النص المُقرْأن ١

محمد ليلو كريم
2020 / 9 / 11

محاولة تحديد الهيكل :
بعد كل هذا السرد القرآني المخصوص بالتوراة وبني اسرائيل وانبياء اسرائيل وجماعة اليهود صار ولا بد أن نلتفت الى القرآن الناقل ، أو بالاحرى ( السرد المنقول ) أي تلك النصوص القرآنية التي اختصت سردًا بشأن اسرائيل وتوراتهم ووجودهم والديانة اليهودية ، فالنص القرآني السارد نقلًا عن النص الاسرائيلي هو سردية اسرائيلية ، وقد نذعن لهذه السردية المنقولة كواقعِ نصٍ بغض النظر عن المبحث الذي يسبر التاريخ والأركيولوجيا فالمؤمنون أتخذوها ( أي السردية ) كنص مقدس ليس لهم بل لغيرهم ولكنهم أتخذوه قرآنًا لأنه ورد في كتابهم ولأنه قول الله .
هو قرآن ، هكذا آمن المسلمون به وصدقوه ويقينهم إنه مُنزّل من الله (( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ / القرآن ، سورة البقرة ٢٨٥ )) فالمسلم هو غير الملائكة والاقوام الدينية الاخرى ، وكتابه غير الكتب الاخرى كالتوراة والإنجيل ، ولمّا يفتح القرآن مزدوج لنص من قصة أو عِظة أو ما إلى ذلك مما يسرد عما هو خارج الإسلام فهذا النص هو سرد آخر أعتمده القرآن بصيغة عربية وهذا ( السرد الآخر ) مُقدس فرضًا على المسلمين بحسب الآية آنفة الذكر ، أما لماذا قلت ( قرآن آخر ) ففي الاصل كان النقل العربي صيغة عربية عن أصل ، ولذاك الأصل لغة وتأريخ وجغرافيا وأحوال ووجود وثقافة ونصوص وحروف وكلمات ولسان أو لهجات ، فالمنقول في القرآن كمثلِ ترجمةٍ عن أصل ، وعليه ؛ فالمنقول بصيغة عربية في القرآن له صيغة أصل . .
جرى في الأزمنة الاسلامية الغابرة جدال لم يخلو من صِدام وعنف في قضية خلق القرآن ، وقد أعتقد جمعٌ من المسلمين أن القرآن مخلوق ، أي أن القرآن حادث وليس أزلي ، وأحتج جمعٌ آخر وقالوا بأزلية القرآن وأنه وجِد مع وجود الله ، وسواء أكان القرآن مخلوقًا أم أزليًا فالقولين تفترض وجوده قبل النطق بكلماته على لسان النبي محمد وقبل تدوينه ، وأيضًا هناك عقيدة عند الشيعة مفادها أن القرآن المكتوب صامت وهناك قرآن ناطق وهم آل بيت النبي من الأئمة المعصومين ، وسواء أكان القرآن صامتًا أم ناطقًا ، مخلوقًا أم أزليًا ففيه نصوص من خارج المحيط العربي ، فقد ورد في سورة المائدة : (( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ / ٤٤ - ٤٥)) والآية ( ٤٥ ) تحيلنا الى نص ورد في التوراة في سفر الخروج ( שְׁמוֹת ) الاصحاح ٢١ ، العددين ٢٣ و ٢٤ : (( وَإِنْ حَصَلَتْ أَذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْسًا بِنَفْسٍ ، وَعَيْنًا بِعَيْنٍ ، وَسِنًّا بِسِنٍّ ، وَيَدًا بِيَدٍ ، وَرِجْلًا بِرِجْل )) وبقراءة النص التوراتي في سفر التثنية نتأكد من الإشارة القرآنية ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ) وهذه الإشارة القرآنية الصريحة لا لبس فيها ولا إلتباس بأنها تُشير الى نفسها كنص له أصل توراتي فهي مما هو منقول أجريت له صياغة عربية وهذا مما يزخر به القرآن ويعترف بأصله التوراتي الاسرائيلي (( قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا همام ، حدثنا زيد ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي ﷺ قال : قال : « حدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » )) وهذا ما يدعم قولنا من أن هناك نصوص ومرويات اسرائيلية تنقّلت بتحولات سردية ولغوية مع بقاء صلب المتن ووجدت نفسها في الإنجيل والقرآن وهذا ما يؤكده القرآن : (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ / سورة التوبة ١١١ ))
هل تلاحظ - عزيزي القاريء الفطن - التسلسل الواضح ( التوراة والإنجيل والقرآن ) وإطلاق صفة ( مؤمن ) على من يؤمن بما جاء فيها وجعل صيغة الجمع ( المؤمنين ) ونعلم أن ما زاد عن المُثنى فهو جمع ، والثلاثة جمع ( التوراة والإنجيل والقرآن ) وعليه جاءت الإشارة بصيغة الجمع ( المؤمنين ) لأن المعتقدين بالكتب الثلاثة كلٌ منهم مؤمن ويُجمع مع من يعتقد بالكتابين الآخرين ، فاليهودي مؤمن وهو مع المؤمن المسيحي والمسلم يدخل في الجمع فيُشار للجمع :( المؤمنون ) ، وأعتقد أن التبيان واضح جلي للقصدية القرآنية .
.............
لنأتي الى كلمة ( مُقرْأن ) ونوضح دلالتها :
هي كلمة تشابه الكلمات التي أستخدمت حديثًا كالأمركة والفرنسة والأسلمة والتتريك والتعريب الخ ، فالقرأنة تعني نقل النص من أصله الى وضع آخر بلغة أخرى ، فهو نصٌ مُقرْأن ، ولما كان الطرح هنا يتناول النص الإسرائيلي الذي نُقِلَ الى القرآن بعد تحويله للغة العربية فتكون كلمة ( مُقرْأن ) هي تلك الكلمات والنصوص القرآنية التي وجِدَت سابقًا في التوراة ، والقرأنة تعني التعريب اللغوي بإستحداث صيغة مُعرَبة عن النص الأصل ، ولعل مِثال واحد يفيد للتوضيح :
كلمة ( توراة ) من الكلمات ( المقرأنة ) فهي إسم الكتاب الإسرائيلي المكون من عدة أسفار ، وفي القرآن وردت كلمة ( توراة ) كصيغة عربية قرآنية لكلمة غير عربية ، وهي كلمة غير عربية ؛ أصل وجودها في كتاب غير عربي ، ولهذا هي ( مُقرْأَنة ) ..
نُكمِل في آخر المقال التالي

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي