دين أمي.

مختار سعد شحاته
2020 / 9 / 16

دين أمي

سؤال من عالم الافتراض:
كنتُ أتصفح حائط الفيس بوك صباحًا محاولا الهروب من صور السيدة الفاضلة (الحاجة صفية) والتي أشعلت تريند سيدة القطار في مواقع السوشيال ميديا، والحقيقة كذلك كنت أجري (جري الوحوش) هربا من عريضة لا أصل لها يتناوب عليها المثقفون المصريون بأنهم يدعمون القضية الفلسطينية ويناهضون التطبيع، وكأنهم فجأة تذكروا القضية الفلسطينية، أو تناسوا أننا أول دولة عربية فتحت سفارة للكهيان المحتل، أو ربما كعادتها بلاد العرب جاءت متأخرة بعد أن اعترف العالم بدولة الكيان المحتل، شئنا أم أبينا، فيبدو أنه حتى التطبيع جئنا فيه مع ذيل الأمم. ما علينا.
المهم؛ وبالعودة إلى حائط الفيس بوك، قابلني سؤال من صديقة افتراضية تسأل: ما الدين الذي يضمن الجنة؟
وجدتني أكرر في سري وبعد أن كتبتها في تعليق على السؤال كإجابة له ثم حذفتها مخافة سوء الفهم وحدوث التباس، كتبت: (دين أمي). ولأني أعرف عن متديني منطقتنا العربية والذين يمثلون وجه عملة آخر مع المثقف الذي أشرت له أعلاه، قررت حذف إجابتي، ليقفز إلى ذهني سؤال، ولماذا ليس (دين أمي) هو الدين الذي يضمن الجنة؟

الدين، التدين الشعبي:
بالنظر إلى كلمة دين (بكسر الدال) في اللغة فهي مصدر للفعل دان، والدين اسم جامع لكل ما يُعبد به الله، ومنه نشأ علم الأديان المقارن أملاً في الوصول إلى فهم موضوعي لدور الأديان في المجتمعات والحياة بشكل عام، وهو ما يجعل الاصطلاح يعرف الدين بأنه ذلك المنهج السماوي الذي ينظم علاقات الفرد بربه وبالناس وبالعالم من حوله، ومن ثمّ فكل منهج سماوي المتكأ استطاع به المرء أن ينظم تلك العلاقات فهو دين لصاحبه.
وأما التدين الشعبي، فنحيل القاريء إلى نص تعريف دون يودر (Don Yoder) "الدين الشعبي" بأنه عبارة عن مجموعة الآراء والممارسات الدينية المنتشرة بين الناس بعيدًا عن اللاهوتية المتشددة وأشكال الطقوس الدينية للدين الرسمي أو بجانبها."
وهنا يُدخل الأراء وينفي التشدد الحاصل بسلفيته عند أصحاب الديانات كلها بلا استثناء خاصة الإبراهيمية.
الحقيقة أننا في تعريفنا للدين يمكن أن نوسع ذلك المنهج ليشمل غير السماوي مما نسميه بالإنساني، الذي ينظم نفس العلاقات بشكل يجعل الفرد مدركا عن ذاته وعن ربه (إن كان مؤمنا بوجود الله)، وعن العالم من حوله، وبعيدا عن الهوى والرأي، وهو ما يجعل لكل منهج فلسفته الخاصة به التي ترى في نفسها ترسيم حدود تلك العلاقات داخل المنهج المتبع.

دين أمي:
بالنظر إلى أمي العجوز التي تخطت الثمانين (بارك الله في صحتها وحفظها)، أدرك أن أمي لها دينها الخاص، وهنا لا أتحدث عن تدين شعبي، قدر ما أتحدث عن رواسخ وقرت في القلب وصدقها العمل، وهذا في أبسط تعريف لمفهوم الدين عند بعض الباحثين. ما أود الإشارة إليه، هو أن ثمة شعرة فاصلة بين فهمنا التدين الشعبي وبين ما أسميه (دين أمي)، الذي ألزمت نفسها به، بل وتجيء طول الوقت بتصريحات تشبه إلى حد بعيد تصريحات أصحاب الديانات الإفريقية التي قابلتهم في خلال إقامتي في شمال البرازيل، والذين لهم طقوس تدين شعبي لا تختلف عن طقوس تدين أهل الديانات الإبراهيمية، لكنها في أصلها ديانات مستقلة.
في نظري أن الأمهات يصنعن داخل بيوتهن ذلك الدين، فيصير لكل أم دينها، وذلك اعتمادًا على التعريف الاصطلاحي واللغوي، حيث تعلمنا الأمهات ما نظل ندين به للأبد حتى الموت، إلى جانب كونه يصير لنا منهجا خاصا ينظم علاقاتنا تلك مع الرب والذات والكون، إذ الفيصل في كل تلك الأديان هو ذلك التنظيم لتلك العلاقات والشعور بالمسئولية الأخلاقية الذاتية تجاهها.

هونوا عليكم يا حضرات:
ربما يرى البعض تسطيحًا لهذا الطرح، خاصة من هؤلاء الذين يمررون لنا تعاريف الدين والتدين الشعبي باعتبارها مسلمات لا يجب القفز عليها، فنقول لهم هونوا عليكم يا حضرات، فالدين والتدين كلاهما خاضع لوجهات نظر أصحابه وممارسيه ودارسيه، ولا شح أنها محل اختلاف ربما يصل إلى الخلاف كثيرا في بعض الأحيان. وعليه؛ وما دام الأصل هو محاولة العيش في سلام على الأرض، وهذا السلام تلبيه قواعد تربية الأم وعقيدتها الخاصة التي تثق فيها، وتحاول غرسها في أطفالها ظنًا منها أنها طريق النجاة لأولادها في الدنيا وما بعدها (بحسب كونها مؤمنة بوجود الله أو منكرة لوجوده)، وإذ يختلف هذا المغروس في نفوس الأبناء باختلاف طبائع الأمهات وتكوينهن على كافة الأصعدة، لذلك فهو في نظري إنتاج لنهج خاص تغرسه الأم لضمان تنظيم العلاقات في حياة أولادها مع كل موجود في الكون، ولذلك فلكل أم دين، خاص بها وحدها، يتبعه الأولاد أو يحيدون عنه أو حتى يطورون فيه بما يضمن البقاء على تكيف تلك العلاقات وهو ما ينقلهم من دين أمهاتهم إلى دين أمهات الجيل الراتب، وفي تلك النقطة دلالة هامة تفرق دين الأم عن غيره من الأديان وهي كونه دينًا مرنًا طيعًا، يصح لكل زمان ومكان شرط فهم طبيعته المرنة تلك التي تسمح للأبناء إقامة توافقات جديدة تضمن استمرارية تنظيم تلك العلاقات مع الذات والله والكون بأسره.

قفزة نوعية واعية:
والحقيقة أن دين الأم ذلك على اختلافه الواسع والمتنوع ليس شرطًا فيه أن يكون مراعيًا لأبعاد إنسانية واجتماعية وثقافية وسياسية بل ربما لا يراعي إلا الحفاظ على تلك العلاقات وتنظيمها بالشكل الذي يرتضيه المرء أو ترتضيه الأمهات ضاربًا بعض الأسس في الدين أو التدين بشكل عام، وهو ما يفسر النقلات الفكرية بين جيل وجيل ونظرتهم إلى معنى الدين والتدين حتى ولو لم يدركوا أنهم يتبعون دين أمهاتهم في الغالب، وتلك طبيعة فريدة وخاصة لا توجد إلا في دين الأم.

أخيرًا؛
في النهاية، فإنني أعيد الإجابة على السؤال عن ذلك الدين الذي يضمن الجنة، وأقول بملء الفيه إنه دين أمي، وبالنسبة لك دين أمك، وبالنسبة لهم دين أمهاتهم، شرط أن يلزم كل منا الحدود العقلانية في دين أمه، فكل الأمهات لها جنتها المتخيلة التي رأت في سعيها حسب دينها الخاص الذي تغرسه في أبنائها أنه دين يضمن الجنة.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان