البابا والصحفية والجيوش الإلكترونية

صفوت سابا
2020 / 9 / 16

في مقال سابق كتبت عن المشاكل التي واجهها قداسة البابا تواضروس منذ توليه رئاسة الكهنوت في الكنيسة القبطية وخاصة علاقته بالأساقفة، وعرضت وجهة نظري عن الأسباب التي أدت إلى توتر العلاقة بينهم، ثم تحدثت عن بعض الوسائل التي يستخدمها هؤلاء الأساقفة وبوجه خاص أصحاب الخطاب العدائي والمناهض لقداسته.

وقبل أن أتحدث اليوم عن الجيش الإلكتروني، وهو وسيلة أخرى يتبناها هؤلاء الأساقفة لمحاربة البابا تواضروس، اريد ان أتحدث عن اللغط الحادث بخصوص رفع دعوى قضائية من أحد الأساقفة ضد إحدى الصحفيين.

من حق أي مواطن في دولة القانون أن يرفع دَعْوَى قضائية في حالة إلحاق ضرراً به أو تضرره من مقال أو كتاب أو أي عمل فني أشاع السوء عنه بين الناس بالقذف أو التشهير أو ما شابه. أقول من حق أي مواطن أن يقوم بذلك، لكن عندي مشكلتين في أن يقوم أسقف برفع دعوى قضائية علي صحفي. المشكلة الأولى أن تكون هذه الدعوى أداةً لإسكات الصحفيين أو الحد من حرية التعبير أو منعهم من الكتابة في موضوع ما - بالرغم من قناعتي بأن الحق في حرية التعبير ليس حقاً مطلقاً، فليس من حق شخص أن يسب أو يقذف أو يلوث سمعة آخر أو يشهر به، وهذا أيضاً يُحرِّمه القانون. وفي الغالب يكون الهدف من هذه الدَّعْاوَى هو رد الاعتبار، التعويض عن الضرر، تحقيق هدفاً استراتيجياً كدعم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، أو تحقيق تغييراً منهجياً معيناً، الخ. المشكلة الثانية هي أن رفع دعوى قضائية بسبب التشهير بقداسة البابا شنودة الثالث أمر قانوني وسياسي وحقوقي لا يخص إيبارشيه بعينها أو أسقف بذاته بل هو أمر عام يخص الكنيسة في مصر، وربما المصريين جميعاً. لهذا كان من الواجب على من أقام هذه الدعوى أن يعلن ويسجل أمام رئاسة الكهنوت في الكنيسة وبقية أساقفة المجمع المقدس وبشكل واضح رغبته وعزمه على إقامة هذه الدعوى، ثم يتأكد من موافقتهم على ذلك قبل أن يبدأ في إجراءاتها. اما القول بان الموضوع قد تم نقاشه مع قداسة البابا وخمسة اساقفة من أكثر من سنة ونصف، فهذه حجة واهية تقلل من شأن الموضوع وتُهَمَّشه وتُهَمَّش ايضاً من دور قداسة البابا تواضروس في الكنيسة والمجمع المقدس كله.

والآن أعود للكلام عن الجيوش الإلكترونية التي تحارب البابا تواضروس. فهي تملك قنوات تلفزيونية ومواقع إلكترونية تصل بحسب متابعتي إلى ما يقرب من ثلاثين يحاولون بها أن يوهموا القارئ بأن ما يرد في هذه المواقع والقنوات يعبر عن رأي الكنيسة القبطية، لهذا يهتمون أن تحمل عناوين صفحاتهم مشتقات كلمات تجد قبولاً عن القارئ القبطي مثل: "أرثوذكسية"، "قبطية"، "كنسية". بالإضافة، فإن هناك صفحات تنتمي لأفرد بشخصهم - للأسف الشديد منهم بعض الكهنة وأسرهم - لا يخجلون من محاربة قداسة البابا بشكل علني. وتحرص هذه الجيوش على متابعة كل ما ينشر على الإنترنت أو يخص أي شيء يصلح كأداة للتشهير بقداسة البابا. بالإضافة، فهم يَبُثُّون الإشاعات وينشرون الأكاذيب بغرض خلق البلبلة وإرباك الشعب وتهيجه ضد قداسة البابا والضغط عليه حتى يَعْدِل عن برنامجه الإصلاحي. كما أنهم يُرَوّجون لوجهات نظر لا تمت للحقيقة بصلةٍ، ويطرحونها على أنها الفكر السليم والمتفق عليه داخل الكنيسة. كما تجدهم في كل كتاباتهم يَدَّعُون معرفة العلوم الكنسية ويَدَّعُون أنهم يحملون على عاتقهم رسالة الحفاظ على الإيمان وحماية العقيدة.

أما أساليب الجيوش الإلكترونية فحدث ولا حرج، فهي أساليب لا تختلف عن أساليب الإخوان المسلمين في ضراوتها والسلفيين في عدم لياقتها. كما أن أُطْروحاتهم تحتوي على حجم كبير من الجهالات الفكرية التي لا تليق بمن يدعي البحث عن الحقيقة. وهم لا يتورَّعون عن إهانة قداسة البابا بشكل علني لا يسمح بالتأويل، يُحَقِّرُون من شأنه ويصفونه بألفاظ يَنْدَى لَها الجَبِينُ، يخاطبونه باسمه العلماني قبل الرهبنة "وجية صبحي" وكأنهم ينكرون عليه انتماءه إلى الإكليروس، لهذا تراهم يعلنون بكل فجاجة أن "الكرسي المرقصي مازال شاغراً" بعد نياحة قداسة البابا شنودة.

السؤال الذي يلح عليَّ الآن: كيف يقبل الأساقفة الذين يرفعون دعاوى قضائية بسبب إهانة البابا السابق (قداسة البابا شنودة) أن يهان البابا الحالي (قداسة البابا تواضروس) من أولادهم المعروفيين بعلاقتهم الوثيقة بهؤلاء الأساقفة، وظهورهم الدائم معهم، ودعموهم لهم بشكل واضح؟

وبالرغم من أنني أؤمن بأن إصلاح عيوب المجتمع الكنسي المعاصر لا يمكن أن يتم إلا من خلال التعليم ومُوَاجَهَةُ العيوب في إطار التنوير والتفكير النقدي الذي يلتزم بالتحليل والتقييم الموضوعي للقضايا قبل تكوين الأحكام، فإن الطريق الذي يسلكه هؤلاء الأساقفة وجيشهم الإلكتروني لا علاقة له بالتنوير أو التفكير النقدي أو حتى الروحانية التي أشبعونا كلاماً عنها دون أفعال. فهم بأساليبهم هذه يَفْصِلون بين الحياة المسيحية الحقيقية وأخلاقيات المسيحي، كما يَفْصِلون بين التعليم فوق المنير وسلوكياتهم على أرض الواقع. وكأن الشركة بين النور والظلمة ممكنة عندهم، فلا مانع للواحد منهم أن يتناول من الأسرار الإلهية في الصباح، ثم يلقي عظة عن القداسة بعد الظهر، ثم يخرج علينا في المساء بفيديو أو بوست مملوء بالشتائم والإهانات والتجاديف على المختلفين معهم.

عزيزي القارئ: إن كنت ترى أن مصير برنامج قداسة البابا الإصلاحي يبدو داكناً، فإن الصورة تبدو أكثر سواداً عندما تدرك أن هناك قوى أخرى كثيرة داخل الكنيسة وخارجها تهدف إلى إفشال مساعي قداسة البابا نحو الإصلاح والتغيير.
ومن المحزن أن الجيوش الإلكترونية - ومن يقف وراءهم في الغرف المظلمة من الذين سمحوا لمرارة تجاربهم وعداوتهم نحو قداسة البابا - يتصورون أن مزاعمهم هذه سوف تشوه تاريخ الأب البطريرك، إذ لا يعلمون أن التاريخ شيء والشهادات المغرضة شيء آخر، ولي في هذا كلام كثير سأعرضه في مقال قادم.