النص المُقرْأن ٢

محمد ليلو كريم
2020 / 9 / 14

لا دخل لنظرية التحريف في هذا المبحث ، لا من قريب ولا من بعيد ، كما ولا نُناقش هنا وحيانية القرآن ، ولستُ في معرض التطرق لهكذا مواضيع ، فهذا المبحث يتعلق بالنصوص القرآنية الرسمية التي تحدثت عن اسرائيل وبنيه وذريته والديانة اليهودية ونصوص التوراة فوجدنا إنها نقل عن اصل ، وفي ذلك حث شمل حتى النبي ورد في القرآن ( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ/ يونس ٩٤ ) وهذا النص الوارد في القرآن يحث المسلمين والنبي على السؤال لا على الإطلاع أو الإستفسار ، وهو سؤال عما جاء في الكتاب الذي سبق كتاب القرآن ، وهو أمر يزيل الشك ويُعزز وثاقة ما أنزِل على النبي ودوّنَ في كتاب القرآن ، وإلا - وبخلاف آراء المفسرين - لما جاء هذا الحث وأنزِلَ على النبي وأمِرَ به ، وكل ما قرأته من آراء المفسرين الذين ينكرون حدوث الشك عند النبي لم تكن احتجاجاتهم دامغة ، وقد ساقوا - ما ظنوه - قرائن قرآنية تُثبِت صحة تفاسيرهم ، ولكنهم ما بلغوا المراد ، وهل من قاريء للنص محل الشاهد يقول بأن ما ورد فيه في حث للنبي كان قصدًا لنقيضه بالتمام ، أي قولهم أن النص القرآني جاء ليُثبت عدم وجود شكٍ في نفس الرسول ، وهو قول مناف للدلالة الدامغة ، فالحث بائن جلي ليعود النبي الى أهل الكتاب - التوراة ليسألهم في قضية تنزيل أو نزول - ولن أناقش هل التنزيل أو النزول هو ما نزل من السماء أو من مرتفع أو مكان جغرافي يمتاز بعلو ما عن المُنزّل إليه - ما ورد في القرآن مما هو في أصله توراتي ، والدليل على ما نقول ؛ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ . وبالتحديد كلمة ( يقرءون ) ففعل القراءة هنا يقتضي وجود لغة ، وهذا ما يدعم أن الكتاب السابق لو كان بنفس لغة القرآن لحُثَّ النبي على قراءة الكتاب - أليس النبي أعلم بكتب الله من كل البشر - ولكنه أحيل الى قُرّاء ذلك الكتاب لكونه بلغتهم هم ، وهم أعلم بتفاصيل ألفاظه وهي ليست بألفاظ عربية (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ / النحل ٤٣ )) .
لنرجع الى الآية التي تصدرت المقال ونُدقِق فيها ، فالنص القرآني يطلب من النبي الرجوع الى من قرأوا الكتاب قبله ، وبرجوعه لهم عليه أن يسألهم ، ولكن ؛ هل يرجع النبي الى من رحل عن هذه الدنيا من انبياء بني اسرائيل ، والنص القرآني يدعوا الرسول الى الرجوع الى من ( يقرءون ) لا الى من قرأوا ، أي إنه يدعوه للرجوع في زمن المضارع وليس الرجوع للماضي ، بل أن الفعل ( يقرأون ) تدل على المضارع والاستمرارية وإلا لجاء بصيغة ( قارئون ) وهي صيغة أخف في الإستمرارية ، فلنتدبر هذا النص بتدقيق وعناية .
هل تدل ( مما ) وفي بعض المواضع على التبعيض ، والتبعيض بالمجمل تفيد للدلالة على جزء من كُل ، وهي مصدر ( بعض ) ، وقد وجدتُ أن ( مما ) وفي أكثر من موضع في القرآن وردت لتدل على التبعيض ( بعض من ) كما هو الحال في الآية ٧ من سورة النساء (( لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ )) و ( مما ) التي وردت ثلاث مرات في هذه الآية تعني وبدلالة كلمة ( نصيب ) الحصة من الترِكة كما هو جلي ، وأعتقد أن ( مما ) تفيد نفس الغرض في سورة يونس .
" مما " التي وردت في سورة يونس تعني أن النبي حين يقع في شكِ تجاه نصوص القرآن المنقولة عن الأصل الإسرائيلي ( وهي بعض من القرآن ) فعليه الرجوع الى من يقرأون التوراة وهم أهل الحفظ والتفسير واللغة الإسرائيليين لكونهم أعلم بما جاء في كتابهم من غيرهم بحكم خبرتهم به وإتقانهم للغته لأنها لغتهم وأنهم ورثة آبائهم الأنبياء وحفظة اسرارهم ، وهنا يتبين الجانب العائلي ، فالذين يقرأون التوراة هم ابناء الذين قرأوا التوراة في الماضي ، والإبن أحق بإرث ابيه ، وقُرّاء التوراة في عهد النبي محمد هم أبناء قُرّاء التوراة الآباء الراحلين ، ورجوع النبي للأبناء هو في المحصلة رجوع للآباء ، والآية تُشير على النبي أن يراجع الذين يقرأون التوراة ممن سبقوا نبوته زمنيًا ( الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ) فالنبي بُعِثَ بالنبوة ووجد قُرّاء التوراة يتلونه مما يدل على أن هناك طبقة كانت آنذاك من القُرّاء للتوراة عاصرت عهد النبي وشهدها وهي قد سبقت بعثته ، وهم بحكم السبق والوراثة اعلم من غيرهم بأمور دينهم وتوراتهم (( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ / الآيات الأولى من سورة يوسف بن اسرائيل )) فغفلة النبي معروفة مُعترف بها بتفاصيل ( تلك آيات الكتاب ) و ( تلكَ : اسم إشارة للبعيد وهي مؤنَّث ذلك، والكاف فيها للخطاب ) والتوراة أبعد زمنيًا من القرآن بالنسبة للنبي محمد وهو غافل عن آياتها ولغتها لأن القول اسرائيلي ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ ) وهنا تحتم على النبي الرجوع لأهل الدين من الابناء لأنهم الإمتداد الطبيعي لآباءهم ، والنبي أجنبي بالنسبة للنص الاسرائيلي ، وغريب بالنسبة للابناء الاسرائيليين ، وأعتقد انني تعمقت بما فيه الكفاية لتوضيح المراد .
.................
ولنُكمِل ما بدأناه في المقال الأول في تبيان النص ( المُقَرْأَن ) :
قُلنا أن النص الإسرائيلي المنقول الى القرآن بعد تعريبه ؛ له أصل من نص ولغة ، وأطلقنا على هذا النص بعد تحويله تسمية ( المُقرْأن ) وأخذنا كلمة ( توراة ) كمثال ، فكلمة توراة ليست عربية ولم ترد في القرآن ككلمة عربية قرآنية لا وجود سابق لها ، وكلمة ( توراة ) هي إسم الكتاب الذي أتخذه الاسرائيليون شريعةً تلقاه نبي الله موسى الذي نُزّلت عليه الألواح ( التوراة بالعبرية تعني الشريعة أو التعليم أو التوجيه وخصوصاً فيما يتعلق بالتعليمات والتوجيهات القانونية ، وترمز التوراة للأسفار الخمسة الأُولى من الكتاب المقدّس اليهودي التناخ ) ..
نُكمِل في آخر المقال التالي .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير