مغالطات العقل القبطى

منسى موريس
2020 / 9 / 16

العقل هو مصدر الحقيقة ولايُمكن أن يصل لأى معرفة صادقة بدون قواعد منطقية صحيحة فالمنطق هو لغة الحقيقة لكن عشوائية التفكير ومغالطاتة وعبثية الإستدلال تُمثل طرق مُضللة لن تقود المرء إلى الصورة الحقيقية للواقع والوجود فالوجود محكوم بقوانين والعقل أيضاً كذلك فعدم مراعاة قوانين العقل تؤثر بشكل رئيس بالسلب على الحقيقة ككل ومحاولة بناء عقل جديد يتطلب الأمر إلى وضع قوانين المنطق في الحسبان والإلتزام بالقوانين العقلية لإقتناص الحقيقة كما هي لأن المغالطات المنطقية والعقلية هما أعداء الحقيقة .
إن العقل القبطى متشبع بمغالطات منطقية كثيرة وهذه المغالطات تعمل ضد التنوير وإستقلالية العقل لأن التنوير الحقيقى يبدأ بمعالجات الأخطاء المنطقية المُترسخة في الذهن لأنها تُشكل حاجز كبير أمام المعرفة والتطور وبعض من هذه المغالطات يشترك فيها العقل القبطى مع العقل الإنسانى ككل كون العقل واحد عند جميع الناس ، ولكن ما هي أهم المغالطات التي يقع فيها العقل القبطى عند مواجهة النقد والفكر ؟
أولاً . الإحتكام إلى السُلطة : حين تنتقد فكر أحد الآباء أو فكر الكنيسة تجد أحدهم يقول لك " من أنت حتى تنتقد ؟ " وهذه مغالطة منطقية تربط بين رجل الدين المشهور والحقيقة وكأن الحقيقة فقط مع المشاهير وصفوة المجتمع ولو كنت شخصاً مغموراً فحسب فكر هؤلاء بالتالى كلامك خاطئ وأبعد ما يكون عن الحقيقة وهنا تظهر إشكالية هذه المغالطة حيث تربط بين رجال الدين والحقيقة أي شخصنة الحقيقة ولكن الحقيقة بطبيعتها لايمكن ربطها بشخص أو بسُلطة معينة لأنها تقترن فقط بقوة الحجة والدليل وطبعاً هذا أسلوب ليس خطأ فقط من الناحية المنطقية لكنه خطأ من ناحية أخلاقية لأنه أسلوب ملئ بالتحقير والتقليل من الشخص الناقد .
ثانياً . الإحتكام إلى الشهرة : نتعامل دائماً مع النقاد كأنهم يكتبون فقط بغرض الشهرة و مقولة " خالف تعرف " تغلغلت بداخلنا حتى أصبحنا مُبرمجين رافضين لكل فكر غريب ومخالف بحجة أن صاحبة يريد الشهرة فقط ، طبعاً هذه مغالطة أيضاً حتى ولو إفترضنا أن الناقد هدفه الشهرة فالشهرة ليست بقيمة سلبية حتى تصير تهمة مادام كانت في مجال يُفيد البشرية ومن وجه آخر فإن هذه المغالطة خاطئة لأن محورها ليس الموضوع ولكن الشخصنة والنقاش المنطقى السليم يكون موضوعه دائماً الموضوع لا الشخص المتحدث ونواياه .
ثالثاً . الإحتكام إلى العدد : عندما يكون أغلب المجتمع الذى تعيش فيه لديه إجماع وقناعة معينة ويتفق على عقائد معينة ويكون لك فكر مخالف عنهم تجدهم يحتكمون إلى عددهم وكأن الحقيقية كى تكون حقيقة مشروطة بأكبر عدد ممكن من الناس لكن الحقيقة كى تكون حقيقة مشروطة بمدى معقوليتها وصحة منطقها وقوة دليلها وحجتها فمن الممكن أن يكون إنساناً واحداً على صواب والعالم أجمع على خطأ .
رابعاً. النقد علانية : بطبيعة الحال نحن شعوب لانحب النقد فبالتالى لا نريد أن نراه أو نسمعه فتجدهم يقولون لاتنقدون الفكر الكنسى علانية لأن هذه الأمور خاصة ، طبعاً هذه الحجة تدل بشكل مباشر على كراهية النقد وأن هناك أمور خاطئة بالفعل وتخلق مجتمع منافق فمادام فكرهم يُطرح علانيةً إذن لماذا لايكون النقد أيضاً علانية؟ هؤلاء يريدون أن تكون الأخطاء عامة ومسموعة ومرئية وفى العلن لكن تصحيح هذه الأخطاء لا يجب أن يكون أمام الناس ؟!! ياله من منطق يعكس تشوهاً للحقائق ، وطبعاً هذه المغالطة ليس لها أي أصل "إنجيلى" بل العكس هو الموجود تماماً " فالسيد المسيح" كان ينتقد أفكار وسلوكيات رجال الدين في عصره في العلن وأمام الجميع وتلاميذه كانوا يفعلون نفس الشىء أيضاً فهل أخطأ " السيد المسيح " في هذا حاشا بل هم الذين أخطئوا .
خامساً . النقد كعثرة : العثرة هي أن يتسبب إنسان ما في ضياع إيمان غيره وقد حذر " السيد المسيح " منها ، والعقل القبطى يرى أن النقد " عثرة " وبالتالي يعتبره خطيئة كبرى فكيف يُمكن للعقل أن يتقدم ويتطور وهو يعتبر النقد جريمة ؟ أليس الخلط ووضع " العثرة والنقد " على قدم المساواة هو الخطيئة الكبرى التى تتسب في موت الوعى والواقع ؟ وهؤلاء يخلطون هذا الخلط العجيب لأنهم لا يعرفون أن الدافع وراء النقد هو ليس ضياع إيمان الآخر بل ترسيخ هذا الإيمان ووضعه في سياق يتناسب مع العقلانية والحداثة .
سادساً . الرموز الكنسية : للأسف الشديد نحن شعوب تُمجد الأشخاص وتقدسهم خاصةً رجال الدين فنجعل منهم رموزاً فوق كل نقد وممنوع الإقتراب منهم ولو إقتربت منهم يلصقون بك الإتهامات الباطلة رغم أن " السيد المسيح " أعطى الحرية الكاملة للإنسان سواء للإيمان به أو عدم الإيمان به ونقده ولم يكن يشخصن الأمور مع من ينتقدوه لكنه كان يناقشهم بالمنطق والدليل ، فالنقد ليس له سقف ويجب أن يكون كذلك لأن هدفه شريف ونافع ويضع الأمور في نصابها الصحيح.
سادساً. النقد والإدانة : العقل القبطى يخلط بين النقد والإدانة ويعتبر النقد في حقيقتة مجرد إدانة والإدانة خطيئة حسب تعاليم " الإنجيل " لكن في الحقيقة لايوجد أي ترابط بينهما لأن الإدانة في حقيقتها تتناول الشخص وهى عبارة عن إهانة وشتم وإنتقاص وتحقير وهدفها إذلال الآخر وهدمه و " السيد المسيح " لم يعلمنا هذا الأمر لكن النقد يتناول الموضوع ويهتم بفحصه وتمييزه ويضعه تحت مجهرالعقلانية ليكتشف الإنسان من خلاله مدى صحته ومعقوليته ويهدف إلى البناء والتطور والإصلاح فشتان بين النقد والإدانة .