مجرد فكرة

خالد بوفريوا
2020 / 9 / 10

إهداء :
إلى روح شهداء إطار الطلبة الصحراويين
الحسن المامي التامك
بابا خيا
الحسين الكتيف
هباد حمادي
عدنان الرحالي
بضري عبد الرحيم

تلاطم الأمواج وريح صرصر وحبات رمل شقراء، وأشعة شمس لا تستقر بفعل تراقص ضباب ناصع البياض . تلك هي جنبات Cop Poukhadour أو كما يلعلع بها اللسان المحلي "بوجدور"، رقعة من طوبوغرافيا الصحراء الغربية الدامية الموبوءة بعقلية الجار التوسعية منذ سنوات، حزام التاريخ لا يخفى ولا يُؤدلج ولا يُطمس حتى بفعل متغيرات إقليمية و دولية كبرى.
هكذا عناد تراكم التاريخ وثورية بنيوية الجغرافيا وكل ذلك الكثير الكثير.. يصطك بكيانه العقلي ويجعله يصاب بحمى السؤال المؤرق وهو يراقص بصره بين رمال أجحفت بفعل حركية غير متوقفة، فتارة يلامسها بأصابع قدميه وتارة يستقر بمنتهى صخرة صلداء تكبدت عناء الوجود وكله طاقة تنضاف لحر تموز / يوليو لمعرفة نسبية الحقيقة ولو أنه لا وجود لمسلمات أبدية ولا وجود لحقائق مطلقة بفهم نيتشاوي محظ. أوقف سليل تفكيره المتخثر صراخ ليس ببعيد عن تموقعه .. صراخ يتردد صداه بسيمفونية هيجان الأمواج وخواء المكان.
المحجووووووووووووووووووب ..... المحجوب
استدار ببطء وشفتاه تخرج الشرر في جو عنفوانه التذمر العلني حتى به يتراءى من بعد أمتار قُصار صاحب الثرثارات والترهات والهزلية على كل من تلتقطه عيناه المحمرتين، حيث لاذ بعواء ساذج يحتل كاثوليكية المكان .....
تأخرت يا صاح وانتهى صبيب الشاي الذي كنا نعده.
قاطعه وهو ينظر تطلعات أليمه وهيجانه : لا داعي فالأمر وما فيه شاي وطقطقة شفاه فيما لا ينفع..
حملق ببهيته النحيلة وصاح : هيا لنغادر.
.. لنغادر
سبقه بخطوات لا هي بالبعيدة ولا القصيرة وساقاه تراقص زبد الأمواج وصفير هنا وهناك .
بخطى متثاقلة وكتلة لحم وشحم عاجزة عن الحركة،استند المحجوب إلى صخرة صماء واندفع ببطء نحو الأمام وهو يحمل لثامه الأسود الذي بلل رذاذ الأمواج جزء يسير منه وصاح بسيكولوجية متهم عنيفة الإندافع ...
اللعنة على وجودك .. انتظرني ...... انتظرني
وفي الطريق أوقف المحجوب صاحب الصفير بسؤال شكل له اعتصارا بجهاز أحشائه كالوخز لا متناهي !!
أصحيح أن نتائج امتحانات (الثانوية العامة) ستظهر جليا للعموم غدا على البوابة الإلكترونية ؟؟
ترددت بتموج لتملأ فراغ الزقاق الذي يسلكونه..... ماذاااااااااااااا ماذااا ماذا!!
وما الغريب بسؤالي يا أبله ؟
أجابه وفرائصه ترتعد .....
لا شيء أبدا .. لا شيء ...
وما إن حل ضجيج الصباح، حتى عم خبر النتائج وانتشر بسليل الرسائل والمكالمات، حتى الأفواه الخرساء تناقلت النبأ بشكل هيجاني. وامتعض المحجوب من كثرة التبركات والإهداءات التي شُحن بها هاتفه إلى حد التخمة لأجل نجاحه وحصوله على شهادة (الثانوية العامة) بميزة متقدمة، وإذا به يعد الخطى باتجاه المكان الذي يحصل فيه على جرعات إضافية من نسيم الهدوء ومونولوج الذات والرخاء النفسي والتفكير المثقل بالدلالات العميقة والنظرة الأمامية للأمور.
استوقفه نادل مقهى Lacopolle وهو يستعد لمد ساقيه باسترخاء ...
سمراء قليلة السكر كما العادة.
أجابه بانحناء يعبر عن خشوع مصطنع : حالا.
قلب ناظريه بفراغ المقهى الذي زين باتساق زوج الكراسي والموائد ولم يستشف أحد غير شاب كثيف الشعر نحيف القوام، تتراقص بينه وبين كتاب يتطلع بما ورد بين سطوره دخان سيجارته الصباحية حتى رن الهاتف بصداعه المألوف.
ااااااااااااااااالو ابن الخال
مبروك النجاح، تستحق فعلا فأنت مجد يا ابن أصلي.
أجابه بلامبالاة : نصيب.
قهقهة ضاحكة تصيب طبل الأذن ونباح بعبارات تجري مجرى السؤال عن العائلة الممتدة ؟؟
بخير...... وعلى ما يرام.
يُصرح بها وهو يرتشف أولى رشفاته بمرارة تلك المرمرية اللون حتى يغزو الوجود ذلك الذي كان ينفث دخان سيجارته، وبيده كتاب حمرته مبهمة كتب عليها بخط فحمي عريض القوام (ما العمل؟)
تلعثم المحجوب في مكالمته الهاتفية تلك، نتيجة حضور الغريب بشكل فجائي حتى وضع الهاتف بجنب منفضة السجائر !!!!!! وقاطعه باندفاع : سيد أعمر ... أدى .. سيد أعمر
يتفرس المحجوب وجوده باندهاش وأنا المحجوب .. لكن ......
لا داعي .. حتى أنا لا أعرفك لكن التقط مسمعي أنك حصلت على شهادة (الثانوية العامة)؟
أجابه وهو يلامس يديه وكأنه يفركهما .. نعم
وماذا ستتابع بالجامعة ؟
شيء واحد فقط .. .. .. السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا.
استغرب من إجابته وأخرج بؤبؤ عينيه للعلن وكله ذهول بهذا العزم و الإقتناع قائلا :
جيد .. جيد تخصص ضمن حظيرة العلوم الاجتماعية و الإنسانية يناسب متغيرات المرحلة ويساير وجدانها.
قاطعه المحجوب بسذاجة بالغة، سائلا ؟
ومن أنت؟؟؟ ولما سؤلك؟
اصفر وجهه بابتسامة تنم عن خبث مكبوت.
أنا طالب صحراوي أدرس بكلية الحقوق بموقع الحمراء / جامعة القاضي عياض – مراكش المغربية.
تلصصت له رعشات جانبية جراء ما صُدم به من مصطلحات دخيلة على بنيته المفاهيمية المعتادة (طالب صحراوي.. موقع الحمراء.. مراكش المغربية...) حتى أخرج استفساره الوجودي الذي امتزج برذاذ نفاث سيجارة تحترق بفعل تفاعل كيميائي معقد.
من هو الطالب الصحراوي ؟
تفرسه سيد أعمر بثبات في رؤية قائلا :
نحن جزئية سياسية من تركيبة البنيوية لشعب الصحراوي ونشكل الفئة التي حالفها الحظ بمتشاق مقاعد الدراسة الجامعية ومقاومة براثين الجهل والعدمية الممنهجة من طرف الأفخاذ الملكية، أي أننا نضطلع بمهمة التفكير المثقل وتقديم إجابات علمية وعملية عن ما يعيق مسيرة الشعب الصحراوي الذي يتدحرج بداخل عجلة الكينونة، فالطالب الصحراوي هو الحامل ’’لتصور الوطني’’ أي المقاومة المستميتة عن حقنا تحت الشمس .. عن حقنا في الوجود والكينونة .. على كافة أرضي الصحراء الغربية التاريخية بغض النظر عن الانتماء الجغرافي أو القبلي أو الإقليمي أو حتى العرقي إن صح التعبير وليس ذاك الطالب الذي يتلصص تمظهرات و مسلكيات ثقافية خرساء المبنية على ناصية (الإستثناء أو ’’سفير’’) من داخل الساحة الجامعية المغربية التي هي في أخر المطاف وعاء أو معترك أيديولوجي صرف، فلنا كطلبة الصحراويين مهمتان رئيسيتان:
الأولى لا تقل أهمية عن الثانية، تتجلى في نقل سيميائية الصورة الحقة و الواقعية للطلبة المغاربة والشعب المغربي عموما، عن الواقع السياسي و الحصار الاقتصادي و المعاناة الاجتماعية للشعب الصحراوي بأرض الصحراء الغربية المحتلة، وإزالة ولو النزر اليسير من اللبس والغموض عن ما يعيشه الإنسان الصحراوي تحت وطأت معاول الاحتلال السيكوبوتية.أي أن هذه المهمة هي "توعوية" بالأساس بل يتجاوز الأمر هذا إلى النضال والممانعة بجانب الطلبة والشعب المغربي بمختلف قضاياه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأن أصل الشرور واحد.
أما الثانية فتصب كذلك بذات الهدف (التوعية) لكن هذه المرة في شق التعاطي والتجاذب مع الجماهير الشعبية الصحراوية من خلال تلقيح مناعة الوعي والتأطير السياسي وقيادة الهبات الشعبية التي تعرفها المدن الصحراوية المحتلة...
قاطعه المحجوب بتساع بؤبؤ العين جراء نفحات الإستغراب التي أصبحت تتساقط تباعا كتساقط رنين الموج المنبعث من الساحل.
أما في ما يخص الجانب التنظيمي يعتبر الطلبة الصحراويين أنهم تنظيم أفقي تتخذ فيه القرارات بشكل جماهيري سواء في المحطات النضالية النقابية أو السياسية مع إمكانية أن تتخذ بعض القرارات من طرف الفاعلين في الموقع فقط، أي أنها قرارات فوقية يتم إخضاعها للنقاش الجماهيري في "الحلقيات أو الأشكال" وتنتخب هياكل اللجنة التمثيلية للطلبة الصحراويين بالاقتراع السري أو العلني والتي تضم 09 أعضاء من بينهم 03 أعضاء مسجلين بالسنة الجامعية الأولى، وهذا الشرط بقصد اكتساب الخبرة من طرف الطلبة الجدد وضخ دماء جديدة في الموقع أي من أجل تحمل المسؤولية.
و يعبر الطلبة الصحراويين عن أنفسهم بأشكال تنقسم إلى نوعيين :
الأشكال النقابية : وهي التي يتم خوضها في بداية كل موسم جامعي وتفتتح باستقبال الطلبة الجدد وتوجيههم، ويتساوى في ذلك الطلبة الجدد الصحراويين والمغاربة وجرد الملفات التي ترفض الإدارة إيجاد حل لها سواء المتعلقة بالتسجيل أو الانتقال من جامعة إلى أخرى أو كلية إلى أخرى في نفس الجامعة ما يعرف في أدبيات الطلبة ب "Transférer" من اجل خوض أشكال نضالية تدفع الإدارة إلى إيجاد حل لهذه الملفات أشكال تتنوع بين "حلقيات وأشكال" ومسيرات ومقاطعة الدراسة والاعتصام الإنذاري والمفتوح في الكلية أو في رئاسة الجامعة، وقد تكون هناك خطوات استثنائية غير متعارف عليها من أجل إرغام الإدارة على الاستجابة .
أما الأشكال السياسية : وهي التي يتم فيها التعبير عن التوجه السياسي الجذري للطلبة الصحراويين والمرتبط أساسا بالنضال التحرري للشعب الصحراوي، وذلك بتخليد الذكريات الوطنية والتفاعل مع الأحداث التي تعرفها المدن الصحراوية المحتلة ويعرفها مسار قضية الصحراء الغربية والتضامن مع المعتقلين السياسيين وتخليد أيام الشهداء.فمن الناحية الشكلية تتخذ الأشكال النضالية التي ينظمها الطلبة الصحراويين في الغالب شكل دائري مع ترديد الشعارات السياسية أو النقابية مع الأخذ بعين الاعتبار العلاقة الجدلية المدوية بين السياسي والنقابي والتي تحضر بشكل واضح وبارز في حالة النضال الطلابي الصحراوي.
أي.. باختصار رفيقي. نحن مجرد فكرة امتدت منذ بروز الوعي التحرري على أرض الصحراء الغربية.
قاطعه وملامح الاستغراب مرة أخرى بهية على وجهه الكروي:
فكرة ؟؟؟؟؟؟؟ !!
نعم..........
فكرة ... والأفكار تتوارى، تتراجع بل يتم إدخالها لغرفة الإنعاش حتى، لكن لا تموت.
رفع رأسه إلى الأفق ولم يوقف بصره عن التحديق بسبب الفكرة التي أوقدت ضراما برأسه.....
وفجأة لم يعد بوسعه أن يكابدها داخل مخياله أكثر ؟
فأسقط يديه إلى جنبيه .. وحملق بخواء حيز المكان وسع مرمى بصره.
انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على بساط لسانه ...
"نحن مجرد فكرة"
نحن ........ وفجأة بدأ ساحل Cop Poukhadour يردد الصدى...
نحن مجرد فكرة........
نحن مجرد فكرة...........
نحن مجرد فكرة...............................



إنتهى...