الإعلام الرسمي وهيئة التدريس الحاجة إلى الدعم النفسي أولا

عزيز باكوش
2020 / 9 / 16

في حدود الإدراك ، ونحن على بعد ما يناهز أسبوعين من استقرار الدخول المدرسي الاستثنائي 2020-2021 في ظل جائحة لم يسبق لها مثيل ، وباستثناء المقرر الوزاري الخاص بتنظيم السنة الدراسية 2020 – 2021 والذي يهدف إلى تحديد مختلف المحطات والعمليات والأنشطة المبرمجة برسم بالسنة الدراسية المجارية مع مواعد إنجازها. لم يتطوع أي من أساتذة الجامعة ( 11 من المؤسسات الجامعية بالمملكة )من المتخصصين في مجال التربية وعلم النفس الاجتماعي ، كي يلقي درسا افتتاحيا موجها إلى هيئة التدريس بمختلف أسلاكها الابتدائية والإعدادية و التأهيلية لتقديم الدعم النفسي والمعنوي عبر وسائل الإعلام الرسمية، مثل القناة الأولى أو القناة الثانية 2M أو ميدي 1 تي في ،أو حتى عبر قناته الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي مثل اليوتوب أو الفايسبوك الانستجرام وغيرها وذلك بعيدا عن منطق التجارة و هامش الربح والخسارة .
ولعل ما يعيشه المغرب الآن كغيره من بلدان العالم من مشكلات وبائية بسبب فيروس كورونا اللعين وخطره على الناشئة والمدرسة المغربية ، يجعل المواطن والمجتمع في حاجة ماسة إلى وقفة مجتمعية رحيمة بعد معاناة أليمة واعتلالات نفسية وبدنية وتداعيات مدمرة الأخطر من نوعها على الإطلاق . جسم تعليمي ضم وفق إحصائيات 2020 -2019 ما يناهز 10 ملايين من التلاميذ والطلبة يتوزعون بين 8 ملايين و208 ألف تلميذة وتلميذ، مسجلون في التعليم العمومي وما يفوق 680 ألف متدربة ومتدرب بالتكوين المهني، وما يناهز مليون و10 آلاف طالبة وطالب، يمثل الإناث 49 في المائة منهم . تم استقبالهم في 219 مؤسسة جامعية بالقطاع العمومي، وتم تعبئة ما يناهز 263 ألف و335 أستاذة وأستاذا منهم 15 ألف أستاذة وأستاذا جددا بقطاع التعليم المدرسي و20 ألف و829 أستاذا للتعليم العالي و21 ألف و380 مكونة ومكونا بالتكوين المهني.
في جل أقطار العالم المتمدن، لا سيما في الدول التي ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان،تسير مدارس ونظريات التحليل النفسي جنبا الى جنب مع الحياة والمجتمع ، ولا تستقيم العملية التعليمية التعلمية إلا بالموازاة مع أحدث النظريات في علم النفس التربوي وعلى ضوئه تسير ، وبشكل خاص مع الأستاذ والمدرسة باعتبارهما المستقبل والمصير لبناء أجيال صالحة قادرة على صياغة مصيرها ، بل المشاركة في تشكيل مصير العالم من حولها . وذلك خلافا لما تشهده دول العالم الثالث من ضمنها المغرب اليوم ، حيث يسود الخطاب الرسمي الواجهة ، البعيد عن الانتظارات الحقيقية للمواطن وانشغالاته وتطلعاته في الاستقرار النفسي والاجتماعي ، لا سيما في الظروف العصيبة والاستثنائية التي نعيشها ،في ظل دخول مدرسي مرتبط بالجائحة ، ما يجعل منها حقبة من أصعب المحطات الاجتماعية على الإطلاق.
في المغرب اليوم ، لم نسمع عن حصة إعلامية إذاعية أو متلفزة بحمولة نفسية داعمة تسند الأستاذة وتعزز معنويات الأستاذ لتجاوز إكراهات المرحلة ، على العكس من ذلك ، تنشط مجاميع الرداءة . ويجد البعض الفرصة مناسبة للتشفي وإعادة إنتاج التفاهة و صناعة التبخيس نكاية في هذا الكائن الصفي الإنسان صاحب أنبل رسالة حضارية على الإطلاق، سواء عبر تمرير أسئلة استنكارية ونكت بدائية تستهدف التقليل من أهمية الأستاذ ، أو من خلال دبج تدوينات مريضة حاقدة أو ناقمة في أحسن الأحوال ، كما لو كان الأستاذ – ة- هو أصل الداء وسبب الوباء .

على التلفزيون المغربي بقنواته الثمانية - الجمع بصيغة المفرد- لم نشاهد قط، وصلة إشهارية تدعم معنويات الأستاذة أو الأستاذ في مواجهة إكراهات الدخول المدرسي الحالي وتسنده معنويا وتؤهله ، كي يصبح قادرا على تحمل عصبيات المرحلة ، بعيدا عن ذلك الأرشيف الخشبي المحنط والعقيم للتلفزيون المغربي الصالح لكل زمان ومكان ،منذ نشأته بداية الستينيات .
على مستوى وزارة الصحة العمومية لم نسمع عن طبيب مختص في العلاج النفسي يغادر عيادته ، تجاه مكتب جريدة، أو مقر إذاعة جهوية أو منصة إعلامية ما ، كي يقدم مجانا ( ينبغي التأكيد على الجانب الاجتماعي في شقه التطوعي ) وذلك عبر كابسولات توعوية تحسيسية أو عبر بامتدادات رقمية أخرى تأخذ شكل إرشادات وتوجيهات نفسية للسيدة الأستاذة أو السيد الأستاذ ، وهي نصائح وإرشادات ناجحة على المستوى العلمي والعملي النفسي والفكري. ليس لأنها مهمة وذات طبيعة أخلاقية سامية فحسب ، بل لأنها تدخل في صميم مهامه كطبيب إنسان ، في مواجهة وضع نفسي استثنائي يمر به كائن استثنائي بكل المقاييس دخول يعتبر أصعب دخول مدرسي على الإطلاق.
إن ترديد لازمة التعبئة العامة كأسطوانة مشروخة من قبل الخطاب الرسمي ، وتجديد الدعوة لكل الفاعلين التربويين وعموم شركاء المدرسة المغربية، للإنخراط المسؤول لإصلاح المنظومة التربوية بالبلاد ،لا يجب أن يستثني المؤسسة الجامعية بأطرها ذات الكفاءة العالية والخبرة الطويلة في المجال. وكذلك الجسم الطبي بأطره العالية الجودة ، كما لا يجب أن يخرج التلفزيون كفرعون للإعلام الرسمي في الألفية الثالثة هذا المارد والأشد تأثيرا وخطورة في تشكيل الوعي وهندسة الذهنية البشرية على الإطلاق .
إن ما يجدد ثقة الأجيال في مدرستهم ويجعلها مدرسة منصفة وذات جودة ومساهمة في الارتقاء الفردي والجماعي،هو توفير الظروف النفسية والمادية وتأهيل المورد البشري ماديا ومعنويا ،كي يصبح قاطرة لإنجاح النموذج التنموي الجديد للمملكة. وليس تلك الروبورتاجات الخشبية المحنطة والأسئلة السطحية البائتة على البلاطو التي تستدعي الأرقام دون الأفعال .
لذلك ، من شبه المؤكد ، أن وظيفة تسهيل مهمة الأستاذة أو الأستاذ وإسنادها نفسيا ومعنويا في مواجهة الدخول المدرسي الاستثنائي هي مهمة الطبيب المختص والمحلل النفسي والأستاذ الجامعي ، وهو الرجل الطبيب المناسب المؤهل والمختص ،والذي أعلم من غيره بطرق استكشاف العقل البشري وآليات فهم السلوك الإنساني ، وأساليب التخفيف والدعم والعلاج النفسي في الظروف العصيبة ، لكن بهاجس التمدن والوعي الحضاري ،بعيدا عن منطق التجارة .