصالح الحلف الخليجي الصهيوني الأمريكي في المنطقة يجري لتأسيس هيمنة استعمارية جديدة في بلادنا، بغية التحكم بمقدراتها وقرارها السياسي، مع أنّ هذا التحالف في جوهره، هو تحالف مع مخططات الإمبريالية الأمريكية ودعم برامجها العدوانية ضد شعوب العالم واقتصادياتها وفرض التراجع عليها، وما زالت تدفع الصراع الراسمالي العالمي إلى حدود الحرب الذي تلوّح به على نحو دائمٍ، كالصراع الدائر الآن بين الصين وأمريكا وبين أمريكا والرأسماليات البازغة مثل البرازيل وجنوب أفريقيا والهند، فضلا عن سياسة العدوان المستمر على العراق وسوريا وليبيا واليمن، لتثبّيت سيطرتها على منابع النفط والتحكم بتجارته لعرقلة آلة النمو والتقدم في البلدان كلها دونما استثناء.
4- وفي الكشف عن الأسباب التي انتهت بالمنطقة إلى هذا الضعف نجد في أولها طبييعة الطبقات الحاكمة من البرجوازية المحلية التقليدية في بلادنا وأنظمتهما الاستبدادية، التي حكمت منذ الاستقلال وبعد عصر الكولونياليات القديمة واستمرارها وفق نموذج المصادرة والعنف الرسمي ضد الحركات الديمقراطية والشعبية، ثم يأتي تراجع ضغط الشارع في السياسة العربية، وانشغال الناس بالأزمات المحلية واليومية، وانتشار الفقر والبطالة، وتصاعد ظاهرة العنف الرسمي الحكومي، فضلا عن انهيار المنظمات الشعبية والثورية، كما أنّ من المهم ذكر ما حصل من تغيير لعقيدة الأمن القومي لدى الدول العربية، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الثنائية القطبية. فقد تمكنت الإمبريالية الأمريكية من حماية كيانات نفطية في الخليج بوصفها محميات خاضعة بصورة كاملة لسياسة الإمبرياليين الأمريكان وحلفائهم الصهاينة، مع تمكنها من خلق رؤساء جواسيس كما في العراق وليبيا، الذين باتوا جميعاً يروجون أن الصراع مع القوى الديمقراطية المحلية ومع إيران وتركيا، أهم من الصراع مع دولة الاحتلال. لقد سهّلت هذه مجتمعة عملية التطبيع.
ولأن المطبعين رجعيون وخونة انهزاميون وذرائعيون فهم يصنعون من التدخل الإيراني في المنطقة الخطر الاساس، مع أنّه خطر حقيقي كأيِّ تدخلٍ أجنبي، لكنهم يتناسون الإرث التأريخي العدواني لتدخل العدو الصهيوني في المنطقة منذ قيامه في عام 1948. ويتناسىون صورة هذا العدو ككيان عسكري عدواني معتدٍ مولع بالعسكرة وخلق الصراعات. فقد شن اعتداءات على ثمان دول عربية في فترة زمنية قصيرة هي مصر والعراق و الأردن و لبنان وليبيا والسودان وسوريا وتونس. ويهمل المطبعون إستراتيجية الاحتلال الصهيوني العدوانية المعلنة التي تقتضي الاستمرار في فرض تفوقه العسكري على جيرانه، وأثر ذلك على الاستقرار الداخلي للدول العربية، وتأثيره على برامج نموها الاقتصادي، لانشغالها برد عدوان هذا العدو الدائم. ولا ينفي تشخيص عدوانية الصهاينة، تشخيص الخطر الإيراني أو التركي وتمددهما في المنطقة وتبجحهما بأنهما قوى إقليمية لها مطامحها في بلادنا ولها قدراتها العسكرية والجيوبوليكية.
5- إن هذا التردي انسحب تدريجيا على موقف بعض قوى المقاومة واليسار في المنطقة كلها، وتخلفت لغة الخطاب الجذري في التصدي للخيانة وتحديد الخط الفاصل بين الخيانة والتحرر الوطني، بل تماهى مع الخيانة على درجات وشهدنا تراخي لغة الخطاب، إذ اختفى مفهوم (الرجعية العربية) الذي كان يوضع إلى جانب الصهيونية وأمريكا بوصفهم الأعداء، وحلَّ محلّه مفهوم (الداعمون للشعب الفلسطيني)، وبدلاً عن (تحرير فلسطين ومكافحة الصهيونية) حلَّ مفهوم (مقاطعة اسرائيل!) لقد أصبحت هذه اللغة المتراخية هي السائدة منذ أن نشأت (نظرية تمويل النضال) كما يسميها أحد المحللين بجدارة.
6- ولا ينتهي خطر التطبيع عند خيانة القضية الفلسطينية وشعبها المقاوم، بل فيما تخبئه بؤر الخيانة الجديدة وتخادمها مع الصهيونية، وما تبيته من مؤامرات ستأتي لاحقا، بعد أن جرى رفع البرقع بشكلٍ كاملٍ عن وجه الخيانة. إنّ هزيمتنا في فلسطين ستصبح شيئاً عارضاً قياساً بما ستواجهه بلداننا. ونحن ندرك ما يمكن أنْ يقومَ به مالُ النفطِ حين يتدفق نحو سلاح الصهاينة من تدمير لبلدان المنطقة، خصوصاً ونحن قد شهدنا الافعال الأشد تنكيلاً بنا في دعم منظمات الارهاب الديني. إنّ الأنظمة الرجعية الخليجية هذه، في السنوات العشر الماضية، أشعلت حروباً في طول وعرض المنطقة العربية، وشاركت فيها، وخلّفت وراءها ملايين القتلى وعنفاً لا يصدّق، ودمّرت دولاً وسحقت مجتمعاتها وغيّرتها بالعنف إلى الأبد، وماكانت هذه الحروب لتحدث بهذا الشكل المدمر لولا أموال حكام الخليج. وبلا شك أنّ إخضاع البلاد العربية بالقوة والمال هو مشروع الصهاينة وحلفائهم الدائميين أمراء الخليج وملوكه.
لكن هذا العدوان القادم من سيتصدى له ويجابهه بالقوة ويدفع ثمنه من دمه وحياته واستقراره على طول وعرض البلاد العربية؟ حسب مؤشر الرأي العربي، أجرى المركز العربي للأبحاث والدراسات استبياناً أظهر أن أكثر من 84% من العرب يرفضون الاعتراف بالعدو الصهيوني أو إقامة علاقات دبلوماسية معه. إن الأغلبية العظمى من هؤلاء الرافضين هم الطبقات الشعبية، فقراء الكادحين، الفقراء الذين لا يملك أياً منهم سبيلاً للاستقرار المعيشي، من عمال وشغيلة أجراء وفلاحين فقراء، وهم يعرفون أنّهم وحدهم من سيدفع ثمن هذه الهزائم والخيانات، وهم الأكثر جذرية والأكثر قدرة على مجابهة الإمبرياليين وأذنابهم الكومبرادورالبرجوازيين وإقطاعيات النفط. ويعرفون أنّ الخيانة يرتكبها الرجعيون العرب وحدهم، النخب والساسة الذين سيجدون في النهاية طريقهم إلى المداهنة والتصالح وقبول الهزيمة بيسر، وسيحصلون على فرص الإثراء جرّاء هذه الخيانة.
ولن يفاجئنا تصريح نتنياهو الذي يقول إنّ الاتفاق مع الإمارت إنّما "هو اتفاق اقتصادي أكثر مما هو اتفاق سياسي". فقد أثبت التعاون الستراتيجي العسكري بينهما هذا الموضوع بدقة خصوصا في حرب اليمن. فما الذي يختبئ في هذه القضية الشائكة؟
التطبيع والحرب على اليمن:
7- ارتبط التطبيع الأخير بطموحات إقليمية ودولية مشتركة بين الإمارات والكيان الصهيوني، فضلاً عن طموحات سعودية وأمريكية معروفة فما هي هذه الطموحات؟
ما زال الكيان الصهيوني يشكّل الجبهة المتقدمة للإمبريالية العالمية في منطقتنا التي تقود قافلتها أمريكا، فإن ما يطمح إليه العدو الصهيوني هو رعاية المصالح المشتركة مع أمريكا، فالتطبيع بالنتيجة من جوهر سياسة البيت الأبيض.
يتمع اليمن بموقعٍ متعدّدِ المميزات والمنافع تؤهّله أن يكون مطمعاً لدول الخليج والإمبريالية الأمريكية والصهيونية. ويمكن أنْ يكون أهمّ أسباب التطبيع. وموقعُه كفيلٌ بتحقيق مصالح متعدّدة في الوقت الحاضر. ووفقا لتأكيد (إئتلاف الخليج ضد التطبيع) فإن الإمارات ترى في التطبيع فائدة اقتصادية تكنولوجياً وعسكرياً، ولهذا لوحظ ازدياد التنسيق العسكري بينهما من سنوات في حرب اليمن الدائرة ، كما أنّ هناك العديد من شركات التجسّس الصهيونية تبيع الإمارات و دول خليجية أخرى تطبيقات للتجسّس على النّاشطين والمعارضين وتقدم لها طرقَ ووسائلَ القمع، وتنظم معها أسس العدوان العسكري على اليمن.
ولقد كشفت الوقائع على الأرض تقدم الحوثيين شمال اليمن، ولا سيما في "محافظة مأرب" الغنية بالنفط وهي على مشارف التحرير الكامل، وسيشكل تحرريها تحوّلاً في مسار الحرب لا تستطيع الرياض ولا أبو ظبي تحمّل تبعاته أو قبوله، خصوصا وهذا يحقق للحوثيين توسيع المجال الملاحي والأمن الإقليمي. ومن هنا، تستعجل الأطراف المعنيّة إتمام صفقة التطبيع من أجل تثبيت مكاسب دول العدوان في الحرب على اليمن بالدعم الذي تقدمه أمريكا ودويلة العدو الصهيوني. فما هي هذه المكاسب؟
إنّ تسريع الجهود يهدف إلى تثبيت موطئ قدم للعدو الصهيوني في هذا البلد بشكل علني، ولا سيما في جنوب اليمن، وبالتحديد في المواقع الحيوية التي احتلها التحالف الخليجي والتي تعتبر الآن غنيمة "التحالف" المتبقّية من الحرب. حيث لا يخفي أقطاب التحالف ضد اليمن، السعودية والإمارات والصهاينة، خشيتهم من أن تؤدّي التحوّلات المتسارعة في "مأرب" وتحقيق النصر الحوثي هناك إلى فقدان السيطرة على الغنيمة.
كذلك لا تَخفى على واشنطن المنفعة التي تتحقق لها، باستثمار الحرب التي تقوم بها اليوم الرياض وأبو ظبي وتل أبيب بالنيابة، للتصدّي لخطط ومساعي حكومة "بكين" في إحياء حلمها القديم مشروع (الحزام والطريق)، حيث تقوم الصين الآن بالعمل على استكمال بنيته التحتية، التي تقع اليمن في قلب هذه االبنية.
ولتلخيص الأهداف المتعددة لعملية التطبيع وتسريعه نجد أنها تعتمد في جزء كبير منها على الحفاظ على مكاسب الحرب على اليمن، ولنلخص هذه المكاسب كالتالي:
• السعودية:
8- تهدف السعودية من حرب اليمن إلى فرض هيمنتها على ثروات هذا البلد، التي تضمها المحافظات الشمالية، فضلاً عن عقلية التعالي القبلي التي عشعشت في عقول ملوك السعودية. غير أن هناك هدفاً آخرَ للسعودية في المحافظات الجنوبية. وللسبب هذا وضعت السعودية ثقلها العسكري في احتلالها لمحافظة المهرة، وهو هدفاً رسمته منذ ثمانينات القرن العشرين. إذ تطمح السعودية للوصول إلى بحر العرب، والسيطرة على ميناء "نشطون" الستراتيجي الحيوي، الذي وضعت مخططا له بغية إنشاء بنية تحتية جديدة ومتقدمة تكنولوجياً تمكّن من استخدامه في عملية تصدير النفط السعودي، وتجنب مرور نفطها عبرمضيقَي هرمز وباب المندب الستراتيجيَّين.
وتعتقد السعودية أنّ هذا المشروع سيُحقّق لها فوائد اقتصادية وأمنية كبيرة. وقد بدأت السعودية بالفعل، في أواخر عام 2018، عمليات الحفر للأنبوب النفطي المقرر مده هناك نحو ميناء "نشطون"، فوضعت الأسس الكونكريتية في منطقة "طوف شحر" الحدودية، لكن "قبائل المهرة" ثارت في وقته وسيطرت على موقع الإنشاءات، وطردت القوات والمدرّعات السعودية مع العجلات العاملة في المشروع هناك، وأزالت جميع العلامات والأساسات الكونكريتية. وقد اشتهرت هذه الحادثة بـ (انتفاضة المهرة).
وكشفت الوثائق المسرّبة عبر موقع "ويكيليكس"، وثائق الخارجية السعودية، أنّ لجنة عليا كانت قد تشكّلت برئاسة الأمير سلطان بن عبد العزيز، وزير الدفاع والمُكلّف بملف اليمن، وسعود الفيصل رئيس المخابرات السابق المتوفّى وآخرين، وقد كُلّفت اللجنة بمشروع يهدف إلى شقّ قناة من الأراضي السعودية إلى بحر العرب يخترق محافظة "حضرموت" اليمنية، بغية الاستغناء عن كلّ من مضيق هرمز وباب المندب.
• الإمارات:
9- بالنظر إلى الموقع الجغرافي للامارات ومساحتها اللذان لا يتناسبان وطموحاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية العدوانية المتصاعدة، والتي تتحدث فيها أبو ظبي على الدوام. ومن أجل العمل على صنع أوضاع مناسبة، تنشط أبو ظبي لصنع تغييرٍ كبير في الجغرافية السياسية ومعايير القوة على الارض وصنع مجال حيوي لها بالمعنى الفاشستي في الخليج والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. وكثمن لمشاركتها في العدوان على اليمن، «غَنِمت» الإمارات، بتأييد علني وبمباركة كلّ من السعودية والولايات المتحدة، مواقعَ حيويّة في جنوب البلاد، حيث باشرت أبوظبي ببناء قواعدَ عسكريةٍ في الجزر الستراتيجية اليمنية التالية: (ميون، سقطرى، أرخبيل حنيش)، فضلاً عن احتلال (مدينة المخا المطلّة على البحر الأحمر)، كما سيطرت على "ميناء عدن" عبر حلفائها الطائفيين (المجلس الانتقالي الجنوبي) المكوّن من الساسة المرتزقة اليمنيين، فضلاً عن إنشائها ميليشيا محلّية من حوالى 90,000 مقاتلاً في جنوب اليمن والساحل الغربي، قام بتدريبهم حلفاؤها الصهيانة والأمريكان. لكنها أخفقت في صنع ما يماثل هذا التغيير الجيوبولتيكي في كلّ من (الصومال وجيبوتي)، بعدما فسخت الدولتان عقود الاستثمار مع «شركة موانئ دبي العالمية».
إن حاجة (أبو ظبي) إلى تعزيز مواقعها جنوب اليمن وبناء وحماية القواعد التي بنتها في الجزر اليمنية الثلاث وسواحل عدن ومدينة المخا الساحلية يعتمد على الوعود الامريكية والصهيونية الحمائية، التي سيكون ضمانتها المطلقة اتفاق التطبيع الإماراتي. والوعود هذه كانت أهم حلقات التطبيع في السياسة الأمريكية الصهيونية التي عملت على جرجرة أمراء المحميات وملوك الخليج منذ عقود إلى هذا المستنقع. وليس مفاجئاً أنْ يتحدث وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات "أنور محمد قرقاش" بلهجة عدوانية لا تختلف عن لغة الخطاب الصهيوني في ضرورة استباق الأحداث والفوز بالمصالح الاقتصادية قبل الآخرين حينما صرّح أنّ قرارَ التطبيع كان سيادياً (ويعزز موقعنا وتنافسيتنا.، وقوله في مناسبة أخرى؛ إنّ التطبيع يحمل الفائدة الاقتصاديّة للإمارات. فأيّة تنافسية هذه ومع من؟
• الكيان الصهيوني:
10- أمّا العدو الصهيوني فإنّ "باب المندب" يبقى شرياناً حيوياً لتجارته مع الشرق، حيث تبدأ حركته التجارية مع الشرق من ميناء"إيلات" الحيوي، ورئته التي يتنفس بها هواء البحر الأحمر.
ومنذ أنْ أغلقت مصر مضيق باب المندب أيام العدوان الصهيوني في حزيران عام 1967، حيث توقف عمل هذا الشريان بالنسبة لعلاقات الصهاينة التجارية مع أفريقيا الجنوبية، ومع بلدان الشرق على المحيط الهندي والمحيط الهادي حتى السواحل الغربية للامريكيتين واستراليا، والعدو الصهيوني يعمل للسنوات تلك على تكثيف وجوده في القرن الأفريقي، ويسعى إلى خلقِ فرصٍ دائمة مناسبة وآمنة لملاحته في قناة السويس شمالاً ونحو المحيط الهندي جنوباً عبر المضيق اليمني (باب المندب).
ومن هذا جاءت فورة الحماس الصهيوني والنشاط المتواصل. وبتأثيره وصف الإعلام الصهيوني وكلاء الإمارات (المجلس الانتقالي) في جنوب اليمن بـ(الأصدقاء الجدد)، وسط معلومات عن اتصالات وتنسيق يجري بين أعضاء (المجلس الانتقالي الجنوبي) المقيمين في (أبو ظبي)، وآخرين من المجلس ذاته يقيمون في الأرض المحتلة. والطرفان يعملان في تسهيل عملية التطبيع بحماس، ويعزز صحة تلك المعلومات انسجام (المجلس الانتقالي) مع خطوة التطبيع الإماراتية ودعوته الآخرين الى اللحاق بعربة التطبيع المشينة، إضافة الى محاولاتهم قمع الحركة الشعبية المناهضة للتطبيع في جنوب اليمن.
ومن المنافع التي يحصل عليها العدو الصهيوني أيضاً، أنّ الجزر اليمنية، وخصوصاً "سقطرى" المحتلة من قبل الإمارات، ستُؤمّن للعدو الصهيوني موطئ قدم متقدّم في مواجهته مع إيران. وإمكانية نصب قواعده وصواريخه هناك لتوازي من حيث التهديد المتبادل وجود حزب الله في جنوب لبنان. إضافة إلى أنه يخشى تفوّق إيران في المجالات الصناعية، كما يخشى اختراقاً إيرانياً نحو القنبلة النووية مستقبلاً، وان وجوده على هذا القرب سيوفر له فرصاً للتخريب أكبر.
ما هي خسائر المنطقة؟
إنّ الطبيعة العدوانية للاحتلال الصهيوني تمنعه من احترام العلاقات المتساوية مع شعوبنا ولن يمنح الحرية في كل الظروف، وخلال اكثر من 70 عاماً، كان الكيان الصهيوني مبادرا بالعدوان ضد شعبنا الفلسطيني قتلاً وتهجيراً ونزوحاً ومجازرَ، وتشهد سنوات الانتداب البريطاني في فلسطين على ذلك. ولقد جرت الجرائم كلها في ظل علم الإمبراطورية البريطانية وتحت حمايتها الكاملة وفق صك الانتداب.
ولم تمض 8 أعوام على قيام الكيان الصهيوني الغاصب حتى كان رأس العدوان الثلاثي على مصر، ولم يتوقف منذ ذاك التاريخ إلى اليوم عن عدوانه تحت حماية الإمبريالية العالمية لأنه يبقى رأس حربتها المسمومة ضد بلادنا.
ولا يخرج التطبييع مع الإمارات عن هذه السياسة التي تستهدف المنطقة في ظل شعارها الزائف (الكبرى من الفرات الى النيل). ومخاطر التطبيع واضحة بشكل بارز:-
▪ إنّ الطبيع يجري على المستوى العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي، وهو يعني نشر ثقافة الخضوع. علما ان الكيان الغاصب لن يتوقف عن فرض تفوقه العسكري وفرض سياساته على المنطقة والعمل المشترك مع الامبريالية الامريكية في رعاية مصالحهما وخططهما العدوانية.
▪ استمرار العدوان على اليمن ومنعه من الاستقرار وإعادة البناء من أجل اللحاق ببلدان العالم والمنطقة بسبب أطماع دول تحالف العدوان على اليمن مع الصهاينة.
▪ ضياع الحق الفلسطيني وابتلاع أرض فلسطين وتشريد شعبها إلى الأبد، خصوصا وأنّ سياسة ضم الأرض اصبحت باباً مشرعاً ضد شعبنا في فلسطين.
▪ محاصرة اقتصاديات البلدان العربية بسبب التخلف العلمي الذي فرضته عليها الإمبريالية العالمية منذ عقود طويلة ومنعتها من التقدم التكنولوجي، مقابل دعمها المستمر لتقدم العدو الصهيوني في هذا المجال.
▪ تعجيز الدول العربية عن اللحاق بالتكنولوجيا الحديثة وتصنيعها وإبقاءها تابعاً لما ترتأيه السياسة الاقتصادية للكيان الصهيوني، وتحويلها سوقاً لبضائع الرأسمالية العالمية، ومخزناً للمواد الاولية واليد العاملة الزهيدة الثمن.، وفقا للايديولوجيا الإمبريالية.
▪ زرع الفرقة والشقاق بين البلدان الشقيقة عن طريق خلق النزاعات الاقليمية، ومثالها اليوم الحرب على اليمن، والعداء المنفلت بين قطر وبلدان الخليج الاخرى.
▪ ياتي التطبيع في وقت ارتفعت فيه الأصوات الرسمية والشعبية في العالم للتضامن مع الشعب الفلسطيني والبلدان العربية ضد العدو الصهيوني، حيث سيضعف التطبيع هذا التضامن الدولي وربما يعمل على تصفيته.
▪ يتيح التطبيع لصناع القرار في واشنطن تقديم حلولٍ جائرة لحل الصراع الفلسطيني- الصهيوني. وتصفية كلِّ ما يتعلق بتحرير الأرضِ، كالذي حصل في تشريع وإباحة ضم الأراضي الفلسطنية في "صفقة ترامب".
▪ دفن المنافع الاقتصادية والاستثمارية التي تنهض باقتصاديات عدد من البلدان العربية، وخصوصا العراق في ما يتعلق بالمشروع الصيني (الحزام والطريق). وقتل فرص التنمية الاقتصادي من هذا المشروع الحيوي والمهم.
- وهناك أمورٌ أخرى كثيرة تشكل تهديداً دائماً للبلدان العربية بما فيها البلدان التي تسير في رُكب التطبيع بقيادة الإمبريالية الأمريكية.
• مالذي علينا عمله شعوباً ومقاومة وفصائلَ مناضلة في سبيل التحرر الوطني ؟
لقد شهدت الأيام القليلة الماضية حملة احتجاجات شملت حتى المحميات الخاضعة للسياسة الصهيونية والامريكية، وتعالت أصوات الاحتجاجات على اتفاقية التطبيع مع العدو الصهيوني الغاصب في بلداننا وعبر العالم. وحسب مؤشر الرأي العربي، أجرى المركز العربي للأبحاث والدراسات استبياناً أظهر أن أكثر من 84% من العرب يرفضون الاعتراف بالعدو الصهيوني أو إقامة علاقات دبلوماسية معه.
وتأكيداً لما جاء في تقرير مركز الابحاث شهدنا أن 43 فصيلاً ومنظمة وطنية في المغرب قد أصدروا في 14/9 وفي تظاهرة سياسية كبيرة بياناً شجبوا فيه التطبيع بين الإمارات والاحتلال الصهيوني، وطالبوا الحكومات العربية بالتصدي لهذه المهزلة، ووصف البيان اغتصاب الأرض الفلسطيينية بأنّهُ الحق المهدور الذي تضحي به حكومات خائنة وغير مسؤولة وخانعة.
ولقد أصدرت منظمات المقاومة الفلسطينية ميثاقاً لحق الشعب الفلسطيني، وقدمته لتوقيع الأحرار عبر العالم، ونشرت بيانات وأعلنت مواقفها النضالية ضد هذه السياسة التي تصادر مستقبل الشعب الفلسطيني وتنتهك حقوقه المشروعة، معلنة أنّها وحدها من له الحق في طرح قضيته التحررية، وإنّ انظمة الاستسلام العربية لا تمثل فلسطين وشعبها.
وتشكلت مجموعات مختلفة للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في ارضه، ورفض التطبيع والسياسة الامريكية في المنطقة ، فانبثقت في دول الخليج منظمات اقامت مؤتمرات وندوات ضد التطبيع منها(ائتلاف الخليج ضد التطبيع) و(خليجيون ضد التطبيع) قوامها الشباب الذين طرحوا ضرورة مقاومة التطبيع بكل الوسائل.
إذن هناك حملة سياسية جديدة ونشاط للرفض في المنطقة يعمل على مقاومة التطبيع ومقاومة الاحتلال الصهيوني والنفوذ الأمريكي. لكننا أيضاً نشهد اليوم للأسف، تراخياً من الحركات والفصائل الثورية واليسارية والديمقراطية في العراق وسوريا مصر والجزائر وتونس ولبنان وغيرها من البلدان العربية التي كان صوتها عالياً في الدفاع عن المقاومة الفلسطينية، وشجب سياسات التسوية مع الاحتلال الصهيوني.
وحزبنا إذ يعلن موقفه الرافض لاتفاقية التطبيع الخيانية بين الإمارات والاحتلال الصهيوني، وكل اشكال التطبيع والتسويات، فهو أيضاً يدعو الفصائل والاحزاب اليسارية والديمقراطية التي تناهض الاحتلال الصهيوني والسياسة الامريكية العدوانية في بلادنا، للتنادي والاجتماع من أجل تنظيم موقفٍ يؤكد شرف النضال التحرري والدفاع عن الحرية، والوقوف بجرأة وشجاعة ضد سياسة التطبيع والاصطفاف الى جانب المقاومة الفلسطينية، في نضالها ضد العدوان الأمريكي الصهيوني الخليجي، بشتى الوسائل.
عاشت الشيوعية.. في سبيل تحررنا الوطني وبناء الاشتراكية.
لجنة العمل الفكري
16/9/2020