الأمم المتحررة لا تتأفف من صانعي بنيانها الحضاري ولا تتنكر لواقعها الاجتماعي

أميرة أحمد عبد العزيز
2020 / 9 / 16

الأمم المتحررة لا تتأفف من صانعي بنيانها الحضاري ولا تتنكر لواقعها الاجتماعي

في الوطن العربي، حين تقول (نحن عرب)، لا يعني القول خليجي أو من أصول قبلية عربية أو من قريش أو عبد مناف، وإن كان الخلايجة عرب، وإن تواجد ذو أصل قريشي أو حتي من عبد مناف بيننا، والأخيرة هذه تخص هواة البحث في أصول العائلات والأسر - وذلك للتاريخ وليس للمستقبل-، لكن كون أننا عرب يعني اليوم أننا شعبا عربيا يقنط الوطن العربي، مما يشكلا معا (الشعب والوطن) الأمة العربية، تلك التي تشمل المنطقة الواقعة من المحيط للخليج، وهي أمة تشكلت من خلال التطور التاريخي في إطار سعي الناس فيها نحو حياة أفضل ومن خلال تفاعل سكان المنطقة، وهم من قبائل، وشعوب -لم تتطور أي منهم لمرحلة الأمة- مع بعضهم وتفاعلهم مع الأرض في مواجهة الظروف ولحل المشكلات المشتركة منذ الفتح العربي الإسلامي وبعد خروج الرومان والفرس من تلك البقعة، وعلي مدار عدة قرون تحت حكم الامبراطورية العربية الإسلامية، مما نتج عنه تشكل الأمة العربية.

والأمة المقصودة هنا هي طور من أطوار التطور الإجتماعي يسبقها الأسر و العشائر والقبائل والمرحلة الشعوبية ولا نعلم حتي الآن ما يليها.



مثل من أمة متحررة اليوم: الأمة الانجليزية



حين يقول إنجليزيا (أنا إنجليزي) يعني انتمائه إلى الأمة الإنجليزية، والكلمة لغويا تنسب للغة (اللغة الإنجليزية) التي في الأصل هي لغة قبائل الجرمان، لا ينكر الإنجليز هذا من تاريخهم أو تكوينهم الحضاري ولا يستدعي ما يتأففون بشأنه، والجرمان قبائل غزت أراض الامبراطورية الرومانية ضمن غيرها من القبائل التي سيطرت علي أوربا بعد سقوط الامبراطورية، والإنجليزية تنسب لجماعة من الجرمان، كما أن كلمة عرب ينسبها البعض لأبناء (يعرب بن قحطان) ومنهم من ينسبها (لعربة أو عربات) وهو اسم لبلاد العرب.

والجرمان حين غزوا تلك البقعة من الامبراطورية الرومانية كان بها جماعات وسكان، منهم من اندمج ومنهم من ترك الأرض، ومنهم من لا يعرف مصيره، علما بأن في المراحل السابقة على تشكل الأمم يكون هذا هو الأمر المعتاد، حيث جماعات من(قبائل وعشائر، وشعوب) تلتقي وفي محاولاتهم الاستقرار أو الاختصاص بالأرض يتحاربون ويتصارعون، حتى يتم حسم الصراع بالاختصاص بالأرض من قبل البعض وطرد الآخرين، وقد يحدث اندماج بين جماعات كانت متحاربة ومتصارعة يشتركوا في الاختصاص بالأرض، وبالاختصاص بالأرض تتكون الأمم وتشكل حضارتها المتميزة عن غيرها من الأمم (مثل الأمة العربية والفرنسية والإيطالية والتركية والإيرانية......إلخ).

ولقد سيد الجرمان المنتصرين لغتهم اللغة الإنجليزية لتكون لغة الأمة الانجليزية، و قد تأثرت اللغة الإنجليزية بلهجات ولغة السكان الأصليين وباللاتينية وبلغة النورمانديين وقت احتلالهم انجلترا مما أضاف إليها معاني وألفاظ، وندر أو اختفي استخدام ألفاظ ومعاني أخرى قد أصبحت غير متداولة، وإن كانت اللغة الأصلية مازالت تجد مكانها ومكانتها في مواضع مثل (الأدب الانجليزي).

(الأمة هي المرحلة الأكثر تطورا حتي تاريخنا هذا في تطور المجتمعات وذلك بعد استقرار الجماعات علي أرض والاختصاص بها وتكوين حضارة متميزة وليست ممتازة)، واذا وصلنا لمرحلة الأمة، فلا إمكانية الرجعة إلى مراحل سابقة، فالأمم تتكون كما تعلمنا خلال سعي الناس فيها لإدراك حياة أفضل، وبالتالي الوصول لمرحلة الأمة هو معبر عن تطور اجتماعي.

وقد تشكلت الأمة والحضارة الإنجليزية، ودخلت اختبار يؤكد وجودها واختصاصها بالأرض، فقذ حدث غزوات من جماعات أو أمم أخرى لهذه الأرض، ولكن حيث كان اكتمل تكون هذه الأمة (الأمة الانجليزية) فقد صمدت وظلت حية لغة وحضارة؛ ولنا هنا وقفة من تاريخنا العربي (فقد احتلت الأراضي العربية طيلة قرنين من قبل الفرنجة والخواجات فيما يسمي "بالحروب الصليبية" ولكن بالنهاية اختبر وجود الأمة العربية واختصاصنا بالأرض بخروج الصليبيين والحفاظ علي وجود الأمة العربية وإن تأثر تطورها بهذا الاحتلال).

إن الأمة العربية بدأت بذرتها بقبائل من نفس المنطقة غزوا أراض المنطقة وأراض أخري، وكانت النسبة الأكبر من المنطقة تحت حكم الرومان والفرس، وقد تم دحرهم من قبل مجموعة من العرب والمسلمين تحت راية الإسلام، وقد حكموا ووحدوا هذه المنطقة، وبتفاعل شعب المنطقة وبانتشار لغة المنتصر (اللغة العربية) أصبح التفاعل أسهل، ونظرا لتوسع الإمبراطورية العربية الإسلامية كانت أغلب أراضي المنطقة آمنة لعدة قرون فسهل هذا التفاعل والتطور الحضاري فأصبحنا أمة عربية ذو حضارة عربية إسلامية.

إن الفرق بيننا وبين أمة متحررة كالأمة الإنجليزية هو ((الحرية)).

فالإنجليز يحترموا حضارتهم وكيانهم ولغتهم بشكل يشعر أمثالي بالغبطة.

وهم يختلفوا عنا بأنهم أمة غير مجزأة ولا مقسمة ولا بها احتلال ولا (إسرائيل)، فالحقائق واضحة ولا مكان للغموض والتضليل من قبل مستعمر أو مستبد، وهذا ينطبق علي كل الأمم الحرة المتحررة.

ولكن العرب أبناء الأمة العربية المقسمة بفعل الخواجات منهم (إنجلترا)، الأمة العربية التي يوجد بقلبها كيان استيطاني شيطاني يسمونه (إسرائيل) هو صناعة الخواجات ومنهم وعلي رأسهم (إنجلترا)، الأمة العربية التابع معظم شعوبها للخواجات بقيادة الأمريكان اليوم، والمستبد بها والمعرضة للاستغلال الخارجي، ومن القلة من أبناء أمتها، هذه الأمة أمتنا العربية كأن الهزيمة انتقلت لعقول ونفوس أبناءها، فبدلا من نبحث عن حل للواقع، هربنا منه، إما لروابط قبلية وعشائرية، منهم من يقوموا بالمشاركة في الاستغلال والاستبداد بأبناء أمتنا، أمثال هؤلاء (آل سعود وغيرهم من عائلات وعشائر الخليج)، ومنا من استبدل الرابطة القومية بالرابطة الدينية وجعلها في مواجهة الرابطة القومية ظلما وعدوانا، مع أنه لا يوجد ما يمنع أن تكون مسلم عربي أو مسيحي عربي ومتدين ووطني، بل هو الأمر الصحيح والصالح، ومنا من استبدل الرابطة القومية بروابط إقليمية وشعوبية وسمهوها قومية، فأرادوا إحياء الموتي وكأنهم المسيح (فالمصري فرعوني، والسوري أشوري... وهكذا كم من الهراء) والصحيح وجود مصري عربي، وسوري عربي...وهكذا، مثل أن تكون محمد وعربي، وجورج وعربي، والأدق هو (مواطن عربي من (مصر أو تونس أو الجزائر....إلخ).

يجب علينا بدلا من القيام بمحاولة إحياء الموتي التي هي ليست في قدراتنا، أن نقوم بعلاج المصاب، وليس لأن الحي أبقي من الميت، ولكن لأن تلك الموتى حتى إن كان بيننا مسيحا يحييها، فهي تمثل أطوارا إجتماعية تخطناها لمرحلة أكثر تطورا حققنا فيها إحتياجات أكثر تطورا مما يسبقها، هذه هي مرحلة (الأمة)، وهي البداية لمزيد من التطور، ولنستطيع أن نتطور (أي نشبع احتياجات مجتمعنا المتجددة أبدا) علينا أن ننظر في مجتمعنا، في هذا الكائن الحي (الأمة العربية) ونتخلص من الأمراض التي تعوق حركته ( التجزئة والاحتلال والتبعية والاستغلال والطائفية وهذا الكيان المسمى (إسرائيل).
تمت