عبودية الآلة كما رآها أوسكار وايلد

حسن مدن
2020 / 9 / 16

يرسم أوسكار وايلد رؤية لمستقبل إنساني آخر غير الذي عرفه أسلافنا ونعرفه نحن اليوم. مستقبل يمكن أن يندرج في إطار «اليوتوبيا»؛ لأن دون بلوغه برازخ صعبة يتعيّن عبورها، ولسنا مطمئنين، من واقع الخبرة البشرية المتاحة، أننا سننجح في ذلك. المسافة بين الحلم والواقع شاسعة. ولكن من حُسن حظنا، نحن بني البشر، أننا لا نتخلى عن أحلامنا، ومهما كانت سطوة الواقع وجهامته ثقيلتين على النفس، فإن الإنسان يظل متمسكاً بأمل خفي.
رؤية أوسكار وايلد جاءت في مقالة قديمة، نشرت مجلة «أدب ونقد» المصرية ترجمة لها في العربية وضعها سمير الأمير، قبل نحو خمسة عشر عاماً. والمقالة طويلة، تكاد تكون أقرب إلى الدراسة، تناقش جملة من المسائل ذات البعد الفلسفي، وتتقاطع فيها، عند التخوم، قضايا علم الاجتماع والفلسفة والآداب والفنون، بما يليق برؤية شاملة من كاتب ثاقب النظر مثل وايلد.
بين أشياء عديدة تستوقفنا في هذه المقالة الصورة التي يقدمها الكاتب لطبيعة العلاقة المنشودة بين الإنسان والآلة في المستقبل الذي كان يتوخاه للبشرية.
لا يجد وايلد أي وجاهة في المديح المتواتر للعمل اليدوي، ساخراً من وصفه بالعمل الكريم، ففي رأيه لا توجد كرامة في ذلك النوع من العمل على الإطلاق، فمن يقوم به نادراً ما يشعر بسعادة أو متعة ذهنية، فكنس الطرقات الموحلة لمدة ثماني ساعات، بينما تهب الرياح الشديدة هو، برأيه، عمل يثير الاشمئزاز، ولا كرامة فيه لا للجسد ولا للعقل.
على خلاف الانطباع الذي قد يرد في الأذهان، فإن وايلد لا يرمي إلى إهانة من يقومون بالأعمال اليدوية أو الحطّ من كرامتهم، وإنما هو ينطلق من نبل التعاطف معهم، فالإنسان قد خلق لغرض أسمى من إزاحة القاذورات، التي يجب أن تقوم بها الآلات التي هي منتج لعبقرية الإنسان، وفي تصوره للمستقبل المنشود يجزم الكاتب بأن ذلك سيصبح حقيقة فيه، بل يمكن القول إننا بلغنا، على الأقل في الكثير من الأوجه، تلك المرحلة.
لكن للكاتب مصدر احتجاج على ما نحن فيه، لأننا ما إن اكتشفنا الآلة حتى بتنا عبيداً لها، وهو يعزو السبب في ذلك إلى نظام الملكية والمنافسة الناجمة عنه، فشخص واحد قد يكتشف آلة تقوم بعمل خمسمئة رجل، فيلقي بهم إلى الشارع، لكن لو أصبحت تلك الآلات ملكاً للجميع فإن فائدتها ستعود على المجتمع بأسره، وستعمل هذه الآلات في مناجم الفحم والصرف الصحي ونظافة الشوارع، كما ستقوم بإيصال البريد في ظروف الطقس السيئة، أي أنها ستقوم بكل الأعمال المملة التي تبعث على الضيق.
تحمل هذه الدعوة شحنة أخلاقية عالية، فإذا كان استعباد الإنسان لأخيه الإنسان خطيئة ومسألة مجردة من القيم، فإننا يجب أن نسعى لمستقبل تكون فيه الآلة عبداً للإنسان، أي نقيض ما هو قائم الآن، من عبوديته هو لها.