صلادي ومبروم.. فارسان ترجلا قبل الأوان

حسن أحراث
2020 / 9 / 6

رمزان خالدان من حي ديور المساكين بمراكش

أنا بدوري واحد من خريجي حي/مدرسة ديور المساكين بمراكش بعد أحياء/مدارس عرصة الملاك وباب تاغزوت وتبحيرت والموقف، وأعتز بذلك. إنها أحياء/مدارس عشت فيها السقوط/الفشل والنهوض/النجاح؛ أحياء/مدارس تعلمت في أزقتها/فصولها الكثير من معاني الحياة، أي النجاح في الحياة، خاصة كيف تكون صلبا ومكافحا و"عنيدا"؛ إنه الإصرار الإيجابي، وليس العناد بمعنى "طارت معزة/عنزة". حصلت بحي ديور المساكين على شهادة البكالوريا (شعبة العلوم الرياضية، ميزة حسن)، والتحقت وأنا بنفس الحي بالمدرسة العليا للأساتذة بحي الداوديات، شعبة الرياضيات-فيزياء سنة 1981، ثم كان لي الشرف الكبير أن أعتقل بنفس الحي (بلوك 32 رقم الدار 2) في الصباح الباكر من يوم الاثنين 27 فبراير 1984 (السنة الثالثة)، وأن يصدر في حقي حكم لمدة 15 سنة سجنا نافذا، بتهمة المؤامرة الغاية منها قلب النظام. والشرف الأكبر هو خوض معركة الشهيدين بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري التي دامت سبع سنوات (1984-1991) والانتصار فيها.
الفقيدان عباس صلادي ولحسن مبروم بدورهما تشبعا من نفس الحي بتلك المعاني الراقية. حي فقير اقتصاديا، حي مهمش، لكنه غني من حيث التضامن والكرامة والتضحية والعطاء والبطولة... حي جريح تخرج من ثنايا بؤسه أطر كفؤة في مختلف المجالات. ولشديد الأسف، مازال حي ديور المساكين يعاني التهميش والإقصاء والنسيان...
تخرج الراحل عباس من حي/مدرسة ديور المساكين بشهادة فنان. خاض حروبا ضارية ضد المافيا المتحكمة في الحقل الفني بمدينة مراكش. وكان ملاذه ساحة جامع الفنا، الفضاء الرحب الذي عانق ويعانق كل المنبوذين و"المجانين"، جامع الفنا مدرسة كل المراكشيين، مدرسة الحياة، مدرسة الفرجة والفكاهة والنكتة...
عاش تجربة الاعتقال بسجن بولمهارز بمراكش بتهمة المس بشخص الملك.
لم يجد في الجامعة بالدار البيضاء راحته، ولم تنجح بعض الأيادي البيضاء (بشار وزريقة واللعبي وجوسلين والمرنيسي ...) من انتشاله من العالم المجهول الذي كان يطوقه.
أبدع وتعمق في الإبداع.. قاوم في صمت.. ثم انهار في صمت...
وأخيرا رحل في شتنبر 1992..
تحقق لوحاته الآن أرقاما خيالية من حيث قيمة المبيعات، ومن مسؤولية الصادقين (عائلة وأصدقاء الفقيد) رد الاعتبار لفنان متميز يستحق التقدير والاعتراف. وأبسط تكريم لشخصه إنشاء متحف باسمه بمدينة مراكش أو أي مبادرة تخلد رصيده وإرثه الفنيين...
ولحسن مبروم؟
كان فنانا في مجاله. كان مناضلا متميزا. قدم تضحيات جسيمة، ليس فقط لفائدة نساء ورجال التعليم، بل للطبقة العاملة وأوسع الجماهير الشعبية.
لا يسعني المجال للحديث عن تضحياته كاملة (انتماءه السياسي والنقابي)، لكنني أستطيع أن ألخص مساره الى جانب الموقوفين/ات والمطرودين/ات لأسباب سياسية ونقابية في قطاع التعليم.
كان الراحل موحدا لجهود الموقوفين/ات والمطرودين/ات ومحفزا وملهما لهم/لهن. كان دائما في الصفوف الأمامية. كان حريصا على الحضور في كل الوقفات أمام وزارة التعليم بالرباط.
لم يتخلف عن معاركه رغم المرض.. رحل شامخا.. رحل ووصيته في كل الآذان في شتنبر 1998..
وأبسط تكريم لشخصه التعريف المستمر بتضحياته من خلال تنظيم ذكرى رحيله كل سنة..
كلمتان بسيطتان في حق الفقيدين العزيزين:

* صلادي عباس أو علاقة الفن بالقضية (15 أكتوبر 2016):

صلادي عباس رمز حي في زمن الموت، شأنه شأن العديد من الرموز التي ننساها في غفلة أو تواطؤ منا. من يتذكر عباس، الإنسان والفنان؟
لقد رحل عباس الجسد (1950-1992)، ولم ترحل لمساته المجسدة لعمقه الفني والنضالي. قليلون يعرفون أن عباس قد غرق لمدة ليست باليسيرة داخل زنازين سجن بولمهارز السيء الذكر. والتهمة الجاهزة "المس بشخص الملك" (المس بالمقدسات)..
لقد سبقنا عباس الى الزنزانة. لقد سبقنا الى الحقيقة.. وسبقنا قبل ذلك الى الفلسفة والى عوالم الفلسفة..
نبع عباس الإنسان من دروب مدينة مراكش، وانطلق عباس الفنان من ساحة جامع الفنا.. جمعنا الحي الشعبي "ديور المساكين".. وتقاسمنا في زمن الرصاص منزلا كريما لعائلة كريمة، عائلة بشار (محمد وعبد المجيد وعبد الصادق وعبد الغني وفاطمة وخديجة...). التقينا الشهيد مصطفى بلهواري الذي احتضنته العائلة الكريمة، عائلة بشار (الأم والأب والبنات والأبناء)، عندما اشتد القمع والحصار ولم يعد الصديق صديقا والرفيق رفيقا..
تفرقت السبل بنا جميعا.. رفع الريشة عاليا وفرض نفسه كفنان متميز، بل كفنان خالد، شأنه شان الشهداء، العظماء.. أما المرتزقة، باسم الفن والقضية، فزائلون.. نحتقرهم وندوسهم بأقدامنا..
كتب الراحل/الخالد بخط يده في دفتر للصديق العزيز محمد بشار كلمة خالدة، استهلها بما يلي: "إن السؤال الكبير الذي لازلت أبحت له عن جواب لازال يلح علي باستمرار، وهو من نحن؟"
سؤال معبر، سؤال فلسفي يختزل كل الأسئلة الأخرى..
له كل التحية والاعتراف والتقدير في أجواء ذكرى رحيله..
* الفقيد المناضل لحسن مبروم.. شيء من الوفاء والاعتراف (21 شتنبر 2017):

كنت أعرف اسم الأخ مبروم لحسن منذ السبعينات من القرن الماضي كمناضل وكأحد الموقوفين لأسباب نقابية وسياسية.
كنا أبناء حي واحد، الداوديات، الوحدة الثالثة أو ديور المساكين. ولم تتح لي فرصة التواصل المباشر معه حتى ما بعد 1991، تاريخ إطلاق سراحي. وكان ذلك من خلال العمل الحقوقي في إطار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع مراكش. لكن علاقتي به قد توطدت أكثر إبان معركة الموقوفين والمطرودين بقطاع التعليم، خاصة والرحلات الماراطونية التي جمعتني وإياه من مراكش الى الرباط ومن هذا الأخير الى مراكش .
لقد عرفت فيه الإنسان البسيط، المكافح، المتسامح ...
وعرفت فيه المناضل الذي يرجع اليه الفضل بشكل كبير في تجميع شمل الموقوفات والموقوفين والمطرودات والمطرودين لأسباب سياسية أو نقابية وطنيا وفي انتصار معركتهم، رغم أن المنية لم تمهله ليتمتع بثمار تلك المعركة. لقد أبى إلا أن يشارك رفاقه إحدى وقفاتهم أمام مقر البرلمان بالرباط والمرض قد أخذ منه مأخذا. لقد سقط قبل الأوان وفي عز الشباب بفعل الإرهاق والإجحاف والاستنزاف. فمن المسؤول عن هذه الخسارة يا ترى؟
له تحية خالصة في غيابه، ولعائلته الصغيرة والكبيرة ولطفلاته الجميلات كامل حبي وتقديري واعترافي برصيد مناضل كبير اسمه مبروم لحسن .