زمن موناليزا الحزينة: الفصل السادس/ 3

دلور ميقري
2020 / 9 / 15

ديبو، كان ثمرةَ زواجٍ غير موفّق بين رجل على قدر من الثقافة وامرأة على شيء من العته. ما لبثت المرأة أن أقدمت على الانتحار، برمي نفسها في بئر البيت، وذلك على أثر اقتران رجلها بإحدى قريباته؛ وهيَ سلطانة، شقيقة صالح. هذه الأخيرة، كانت مثال امرأة الأب في التعبير الشعبيّ، الذي يقدّمها كإنسانة شريرة وقاسية القلب. لكننا علمنا، سلفاً، أن عمة بطلة سيرتنا كانت معروفة باللؤم منذ صغرها حدَّ أن تُلقّب ب " الهارون ". على ذلك، يُمكن تصوّر طريقة معاملتها لأولاد الزوج. الأكبر فيهم، ديبو، كان في سنّ الثامنة حينَ دخلت تلك المرأة إلى حياة الأسرة. طبعه القريب من طبع امرأة الأب، لم يمنعه من مواجهتها بجسارة في كل مرةٍ تتعرّض فيها لأحدٍ من أشقائه. لحُسن الحظ، أن الأب انتقل بعد سنوات قليلة إلى الريف؛ هناك، أينَ خدمَ الإقطاعيّ حسين بك الإيبش، كوكيل لأعماله. الابن البكر، وكان قد نال قسطاً من العلم عند الخوجا، انتسبَ لاحقاً إلى سلك الدرك، وربما بوساطة من معلّم أبيه.
من غير المعروف، يقيناً، ما لو كانت خطبة بيروزا من بنات أفكار ديبو أو أبيه. هذا الأخير، لعله شاءَ تعويضَ خيبته الشخصية عن طريق هذا الزواج، هوَ مَن رُفضَ حينَ تقدّم لخطبة خالة الفتاة. ولا شك أنّ السيدة ريما، التي رأينا ما عانته أثناء فترة احتجاز ابنتها في ماردين، كانت قد فكّرت بدَورها في إشكالية العلاقة مع أسرة الخطيب. لذلك أدهشت زوجها، لما رأت أن طالبَ القرب شخصٌ مناسب، فيما أعترضَ هوَ عليه مشفقاً على الفتاة من شراسة طبعه، المُحالة إلى لوثة في العقل لا بد وورثها عن الأم. هكذا زفّت بيروزا ذات الأربعة عشرة عاماً إلى ديبو، الذي يكبرها بنحو ثلاث سنين. انتقالها من منزل زوج أمها، الموصوف بالفخامة، إلى منزل الزوج الأشبه بالخرابة، كان شبيهاً بما جدَّ على حياتها من تغيير. لكنها لم تستقر في ذلك المنزل، ولا في أيّ من الأمكنة الأخرى، المتعيّن فيها على رجلها الدركيّ الانتقال إليها بحُكم وظيفته أو بسبب غضب رؤسائه عليه.

***
سرغايا، كانت أولى محطات خدمة الدركيّ العتيد، وهيَ فضلاً عن سحر طبيعتها تقع بالقرب من الزبداني، بلدة جدّته لأبيه. بالنظر لطبعه الصعب، تميّزَ عن باقي أقرانه في الخدمة وأضحى اسمه مرهوباً في عموم المنطقة. على خلاف ذلك كانت امرأته، ما حببها إلى الجميع، سواءً نساء زملاء رجلها أو جاراتها وغيرهن من نساء القرية. في مبتدأ اقامتها هناك، دُهشت لمعرفة أن العديد من تلك العائلات كانت من بني جلدتها وبعضهم بقيَ محتفظاً بلغته الأم. كون المنطقة ذات خيرات وفيرة، فإن الخضارَ والفواكه انهمرت على منزل صف الضابط بغزارة مطر السماء؛ كهدايا بالطبع. وبنفس هذا الاعتبار، كان الرجلُ يفتح درجَ مكتبه للأوراق المالية لقاء خدمةٍ أو وساطة. على أثر نقل خدمته إلى حوران، كان من الممكن أن يكون قد احتفظ بأعذب الذكريات عن سرغايا، لولا حادثة مأسوية، دامية.
" كَوليستان "، ابنةُ كبرى عمَّتيه ( يختصرون اسمها إلى: كَولي )، نشأت مع ديبو كونهما من سنّ واحدة تقريباً. في أوان المراهقة، أحسّ أن قلبه يميل إليها بشدة. صار يبث شجون القلب لعمه مستو، دونما تحديد ماهيّة الفتاة. لكن فيما بعد ساءت علاقته بقريبته، حتى أن مجرد ذكر اسمها كان يُذكي نار البغضاء في قلبه. هذا التحوّل، كان سببه تعيير الفتاة له ذاتَ مرةٍ بلقب " قاتل أمه "، وكان من التأثر عندئذٍ، أنه كاد يرتكب حماقة كبيرة. هذا برغم أن التهمةَ سخيفةٌ ومتهاتفة، كون عُمره لم يبلغ الثامنة حينَ ماتت والدته برمي نفسها في البئر ليلاً. وعلى الأرجح أن جرحه نُكأ مجدداً، لما راجت أقاويلٌ في العائلة عن تكرر ذهاب كَولي إلى صالة السينما، بالنظر لذكرها على الملأ تفاصيلَ الأفلام العاطفية. هذا، كان أمراً مُستنكراً ومُستطيراً في العائلات المحترمة. بقيَ ديبو يتحين الفرصَ، لحين أن استدرجَ قريبتَهُ ذات صيفٍ إلى الفخ القاتل، موهماً إياها أنه سيأخذها إلى منزل جدتها في الزبداني. هكذا أحضرها إلى زريبة قريبة من مقر خدمته، وما لبثَ أن قتلها خنقاً. الحادثة على بشاعتها، لم تكن هيَ وحدها من بقيت تبلبل سلامَ روح القاتل، وإنما بالخصوص دفاعُ الفتاة عن نفسها قبيل كتم أنفاسها: " حفظي لتلك الأفلام، راجعٌ لأنها تُذاع في الراديو وليسَ لأنني حضرتها في التاترو ".
إدمان ديبو على الكحول، لعله تأثراً بتلك الحادثة، وكان سبباً في هلاكه قبيل بلوغه الحلقة السادسة من عُمره. كذلك الأمر فيما قيل عن نزعه الطويل، المستغرق فيه من مساء أحد الليالي الشتوية وحتى ساعة متأخرة من الليل، حيث كان يختنق رويداً بفتات كبده، الدامي: قيل أنهما يدا كَولي، من أطبقتا وقتئذٍ على عنقه وبنفس الطريقة، التي ماتت فيها ظلماً وجهلاً.