رسالة من مصري لابنه شهيد ثورة يناير!

محمد عبد المجيد
2020 / 9 / 17

ابني الحبيب،
مرَّتْ تسع سنوات منذ أن غُدِر بك فغادرتنا، قتلوك فذبحونا حُزنـًا، سرقوا دورَ الله في قبض روحِك فقبضوها غيلة وغيظا وقسوة وغلظة.
أتذكر صباح الخامس والعشرين من يناير وأنا أُلــَـقـنك درسا في الجُبْن فتعلــّـمني الشجاعة والفروسية والنُبل، فتأتي كلماتك السحرية القادمة من عُمق النبوّة الشبابية وأنت تقول: لقد ألزمتَ نفسَك، أبي الحبيب، بالصمت ثلاثين عاما على أبشع طاغية ولص وكاذب ومُزوّر ومهرّب ونهّاب، والآن تريد مني أن أضع رأسي تحت حذاء ابنه ثلاثين عاما جحيمية جديدة؟
كنتَ، ابني الشهيد، في تلك اللحظة كأنك نضجتَ ثلاثين عاما في يوم واحد، وكان معك حق فمن الظلم أنْ أورثك بلدًا للعبيد فتلعن زمني الذي حاولت فيه تعليمَك الصمت فعلــّـمك ميدانُ التحرير صرخات الحرية والكرامة.
منذ رحيلك وأمُّك التي جفّتْ دموعها تنظر إلى الباب وعندما نحاول إقناعَها أنك في رحاب ربك ذي الجلال والإكرام، تغضب، وتتوجه إلى النافذة لعلها تراك قادما من بعيد فتجري لتُعــِدّ الغداءَ الساخن، وقد حجزت لك خُفية الخبزَ الطازج. تصطدم بالسراب فتحيل حُلمَ عودتك إلى اليوم التالي .. وهكذا طوال تسع سنين، ولم تلعن قاتليك ولو مرة واحدة.
مررتُ أول أمس أمام الجامعة ووقفت قليلا أتأمل مشهدا ماضويا عندما كانت تسبقك ابتسامتك البريئة المليئة بأحلام التخرج فحَوّلها الأوغاد إلى بــِـرْكة دماء لأنك طالبت بالكرامة والحرية وكل حقوقك المواطنية!
كثير من زملائك وأصدقائك تخطوا الآن العام الثلاثين، منهم من تزوج وانفصل، ومنهم من وجَدَ ليلاه بعد قصة حب فتزوجا و.. أنجبا، ومنهم من انحرف يمينا أو يسارا أو دينا أو اخوانا أو سلفا، ومنهم من هاجر باحثا عن وطن آخر يفتح ذراعيه للشباب الطموح بعدما فتحت سلطة الوطن النار عليهم.
أتذكر في اليوم الثالث لثورتكم المجيدة أنك اتصلت بنا لتسألني عن أمك وشقيقك الصغير وشقيقتيك، وسألتك: كيف تُصلي في زحام الميدان؟ قلتَ لي: صليت صباح اليوم بجوار دبابة وظُهر أمس ذهبت إلى الكنيسة المجاورة للميدان فتوضأت، وأفسح لي قــِـسٌّ ذو لحية بيضاء ووجه ملائكي مكانا للصلاة، ووجَّهني إلى القِبــْــلة؛ ثم تلوتُ آيات بينات من المصحف الشريف، وعدتُ إلى ميدان التحرير.
منذ أربع سنوات دعاني وأمــَّــك صديقــُـك جرجس إلى حفل زفافه على زميلة لكما كانت تبيت معكم في الميدان، وحضرنا الحفل في الكنيسة، وبكينا عندما أتىَ علىَ ذِكْرك، فقد فقأ مجرمٌ من كلاب مبارك العين اليٌمنىَ لشقيقه وهو لم يكن في المظاهرة، وجاء ليحضر لكم بعض الطعام، فعاجله كلبٌ قذر تعلم في الكلية أن الشرطة في خدمة الشعب، فلما تخرج فهم أنها تعني: الشعب في خدمة الشرطة.
شقيقتُك الكبرىَ هاجرت مع زوجها، والصغرى تدخل غرفتها، وتتأمل في صورتك وأنت ترفع عــَــلــَــمَ مصر في الميدان، وتتمتم معاتبة إياك: لماذا كنت تحب مصر أكثر من الذين صمتوا ثلاثين عاما على الظُلم، يا ليتك كرهتها وبقيت معنا! تسمعها أمُّك وتطلب منها أن تستغفر الله، فقاتلك هو الذي ماتت روحه وبقي جسده يأكل ويشرب وينهب.
أظنك تريد أن تسألني عما حدث لمصر بعد رحيل المئات من زملائك، وقنص عيون المئات، واعتقال الكثيرين ممن حلموا لمصر فتحولت أحلامهم لكوابيس فجعت الوطن كله.
لسذاجتكم وطيبتكم وقلة خبراتكم سلــّـمتم الثورة بعد الإطاحة بالطاغية إلى وزير دفاعه وأمين أسراره فأصبح رئيسا للبلاد وهتف الاخوان والسلفيون : المشير هو الأمير! لعام ونصف كان الرجل وحشا كاسرا، ينتقم لمبارك ومعه مجلس عسكري يكره كل عضو فيه المصريين أكثر مما يكره إسرائيل.
واستطاع طنطاوي تمكين الحرامي مبارك السادي والمزور النتن من الإقامة في شرم الشيخ حتى يتم تقنين المنهوبات، وتهريب المال، وشراء الذمم من ضباط وقضاة ومدراء مصارف.
وبدأت مسرحية المحاكمة كأنهم استعانوا بكافكا!
حكاية طويلة، ابني الشهيد، لا أريد أن أطيل عليك فيها. انتخابات رئاسية تتبدل وتتبندل لتنتهي لاثنين: شفيق يمثل المخلوع، ومحمد مرسي يمثل انتقام الاخوان.
وتساوى الاثنان تقريبا، ليست مصادفة، واختارت جماهير شعبنا المُزايد في التديــُّـن مَنْ دغدغ مشاعرهم الدينية كأن جيش الاخوان سيدخل مكة ويرفع علم الجماعة على بيوت قريش.
جاء محمد مرسي وفجأة أصبحت الدولة كلها ملتحية وزبيبية وحجابية أو نقابية، وتراجع الوطن ليحل محله الفهم الديني القطبي.
وبعد عام من البؤس خرج الملايين يطالبون بالاطاحة بالرئيس مرسي.
وجاء رجل من أقصى الجهل ونصف الأمية والغطرسة والغرور والطاوسية يعدهم بالمَنِّ والسلوى.
كان شحاذا في صورة رئيس، ومتسولا وقاسيا وسجّانا ومبغضا لثورتكم المجيد، فكتم أنفاس المصريين كما لم يفعل ديكتاتور في الدنيا برمتها.
وكانت خطوط دفاعه قضاة فاسدين وجهلة، وإعلاميين فضائيين وجبناء وصامتين ومرتعشين ومبررين كل الجرائم التي يرتكبها الرجل.
ولأن الجبناء على الشاشة فقد أقنعوا الملايين بان ثورتكم النبوية الشبابية هي(وكسة).
طبعا تمَّتْ تبرئة كل اللصوص والقتلة والمجرمين وعائلة مبارك حتى تظل الأموال المهربة في أمان بالخارج لينال من وقفوا مع المجرم نصيبهم.
ومات المجرم بعد تبرئته، وخرج رئيس الدولة في موكب عسكري لوداع أكبر لصوص العصر، وقاتل زملائك الذين لولا ثورتهم لما كان للرئيس الجديد موقع قدم.

لا أريد أن أقص عليك، ابني الشهيد، من أمر خيرات مصر ونهرها الخالد وغازها وسينائها وجزُرها وأموالها واستقلالها، خوفا عليك أن ترحل للمرة الثانية.
مئة ألف معتقل في أقذر وأقسى وأغلظ سجون الدنيا يشهدها عصر الرئيس الجديد، الذي غير الدستور تمهيدا لاغتصاب مصر لأجيال قادمة، وسرق أموال الشعب ليبني بها قصورا واستراحات خارجة من عقدة نقص لديه قال عنها بأنه لم يكن يملك في ثلاجته لعشر سنوات غير المياه.
قام برشوة الضباط والقضاة ورجال الدين والإعلاميين وكبار المسؤولين والنواب، ولو اغتصبهم الآن ما رفعوا عيونَهم أمامه.
اشتقنا إليك ابني الشهيد الحبيب، ولن أقول كما قالت أختك من فرط حبها لك: يا ليتك لم تحب مصر هذا الحب المجنون، فمئة ألف معتقل في سجون العدو الداخلي هم الوجبة الأولى قبل إدخل مصر كلها في الزنزانة.
لن أجعل أمك تقرأ هذه الرسالة لئلا تفيض روحها شوقا إليك.
تسألني ابني الشهيد: ماذا لو قرأ مصري في زمن ما بعد رحيلك واستشهادك هذه الرسالة؟
لو أجبتك فستقوم القيامة الصغرى، فالمصري بعدكم مات!
طائر الشمال
أوسلو في 16 سبتمبر 2020