ريتا شاعرة تعيش اشعارها

فيصل طه
2020 / 9 / 6

بادرت المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة وبخطوة تربوية، ثقافية، ادبية نادرة وفريدة عام 1998، باصدار ديوان شعر "مرايا الوهم"، باكورة الأعمال الأدبية لمعلمة اللغة الانجليزية في المدرسة، الزميلة، الشاعرة ريتا عودة. وقد تصدرت الديوان هذه المقدمة :


يسعدني أن أخط مقدمة ديوان" مرايا الوهم" للزميلة المربية الشاعرة المبدعة ريتا عودة، كما يسعدنا وباعتزاز كبير أن يصدر هذا الديوان من البيت الذي رعاها ورعت هي به طلابنا على التوجيه الصحيح في ظل مبادرتنا واياها على إقامة ورشة ابداعية لطلاب المدرسة الثانوية البلدية الناصرة، والتي تحاول من خلال إشرافها وشغفها الشديد على انجاح هذه الورشة، ساهمت وتساهم في صقل الابداعات الطلابية ونشوء أقلام أدبية نتمنى أن نشهد ظهورها في الموقع والمكانة الملائمة مستقبلًا.

لقد اقتحمت الشاعرة ريتا اللغة بحب وفرح كبيرين، وجعلت من الكتابة عيدًا يعود عليها بالفرح أحيانًا كثيرة، ورأت بالكلمة عملية خلق للمشاعر والفكر وتكوين للحياة وبكل ما تعني من معانٍ . ليس فقط في مجال قدسية الخلق، انما أيضًا في معاناة رصد كل الطاقات الابداعية الانسانية وصقلها واخراجها الى النور.. من خلال هذا التقدير والحب للكلمة واللغة نجد الشاعرة ريتا تنطلق للحياة بفلسفة عمادها القيم الانسانية السامية، حب الانسان لأخيه الانسان، ضد الأنانية والتملق، ضد التعصب بكل أشكاله، ضد الظلم، ظلم المرأة وكبتها، مع الحرية، والتسامح ، مع الانسان..


تنطلق صرخات ريتا ومن خلال قصيدة " مرايا الوهم" الى الهواء الطلق : " اما آن لي أن أُحرِّر من مشنقة الغبن عنقي" ومن" توابيت القبيلة وجعي" ، وتتابع حروفها لتصف رسالة الى الشاعر نزار قباني تبشره بأنها" مولودة من براكين التعب ووجع الأحلام التائهة"، وترسم في قصيدة " ما وراء القضبان" موقفًا واضحًا ترفض به ان تعيش دمية بل رأسها في السماء، وأن " وجودها نار لا تقوى عليها القيود الكثيرة".

وتظهر ساخرة في حكاية " الى جانب كل رجل عظيم امرأة تبعد عنه خطوة..بل خطوات لا تعد ولا تحصى، وهي صدى صوت وظل وصورة"، لكنها تأبى إلا أن تعدل القول بموقف آخر " الى جانب كل كيان عظيم كيانة عظيمة أخرى" ، لها رأي صريح وموقف انساني من الحب " احبك انسانا " أحببتك كيانًا"، "احببتك خارج فقاعات التملق وشهية الصياد للذل والتملك" ، " حب خارج اغراءات الثروة وبراثن حب الذات".


الحب عند ريتا" معاناة اختيار"، و" معاناة تحدي"، ومواجهة لسهام القبيلة ولقيود العشيرة، ولبطاقة الانتماء الطائفي ولأصحاب الثروة والألسن الصفراء، " أحببتك انسانا حقيقيًا وما زلت"، وما يميِّز ريتا الشاعرة هو مصداقيتها في قول الكلمة وتأكيد الموقف، فالكلمة عندها تعبير عن موقف حقيقي وواقعي عاشته وتعيشه يوميًا في الحياة، شاعرة تعيش أشعارها بكل ما تحمله هذه الأشعار من اثقال الواقع ومعاناة التطبيق، ومهما كلّف الأمر من ثمن أو أثمان..

مَن يقرأ أشعار ريتا يشعر وكأنه سيهرب الى المدينة الفاضلة، لكن يطرح الاسئلة والموقف والاصرار على التغيير، وتكمل عذاب وآلام الواقع نحو صناعة حياة انسانية أفضل، تقرّب لنا المدينة الفاضلة حيث نحن.. هنا على الارض.. ورائحة الارض تنعش وجودها وتبعث على الكتابة وتبعد الكآبة. في أعماق ريتا وأعماق الارض تورق بيارات برتقال يافا، ومرايا الوهم لا تبعدها عن واقع الحياة وطبقية المجتمع" خطوات عمال تزحف كل فجر نحو الشمس بصلابة لتقطف ثمار البقاء"، انها صورة مكثفة لمعاناة شعبنا العمالي واصراره على البقاء رغم الشقاء، وتؤكد هويتها الوطنية بانتمائها وبكرامة لمدينتنا الناصرة.. " تحتويني كما يحتوي الرحم الجنين".


الوداع والرحيل والانتظار والحنين، صور واقعية مؤلمة تهز مشاعر ريتا الانسانية من الاعماق، فالوداع " يمزق جسد وجودي، وينهش روح بقائي" والرحيل عبء لا تستطيع احتماله ولا خنق بكائه".. تمقت الوحدة وتخاف الغربة.. تود "الالتصاق بالحبيب كالتصاق الظل بالخطوات" .

تُكثر ريتا من استعارة اسماء الاشجار والطيور والحيوانات في قصائدها للدلالة على انسانية العلاقة المتبادلة مع الحياة ، تتحدث عن" وشوشة الورق"، " أعشاش أشعاري" ، " أحواض الياسمين"، توقظ عصافير غروري"، " اسماك توتري" ،"نوارس افكاري"، "اشجار الانانية" ، " عصافير الدهشة"، الخ...كما نجد ابداعات لفظية ومعنوية تبعدنا عن المألوف، وتضيء لنا الجديد والممتع كطريق وحافز للابداع، " همسة ماطرة"، " قطرة نور"، " جنة مشاعري"، "ثملت شراييني". ان صور وتعاليم الأديان والأنبياء لا تفارق قصائدها لتكمل بهذا الصورة الانسانية الشاملة التي تميِّز هذه الانسانة الشاعرة، هذا الكيان ، " الحب صلاة"، " في البدء كانت الكلمة"، " مزامير العشق"، " انجيل العشاق"، "نوح"، " الوصايا العشر"، " المرأة والنبي"...

ففي مدخل الكتاب استدعت فكرة شعب الله الذي سار حول اسوار أريحا اثني عشرة مرة ، حتى سقطت أسوار أريحا وحصل الشعب على غنائم البلدة وكنوزها.. وهي في شعرها تسير حول أسوار اللغة أكثر من مرة، مما يدل على محاولة تملك مفاتيح اللغة من أجل الحصول على غنائم اللغة وكنوزها، واستدعت من التراث القصصي قصة " مصباح علاء الدين" و" سندريلا" وهنا ترتقي الأسطورة الى مستوى الرمز فتغني النص.


آن لها أن تحرر وجهها من مرايا الوهم، وآن لها أن ترسم بطاقة كيانها حيث تشاء، والأمل ليس وهمًا ، "والخطوة بين الشوق والشوك سنخطوها جميعًا".. فمَن يملك هذه الارادة وهذه المشاعر والأفكار، وقدرة التعبير وصدق الممارسة، يملك الارادة مع الآخرين لصنع حياة أفضل .. لأنه صوت الحق وصوت حق..

نشكر كل مَن ساهم في اخراج هذا العمل الرائد الى النور وخاصة المربي والزميل الاستاذ عايد علي الصالح لمساهمته في تخطيط وتصميم غلاف الكتاب، ودعمه لتنفيذ هذا العمل الابداعي
(صفورية- الناصرة )

مدير مدرسة الجليل الثانوية البلدية الناصرة

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية