حوار فكري مفتوح مع الكاتب والمثقف سمكو محمد حول الايديولوجيا و الاضداد

عباس جميل جيماو
2020 / 9 / 16

سمكو محمد: الايديولوجيا كقناع على شكل وعي مزيف وضبابي له بداية دون نهاية واضحة
سمكو محمد: لايجرؤ كل مثقف وكاتب واكاديمي على مناقشة الايديولوجيا

القسم الخامس
حاوره: عباس جميل جيماو
ترجمة الى العربية: جمعة الجباري

يتحدث سمكو محمد في هذا القسم من الحوار عن الايديولوجيا واضدادها، ويرى ان اتباع الايديولوجيا لهم حججهم الخاصة، ويجزم كل واحد منهم ان منطقه خلاف للحقيقة التي يؤمن بها المجتمع بشكل عام. ويحللها اصحاب المنطق انها وهم الاخرين كاسلوب محبب يوحي بالسيطرة على المجتمع، وله اساس فلسفي تتحكم به المادية والعقلانية.

سؤال: بسبب طبيعة الاختلاف الفكري والديني والعلمي، اتخذ جميع الاشياء صفة الايديولوجيا بشكل مباشر كان ام بشكل غير مباشر، واحتاج ذلك الى توضيحات وتعريفات وتحليلات اكثر، في حين انتقد المحللون والمفكرون هذا المفهوم باستمرار، ماهو تحليلكم لذلك؟ ولماذا اتخذت الظواهر جميعها هذا المسار؟
سمكو محمد: لست متفقاً على انَّ الاشياء جميعها اصبحت ايدولوجياً، لانَّ لهذا الموضوع قصص واحداث مختلفة، فبعد الكلاسيكية تمخضت مفاهيم ومصطلحات متنوعة، وقد وسَّعت هذه المصطلحات الفكر بشكل اكبر وانتجت نقداً جديداً، إذ كان النقد سابقاً نظاماً قائماً ضد نظام آخر، اذن لايجوز ان ننسى انه منذ وجود التفكير؛ تتواجد الايديولوجيا وتجددت باساليب مختلفة في كل مرحلة من مراحل الحياة، لانَّ الانسان الايديولوجي يبحث دائماً عن فكرة جديدة؛ حتى يثبت وجوده في عملية البت في قرار حسب تلك الفكرة الجديدة، ولكن ذلك الانقطاع المعرفي الذي تعامل مع تلك المصطلحات حسب اطار مختلف، على اقل تقدير نزع تلك الصفة، عندما تحولت الايديولوجيا من فكر الى بضاعة لمؤسسات الدولة، وايضاً الشركات هي جزء من معامل الايديولوجيا، حينها نحس اكثر ببقاء هذا المفهوم ومدى حيويته.

سؤال: حسنا، لكي نتحدث عن بدايات وتمخضات اخر مراحل الفكر والدين؛ يجب ان نبدأ بالنقاش عن بداية الاختلاف بين الافكار والاراء، ياترى لماذا كل فكر وكل عمل وحتى الصناعي منه اصبح ايديولوجيا كونكريتية، ولماذا نحتاج مرة اخرى الى انعزال اخر؟
سمكو محمد: لاشك انَّ لكل فكر وديانة وفلسفة اساساً واصالة خاص بها، وكان هناك سبباً تاريخياً و سرّاً اجتماعياً راهنا على تثبيتها، و وضع لها كوداً سرياً مثل اية ديانة لها رقماً السري الخاص بها، وقد اخذ الوضع هذا الطابع وانحدر منذ عهد الكلاسيكية، لذلك؛ لايمكن ان نراجع لاي موضوع كان، اليونان القديمة ومصر القديمة والهند والصين، فهذه لديها مجتمعات ودول وكيان رصين وخاص بها وتختلف عن الدول التي سجلت لنفسها تاريخاً في هامش تلك الدول.
لكن الذي يجيب على هذا السؤال الى حدٍ ما، انَّ نهاية القرن الماضي كانت بداية ظهور التكنولوجيا، وحسب ان الفلسفة والدين كان يتم النقاش عليهما في مكان ما وفي ازمنة مختلفة، فكانت الايديولوجيا احدى تلك المفاهيم التي تمت مناقشتها اكثر من غيرها، سواء من قبل الايديولوجيين أو من قبل ناقديها، لانها كانت تطغى على اكثر المساحات الفلسفية والدينية، ومازال رهان الصراعات يتم على هذا الموضوع، ومن اجل ذلك؛ حين ظهرت الحداثة وعصر التنوير، طرحا سلسلة من الاشكال والنتاجات الادبية التي تقف ضد الايديولوجيا، وقد اتخذت موقعها على لسان المفكرين كتشكيلة ايديولوجية مختلفة، وكان ذلك في الفترة التي قادت مجموعة من الخطابات القيمية المترابطة ذلك التيار، ومنذ ذلك الحين طغت الايديولوجيا مرة اخرى وبشكل و لون جديد على جميع توجهات وافكار المجتمع والدولة وكأنما تريد تأسيس العالم من جديد، وقد توافقت الاضداد سواء الاكاديمية منها او غير الاكاديمية على ذلك الخطاب الايديولوجي الذي تشكل ازماتها التاريخية خطورة اكبر من الازمات الآنية، وكما يقول المثل الكوردي: "يجري القتال بالاحقاد القديمة" ولحد بقاء فجوة كانت سبباً في انحلال المجتمعات كانت هذه الحالة ايضاً تحارب نفسها، واقصد بذلك ان الايديولوجيا كانت بحكم الزمن تعيش في مشكلة مع نفسها، وذلك بوصول الصراع الفكري الى نهايته وسد تلك الثغرة، من هنا اضطروا الى التمسك بالاخلاق، واصبح منبراً اخر لولادة ايديولوجيا معاصرة، على سبيل المثال: ظهرت محاكمة قوة الايديولوجيا التي كانت ضد الرأسمالي القديم، وكانت ضد روح الثالوث المسيحي والاديان الاخرى، وضد الافكار الكونكريتية التي كانت جانباً اخر من المناقشة، ومن هنا يظهر لنا لماذا رفض النقد كل الاديان والسياسات والثقافات المطلقة دوناً عن كل المجالات الاخرى، وكان مثالهم في ذلك الشعراء والمفكرين الذين وقفوا ضد الانظمة، وانتهوا إمّا بتلقي حتفهم أو بتهميشهم، ومن هنا فان الصفة التي تحدثت عنها اصبحت ضعيفة الوقع.

سؤال: اذن نستطيع القول ان سبب تعدد الاتجاهات الفكرية الذي نراه يعود الى التغيرات الطبيعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع دون التعريف الكلاسيكي له، والان السؤال الذي يليه هو: كيف ترون اختلاف هذا المفهوم ومطاوعته مقارنة بين المجتمعات المنغلقة والمجتمعات المتطورة المنفتحة؟ وهل مازالت الايديولوجيا باقية داخل المجتمعات سواء كدين أو فكر، واين وصل بها المطاف؟
سمكو محمد: حين نتحدث عن تطبيق هذا المفهوم، لايجوز التفريق بين هنا وهناك، ولكن يمكننا الاخذ بالتأثيرات السلبية للمجتمعات والبلدان التي جاءت تطبيقاتها سلبية كمثال على ذلك، فمثلاً البوذيون في بورما عنفويون، بيد انهم مسالمون في ماليزيا، والمسلمون متشددون في الشرق، الا انهم مسالمون في تونس والمغرب، وهذا يظهر الفارق بين المجتمعات المنغلقة والمجتمعات المنفتحة، وفي النهاية تخلق الايديولوجيا الفضاء التي تريدها، اي هي حسب رغبة وهدف الايديولوجيا من حيث التطبيق، او حسب رغبة البضاعة والاعلان الخاص بها، سواء كانت الفكرة مادية او ايديولوجية فالهدف واحد، اذن فان الايديولوجيا لاتظهر لوحدها، وانما تظهر عبر نظرية أو فضاء غير مستقرة، أو عن طريق ديانة أو بضاعة أو جماعة سياسية وحتى الرياضية كما نراها الان، لذلك؛ لانرى الايديولوجيا المعاصرة أو نحس بها بسهولة، وخاصة بالنسبة للذين يفتقرون الخبرة في اللعبة السياسية للانظمة المعاصرة، ففي النظام الفدرالي فان كل عمل حسب نطاقه يتم الحفاظ عليه امام ايديولوجيا اخرى تقوم بالحكم عليه، فالايديولوجيا عبارة عن علاقة خيالية تربط الافراد ببعضها من خلال موضوع معين أو ميدان محدد ويعرفها كواقع، ولكن خارج نطاق ذلك النص فهي معنى وهمي اخر.
دعني اقدم تعريفاً آخر، الايديولوجيا قناعٌ على شكل توعية مزيفة ومتخبطة وضبابية لها بداية واضحة وليست لها نهاية، لانها عبارة عن مجموعة من القيم والافكار تؤمن بها جماعة معينة، ولاشك انها تؤثر على الفكر وغالباً ما اخرجته عن الطريق الصحيح لتصبح منطقاً غير مناسب أو معرفة وهمية، بحجة انَّ المجتمع يريد العثور على مصلحته حسب هذا المنطق، وقد ناقش المفكر العربي (عبدالله العروي) هذه المفاهيم والمصطلحات في ثمانينات القرن المنصرم كثيراً، ودوَّنَ غالبية هذه المفاهيم في كتب، وقد قسم هذا المفهوم في كتابه (مفهوم الايديولوجيا) الى ثلاثة انواع:
النوع الاول: (ايديولوجيا التطلع الأُممي) تقترب هذه الصفة للايديولوجيا من الفلسفة، لانها بحكم الشمولية والاممية تعالج مشكلات الفرد والمجتمع، وتحدد موقفها ايضاً بذات التحليل، وتنعكس في اذهاننا جميعاً.
النوع الثاني (ايديولوجيا الفردانية) وهذا الشكل ياتي حسب استيعاب وقناعة الافراد ويتطلع الى افق فكري، ويجد الفرد فيه كل عناصر الفكر واللوحة المرسومة زاهية الالوان، ويوظف فيها كل غرائزه الصغيرة والكبيرة في جسده وعقله، ولكنه لايستطيع القفز على حدوده المرسومة له ويكسر كل القيود الى الابد، وهذا تطلع ذهني يجد نفسه فيه ولايرى كل العالم من حوله.
النوع الثالث هو (ايديولوجيا الظاهراتية) وهذا نوع تحليلي لاظهار المعرفة والعلوم والمشكلات الموضوعية والشخصية، وتأثيره يضاهي تأثير ايديولوجيا الاممية، لانه يتحدث عن الانسان بشكل عام، في حين هناك اختلاف بين الحقيقة والفكر، وهذا هو السبب في انَّ الايديولوجيا تجعلك تقف عكس الفكر المباشر، ولاشك ان لهذا براهينه الخاصة به.
اذن؛ يملك كل واحد من الايديولوجيين براهينه الخاصة، وكل واحد منهم يرى انَّ منطقهم عكس الحقيقة التي يؤمن بها المجتمع عموماً، والمنطقيون يحللون الوضع على انه هناك وهم صادر من قبل الاخرين يشكل اسلوباً من اساليب الحميمية للسيطرة على المجتمع، وينطلق ذلك من اساس فلسفي يحكمه المادية والعقلانية، ولكن سابقاً لم تستطع معاهدة الثورة الفرنسية وكشف المفارقات الفكرية من خلق موازين لجميع الاشياء، لذلك؛ لم ينظر المنطقيون الى ذلك كأمر واقع، بل نعتوه بفكر ايديولوجي منغلق وغير علمي.
اذن؛ من هذا المنطلق فانَّ تلك الحرب الايديولوجي مع التيارات الاخرى التي لاتمتلك فرصة للتعبير عن نفسها تحيي من جديد ذلك الموضوع الذي لايجرؤ كل مثقف وكاتب ان يتحدث عن الايديولوجيا، لانها جعلت المثقف بشكل مباشر او غير مباشر اداة فعالاً ومستخدما للتعبير عن نفسه عن طريق الادبيات وكتابة الروايات بحيث يظن في خياله انه ضد الايديولوجيا، الا انَّ المجاميع السياسية والشرائح الاجتماعية الاخرى تقوم بصراع مباشر ومختلف، لهذا فان الايديولوجيا في انبعاث دائم سواء كان بشكل مباشر او غير مباشر.
حين تتحول الايديولوجيا من مفهوم الى أداة بيد المؤسسات الحكومية وتصبح الشركات ايضا جزءاً من معامل الايديولوجيا؛ حينها نحس ببقاء هذا المفهوم بشكل اكثر ومدى فعاليته، وأحس بذلك آلتوسير قبل المفكرين الاخرين، وتحدث عن الاختلافات الجذرية بين هيغل وماركس، وكيف ان الدولة استغلتها بشكل سيء وخضعت كل المؤسسات تحت تجربة الايديولوجيا، وكان ذلك بعد الحرب الجدلية التي دارت بين ماركس وهيغل، وحينها احس الكثير من المفكرين بتلك الخطورة التي نتيجة انتشارها ستكون بداية لانهيار القيم التي يفخر بها الانسان وعلى راسها الوعي وحرية الكتابة، وهكذا وامتداداً لذلك التيار اليساري الفرويدي الذي سدَّ الفجوات الروحية لماركس؛ اصبح التبخيس القيمي منهجاً فكرياً محدداً.
ويلهايم رايش هو احد المفكرين الذين خالط بين فلسفتي السايكولوجيا و المادية الجدلية، ولكن بعد ذلك ألّف كتاب (أسمع ايها القزم) عن طريق نقد الايديولوجيا ومازال هذا الكتاب اكثر الكتب قراءة، كما وقع غالبية الناس في كل بقاع العالم تحت تأثير تلك الفكرة التي كانت ضد الايديولوجيا والخيال الدونكيخوتي.
ومن الناحية الفلسفية كان لماركس رؤاه الخاصة، ويرى انه لايمكن تحليل مضمون الايديولوجيا على تصرفات الافعال البشرية، لهذا فهو يؤلف في الايديولوجيا الالمانية، والظاهر ان الناس واحوال الناس في كل انواع الايديولوجيات التي مرهونون بها يشبهون صورة ضبابية، لان الايديولوجيا ضربت بجذورها في الحياة المادية، ولكن هذا يحتاج الى العلاقات العامة، او علاقات شخصية بين الاسس الحقيقية للمجتمع، لانَّ علاقات الانتاج ليست من اساسيات القانون والسياسة. وما يخص ملاحظة ماركس في هذه العلاقة، فهي تقع بين الاساس الطبقي و الايديولوجيا بذاتها، وبهذه الطريقة ستعمم العلاقة بين الايديولوجيا والاساس المادي، لان اساس هذا التوجه هو طريق بينهما، وقسم منه ظهور الافكار، وبعد ترسيخ تلك العلاقة؛ ستنتج ايديولوجيا جديدة. وغالباً حين توضع الافكار امام المادية؛ يكون بسبب تضاد تلك المفاهيم، لانَّ الفكر ينظر اليه كنتاج للعقل، اي انَّ هناك شيء بات ينضج داخل العقل، وماديون ذلك هو بمثابة نسبة من النضوج قبل تطبيق الفكرة، وهذا المفهوم له علاقة مباشرة بالروح ويستخدم للمواضيع غير المرئية مثلما استخدمه ديكارت في موضوع اللاهوتية.

سؤال: تبين لي من خلال اجابتك آنفاً ان هذا المفهوم مثل الظل حاضر في كل الافكار، ويكون حيوياً وفاعلاً اكثر حين يجد ضده أمامه، ليس فقط الدين والسياسة؛ بل استخدمه ايضاً العقل والدولة؟
سمكو محمد: ساتحدث الان عن موضوع، كيف انَّ كل شيء في الحياة هو فعل ورد فعل، وكيف انَّ الموضوع الرئيس لايكون حاضراً الا اذا حضر ضده، وسأتحدث عن الدولة وكيف انها شحنت مفاصلها بالايديولوجيا، ولماذا تحولت دولة الناس و منتخبة من الناس؛ الى دولة ضالمة وقمعية، ولماذا تحولت سياسة الادارة والسياسة الخارجية والداخلية الى ايديولوجيا الجميع.
هذه هي الاسئلة التي توضحت لي من خلال سؤالكم وساهتم بها، لان الموضوع يجبرنا على خوض غمار الحالة التطبيقية لمفهوم ايديولوجيا الدولة ولماذا اصبحت اجتماعية وانعكست في اذهان الجميع، وذلك لان مؤسسات الدولة تدار بافرادها لذلك تكون قمعية وعنيفة بشكل عام، هذه هي نوعية رعاية الدولة لافرادها التي تعمل في مفاصلها، لان عملهم مركزة على مراقبة الناس وكيفية تفكيرهم بشكل مركز، فمثلاً لمعالجة اية مشكلة اجتماعية بشكل جذري يعملون حسب الايديولوجيا المتبعة لديهم، ويسيرون حسب البرنامج المتبع لدى مفاصل الدولة والذي وضع لهم مسبقاً، يعملون حسب ذلك النظام السياسي الرقابي الذي تم قبوله مسبقاً من قبل الاسس الفكرية للدولة، هل لاحظت باي مسار تسير المشكلة؟
عندما يكون كل شيء تحت السيطرة السياسية والامنية ومراقبتها الدقيقة؛ حينها تتحول الايديولوجيا من مفهوم الى دستور عملي، خاصة عندما تصب مصالح الطبقة الثرية والتجار ورجال الدين وحتى المثقف المزيف والاخرين المقربين من السلطة في اناء واحد، حينها كل شيء يشحن بهذا المفهوم.

سؤال: خارج النطاق السياسي، اتخذت الايديولوجيا جوانب اخرى وهي العلوم الاكاديمية، لانَّ الجامعة اصيبت في كل انحاء العالم بوهم السلطة الثقافية، وهذه الفضاء ليست باقل من مفاصل الدولة وقد ضرب المثل على ذلك عندما كان هايدكر يدير اهم مفاصل الدولة في العهد النازي وهي جامعة برلين، مما اثار جدلاً كبيراً، ومازالت هذه السلطة الاكاديمية مستمرة في تلك الفضاء التي منحتها لنفسها، فكيف ترى هذا المفهوم في الوقت الحالي؟
سمكو محمد: نحن تحدثنا سابقاً عن ماقبل ظهور انقطاع الفلسفة في المانيا، ولكن بعد ظهور التيار الفكري في المانيا ونقدهم للآيديولوجيا والاجابة عن الاسئلة بتفهم سايكولوجي، لايمكننا ربط كل الاوهام بالعلم، في حين يمكننا ربطها برواد العلم حيث يرون ان النظريات العلمية الماثلة بين ايديهم هي نتاج ابداعاتهم الفكرية وهذا هو الوهم الحقيقي، واقصد بذلك انَّ الاستاذ الجامعي مازال غير مستوعب ان الشهادة، ليست مجرد شهادة اكاديمية وعلم فقط، بل هي اجازة عمل لا اكثر ولا اقل، ومن هنا نحس بالوهم، وما بعد هايدغر كان الاكثار من العلم، وبالنسبة للقسم الاخر يمكننا عده بالامكانيات الفلسفية، ولكن بعد ظهور كل من المفكرين: (اريك فروم، يورغن هابرماس، هربرت ماركوز و ولهايم رايش) اصبح العنف قوياً، فاخذت معاني المفاهيم والمصطلحات تأخذ معانٍ جديدة، لانه بعد ظهور مفهوم الايديولوجيا التي كان آلتوسير قد جمعها في اطار مؤسسات الدولة؛ احس هذان المفكران بالخطورة الكبيرة للثورة التكنولوجية والعولمة، اللتين ستهجمان وتمحوان كل القيم الفكرية.
لنحسب ان بعض التحرر الاجتماعي والسياسي نتيجة الابتعاد عن التوجهات الفكرية سيحرر الانسان، ولكن ظهر انَّ التطور التكنولوجي والحالة الاجتماعية نتيجة توزيع الاعمال يؤدي الى ذات النتيجة، وبالتالي فان ذلك يؤدي الى تقييد الانسان مرة اخرى، ومايزال وضع تغطرس شريحة على شريحة اخرى موجوداً، ومازال الوضع يشبه احقاب القرن 18 و 19 الميلادي، ويرجح بقساوته اكثر في بعض الاحيان، لانه لم تبقَ اية ارضية خصبة ومؤهلة والقدرة الفكرية والجسدية المناسبة لتنامي شريحة اجتماعية وسطى، الذين كانوا يتعبون ويجتهدون من اجل الفكر، الذين كانوا يشيلون اعباء تأسيس التحضر والتمدن، فهؤلاء وقعوا بين حجري رحى التكنولوجيا والاعتقاد الديني الذي اصبح الايديولوجيا الجديدة، لدرجة ان غالبية الذين يئسوا من عالم الراسمالية اصبحوا اناساً فكريين وارهابيين وقاموا بالحفاظ على الايديولوجيا عن طريق التكنولوجيا.
بمرور الزمن حوّلت التكنولوجيا قسماً مهماً من العلم الى آيديولوجيا، لقد افسحت التكنولوجيا مساحة كبيرة لمستخدميها ومشتركيها، فلم تعد للآيديولوجيا تلك المعنى القديم التي كانت عبارة عن فكر معين او ديانة معينة، بل على العكس وبسبب التطور التكنولوجي تغيرت حتى العلاقات، وبات كل من يرغب يستطيع الحصول على ايميل خاص به والحصول على الارقام عن طريق الكومبيوتر والانترنيت الخاص به في البيت، اذ تمول الشركات الملفقة كل تلك الاغراض بسهولة ومجانية، وكل ذلك دون عناء ويستطيع الحصول على اي شيء يرغبه خارج الدراسة من الندوات والكونفرانسات واي شيء اخر. وقد خلق كل هذه الامور خطورة حقيقية على ملكية الاشياء واحقيتها وتبلور ظاهرة الكسل، واطلق العنان لكل شخص بان يصبح كاتباً أو فناناً في كل المجالات، فبات كل شخص رئيساً للتحرير أو مديراً لتحرير او صاحب استوديو او مصورا خبيرا او مونتيرا ..الخ. على اساس انه لم يبق هناك رقيب او خطورة الرقابة التي كانت موجودة في القرون السابقة، ولاشك ان ظهور الملكية المزيفة التي هي ضد الملكية الفكرية، محت كل ما له معنى الملكية، وبلورت نوعية اخرى من الملكية باسم ماس ميديا في فيس بوك، بحيث يشارك الجاهل والمفكر بذات المستوى في التكنولوجيا، بل اصبحت سوق الجاهل اكثر رواجاً، ولاشك ان هذه الفضاء شكلت في مكان اخر مشكلة للسياسيين، اذ بتبخيسهم للكتابة وعدم اعطاء الاهمية والقيمة المثلى لها، ظهر بالمقابل نوع من الاستنكار العام دون الخروج الى الشارع والخوف من الشرطة، ولاشك ان الاكاديمية العلمية هي الاخرى تورطت في هذه الظروف واصبح وهمها اكبر.
إنَّ المظاهرات التي اندلعت في مصر و تونس وليبيا وسوريا هي اكبر دليل على حقيقة انَّ السياسة خدعت الناس ودفعتهم ضد السلطات عن طريق التكنولوجيا وجعلتهم كومبارساً لفلم، و وضعت له ايضاً بطلاً كارتونياً و اكملت الفلم بدراما كوميدية وتراجيدية وغيرت الوضع. هذه هي الحقيقة التي حولت الحرية الى رغبة سلبية و كل شخص يمتلك كل شيء ولكن من الناحية الغريزية لايتمتع بحريته، لانَّ هذا النظام وفر كل شيء للفرد حتى لا يستفيد من الحرية التي كانت موجودة في القرن الماضي، ولايعود الى الوراء وان يمسح في ذاكرته معنى الثورة، ويصبح حاملاً للهوية التي تؤكد الذوات على العقول المفكرة، وتنتج نفسها بشكل يومي، وهذا اسلوب من حوار العقلانية، في حين ان بعض الكتاب والمفكرين المعتدلين يستعرضون انفسهم، دون ان يفهموا ان مجال فهم اللغة وخاصة لغة الام او اللغة المحلية الدارجة يجب ان تكون بعيدة عن اي تكنولوجيا السلطة السياسية، لهذا جعلت حقيقة السيطرة طاغية، لانَّ السلطة نفسها قلقة ومترددة في البقاء بهذه اللغة التي خطابها بمثابة حقيقة بقائها، وليست هناك سلطة تضمن بقاءها خارج لغتها المحلية.

سؤال: اسلفت انَّ الايديولوجيا لم تكن موجودة فقط في الدين والسياسة والفكر، بل شملت ايضاً الادب والكتابة، هل هذه هي النهاية أم ماذا؟
سمكو محمد: كانت حرباً واحدى المواجهات في القرن العشرين، كانت ظاهرة التوتاليتارية، كانت تحويلة باسم اقتراح الكلاسيكية التوتاليتارية الى مابعد التوتاليتارية، والذي تبين من خلال اقتراحات جورج اوريل و هانا اريندت ومعاصريهما، كان احدهما عبر قراءة للتوتاليتارية والاخر عبر الادب وخاصة الرواية، كانوا يفكرون بمرحلة السياسة الموجزة، بحسب ان التوتاليتارية كانت محكومة بانهاء مفارقاتها، ثم ظهر انَّ كل واحد من هذه الافكار لم تكن تعرف نفسها كايديولوجيا وكان لكل واحد منها حجته الخاصة به، لانهم كانوا يعلمون جيداً انَّ صراع الافكار لايبشر بنهاية جيدة، ولايملكون خطة بعيدة المدى لعلاج فكري، ولكن اليوم بعكس ذلك، ليس فقط لم تبقى روح التوتاليتارية والتيارات الاخرى فقط؛ بل حافظ على روحه شخصياً، واقصد توتاليتاريزم الثقافة حيث يرد اسم كل من جورج اوريل و هانا اريندت، كشخصين قارئين للتوتاليتارية، ومن هنا اخذ الموضوع بدايته ككاتبين معروفين بهذه الوتيرة واستطيع ذكر العديد من الاسماء المشابهة لهما، ولكن هؤلاء كانوا ينظرون بذات النظرة الى الاتحاد السوفياتي القديم، ونظروا الى الظالم والمظلوم بذات النظرة، كما ذكر ذلك في مؤلفيهما كل من جورج اوريل في (مزرعة الحيوان) وهانا اريندت في (أسس التوتاليتارية) وحسب ما كانا ضد الكومونيستية السائدة؛ فقد فكرا بحسب اتجاه واحد وذكرا عالم السياسة والثقافة بعالم انبعاث التوتاليتارية، وحتى الفترة الاخيرة حين كان يذكر موضوع الايديولوجيا، كان يذكر معه الفكر اليساري ونظام الاتحاد السوفياتي، ولكن لم يبق هذا النظام في الوقت الحاضر، وذلك بجهود مجموعة من الباحثين الفكريين منذ 1950 وحتى 1960 فأعلنوا نهاية الايديولوجيا، بيد انَّه بمرور الزمن تبين انهم كانوا على خطأ، لانهم كانوا يعملون على المبادىء فقط، وخاصة العالم الثالث، الذي ينتظر دائماً الى مايخترعه الغرب وامريكا واسيا الصينية واليابانية، اذن لم يكونوا ينتظرون الاستثمارات البشرية التي تطرح من قبل الايديولوجيا المذهبية والدينية المختلفة والاقوام المختلفة والسياسة المصطنعة والصناعات والالعاب الرياضية والامتعة المختلفة، لذلك؛ اسمي هذا بانقطاع آخر للايديولوجيا، حيث لم يكن مفكروا القرن الماضية يتوقعونه.
ودعنا نذكر ايضاً ما ذكرته سابقاً في كتابي (نقد الايديولوجيا) حيث قلت: ان بظهور علم الاجتماع بوست موديرن، اى مابعد الحداثة. ظهر معه مشكلة نظرية اخرى، وقد احسَّت بهذه العقدة الفكرية النخبة الثقافية والسياسية والادبية، الا انهم وضعوا لها هذه المرة كود ثقافي، باللجوء الى النشيد العسكري ونشيد الاندية الرياضية ونشيد الجوائز العالمية ونشيد ثورة الاقوام الذليلة والمارشات الحماسية ونشيد راغبي المثلية وكل ذلك كان مصطنعاً، لذلك؛ حتى ايديولوجيي العالم وشريحة النخبة وعوام الناس التابعين لهذا العالم المثير عزلوا انفسهم حتى من الناحية الاخلاقية. اذن ماموجودٌ حالياً ليس نهاية مرحلة الايديولوجيا، بل اعادة ذات التاريخ المعروف باصل الثقافة، ولم يستطع الكتاب والادباء انقاذ انفسهم من هذه الفضاء لحد الان، لان المثقين بدل انقاذ انفسهم من الفكر العشائري والتمسك بالتفكير الانفرادي، اصبحوا اشخاصاً توتاليتاريزميين للثقافة، وجعلوا ذلك اسلوباً اخر للايديولوجيا ومقبول لدى غالبية المجاميع مايسمى النخبوية، لانهم خرجوا من رحم فكر كونكريتي وتابعين لذات الايديولوجيا الغامضة.
بعد دخولنا لقرن جديد والالفية الثالثة، طرحت الايديولوجيا كموضوع جديد للنقاش امام مفكري اوروبا، وقد تجاوزت هذه المرة من نطاقها الحزبي والديني والمذهبي الضيّق، واصبحت وضيفة اجبارية اودعتها الصراعات كوضيفة في عاتق البشر في الالفية الثالثة، ورغم ان الايديولوجيا اجبرت جميع شرائح المجتمع على خدمتها، لانها كانت آلة اخرى لانتاج نوع اخر من بشر هذا القرن ومنح الشرعية للظروف التي انتجه الكيان السياسي، ولكن المثير للملاحظة بمعزل عن الانسان العادي، فان قسم كبير مما يسمون انفسهم بالمثقفين والذين ظهروا على حساب المثقفين الجديين واخذوا زمام مجموعة من مفاصل السلطة في كل العالم، دون التفكير بالواقع الثقافي ومستقبل الانسان؛ اصبحوا خداماً للايديولوجيا الحزبية والدينية والمذهبية وعملوا على انجاع الموازين السياسية المحلية والعالمية، والذين يكتبون ويتحدثون على المستوى المحلي ازيد من الذين ينظرون للامور غير المرغوبة على المستوى العالمي للقارىء الكسول، واعطيت لهذه الدعاية معنى على اساس انهم يمتلكون لغة سياسية مختلفة عن الايديولوجيا، على سبيل المثال: السياق الذي كان يستخدم للحرية الصحافية وكتاب وناشطي المجتمع المدني والسياسي..الخ، لم يكن ينقصه شيء عما كان موجوداً من ايديولوجيا القرن الماضي باسم الكومونيزم والحرية الوطنية ..الخ.
تبلورت هذه الفضاء في وقت كان يجب حسب كل المقاييس وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومايسمى بالاشتراكية، الا يبقى هذا الخادم الايديولوجي واستخدام ذات اللغة السياسية القديمة بفونت سياسي مختلف، لكي يجعلوا من الانسان خادماً وعبداً للسياسة والايديولوجيا الجافة وبعض الاحيان الخطيرة، ولكن بالعكس بقي هذا الاسلوب في الاوساط مايسمى بالثقافية والصحافية وايضا في اوساط مدرسي الجامعة والاكاديميين والحزبيين المنسوبين الى اليسار، وتبين ان مناصري هذا التيار اكثر من الذين تخاف منهم الاحزاب الحاكمة، لان هؤلاء سدوا الفراغ الحاصل بالكتابات الفجة باسم الفن و الدفاع عن الناس الفقراء وحرية المرأة وحقوق التعليم والتجارة ..الخ. وصعدوا المخاوف كون ذلك معروف في الفكر المعاصر بالايديولوجيا التطبيقية. وجاءت هذه الحالة من ظهور اسلوب اخر من القراءة زحزح اركان النقد والفكرالجاد و اصبح امراً واقعاً. ولكن تكمن المشكلة في ان هذا التيار كان يتحدث بدون خلفية فكرية قوية، لذلك لم تبق للايديولوجيا مخاوف لها من ازاحة المكان.
في القرن المنصرم ظهر شخص مثل (انطونيو غرامشي) بلغة نقدية، وبات ينتقد ذلك التيار الثقافي الذي سماه باسم ثقافة لسان حال، وكان يدير تلك الاصدارات الحزبية امثال الملالي والرهبان واشباه الاساتذة، ولكن حين عكست السياسة نفسها ووقفت ضد نفسها، عادت الايديولوجيا مثل السيناريو مرة اخرى الى الميدان، والذين كانوا قد فقد الايمان بها اصبحوا يدافعون عنها مرة اخرى، هذه هي الاعمال المضادة للسياسة والادب والثقافة بشكل عام والتي عكست نفسها على المرافق الاجتماعية.
لاشك انَّ خلق هذه الفضاء المصطنعة لم تجبر فقط الكتابة والنقد تتراجع امام السياسة ومفاصلها؛ بل جعلتها عديمة القديمة ، وكل من يعمل فيها بتلك الجدية يقع تحت طائلة تجريح و استهزاء هذا الجيش الذي طرح نفسه كبديل ثقافي وقوبل بالاستحسان.
عندما كان (كولن ولسن) يدافع عن العبثية في عهده، اعلن ان المثقفين لهم يدٌ في السلام الاجتماعي، لانهم اكثر وعياً من خدع السياسيين لهم، ولكن مايحصل الان خارج عن ارادة المثقف، وعهد به الى اشباه الصحافيين والاعلاميين في الشاشات المباشرة، لهذا تعرض السلام الاجتماعي الى مخاطر جمة، حيث انَّ الناس لايستوعبون تلك الفضاءات المشكوكة في امرها وكذلك المثقفين لايفهمونها، لذلك لانستطيع التحدث عن هذا المفهوم في ذات الوقت اذا لم نقم بتعريف افاقه المختلفة.

سؤال: عندما يأتي الحديث على المواضيع الفكرية والمذهبية والادبية؛ فالكثير من الناس يتحدثون عن ايديولوجيا غامضة تدافع عن نفسها تحت غطاء معين، خاصة الافكار الرياضية او التكنولوجية، كيف ترى ذلك، واعتقد ان هذا الموضوع لم يتطرق اليه كثيراً؟
سمكو محمد: لقد بينت ذلك سابقاً، بانه يجب ان نعلم ان الايديولوجيا لم تهجم مثل الدين والفكر والسياسة لوحدها كي تجدد نفسها، وتبقى في اطار السياسة، بل هذه المرة قامت الشركات بترويج بضاعتها وجعلت الانسان بضاعتها، وانتجت الايديولوجيا التكنولوجيا وجعلتها اسلوباً اخر، والاخطر من ذلك ايديولوجيا حديثة هي الرياضة، لان الاجيال الان لاتعيش مثل القرن المنصرم في صراعات، حيث كانت هناك مشكلات النص الادبي والثقافي والعلمي و..الخ. بل تدور الصراعات بين الشباب حالياً في انقسامهم على الاندية الرياضية مثل البرشلونة وريال مدريد و بايرن ميونخ وانترميلان وجيلسي..الخ، ونجوم الساحات الرياضية هم ميسي و رونالدو وغيرهما، في حين انَّ هذه الفضاء كانت موجودة ايضاً في اواسط القرن العشرين مثل اندية البرازيل وفرنسا والارجنتين..الخ. وهذا نوع جديد من نتاج ايديولوجيا جديدة والتي تنتقل عبرها الصراعات الى شرعية اكثر هدوءاً واكثر مسالمة وذات متعة، وتكون بذلك قد منحت رواجاً لمستلزماتها من كماليات واكسسوارات رياضية وايضاً قتل الصراعات الفكرية، انبرت هذه الفكرة عندما فهم نظام الرأسمالية في العالم قاطبة انَّ الانتماء الحزبي والمذهبي لايكفي لوحده؛ بل يجب ايجاد بديل اخر يمنح الاستمرارية للالعاب، ويكون له شكل مختلف وهو الايديولوجيا التطبيقية