مآلات الأوضاع السياسية في العراق

كاظم الموسوي
2020 / 9 / 8

الكتابة عن العراق ومآلات أوضاعه تتطلب العودة إلى أسباب موضوعية وذاتية أوصلته إلى ما هو عليه، وما يمكن أن يؤول إليه. لقد تم غزوه عام 2003 من قوات أمريكية بريطانية ومتخادمين معها من أكثر من دولة وقارة، ولم تخطط الإدارة الأمريكية لمستقبل أوضاعه، علنا، فقط كانت تتحدث عن الديمقراطية والتخلص من الديكتاتورية. ولا يمكن طبعا مقارنة موازين القوى بين قوات الغزو المتحالفة والقوات العراقية، المنعزلة، وفرض الاحتلال عليه، وما تلاه من تعمد المندوب السامي الامريكي بول بريمر في وضع قوانينه وقراراته وتمثيل العراق في مؤتمرات خارجية دولية ولم يبق له الا تنصيب نفسه رئيسا للبلاد. لكن الحراكات الشعبية ومقاومة قوى الاحتلال، بمختلف الاساليب، فرضت هي الأخرى وضعها فتقرر تشكيل مجلس حكم من العراقيين، حسب مخطط بريمر وتقسيماته، وتحدث عنها في كتابه عن (سنته في العراق)، وقابلية الأطراف التي توافقت معه ونفذت خططه ومشاريعه.
بريمر عمل على ما استفاد منه من الخبرة البريطانية في احتلال العراق في العشرينات من القرن الماضي، أو وُجه لها، في استخدام قاعدة الإستعمار البريطاني في التحكم: فرق تسد، وعمل على وضع تقسيماته للمجتمع العراقي الى مكونات مذهبية طائفية وعرقية اثنية، وخرج بضرورة قيام مؤسساته التي ينبغي تعريفها ببنائها على تلك الاسس، وتكرست عرفا، وشاعت قاعدة. منذ أن أنهى سنته وهرب بلا اسف من العراق والى يومنا. فاصبحت القاعدة الأولى، أو السبب الرئيس هو التقسيم الطائفي الإثني للشعب العراقي، ومن ثم المحاصصة على هذه الاسس، وتوزعتها القوى السياسية، التي تزعم تمثيلها والتعبير عنها، وهو أمر مختلف عليه، فلا هذه القوى السياسية ممثلة حقيقية، ولا وقائع الحال كذلك، ولكن الأمور سارت بهذا الاتجاه، الذي زرع فتنة تقسيمية جرّت لها حربا دموية امتدت سنوات. ثم جاءت قضية الدستور والاستفتاء عليه، وتسارعت تلك القوى المحلية والدولية في صياغته بما يخدمها في استمرار خطط بريمر ومرؤوسيه في واشنطن وربما في أماكن اقرب إلى العراق ايضا. ورغم عدم اقرار ما قسم عمليا في نص الدستور ومواده، ورغم أن الكثير من مواده لم تستكمل إلا بقانون لم يوضع الكثير منه إلى الان، ورغم أن الكثير من مواده حمالة اوجه، استخدمها كل من بنى عليها مصالحه واعترض على غيرها، ورغم إضافة مواد له بعد الاستفتاء لم يجر العمل بها ايضا، ورغم الكثير من النقاط التي تثير الريبة منه إلا أنه أكد قضية كبيرة تقصدت قوى الاحتلال وخدمها في كتابتها والتركيز عليها، مخالفة للواقع والدساتير المؤقتة السابقة، والتي تدل على أن واضعي الدستور شغلتهم هذه القضية اكثر من اي قضية أخرى في وضعه واحترامه مستقبل البلاد من خلاله، وهي الغاء هوية العراق العربية، واستبدالها بشكل التقسيم الطائفي العرقي، وتغييب هوية المكون الأساسي في العراق، العرب، واحتسابهم طائفيا فقط، بينما وصف الأقوام والأقليات القومية التي لا تشكل اكثر من خمس السكان باوصافها القومية، الاثنية، دون احترام وتقدير للشعب العربي في العراق.
في ميثاق جبهة الاتحاد الوطني عام 1957 التي أسهمت في إسقاط النظام الملكي وتاسيس الجمهورية الاولى، تموز/ يوليو 1958 والتي كان الحزب الديموقراطي الكردستاني عضوا في تحالف مواز لها مع الحزب الشيوعي، وفي نسخة مؤرخة في 19 تشرين ثاني/ نوفمبر 1958، (بعد نجاح الثورة) معنونة: ميثاق جبهة الاتحاد الوطني، جاء فيها ما يعكس، الوعي، أو الحس الوطني والقومي، ووضوح الفكر السياسي لقيادات الأحزاب والمشاركين في قيام الجبهة وعملها، تلك السمات التي افتقدت بعد ذلك، ولاسيما بعد الاحتلال الامريكي وحلفائه ومتخادميه عام 2003 ، فورد في نص الميثاق:
1- لما كانت جبهة الاتحاد الوطني تقر أن أمة العرب واحدة فرّقها الاستعمار وأعاق توحيدها وان العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، فإنها تعمل على إعلاء شأن القومية العربية وتسعى بشكل خاص من أجل تحديد أفضل وامتن شكل من أشكال الارتباط بالجمهورية العربية المتحدة على أن يجري ذلك بالوسائل الديمقراطية المألوفة.
2- تعتبر الجبهة أن الكيان العراقي يقوم على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم وتعتبر العرب والاكراد شركاء في هذا الوطن وتقر حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية وتسعى من اجل تطبيق ذلك.
في السببين اعلاه، بعد الاحتلال وفرض الهيمنة الاستعمارية، في التقسيم والمحاصصة وفي الدستور، المفترض، الناظم لسياسات الدولة، بكل تعريفاتها، تولدت اسباب اخرى، منها تكريس المحاصصة في السلطات، وتقسيماتها وتكرست أو تفرعت عنها أمور كثيرة، أبرزها الزبائنية والمحسوبية وفقدان الكفاءة وسوء الإدارة والقيادة وصولا إلى تفشي صور الفساد الإداري والمالي والاخلاقي والسياسي في اعلى مراحلها، ليكون سببا آخر في خراب البلاد ودمار العباد، حيث تحول الفساد إلى مؤسسات قائمة داخل الدولة، لها خلفياتها وازلامها وقواعد عملها، مع نمط تخلف وجشع وحشي، لا يعبر حتى عن قيم أخلاقية عامة. مما عرقل المشاريع والتنمية واسس سلطات تدير شؤونها بالتفنن في أساليب الفساد وخراب العمران وهدم هيبة الدولة والتنكر لما تدعيه أو تعرف نفسها به. فلا القوى والأحزاب "الإسلامية" طبقت مناهجها وشعاراتها المخادعة ولا "الليبرالية والديمقراطية والقومية" وحلفاؤها قدمت نموذجا لما تروجه عنها، وبات بعضها يندم على ما قام به بعد خراب العراق، وهناك من أخذ يسمي الاحتلال احتلالا بعد أن وصفه بالتحرير والتغيير واوصاف كثيرة تخجل مردديها قبل غيرهم حين تضعها اليوم على أرض الواقع الكارثي في العراق.
أضاف على أسباب تدهور الأوضاع في العراق، غزو ما اختصر إعلاميا بتنظيم "داعش" (حزيران/ يونيو (2014 واحتلاله لثلث مساحة العراق، في المحافظات الشمالية الغربية والوسطى منه، الموصل والانبار وتكريت واطراف كركوك وديالى ومشارف محيط بغداد. وكانت قد سبقته مكوناته الاولى، من مجموعات الإرهاب المتطرفة، ابي مصعب الزرقاوي وخلفه واسلافه في تلك المدن ايضا. وبذلك تكون العنف المتطرف والغلو الطائفي والقتل على الهوية والاسم في مدن المنطقة المحتلة وخارجها. وهذه القضية لم تأخذ لحد الان موقعها الاعتيادي في المحاكمة والمحاسبة لاسبابها وتطوراتها وتداخلاتها ودعمها وحواضنها وخدمتها إعلاميا وماليا وسياسيا، ومازالت رغم انكسار ما أعلن من "دولة خلافة" وما شابهها تحت رعاية دول الاحتلال وحمايتها ومازالت مخفية تحت الرماد مثل مشاريع الإدارة الأمريكية وقواعدها الإستراتيجية في المنطقة الموجهة الى تفتيت المنطقة وتجزيء المجزأ فيها، والتهديد بهذه الخطة التي أعلنت مرة باسم جو بايدن، 2007)) نائب الرئيس الأمريكي باراك اوباما، والمرشح الديمقراطي للرئاسة حاليا، ولها منشدون كثر من اكاديميين غربيين إلى رؤساء أحزاب محلية، وبدعم واسناد صهيوني وخليجي. وهنا يكمن خطر واضح على مآلات الأوضاع في العراق. صحيح رفع المشروع السابق الى الرفوف لحد الان ولكن التلويح به مستمر ، وليس اخره تصريحات، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأمريكي الحالي، أحد صقور المحافظين الجدد، جون بولتون الى قناة كردية عراقية، 2020/8/5)) وتذكيره به والترويج له، منه ومن مضيفيه..
واذا توقفنا عند كل ما ذكرناه من اسباب، وغيرها كثير، مضافا إليها ملاحظة لابد من الانتباه لها، هي ان الحكومات التي تشكلت بعد عام 2003 لم تمثل الإرادة الوطنية العراقية، واشتركت فيها خيارات القوى المتنفذة مع قدرتها على التلاعب فيها كما تشاء، فانتهت في أغلبها بنوع من خطط التآمر الأمريكي المكشوف، تحت مسميات الضغوط وتحريك الادوات والاعتراض الشكلي العلني وتبديل الوجوه، وغيرها من العوامل التي لم تثمر منها أية سلطات قادرة على تنفيذ مشروع وطني تقدمي، وتطبيق حلول واقعية لكل الملفات الساخنة. لهذا اندلعت احتجاجات الشوارع في المدن الرئيسية، اولا، ثم استمرت في العاصمة ومدن الجنوب والوسط، والتي تكشف شعاراتها فشل الحكومات في أداء وظيفتها المعروفة، واعتراف أغلب مسؤوليها بذلك رسميا وبلسانهم في لقاءات متلفزة. وانعكس الحال على كل الاستفتاءات والانتخابات البرلمانية، حيث لم تصل نسب المشاركة فيها الى ما يشعر بموافقة شعبية وخيار وطني، والنتائج فيها وما رصد عنها أمر محرج لما ادعته إدارات الاحتلال والمتخادمون معها من شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. بعضها فضائح صارخة في التزييف في الأرقام والوثائق والبيانات، واستهانات بالمسميات والعمل بنقيضها، مثل النزاهة والشفافية والمساءلة والعدالة الاجتماعية والقانونية.
رغم فوضى الغزو وما بعده من احتلال واختلال الا أن ما سار عليه الوضع في العراق، تبناه الغازي الغربي والمحتل وحوله الى أسس فعلية لما سماه بالعملية السياسية وما يعيشه العراق، بقصد او بسوء نية لتعميم الخراب وتوزيع الدمار وافشال أي جهود يمكن أن تقدم شيئاً لخدمة الشعب والوطن، وما زال التدهور هو المآل العام للأوضاع على مختلف الصعد، مما يمكن القول ويكرر منذ سنوات، أن العراق على مفترق طرق صعب، وهناك سيناربوهات متعددة، اكثرها بلا آفاق عملية. حيث ان الفترة الممتدة من الغزو الى يومنا فترة تعثر سياسي وارتكابات صارخة في الفساد والعنف وتفشي الفقر والبطالة وانتهاكات حقوق الانسان، ولم تقبل من قبل الجميع ولو لفظيا، أي انها مرحلة لا يمكن السماح لاعادة ممارساتها الكارثية ولابد من التغيير الجذري لها. بنظرة بونارامية للمشهد السياسي، تقول إن العملية الجارية أحبطت تطلعات الشعب العراقي واساءت لتضحياته وخياراته الوطنية، ولابد هنا من ولادة مرحلة جديدة تعيد الامل الى الشعب بالعمل على برنامج تحرر وطني حقيقي، يحرر الوطن من الاحتلال العسكري والسياسي ويمنع اي دور للسفراء الأجانب في القرار السياسي، ويؤمن برنامج تنمية وطني يضع ثروات الوطن ومصالحه في خدمة الشعب، ويسن قوانين تؤمن حرية وحقوق الإنسان الأساسية والعامة وتاسيس دولة قانون ومواطنة فعلية باختيار شعبي وإرادة وطنية، والا فالاوضاع مأساوية والآفاق بعيدة كثيرا عن المؤمل والمرتجى!.