خبز التنوّر والدهن الحرّ

مراد سليمان علو
2020 / 9 / 12

كأن بعض عاداتنا القديمة أوجدت لتبقى ويصّر المجتمع على الحفاظ عليها وعلى الأغلب يتحمل مسؤولية الترويج لذلك كبار السن عن طيب خاطر، ويمكن القول أيضا إن المجتمع هو الذي يسلط على أبناءه إيحاءً فيما يخص بعض الاعتبارات الاجتماعية أو العادات؛ ليشلّ قدرته على فرزها أو تجاوزها لأسباب عديدة، فيكون التفكير باتجاه معين بالذات، وبالتأكيد لو نشأ هؤلاء في بيئة أخرى لكانوا أناس مختلفين مع اعترافنا من وجهة نظر ثالثة بأن الكثير من هذه العادات والتقاليد نشأت ونمت من جراء ما نسبغ عليها من قدسية، مثل الزاد مثلا، والزاد عندنا هو كلّ أنواع الحبوب ومشتقاته، وأشهره في حوض جبل شنكال الحنطة (القمح) والشعير. الجريش (البرغل). الدقيق (الطحين). والخبز بأنواعه، وخاصة الخبز، فهو مقدس جدا وهو أوّل شيء يمدّ إليه يد الصائم عند الفطور ليقبّله ويتبرّك به بعد الدعاء أمام بقجة (البرات)، والبعض الآخر يفعل ذلك في الأيام الاعتيادية أيضا عند الانتهاء من وجبة الطعام دلالة على الشكر والامتنان لنعمة المولى، وعندنا يقدم الخبز عند كل وجبة، ودائما تجده على المائدة، حتى في العصريات المخصصة لشرب الشاي على الطريقة الإنكليزية.
والخبز أنواع تحدده المناسبة المعينة وكذلك نوع الطعام، فان كان ثريدا، يفضل تهشيم الخبز اليابس. وربمّا الحاجة لعدم التفريط بالخبز اليابس أوجدت تلك الأكلة إلى إن أصبحت مشهورة ومفضلة لدى الجميع، وباتت تطبخ حتى في حال عدم توفر الخبز اليابس. وليس بالبعيد تكون قد اشتق منها لاحقا كما نرى أنواع التشريب والباجة والمرق وحتى الشوربة.
وإذا كانت المناسبة تتطلب حضور العشرات من الناس المدعوين كحفلات العرس والختان يكون خبز صاج، ويقال فلان مثل خبز الصاج؛ أي ذو وجهين في تعامله مع الناس، وللغموس يفضّل خبز التنور الطازج وطبعا (الحنونة) تكون عادة من نصيب آخر العنقود، ولو أصيب أحد أفراد العائلة بوعكة صحية، أو نزلة برد فيصنع له رغيف محشي بالبصل والسماق ثم يوضع عليه دهن حر.
في أيام الربيع الجميلة إذا قدر لك زيارة بيت أحد الرعاة في منطقتنا فسيقدمون لك على الفطور نوع خاص من خبز الصاج مع الزبدة والحليب الطازجين وكذلك السكر أو الدبس أو عسل التين، ويترك لك حرية خلط المقادير حسب ما تشتهي، وتأكد إذا ما خلطتها بكمياتها المناسبة ستكون وليمة لا تنسى.
في فصل الشتاء عندما كنا نسكن شنكال قبل الرحيل في عام 1975 كان صمّون أبو رائد من فرنه الحجري هو المفضّل صباحا ولكنه هاجر إلى أوربا لاحقا، وتحوّل الفرن إلى محل باهت لبيع الملابس الجاهزة، وبمناسبة ذكر الشتاء فلا شك إن في جبال كردستان أيام النضال السري كانت ألذ وجبة على الإطلاق هي شوي الخبز على نار متأججة.
وهناك خبز النذور في الجنوب الحبيب يسمى بخبز (العباس) وعندنا عادة يكون معه شيء من الدهن الحر أو ما يسمى بالسمن البلدي، ويوجد خبز بنوعية مميزة جدا ويعمل في مناسبات خاصة مثل الخبز المقدس (خوره) وكذلك الخبز الخاص بالأعياد وهي أقراص مدهونة وصغيره نسبيا تسمى (صووك) تؤخذ إلى القبور عند زيارتها وتوزع صدقة عن أرواح الموتى.
والخبز المفضل في معظم قرى ومدن شرقي دجلة هو خبز (الرقراق)، ويتميز هذا النوع بإمكانية المحافظة على خواصه الغذائية دون أن يتعفن لأيام عديدة نظرا لإعداده وخبزه بطريقة خاصة.
يبدو إن لكل مجتمع خبزه الخاص به وفي المدن الكبيرة. الآن، يختلف مفهوم التسويق The marketing عما هو متداول في الأرياف والقصبات حيث يمكن للفرد أن يتسوق shopping النوع المفضل لدية مثل الخبز اللبناني أو التوست الفرنسي من الأسواق المركزية super market دون أن يعرج على فرن المحلة مثل أيام زمان وينتظر دوره مستمتعا بأداء الخباز وحركات يديه وهو يخبز.
عادة نرى في الأفلام الأوربية عندما يأتي البطل ويدخل شقته يحضن كيسا ورقيا تبان رؤوس نوع طويل من الصمون الفرنسي، وما أن يضع الكيس حتى يقضم إحداها بتلذذ.
وللخبز اعتبارات أخرى غير تلك المتعارف عليها كمادة غذائية أساسية وقديما قيل بين فلان وفلان زاد وملح أي إنهما أكلا من نفس الخبز والوجبة الغذائية، ولا يمكن أن يخونا بعضهما البعض بأي شكل من الأشكال، وقد يحلف أحدهم بالخبز، فالأيزيدي يضع (البرات) على رغيف من الخبز ويقسم به كحل أخير لتفادي مشكلة عظيمة، وكذلك المسلم في منطقتنا قد يرفع قطعة من الخبز قائلا: قسما بهذا (القرآن). ومن لا يصدق القسم بالخبز فهو كافر ومارق وربما شوي بنار جهنم كما الخبز المسمسم المكصب.
يحكى إن أحدهم كان قد أدمن على المراهنة في سباقات الخيل (الريسس) في بغداد وكان الحظ لا يحالفه أبدا، وعندما ينتهي السباق يبدأ بالسبّ والشتم واللعن، وفي يوم ما خسر الرهان كالعادة ولكنة بقي صامتا وعندما سألوه عن سرّ سكوته أشار بسبابته إلى الخبز الذي يدوس عليه و(يعجقه) بقدمه مبينا إن الكفر نطقا لم يعد يشفي غليله.
قد تكون هذه القصة غير صحيحة وخيالية، ولكن كما لا يخفى فهي تبين أثر الخبز في الأخلاق والنظام الاجتماعي وربما السياسي أيضا فهناك ثورات وانتفاضات باسم الخبز. ومن طريف ما يذكر عن زمان عبد الكريم قاسم انه كان في جولة تفقدية لأحوال الناس في العاصمة بغداد يوما ما وعندما دخل إلى فرن شعبي لعمل الخبز رأى صورة كبيرة له معلقة على الجدار، فقال للخباز مازحا: "صغرّ الصورة وكبّر الرغيف".
برأي إن الكبار قبل الصغار بحاجة إلى أن نشرح لهم إن الخبز كان عجينا والعجين كان دقيقا والدقيق كان مجرد حنطة وهو نبات ولا ضير إن لم تقبّله وتقدسه، وربما كان السبب الرئيسي لنشر هذه الثقافة الاجتماعية والتي هي قاب قوسين أو أدنى من الفروض الدينية هي نتيجة الحروب والغزوات والفرمانات علينا وتسبب ذلك بمجاعات متتالية وحصدت أرواح كثيرة وعندما زالت الغمّة لم تزول آثارها النفسية والاجتماعية فبقي هاجس الجوع والحاجة لتوفير الخبز كمادة غذائية رئيسية وأساسية تشغل بال المجتمع وربّ الأسرة، والى الآن.
ومن سوء الحظ أعيدت التجربة ثانية وقد مررت بها شخصيا في الأسبوع الأول من غزوة (داعش) علينا وهروبنا إلى الجبل فقد عانينا كثيرا من العطش والجوع، وسقط العشرات من المرضى والمسنين والأطفال.
وبعد خلاصي واستقراري في ألمانيا أقف أحيانا قبالة دكاكين الخبز وأفرانها في المدينة التي أعيش فيها، وأتأمل أنواع الخبز والمعجنات والحلوى، وأتبين أسمائها، وكأنني أرافق هانس وكريتل في مغامرتهما إلى بيت الحلوى الشهير، ودون كل الأنواع تبحث عيناي بعفوية عن خبز التنور العراقي ولكنني لا أجده هنا.
*******

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية