المملكة المغربية تحاور إسرائيل حضاريا

المهدي بوتمزين
2020 / 9 / 11

عجَّت الصحافة و الإعلام بنبأ إتفاق السلام بين دولة الإمارات العربية و إسرائيل , و وصفه الكثير بالتاريخي رغم أن العلاقة بين البلدين كانت وثيقة في الدهاليز منذ زمن . وبعده مباشرة نشرت وسائل الإعلام و المراقبون أخبارا أو تكهنات تخص الدول المقبلة التي ستخطو منحى أبو ظبي و منها البحرين و سلطنة عمان و المملكة المغربية ؛ بما يمكن اعتباره سباق خيول إلا أن النتيجة النهائية ربح و خسارة في الاَن نفسه .
الاهتمام الكبير بدور المغرب في إيجاد مساحة كافية للدولة اليهودية ضمن خارطة المغرب العربي و الشرق الأوسط ؛يعزى إلى المكانة المهمة التي تحظى بها الرباط سياسيا و دبلوماسيا لدى مختلف الفرقاء السياسيين على اختلاف توجهاتهم اليمينية و اليسارية , و هذا الموقف الوسطي يوجد في جينات الدولة المغربية التي طالما ظلت محايدة عبر محطات التاريخ سواء خلال عاصفة الصحراء وصولا إلى ازمة حصار دولة قطر.
الموقف المغربي من الدولة الإسرائلية تحكمه البرغماتية المشروعة و تعززه الحنكة و التجربة السياسية الطويلة , التي أعطت للدولة الفرصة لإقتناص الحل الوسط الأنفع الذي بدونه سقطت أنظمة عربية عديدة تحت قوة عاصفة الربيع العربي , والتي لم يكن من حيز للنجاة منها سوى تحقيق التوازن بين مصالح الدول الخارجية و الإستجابة لبعض المطالب الداخلية . و اليوم نجد أن المغرب أنهى التأثير السلبي الداخلي – سلبي بالنسبة للنظام- الذي خلقته الحركات الشعبية و السياسية مثل حركة 20 فبراير , كما أوقف المد اليساري و الإسلامي , فأوجد فرقاء يختلفون في الظاهر و يتفقون في الكواليس . فالفرق بين النظام السابق و الحالي أن الأول عمل على تطويع الأشخاص أما النظام الحالي فقد طوَّق الكيانات و الأحزاب برمتها . أما على المستوى الخارجي فقد ظل المغرب حليفا رئيس لفرنسا و الولايات المتحدة الأميركية كما يملك مكانة محترمة لدى جميع الدول الغربية كما تربطه مع إسرائيل علاقات تعاون إقتصادي و استخباراتي و تكنولوجي و عسكري . فالرباط لم تكن لتتخذ موقفا مناوئا للإرادة الأجنبية في العديد من القضايا , لاسيما في ملف الإسلام السياسي و محاربة ما يصطلح عليه إعلاميا الإرهاب و الترويج للإسلام المعتدل و عولمة الفن و الثقافة الغربية و السوق الحرة.
على المنوال نفسه تعاملت الرباط مع تل أبيب خصوصا بعد الدور الكبير الذي باشرته إسرائيل كقاعدة عسكرية أميركية متقدمة , حيت تبدَّى للدول أنه لا مناص من التحالف مع الدولة الجديدة . و هكذا أضحى المغرب لاعبا إقليميا مهما بالنسبة لإسرائيل بعد أن كانت العلاقة بينهما محدودة , خصوصا في فترة غرق سفينة إيجوز وما استتبعها من فرض إتاوات مقابل ترحيل اليهود المغاربة إلى إسرائيل ؛ و هو تحول فرضته قوة النفوذ اليهودي في البيت الأبيض و الغربي عامة, مما حدى بالعديد من الدول و الكيانات إلى مراجعة أوراقها مع الدولة الموعودة كما يصفها اليهود ؛ ما يمكن وصفه بمعاداة التعريفية كما درج على تسميتها الشيوعيون لوصف الأحزاب التي تخلت عن جوهرها السياسي و الإيديولوجي الثوري الراديكالي و اعتبارها تحريفا للنهج الماركسي اللينيني و انحرافا عن جادة الصواب.
إن الرؤية المغربية للصراع العربي الإسرائلي تبدو منطقية و واقعية حيث تُعد إسرائيل اَنيا دولة قوية صنعت تاريخها في عقود قليلة, و هو المنحى نفسه الذي سارت عليه بلاد العم السام , فقوانين الطبيعة لا تحمي المغفلين كما ان الغاية تبرر الوسيلة . و بمفهوم المخالفة ماذا سيحقق المغرب اذا استعدى إسرائيل ؟ هل سيحرر القدس بيد واحدة و جميع الدول العربية و الإسلامية إما في موت إكلينيكي أو تعاني من الشلل أو في أفضل الأحوال دولة لا تأثير لها حتى على أمن الحمل الوديع ؟ أم نؤمن بما يعتبره البعض إعجازا رقميا في القراَن و ننتظر زوال إسرائيل عام 2022 م أو 2027 م كما تنبأ بذلك مؤسس حركة «حماس» الشيخ أحمد ياسين ؟
إن السياسة هي فن الممكن الذي يتيح لك انتقاء المسار الذي يبدو رمادي الأفق لتجنب الوقوع في الأسود القاتم , لأنها لا تتفضل بتشكيلة من الجيد و السيئ بل تضعنا أمام السيئ و الأسوء . كما يعرف ارنست ساتو الدبلوماسية بأنها تطبيق الحيلة و الذكاء في إدارة العلاقات الرسمية بين الحكومات و الدول المستقلة . فالمملكة المغربية لا يمكن – من وجهة نظري – أن تقامر في رهان يبدو في الحاضر و المستقبل البعيد في صالح تل أبيب و حلفائها الغربيين . فالمشروع العربي القومي الوحدوي و الإسلامي الموحد لم تظهر بعد أية إشارات على إمكانية تحققه من زاوية نظر موضوعية , كما أن المعسكر الشرقي بزعامة بكين و موسكو لن يقف بجانب قضايا العرب , فروسيا تدعم إسرائيل و بكين تنتهك حقوق الإيغور أمام أنظار العالم و المنظمات الحقوقية حتى تساومها واشنطن في القادم كم ان تركيا عضو في حلف الناتو و لا يمكنها إعلان الحرب على الحليف الأول لأميركا . إننا نعيش في ظل إعلان بوتسدام جديد يفرض على الدول الإسلامية و العربية الإستسلام دون شروط أو إبادتها بقنابل نووية أو انتفاضة داخلية و تصدير البلطجة و المرتزقة بعلامة تارة مسجلة و حينا اَخر بماركة غير مسجلة .
فالحديث المنطقي و الموضوعي عن العلاقات السياسية و الدبلوماسية بين الرباط و تل أبيب لا يجب أن يستند إلى مرجعية دينية أو قومية لأن العالم الإسلامي و معه الغربي شهد تحولات عميقة قادت إلى فصل الكنيسة عن الدولة و هو الأمر نفسه بالنسبة للدول العربية . و إن الإندفاع إلى الرغبة في تغيير الواقع الحالي يقتضي تملك استراتجيات واسعة تشمل إحداث نظام اقتصادي و مالي مستقل عن الغرب و تشييد صناعات حربية و تكنولوجية هائلة كتوطئة لإعلان إستقلال كامل للدول العربية عن المعسكر الأجنبي ؛ لأن الغرب يقف بجانب إسرائيل و لا يثق في صداقة العرب و الحوار معهم مادام معهم كتاب يهدي و لو كسر السيف و قيدت الأذرع.
ولعل أن مواقف العديد من المواطنين العرب من الدولة الإسرائلية يجنح للتحامل العنصري في حق العرق اليهودي أو يعزى إلى تأثير التأطير من خلال اعتماد طريقة خاطئة في شرح أسباب و تاريخ قيام الدولة الإسرائلية و تبعا لذلك السقوط في الإنحياز التأكيدي عبر تفضيل الأراء و المواقف التي تدعم الأفكار الشخصية المسبقة . و عليه تكون الدعوة موجهة اليوم إلى الشعوب العربية و الإسلامية إلى اعتماد مسار جديد من العلاقة مع إسرائيل, قوامه الحوار الحضاري و الركون إلى النفعية التي تقتضي رعاية المصالح الأساسية و أن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة . فالتاريخ حافل بنماذج الكيانات التي حاولت الإنكفاء بالذات و توهمت القدرة على تحقيق الأمن المطلق بمختلف مستوياته ,
مستندة إلى ثرواتها الباطنية من البترول لكن سرعان ما وجدت نفسها أمام كوارث اقتصادية أدت بدورها إلى انتفاضات شعبية .
إن أواصر العلاقة بين الدول العربية - منها المغرب- و إسرائيل ترجع للزمن الماضي البعيد , لكن الخطوة الجديدة و هي التي أثارت الضجة , حيث ترغب إسرائيل في ترسيم هذه العلاقة و اظهارها للعلن , و من شأن هذه الخطوة أن ترفع من أسهم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو و توفر للرئيس الأميركي دونالد ترامب دعما منقطع النظير من النفوذ اليهودي الذي يسيطر على كل شيئ لاسيما الإعلام العالمي . أما الدول العربية فيعتريها التردد خوفا من انتفاضات شعبية داخلية تتهمها ببيع فلسطين و العمالة للغرب .
المغرب اليوم يخطو بحذر في الساحة الإفريقية و الدولية و يتخذ قرارات من شأنها أن تجلب له حلفاء و مؤيدين لموقفه القاضي بمنح حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية , حيث تشكل قضية الصحراء محورا أساسيا في سياسته الخارجية . فالرباط تحاور بلغة دبلوماسية رصينة و تتخذ مواقف صائبة في العديد من القضايا , و تتوق إلى حوار بناء بين دول الشمال و الجنوب , و لعل زيارة بابا الفاتيكان إلى الإمارات و المغرب أوضح دليل على هذه الإرادة الإنسانية الحضارية المتميزة و السامية .
مجمل القول أن العالم العربي و الإسلامي اليوم محاصر و مخترق و لا يملك مقومات الحياة الحضارية لإعتماده في العلوم و التكنولوجيا على الغرب , كما أن العلاقة بين الدول العربية تعتريها المشاكل الحدودية و النزعات العرقية و الطائفية و الأطماع الاقتصادية , و عليه يبقى من حق المغرب كدولة استطاعت تجاوز رياح الربيع العربي ان تختار لنفسها الحلفاء الذين ترى فيهم مصلحة , و لا يمكن بأي حال أن يشكل إعلان التطبيع مع إسرائيل جرما تاريخيا بل يبقى تكتيكا سياسيا اَنيا تفرضه معطيات الواقع كما سارت على ذلك السلطة الفلسطينية بقيادة «حركة فتح » و الإختيارات التي فرضت على «حركة حماس » بالتوجه إلى التعاون مع الجمهورية الإيرانية الإسلامية و النظام السوري الحالي رغم الموقف الشعبي العربي الذي يقف إلى جانب الشعب السوري .
المغرب يملك الوقت للتدرج في اعلان علاقته الرسمية بإسرائيل عبر فتح مكاتب اتصال بين الطرفين و التبادل الثقافي و التأني في ذلك من خلال جس نبض المواطنين . فهل تملك إسرائيل الوقت لهذا التدرج ؟ أم انها تتعجَّل انتفاضة الشعوب و الأحجار و الأشجار في سائر البلدان العربية ؟