قراءة في مستجدات الحالة الفلسطينية

صلاح بدرالدين
2020 / 9 / 16

تشكل الحالة الفلسطينية انعكاسا ليس للوضع العربي فحسب بل للحالة العامة بالمنطقة فهي ومنذ نحو قرن من الزمان بمثابة ترمومتر لقياس وتائر الحرب والسلام وقد عرفت القضية الفلسطينية دوما بقضية " السلام بالشرق الأوسط " لذلك ليس غريبا ان تتوجه الأنظار الى كل ما يطرأ عليها من تطورات مستجدة وهذا مايحصل اليوم بعد ابرام معاهدتي السلام بين إسرائيل وبلدين عربيين هما دولة الامارات ومملكة البحرين بواشنطن باشراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب .

وجد جيلنا نفسه وجها لوجه أمام محنة الشعب الفلسطيني المنكوب دار عليه الزمان وانتشر في سائر الأصقاع بفعل التهجير القسري والطرد من أرض الآباء والاجداد لايختلف معاناته كثيرا عن ماحصل للكرد في سائر مراحل التاريخ وليس لمرة واحدة حيث كان تاريخه سلسلة من النكبات بدأت فصولها منذ التاريخ السحيق والى يومنا هذا على أيدي ( الرومان والغزوات باسم الدين والصفويين والعثمانيين والامويين وهولاكو وأتاتورك وأنظمة البعث ...) لذلك لم يكن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش وحده من قارب معاناة الشعبين في أشعاره بل أن النخب الكردية السياسية والثقافية كانت ومازالت تقارن ظروف القضيتين العصيتين على الحل وتماثل بين التجربتين كظاهرة نادرة في تاريخ حركات التحرر المحلية والعالمية .
لقد عشت بعضا من التجربة التراجيدية بنفسي حيث أتذكر وكنت طفلا عندما سكنت بقريتنا – جمعاية – عائلة فلسطينية عرفت بعائلة ( الحاج الفلسطيني ) المكونة من أب وأم وولد وبنت وكانت موضع ترحيب وعطف من سكان قريتنا الذين علموا أنهم من ضحايا التهجير القسري على أيدي ( اليهود ) وكان الحاج خبيرا بالزراعة ولأول مرة طبق طرقا زراعية متقدمة بإنتاج وفير خصوصا بمجال الفاكهة والخضار وهذا ماعزز مكانته واحترامه لدى أهل قريتنا أكثر وكان القروييون يجتمعون من حوله وهو يسرد ماعاناه الفلسطينييون من عذابات على أيدي مستوطنين جاؤوا من مختلف بلدان العالم .
لست أبالغ ان ذكرت أننا في الحركة الوطنية الكردية مدينون لحركة المقاومة الفلسطينية ومن ثم منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الديموقراطية ليس بمجال تعاطفهم مع قضيتنا فحسب بل على صعيد التجربة الفكرية الثمينة التي كنا نواكبها تباعا فقد أنجبت الحركة الوطنية الفلسطينية مفكرين ومثقفين أبدعوا في تقييم مراحل النضال وفي تجديد وسائل الكفاح التي كانت تناسب تلك الظروف كما أولوا القضية الكردية اهتماما بالتواصل مع ممثليها والعمل المشترك والدعم والتضامن وقد فتحوا وسائل اعلامهم امام الأقلام الوطنية الكردية والعربية ليسطروا حول أحوال الكرد وقضاياهم ومعاناتهم وشكلوا في مرحلة سابقة موئلا للعديد من مناضلي حركات التحرر في المنطقة والعالم .
مرت القضية الفلسطينية بحكم تمازجها مع مختلف قضايا البلدان العربية السياسية بالعديد من المنعطفات وقدمت الكثير من الضحايا وبطبيعة الحال والى جانب تصدرها للقضايا العالمية وليست الإقليمية والمحلية فحسب فانها شهدت العديد من الإخفاقات أيضا بسب النزعات المتطرفة لدى تيارات محدودة في الساحة الفلسطينية وبحسب تقييم نخب فكرية فلسطينية فان الاستمرار بالعسكرة أضر بالقضية الى جانب مخاطر جماعات الإسلام السياسي والتباطؤ في التجديد ودمقرطة المؤسسات والتخلف في قراءة الاحداث والتطورات الإقليمية والعالمية .
كما تعزو تلك النخب الانسداد الفكري السياسي لدى القيادات الفلسطينية الى مسألة التنافس في رفع الشعارات المزايدة وتحقيق القليل من التسليح للقيام بعمليات عشوائية لكسب أصوات الشارع الفلسطيني المغلوب على أمره وتحسين الحالات التنظيمية الفصائلية والحزبية والشللية كل ذلك من شأنه اضعاف الشأن الفلسطيني وتخفيف وزن القضية مما تتحول فريسة سهلة للاسرائليين وكذلك للنظام العربي الرسمي الذي يتعامل معها حسب أجندة محاورها ومصالحها ونفوذها ولأن الدعم الوحيد للفصائل مصدره البلدان العربية وايران فانها تصادر القرار الفلسطيني المستقل لقاء القيام بدور المانح ومن ثم استخدامها في سبيل مآربها فقط .
على القيادة الشرعية المتمثلة بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية أن تكون بمستوى الحدث وان لاتنجر وراء المشاعر العفوية التي تغذيها جماعات الإسلام السياسي وبعض الأنظمة بالمنطقة ليس من اجل الحل بل لاضفاء المزيد من التعقيدات التي بدورها ستجلب المزيد من الضحايا الفلسطينية فكلنا نتذكر قمة اللاءات الثلاثة بالخرطوم عام ١٩٦٧ ( لاصلح ولااعتراف ولاتفاوض ) والتي كانت فصلا جديدا لاعادة القضية الفلسطينية الى قبضة الأنظمة الفاسدة لتتاجر بها ونفس الأنظمة بدأت بالعلاقات مع إسرائيل سرا وعلنا من وراء ظهر الفلسطينيين وكان اولهم رئيس النظام بمصر حيث مشهد نزول الرئيس المصري أنور السادات من طائرته في مطار بن غوريون الإسرائيلي يوم 19 نوفمبر (تشرين الثاني) مازال ماثلا .1977،
ثم عقد مؤتمر السلام في الشرق الأوسط” في العاصمة الاسبانية مدريد، في 30 تشرين أول / أكتوبر 1991، بعد أشهر قليلة من أنتهاء حرب الخليج الثانية، إلا أن فكرة عقد المؤتمر، جاءت بعد خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش، أمام الكونجرس الأمريكي، في 6 آذار/ مارس 1991، حيث قال آن الآوان لانهاء النزاع في الشرق الأوسط على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، ومبدأ الانسحاب مقابل السلام، الذي ينبغي أن يوفر الأمن والاعتراف بإسرائيل واحترام الحقوق المشروعة للفلسطينيين .
فعقد المؤتمر الدولي بحضور الرئيس الأمريكي جورج بوش والسوفيتي ميخائيل غورباتشوف، ووفد أردني – فلسطيني مشترك برئاسة وزير الخارجية الأردني كامل أبو جابر والفلسطيني د. حيدر عبد الشافي، ووزراء خارجية كل من مصر وسوريا ولبنان، و(إسرائيل) برئاسة رئيس الوزراء اسحق شامير (ومع أن الدعوة الأمريكية والسوفيتية وجهت لوزراء خارجية الدول لحضور مؤتمر مدريد، إلا أن شامير أصر على حضور المؤتمر بدلاً من وزير خارجيته ديفيد ليفي) وشاركت وفود من مصر ودول الخليج العربي والمغرب العربي والاتحاد الاوروبي، وشهد المؤتمر حضوراً إعلامياً كبيراً .
كما أعلنت اتفاقية السلام الأردنية - الإسرائيلية وإنهاء حالة الحرب، وارتخت أطول حدود برية للمملكة الأردنية من حالة الطوارئ المعلنة في صفوف القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي)، والتي عاشتها البلاد بعد احتلال الضفة الغربية في 4 يونيو (حزيران) العام ١٩٦٧ كما تمت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية وهي الدولة العربية الأهم وانسحاب الأخيرة من الأراضي المصرية .
وكانت اتفاقية أوسلو ( ١٩٩٣ ) بمثابة عقد سلام فلسطيني إسرائيلي عاد بموجبه القيادة الفلسطينية مع عوائلها وفي المقدمة الرئيس الراحل ياسر عرفات والذي نص على الانسحاب الإسرائيلي وانشاء حكم ذاتي فلسطيني على مراحل يتوج بتسوية دائمة بناء على القرار رقم ٢٤٢ و ٣٣٨ .
نحن هنا لانقوم بدور ( الأستذة ) على الأصدقاء الفلسطينيين بل اننا تعلمنا منهم الكثير كما أن قضيتنا أشد تعقيدا والأحزاب والقيادات الكردية أحوج ماتكون الى المراجعة الفكرية والسياسية والمأسسة والشرعية الوطنية والقومية وكذلك إعادة البناء عبر المؤتمرات الجامعة للتجديد ومواصلة الكفاح .

كصديق للشعب الفلسطيني ومع قضيته العادلة أرى أن تجيب القيادة الشرعية الفلسطينية على التساؤلات التالية : ١ – كنتم مع مؤتمر مدريد للسلام العربي – الإسرائيلي وفي اتفاقية أوسلو الفلسطينية الإسرائيلية ووقفتم الى جانب الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل من جهة ومصر والأردن من الجهة الأخرى ولديكم اتفاقيات امنية وإدارية ومالية مع الجانب الإسرائيلي فلماذا تقفون ضد اتفاقيات السلام الموقعة اليوم بين إسرائيل والامارات والبحرين وبضمانة أمريكية ؟ ٢ – كنتم تقولون دوما أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى وأنهم شركاء لكم في المصير وتعلمون أن معظم الدول العربية مع السلام مع إسرائيل والبعض لهم علاقات سرية فلماذا تعارضون قرارات بعض الدول العربية السيادية بخصوص هذه القضية وهم شركاؤكم ؟ ٣ – كما أرى ان تفاهماتكم هذه الأيام مع جماعات حماس ولقاءاتكم مع فصائل كانت ومازالت ضد شرعية منظمة التحرير واختراق سيصب لمصلحة محور الممانعة في دمشق وطهران وهو امر يضر بقضيتكم ويسيئ الى علاقاتكم مع حركات شعوب المنطقة ٤ – للأسف الشديد موقفكم الراهن ستستغله ايران ضد الإدارة الامريكية وليس لكم مصلحة في ذلك .٥ – كنتم التزمتم بالسلام والآن ترتفع أصواتكم مع أصوات جماعات الإسلام السياسي وأتباع طهران ودمشق وحزب الله باتجاه التصعيد والمواجهة فهل انتم جاهزون لذلك ؟ ٦ - وأخيرا وبعد غياب القائد العملاق أبو عمار أخشى أن تفقدوا الشرعية الوطنية الفلسطينية كما فقدتها حماس وفصائل أخرى وحينها تضرون بقضيتكم بل تعملون على تصفيتها عن جهل أو سابق تصميم ، تساؤلات عليكم الإجابة والتوضيح .
مطلوب الان اكثر من أي وقت مضى أن يحدد ممثلوا الشعب الفلسطيني آفاق مستقبل نضالهم ويعيدوا تعريف قضيتهم هل مازالت حركة تحرر وطني أم تحولت الى حركة دينية بمواجهة حركات دينية مختلفة وهل حركة وطنية فلسطينية مستقلة أم امتداد للنظم العربية الرسمية هل هي قضية شعب فلسطين من المفترض حلها مع الطرف الاسرائلي على أساس دولة ديموقراطية للفلسطينيين العرب واليهود أم قيام دولة مستقلة متوافقة ومتعاونة مع الدولة الإسرائيلية وهل ستحل قضيتهم سلميا أم بالكفاح المسلح ؟ .
ان صمود القيادة الشرعية الفلسطينية امام التحديات واتخاذ الخطوات الشجاعة للانقاذ وعدم الرضوخ لرغبات القوى والتيارات الشريرة وتعزيز الصف الوطني تحت سقف الحقائق الموضوعية والعودة الى الشعب هو الطريق الاسلم في هذه المرحلة الصعبة وستكون نتائجها لمصلحة الفلسطينيين وكل شعوب المنطقة التواقة الى الحرية .