الصراخ

مراد سليمان علو
2020 / 9 / 15

(الصرخة الخرساء (

يقول المسيح: "يا ربّي أعطني القوّة على تحمّل ما لا طاقة لي على تغييره"، وهذا يدل على أن الأنبياء أنفسهم لا يستطيعون أن يغيروا كل شيء، والأغرب أنهم غير قادرين على تحمل تبعات ما لا يقدرون على تغييره.
ربمّا علينا أن نلجأ إلى حيلة الصراخ وهي قد تنفعنا وتزيح عن كاهلنا هذا الحمل الثقيل، بل قد تدرأ عنا الجنون المؤقت. أصرخ عاليا بكلّ ما أوتيت من قوّة مرّة ومرتين وثلاث حتى تشعر بأنك طردت كلّ شيء سيء وشرّير في داخلك وأصبحت خفيف (الوزن) و(الدّم) ثانية.
في مملكة السويد، وبعد الساعة العاشرة مساء في العمارات السكنية قد يخرج أحدهم رأسه من الشباك ويعوي تماما كالذئب وما هي إلا لحظات وتكون هناك استجابة من آخرين، هؤلاء قد يشعرون بالوحدة أو بضغوطات العمل وغيرها في النهار فيصرخ بما أوتي من قوة ليخفف الضغط والعب النفسي ويشعر ببعض الراحة، ولا أدري إن كان هذا الأمر مشاعا في دول أخرى، ففي الصين هناك صالات مخصصة للبكاء، والحزن.
مرّة كتبت قصة قصيرة بعنوان (الوليمة) عن سيدّة أصبحت في نهاية القصّة بحاجة لصوتها؛ لتطلب النجدة، وبعد محاولاتها الفاشلة في إخراج صوتها اكتفت بان تمّنت لو تستطيع الصراخ، وبما إن القصة مأخوذة عن حالة واقعية حدثت في مدينة الموصل حاولت لاحقا تقليد هذه الشخصية بصراخها دون إخراج أي صوت فوجدتها تعطي نفس الإحساس وتؤدي نفس الغرض تقريبا ومنذ ذلك الوقت أمارس الصراخ المكتوم مرّة على الأقل في الأسبوع.
ربّما ألغيت الصوت في صرخاتي بسبب ما أسمعه من صرخات مختلفة للآخرين باستمرار ومن أغرب الصرخات وأعجبها هي صرخة الطفل، وقد يفهم منها حاجته للرضاعة، أو ربّما بسبب ألم مفاجئ يعانيه ولكنها في حقيقتها صرخة غريبة ومرعبة في نفس الوقت للذي يفهمها؛ لأنه وبكل بساطة لا يجد الإجابة عن سبب قدومه إلى هذا العالم القاسي وخروجه من جنة (التسعة أشهر) ومن يدرينا لعله بصراخه هذا يسألنا ويتوسل بنا بطريقة لم نعهدها من قبل أن نعيده إلى حيث كان يطفو ويركل ويمرح ولم يعرف حينها الصراخ الصارخ، ولكن هيهات فلابد أن يصيب طالب الشهد اللذيذ أبر النحل المؤلمة.
والصراخ هو غير الصخب كما يفهم لأن الصاخب هو الذي يرفع صوته عاليا كما في صخب الأولاد مثلا أي تعلو أصواتهم وتتداخل، والعنوان المشوق لأحد أفلام ستيفن سبيلبيرغ الذي هو (الشبح الصاخب) جعلني أشاهده مرة في سينما حمورابي بالموصل أيام الثمانينات، أما الصراخ فهو إطلاق الصوت العالي بغضب تعجبا أو استياءً أو احتجاجا.
وقد نصرخ لأننا لا نملك إلا أن نصرخ نتيجة ظلم صارخ لا يمكن تجاهله أو إنكاره ولأن دموعنا قد جفت في مآقينا ولا نجد المزيد من الدموع، فنلجأ للصراخ والعويل للتعبير عن الحالة التي نفدت منا الدموع عليها حتى ولو كانت النتيجة تقرّحا في الحنجرة.
وعادة ما يكون هناك بكاء، وربما عويل بعد الصراخ والبكاء أنواع وقد تكون المصالح الشخصية والطمع والأنانية والحبّ المفرط للذات نصيب في الدموع ودائما يكون حال هؤلاء كالذي يبكي على الهريسة دون الحسين.
وطبعا هناك صراخ وبكاء وهرج المتملقين يبلقون عيونهم ويروك اللآلئ الماطرة والتي تشبه دموع التماسيح إلى حد بعيد ثم يتظاهرون بالإغماء من فرط تملقهم لأسيادهم.
من الطريف الالتفات إلى صوت الأخرس الذي لا صوت له وما أن تثيره بطريقة ما حتى يعلو صراخه الشبيه بلغة قديمة منسية ذو ذبذبات لم نكتشفها بعد.
والصرخة التي تجفل الشجعان وتقشعر لها الأبدان هي صرخة سيدة في آخر الليل فتراها إما قد نالت ما يكفي من اللكمات والكفخات من زوجها السكران، فتصرخ؛ لينجدها أحد الجيران ويخلصها من أيدي بعلها الجبان، أو قد أصيب زوجها نفسه بذبحة صدرية مفاجئة. أما في قرانا فالأمر يختلف بعض الشيء فالمسكينة تصرخ في الصيف لأن عقربا لعوبا قد لدغ أحد أفراد أسرتها وفي الشتاء بسبب السيل الذي جرف جزء من الكوخ معه أو ربّما ابنتها أو كنتها قد سكبت على نفسها الكاز وتروم الانتحار. ولسان حالها يقول يا لخسارة الكاز الأبيض وهدره في الليالي الباردة.
ومن الأمور المثيرة للجدل عندما يكون الحديث عن الصراخ هي اللوحة المرعبة للفنان ادفارك مونك والتي عنوانها (الصرخة) ويقال بأنها ثاني أشهر لوحة فنية بعد الموناليزا لدافنتشي وهي صرخة لشخص واقف على جسر يتملكه الرعب.
ومن أبشع وأنكر الصرخات عويل النساء وولولتهن في المناحات والجنائز فصوت (الهاوار) يغلب على كلّ صوت وغالبا عند موت أحدهم يكون لطم الخدود وشق الجيوب وقص الضفائر وصراخ النسوة معا هو الغالب على التعزية بصورة عامة حتى لو كان في المجلس من يرتل أقوال الشيخ عدي.
في الخيمة المخصصة للرجال هناك قهوة وشاي وسجائر وسوالف وفي الأماكن المخصصة للنساء لا نجد غير العويل واللطم لذا نرى الرجال يخدعون النساء حتى في هذه، فيبعدون خيمتهم عنهن قدر الإمكان ليستمتعوا دون أن يزعجهم صراخهن، ثم بعد ذلك ينادون بضرورة نيل المرأة حقوقها المغتصبة. يقتلون القتيل ويمشون في جنازته.
بعد أن تصرخ وتشبع من الصراخ في مكان لا يسمعك فيه الجيران مثل الجبل أو العراء أو غرفة مغلقة لأنك ما أن تسمع جيرانك الأكارم صرختك المدوية حتى ينصحوك لوجه الله تعالى بزيارة (كوجك محمود) أو المبيت ليلة الأربعاء وحيدا في قبة الشيخ (عبد القادر الكيلاني) الواقعة في قرية (حيالى) وطبعا ستكون النتيجة هي دخول جنونك إلى التطبيق الفعلي حتى لو كان قلبك قلب أسد ـ ربما لهذا سمي قرية حيالي بالمجنونية ـ المهم بعد الصراخ عليك بالابتسام فلا الصراخ ولا الشكوى هي الدواء الوحيد لدرء المصائب والجزع وإنما البسمة بعد الاكتفاء من الصراخ وإذا لم تجد الابتسامة طريقها إلى شفتيك فتظاهر بها مرة ومرتين حتى تعتاد عليها وستجدها خير وصفة لاستقبال يومك الشاق والتغلب عليه وكما يقول إيليا أبو ماضي :
قال: الليالي جرعتني علقما ... قلت: ابتسم وإن جرعت العلقما.
وأقول لا بأس يمكنك بدء ليلك بصرخة لا يسمعك فيها أحد؛ لاستنكار ما حدث لك في النهار ثم اللجوء لابتسامة بلهاء بينك وبين نفسك لتصفية تلك الأحداث وإضفاء مسحة من الرضا عليها.
ونعلم لا تزال هناك صرخات مكتومة من سبايا لازلن بين أيدي (داعش) وهي الصرخات التي تهز الأرض والسماوات وما بينهما وتستحق الوقوف عندها.
*******