تقرير تركيبي لأوضاع مدينة مراكش في ظل الأزمة الصحية (كوفيد-19) والأزمة الاقتصادية والاجتماعية، بقلم مناضلو/ات تيار المناضل-ة

المناضل-ة
2020 / 9 / 5

تمهيد
تقصفت القشرة الرقيقة لمدينة السياحة العالمية وقطب المؤتمرات الدولية، لتظهر صورة المدينة الحقيقية. مدينة انبنى اقتصادها على قطاع طفيلي غير منتج، توقف نهائيا عن العمل بمجرد انقطاع الرحلات الدولية، مسببا توقفا كاملا للأنشطة الاقتصادية الأخرى التابعة للقطاع السياحي.
وفي نفس الوقت ظهرت النتائج الكارثية لعقود من السياسة النيوليبرالية القائمة على التقشف في النفقات العمومية الموجهة لقطاعات مثل الصحة والتعليم والتوظيف، فاحتلت مراكش واجهة الأخبار التي تتحدث عن مستشفيات عاجزة عن توفير الحدود الدنيا للعناية الصحية وعجز الأطر الطبية والتمريضية عن مواكبة الضغط الهائل الناتج عن ارتفاع عدد الإصابات؛ أي في نهاية المطاف انهيار شبه كلي للمنظومة الصحية بالمدينة وفيض المرضى في ممرات المستشفيات وساحاتها الخارجية واستغاثة أطباء- ات مشرفين- ات على الانهيار العصبي والجسدي.
احتلت مراكش الحقيقية (مراكش البطالة والعجز الاجتماعي وانهيار المنظومة الصحية) واجهة الأخبار أي مراكش الشغيلة والكادحين- ات، وانزوت مراكش المرائية (السياحة والمؤتمرات) أي مراكش البرجوازية.
نقدم هنا تقريرا تركيبيا لأوضاع بعض القطاعات بمدينة مراكش في ظل أزمة صحية واقتصادية واجتماعية.
الوضع الصحي بمراكش: كورونا تكشف تردي الخدمات الصحية. ما السبيل لإنقاذ الوضع؟
شهدت مدينة مراكش ارتفاعا كبيرا لأعداد المرضى بكوفيد 19، فمنذ أواخر شهر يونيو بدأت أعداد الإصابات والوفيات تتضاعف. كان الوضع الصحي قبل الجائحة مترديا بسبب سياسات الدولة المطبقة في القطاع. انتهجت الدولة المغربية سياسات نيوليبرالية مدمرة طيلة عقود في قطاع الصحة: خوصصة، فرض الرسوم والأداء على الخدمات (مرسوم 30 مارس 1999)، التقشف وخفض ميزانيات القطاع. أدت هذه السياسات إلى تردي القطاع الصحي العمومي، في مقابل دعم الدولة السخي للقطاع الصحي الخاص.
تعالت الاحتجاجات مؤخرا بسبب الحالة الكارثية التي تعرفها مجموعة من المؤسسات الاستشفائية بمراكش (مستشفى المامونية/ ابن زهر، مستشفى الرازي/ محمد السادس، المستشفى المدني/ ابن طفيل). ظهرت مجموعة من الأشرطة الصوتية والمرئية وصور تظهر الحالة المزرية التي يعيشها المستشفى، من بينها شريط صوتي لدكتورة بالمستشفى تناشد تدخل المندوبية والمسؤولين في وزارة الصحة لإنقاذ الوضع، وصور لعدد من المرضى يفترشون الأرض بالمستشفى، وأخرى لحالة وفاة تُركت مكانها، دون نقلها لمستودع الأموات، ورسالة صوتية لأم مصابة بالفيروس تناشد ابنتها التدخل لإنقاذها، وأيضا شريط يوضح الحالة الكارثية للنظافة والتغذية بالمستشفى... ومجموعة من بيانات التنديد من طرف هيئات جمعوية ونقابية وسياسية بالمدينة كما نظمت بعض الوقفات الاحتجاجية من طرف الطاقم الصحي وأخرى نقابية أمام المستشفى.
ليست الجائحة هي المسؤولة عن هذا الوضع، فهي لم تُظهر إلى العلن إلا ما كان مُعَدًّا قبلها. لم تكن مستشفيات مراكش قبل الجائحة قادرة على ضمان الخدمات الصحية للساكنة، فقد كانت تعرف اكتظاظا، لكونها تغطي مجموعة من المناطق، وتعتبر وجهة لأعداد كثيرة من ساكنة الجهة والجهات المجاورة من أجل التطبيب. فهذه المناطق تعاني من الخصاص من مجموعة من التخصصات، ولا تتوفر على تجهيزات لإجراء الفحوصات اللازمة. كما أن المواعيد الطبية تطول شهورا لإجراء الفحوصات والعمليات الجراحية.
لم تعد البنية الصحية بالمدينة قادرة على استقبال المزيد من المرضى، بفعل الخصاص في الاطر والمعدات الطبية، والإرهاق الذي أصاب الأطر الصحية نتيجة العمل طيلة أشهر في مواجهة الجائحة. وقد أصيب بالفيروس مؤخرا حوالي 100 من مختلف الفئات الصحية والإدارية وغيرهم، نظرا لغياب تدابير كفيلة بحماية الأطقم الطبية والمرضى وأسرهم- هن.
تفاقمت هذه الوضعية أكثر إثر ارتفاع عدد المصابين بفيروس كورونا، والذي قارب 200 حالة إصابة في اليوم. اقتصرت المستشفيات منذ بداية الوباء على تقديم الخدمات المختلفة ذات الطابع الاستعجالي، وتم تأجيل المواعيد المقدمة للمرضى سابقا.
عرفت مدينة مراكش إلى جانب مجموعة من المدن الكبرى (طنجة، الدار البيضاء..) ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كوفيد 19، بسبب رفض أرباب العمل، الذين فضلوا أرباحهم على أرواح العمال، تطبيق إجراءات السلامة والوقاية في الوحدات الصناعية والمراكز التجارية، إضافة إلى تصديق السكان لدعاية الدولة التي تقول بأن "المغرب نجح نجاحا نموذجيا في مواجهة المرض" وتراجع الاهتمام بالإجراءات الوقائية.
أُصيب المئات من العمال-ات في العديد من الوحدات الإنتاجية والتجارية، كان آخرها يوم السبت 22 غشت بتسجيل ما يناهز 100 حالة في صفوف من العمال-ات بأسواق "مرجان". تصاب دولة أرباب العمل وكافة أبواقها، التي تحمل المسؤولية للمواطن بسبب ما تسميه "استهتاره"، بالخرس عند إصابة العمال بالفيروس في أماكن العمل.
تقع المسؤولية الكبرى في تفشي الوباء على عاتق أرباب العمل ودولتهم، كونها فضلت التضحية بالأرواح على التضحية بالاقتصاد. أعطت الدولة الأولوية لمصالح أرباب العمل وأرباحهم على حساب أرواح المفقرين- ات والشغيلة. كما قامت بدعاية كاذبة حول تمكنها من التحكم في الوباء، بغاية عودة الكادحين إلى الاستغلال وتدارك ما تبقى من السنة لإعادة دوران عجلة الاقتصاد. لم تقم الدولة بفرض شروط تضمن السلامة الصحية للشغيلة في ظل الوباء على أرباب المقاولات. فالقوانين الزجرية المطبقة على "المواطنين- ات" لا تطال أرباب العمل الذين يرفضون تطبيق الإجراءات الصحية في أماكن العمل.
لتغيير الأوضاع الحالية وجب النضال من أجل سن إجراءات عاجلة:
- فتح المستشفى العسكري لاستقبال عموم المرضى، بدل الاكتفاء بتخصيصه للمشتغلين في القطاع العسكري.
- إنشاء مستشفيات ميدانية لاستقبال مرضى كورونا بدل ترك المرضى لحالهم يصارعون الموت بمنازلهم.
- وقف القطاعات الإنتاجية غير الضرورية خاصة في ظل الجائحة الراهنة، وفرض شروط الصحة والسلامة، في القطاعات الإنتاجية الضرورية.
- الإنتهاء عاجلا من الأشغال التي تستمر بالمستشفيات (مستشفى سيدي يوسف بن علي / مستشفى المحاميد) وفتحها وتجهيزها وبناء مستشفيات أخرى.
- إحداث صندوق يُموّل بضرائب تصاعدية عن الأرباح والثروة لتمكين جميع العمال-ات المتوقفين-ات عن العمل وضحايا البطالة من حد أدنى من الدخل.
- رفع ميزانية الصحة العمومية، لتصل إلى المستوى الذي تقره منظمة الصحة العالمية (12% من ميزانية الدولة بدل 6% الحالية)، وجعل هذه الزيادة دائمة وليس فقط مرتبطة بمناخ محاربة فيروس كورونا.
- تحويل نفقات من القطاعات غير الضرورية لتمويل قطاع الصحة والمساعدة الاجتماعية والتعليم، مع جعل هذا التحويل دائما وليس استثنائيا.
- توفير المعدات الطبية.
- توظيف أطر التطبيب والتمريض وتوفير المعدات الطبية.
- التراجع النهائي عن المذكرة الثلاثية مارس 1999 القاضية بتسعير الخدمات الإستشفائية
- الغاء نهائي لمخطط الشراكة بين القطاعين العام والخاص
- وضع كل البنيات العقارية الخاصة الكبيرة والوسائل اللوجستيكية الخاصة رهن إشارة المصالح الطبية.
لا بد من فعل نضالي جماعي مشترك أجل إلزام الدولة على تنفيذ هذه الحلول فورا
=======
وضعية صغار المنتجين- ات بقطاع الصناعة التقليدية بمراكش
تشكل الصانعات والصناع التقليديون- ات ما يقارب %50 من ساكنة مراكش النشيطة، بما يعادل 120 ألف حرفي-ة.
يُسهم هذا القطاع بـ نسبة مهمة من الدخل المحلي، لكن معضلته الرئيسية أنه تابع للأنشطة السياحية، وأي تراجع توقف في هذه الأخيرة يؤدي إلى تراجع دخل المشتغلين- ات بالصناعة التقليدية.
يعاني المشتغلون-ات في هذا القطاع من انعدام عقود عمل ونظام حماية اجتماعية (تقاعد، تغطية صحية) والاشتغال في ظروف غير لائقة مع انتفاء شروط السلامة الصحية داخل معظم الأوراش. وفي عز الجائحة وجد هؤلاء وأولئك أنفسهم- هن عزلا في مواجهة تداعيات الصحية والاجتماعية للجائحة والأزمة.
يرتبط نشاط الصناعة التقليدية- على غرار أغلب الأنشطة الاقتصادية في المدينة- بالسياحة الخارجية بالدرجة الأولى والداخلية بدرجة أقل. وتزامن الحجر الصحي أو وإدراج مراكش ضمن المنطقة (2)، مع فترة ذروة الموسم السياحي، وهي الفترة التي يعتمد عليها الصانع-ة في تمويل باقي أيام السنة إذ يعرف شهر رمضان والعطلة الصيفية انتعاشا كبيرا .
في ظل هذه الأوضاع بقيت أعين الصانعات والصناع موجهة صوب مؤسسات الدولة (وزارة السياحة وغرفة الصناعة التقليدية بجهة مراكش- آسفي)، غير أن هذه الأخيرة انتهجت سياسة الآذان الصماء، حيث تمثل تدخل غرفة الصناعة التقليدية لجهة مراكش- اسفي في دعوة عبر إعلان لها صدر يوم 29 مارس 2020، "الصناع والصانعات التقليديين المستفيدين من خدمة راميد اتباع الإجراء المعتمد للاستفادة من المساعدة المالية التي سيتم منحها من موارد صندوق محاربة كورونا".
وفي إعلان ثان صدر بتاريخ 10 أبريل 2020، ورد ما يلي: "استكمالا للتدابير التي اتخذتها لجنة اليقظة الاقتصادية لدعم القطاع غير المهيكل المتأثر بجائحة كورونا، يهيب السيد رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة مراكش- آسفي بالصانعات والصناع التقليديين غير المسجلين في خدمة راميد أن يبادروا بالإدلاء بتصريحاتهم بواسطة الحاسوب أو عن طريق الهاتف المحمول"، ما يؤكد على هشاشة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفئة.
كما عُقدت اجتماعات أخرى برئاسة مدير الغرفة وجمعيات وائتلافات تمثل المتضررين-ات إضافة إلى اجتماع وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي مع رؤساء غرف الصناعة التقليدية، لم تأت بنتائج جديدة بل هي مجرد اقتراحات تلخصت في:
- التدخل لدى المؤسسات البنكية لمنح الصناع التقليديين قروض بدون فوائد على غرار المقاول الذاتي.
- إدماج التعاونيات والصناع التقليديين في برنامج "ضمان أوكسجين".
- كيفية استفادة الصناع الخزفيين من برنامج ‏"انطلاقة".
وكما يبدو جليا فإنها مقترحات تزيد من تأزيم وضعية المعنيات-ين، وذلك بإحكام الحبل عبر أعناقهم بمزيد من الاقتراض، إذ لا تلتفت هذه الإجراءات للخسائر التي خلفتها الجائحة والأزمة الاقتصادية بل تسعى "لمساعدتهن-هم على الانطلاق بعد كورونا".
تستمر معاناة الصانعات والصناع التقليديين على غرار العديد من العاملات والعمال في القطاعات غير المهيكلة في غياب تنظيمات نضال يدافع عبرها المشتغلون- ات في الصناعة التقليدية عن مطالبهم- هن:
- التغطية الصحية والتقاعد (بعيدا عن القانون الذي تناقشه الحكومة والذي يبدو أنه لا يحمل نية تحمل ولو جزء من عبئ المساهمة في هذا الصندوق).
- إعفاء من أداء واجبات الكراء والضرائب والفواتير المستحَقة للمؤسسات العمومية (ماء وكهرباء وهاتف...).
في الوقت الذي تقدم فيه الدولة لكبار أرباب العمل (محليين وأجانب) هدايا ضريبية وتسهيلات مغرية للاقتراض وإمكان استرجاع تبرعات الشركات، نراها تُلقي لصغار المنتجين في قطاع الصناعة التقليدية فُتَاتاَ لا يسمن ولا يغني من جوع.
======
الوضع السياحي بمراكش

يعتبر قطاع السياحة في مقدمة القطاعات التي تلقت ضربة موجعة خصوصا في المدن التي يعتمد اقتصادها بشكل كلي على السياحة، وفي مقدمتها مدينة مراكش؛ الوجهة السياحية الأولى بالمغرب، التي عرفت انهيارا تاما بسبب تأثيرات الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية التي سببتها جائحة كورونا التي اجتاحت العالم وما استتبعها من حجر صحي واجراءات احترازية متبعة منذ مارس 2020، ومن اغلاق للحدود بين البلدان والغاء الحجوزات ومنع من السفر. أضحت المدينة إثر ذلك تحت رحمة أزمة اقتصادية واجتماعية بالغة القساوة، وفي مقدمة من أدى الثمن غاليا، عمال وعاملات قطاع السياحة بهذه المدينة المنكوبة.
تتميز مراكش بوجود أكثر من 1400 وحدة للإيواء، بما فيها أكثر من 170 فندقا مصنفا، وتشتغل حوالي %50 من اليد العاملة بالفنادق والمقاهي والمطاعم ودور الضيافة وبمهن أخرى لها ارتباط وثيق بالسياحة، كالنقل ووكالات أسفار وكراء السيارات والإرشاد السياحي والبازارات والمزارات السياحية وأصحاب وعمال "الكوتشي".
وجدت كل هذه الأقسام من شغيلة القطاع السياحي والأنشطة المرتبطة بها، نفسها عاطلة عن العمل ابتداء من يوم الاثنين 16 مارس 2020. قد ترتب عن الأزمة معاناة كبيرة ومخلفات لن يتعافى منها قطاع السياحة إلا بعد مرور وقت طويل، علما أن كل مهنة تدخل في علاقة وثيقة مع مجموعة من الحرف والمهن والصناع التقليديين، وبالأخص النساء العاملات الصانعات التقليديات في النواحي المرتبط عملهن بالرواج السياحي لمدينة مراكش، اللواتي وجدن أنفسهن في بطالة طويلة غير منتظرة.
وتتميزمراكش بوجود حوالي 366 من المقاولات وحوالي 3032 من العربات الصغيرة والكبيرة، غير أن نسبة 79 في المائة من المقاولات مرتبطة بالقروض، وحسب الفيدرالية الوطنية للنقل السياحي أن 2617 منها متوقفة عن العمل وبشكل كلي أي بنسبة 86 في المائة.
أثرت جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية على القطاع السياحي الهش أصلا بشكل رئيسي فمنذ بدأ إلغاء الحجوزات واغلاق الحدود بين البلدان لجأت العديد من الشركات والمقاولات السياحية والفنادق ودور الإيواء إلى استغلال فترة الجائحة لتسريح والتخلص من العمال والعاملات، حيث لجأت بعضها إلى أساليب احتيالية لمساومة مستخدميها بتقديم استقالتهم مقابل الحصول على المستحقات.
بالإضافة أن فئة كبيرة من عاملات وعمال السياحة وباقي المهن والحرف المرتبطة بها غير مصرح بهم-ن في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الشيء الذي حرمهم-ن من الاستفادة من الدعم من "صندوق كوفيد 19".
أبرز هذه الفئات المتضررة هم شغيلة الإرشاد السياحي، فهي محرومة من الانخراط في الصندوق الوطني الضمان الاجتماعي (تقاعد، تغطية صحية)، كما أنه محرومة من خدمات “راميد”، وربطت الدولة استفادتها من دعم صندوق كورونا بالتوفر على "البطاقة البيومترية" التي أطلقتها وزارة السياحة في يناير المنصرم.
رفض المرشدون سحب هذه البطاقة الجديدة وما جاءت به حيث حددت مدة الاعتماد في ثلاث سنوات بناء على القانون 05.12 المعدل ب 133.13 المعزز بنصوص تطبيقية. وهذا يتناقض كليا مع المرسوم رقم 289.67 بمثابة قانون أعلى منه حجية، صادر سنة 1968، يمنح الحق في مزاولة المهنة دون قيود في المدة بمجرد الحصول على الاعتماد، وهناك من يزاول المهنة بشكل مستمر منذ ما يفوق 30 سنة بناء على اعتماد من وزارة السياحة، وإن اشتراط تجديد وثائق إدارية دون سبب معقول كل ثلاث سنوات هو هجوم على مكتسبات شغيلة الإرشاد السياحي عبر محاولة استغلال فترة جائحة كورونا لتمرير هذا المرسوم في الوقت الذي يعاني المرشد- ة السياحي- ة من أزمة خانقة جراء توقف العمل.
يوم 06 غشت 2020 جرى التوقيع على العقد- البرنامج الخاص بإنعاش قطاع السياحة بين الحكومة ممثلة في وزارتي السياحة و الاقتصاد و المالية و الجمعية البينمهنية للأبناك من جهة والكنفدرالية الوطنية للسياحة أو بالأحرى فدراليات المقاولات السياحية من جهة أخرى. تكريس رسمي وممنهج للوضع الذي وجدت شغيلة الإرشاد السياحي نفسها فيه منذ بداية جائحة كوفيد 19 وإلى غاية بداية تقديم المساعدات للفئات المتضررة سواء في القطاع المهيكل أو القطاع غير المهيكل حيث وجدوا أنفسهم في منزلة بين المنزلتين، وطيلة هذه الفترة يرفض المرشدون- ات الدعم المشروط .
ومنذ بداية الحديث عن تخصيص مبلغ 16 مليار درهما لإنعاش السياحة قبل شهرين تقريبا كانت هناك محاولات من بعض ممثلي المؤسسات السياحية الكبرى (الكبرى نسبة إلى حجم الاستثمار) للاستئثار بالجزء الأكبر من هذا المبلغ بدعوى تحمل مؤسساتهم لتكاليف مالية أرهقت ميزانياتها ولهذا السبب كان تأخر الإعلان عن مبادرة من هذا القبيل. وقد جرت محاولات بشتى الطرق، ضمنها إرسال نموذج لمطبوع إلى الفدراليات الوطنية الممثلة لمهنيي السياحية قصد الحصول على تفويض منهم لفائدة رئيس CNT وكان الرفض مصيرها. وربما ترسخ لديهم الاعتقاد بأن المساعدة المشروطة للمرشدين ستكون وسيلة تسهل أمر التخلص منهم باعتبار موقف هؤلاء المسبق من الشروط، مع العلم أنه لأسباب أخرى تم استثناء المطاعم السياحية ووكالات كراء السيارات من الاتفاقية.
جرى ربط الاستفادة من الدعم المباشر بالانخراط في نظام التغطية الصحية عبر صندوق الضمان الاجتماعي وتحديده في سقف 2000 درهما خلال الفترة الممتدة من الأول من يوليوز وإلى غاية 31 دجنبر 2020 مع خصم المساهمة الشهرية التي سيحددها الصندوق. بمعنى أن الدعم سيكون في أحسن الأحوال لا يتعدى 1300 درهما. وفي المقابل يجب استيفاء شرط التسجيل في المقاول الذاتي. فحسب الاتفاقية سيتم تغيير وضعية المرشد من مهنة حرة تتوفر على قانون خاص بها ومحدودة في العدد إلى نشاط خدماتي عبارة عن حرفة ضمن مجموعة من الأنشطة التي يتجاوز عددها 100 تقريبا بعدد سيفوق ربما 500 ألف أو يزيد. وإلزامية تسجيل المرشدين في المقاول الذاتي يبين إصرار من اعد هذه الاتفاقية على استغلال ظروف الجائحة والأزمة لتمرير هذا المخطط وكذلك عرقلة أية استفادة محتملة للمرشدين من الدعم.
كانت المشاورات مع وزارة الشغل حول التغطية الصحية طبقا للقانون 98-15 الخاص بالتغطية الصحية للمهن الحرة و99-15 الخاص بنظام المعاشات للمهن الحرة كذلك فإذا بهذا العقد- البرنامج يشترط للانخراط في صندوق الضمان ضرورة التسجيل في المقاول الذاتي الذي يؤطره القانون 13-144 والذي ينص أوتوماتيكيا على الانخراط في صندوق الضمان منذ بداية النشاط، زد على ذلك مسطرة التسجيل التي تتطلب 30 يوما.
يعتبر مكتب "الجامعة الوطنية للمرشدين السياحيين" أن ما جاء في العقد- البرنامج لإنعاش قطاع السياحة في الشق الخاص بالمرشدين السياحيين لم يرق إلى تطلعاته و يعطي إشارات سلبية عما يمكن أن يطال القطاع من قرارات خاضعة لقانون الغاب حيث البقاء للأقوى. وأنه يتناقض مع مصالح ومطالب المرشدين السياحيين وما قدم في هذا العقد-البرنامج ما هو إلا سم في عسل.
وفي المقابل قامت الدولة بعدد من الاجراءات والتدابير لدعم باطرونا القطاع السياحي، حيث تركز الدعم بالأساس لصالح مقاولات القطاع لمساعدتها على تجاوز تأثيرات الأزمة الاقتصادية، من خلال تأجيل أو إلغاء المساهمات الاجتماعية (الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق المهني المغربي للتقاعد)، وإعفاءات ضريبية (الضريبة على الدخل، الضريبة على الشركات، الضريبة على القيمة المضافة)، وتأجيل الاستحقاقات البنكية لفترة 12 شهرا، وفتح خطوط ائتمان على 12 شهرا مع تقليص معدل الفائدة إلى 2 في المائة طيلة فترة هذه الأزمة.
بالإضافة الى سن ترسانة قانونية، منها قانون عقود الأسفار والوكالات السياحية، الذي يسمح بتجنب انهيار وكالات الأسفار، رقم 30.20 متعلق بعقود الأسفار والمقاولات السياحية وعقود النقل الجوي للمسافرين، لتجنيب مهنيي القطاع السياحي خطر الإفلاس، عبر الحد من جميع أشكال توقف النشاط الاقتصادي وتأثيره على مناصب الشغل، وحماية مصالح الزبائن، ويسري هذا القانون على عقود الأسفار والمقامات السياحية وعقود النقل الجوي للمسافرين المبرمجة في الفترة ما بين فاتح مارس 2020 وإلى غاية 30 شتنبر 2020 والتي تم إلغاؤها نتيجة تفشي جائحة كورونا.
وعرفت مدينة مراكش ولا زالت احتجاجات للعديد من فئات العمال والعاملات العاملين بقطاع السياحة والمهن المرتبطة بها تنديدا بالوضع الكارثي الذي يعيشه هؤلاء بسبب تحميلهم تداعيات وتكلفة جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي اثرت على القطاع حيث التسريحات من العمل وعدم الاستفادة من الأجور والتعويضات.
====
عمال أوراش البناء: بين مطرقة الوباء وسندان البطالة
يُعتبر قطاع العقار من أنشط القطاعات الاقتصادية بالمدينة إلى جانب القطاع السياحي، وتشهد مراكش نشاطا كثيفا للبناء، فحسب المدير العام المساعد لشركة العمران بجهة مراكش آسفي، رمزي بوغابي تضم عمالة مراكش لوحدها 65 ورشا، بنسبة %58 على الصعيد الجهوي.
يشغل القطاع أعداد كبيرة من اليد العاملة أغلبها قادم من البوادي القريبة منها والبعيدة. وتعاني شغيلة قطاع البناء من فرط استغلال بدءً من انعدام عقود شغل، وتعدد حلقات التشغيل حيث تقوم الشركة الأصلية بتقسيم مخطط البناء إلى عمليات متعددة تُفَوٍّتُها لشركات أصغر منها وتقوم هذه الأخيرة بدورها بتفويتها إلى مقاولين ذاتيين [طاشرون] الذين يشغلون عمال البناء بناء على اتفاق شفوي حول الأجور ومدة إنهاء الأشغال... إلخ.
أثَّر الوباء وفرض الحجر الصحي على القطاع، فحسب رمزي بوغابي "أغلب أوراش شركة العمران متوقف حاليا"، كما أكدت المديرة الجهوية لسياسة الإسكان والمدينة، صفاء بومراح أن القطاع قد تضرر "بشكل كبير من الجائحة، ذلك أن أوراش بناء حوالي ألف وحدة للسكن الاقتصادي متوقفة حاليا، مذكرة بالتدابير التي اتخذتها الوزارة للتخفيف من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للوباء على القطاع". [لقاء تفاعلي يوم 12 ماي 2020 حول موضوع "قطاع التعمير ما بعد جائحة كورونا .. انطلاقة جديدة لأوراش البناء ما بعد رفع الحجر الصحي"، منظم من قبل الوكالة الحضرية بمراكش، تحت إشراف ولاية جهة مراكش آسفي، موقع المراكشي (صحيفة جهة مراكش- أسفي)، 13 ماي 2020].
تقول المذكرة التقديمية لهذه الندوة الرقمية: "كان لإجراءات الحجر الصحي بمدينة مراكش الأثر السلبي على العديد من مشاريع البناء، وتوقف عدد من الأوراش التنموية بالمدينة العتيقة لمراكش، وانعكاس ذلك على الجدولة الزمنية المحددة... علما أن معظم العاملين في البناء من ساكنة الجماعات المحيطة بالمدينة أو أقاليم أخرى، ويشكلون في غالبيتهم فئة اجتماعية هشة، مصدر دخلها الوحيد هو البناء".
أدى توقف أشغال البناء إلى إلقاء آلاف شغيلة القطاع إلى البطالة، ولأن أغلبهم غير مسجل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد حرموا من التعويض [2000 درهم] ما دفعهم إلى البحث عن أي طريقة للاستفادة من دعم "راميد". هذا في وقت بذلت فيه الدولة كل جهودها لضمان استفادة مقاولات القطاع من كل صنوف الدعم المالي والتسهيلات الائتمانية والإعفاءات الضريبية.
وقد استغل بعض أرباب العمل ظروف الجائحة والحجر الصحي للتخلص من عمالهم وحرمانهم من أجورهم، كما هي الحالة مع المشروع السكني المسمى "الغالي" بالمسيرة 03 بمقاطعة المنارة بمراكش، حيث "وجد العشرات من عمال أنفسهم عالقين ومكدسين في أكواخ من القصدير، بعدما اختفى صاحب المشروع عن الأنظار، دون أداء أجورهم لمدة شهرين، وغالبيتهم يعملون منذ سنوات بهذا الورش". [بمراكش: مقاول بناء يختفي دون أداء أجور العمال في زمن كورونا"، موقع المراكشي - 21 مارس 2020].
وتتفاقم أوضاع استغلال شغيلة قطاع البناء مع استئناف العمل في شروط تغيب عنها كل شروط السلامة ما يهدد بانتشار واسع للمرض في صفوف العمال، وهو ما اعترفت به المذكرة التقديمية المشار إليها أعلاه: "يثير مجموعة من الإكراهات التقنية والميدانية، التي تطرح صعوبة الالتزام بإجراءات الوقاية والسلامة الصحية والحذر داخل الأوراش، نظرا لطبيعة وتعدد المتدخلين في نطاقها، وما تعرفه من كثافة عددية على مستوى العمال، أيضا، لطبيعة مواد وآليات ومعدات البناء التي تتداول بين أكبر عدد من العمال، والذين يقيمون في غالب الأحيان بشكل جماعي داخل هذه الأوراش، وما قد يسببه ذلك من انتشار للجائحة".
شغيلة قطاع البناء من أكثر أقسام الشغيلة تعرضا للاستغلال، فكونهم قادمين من البوادي ومرونة استخدامهم وانعدام العمل القار (تغيير رب العمل أكثر من مرة)، كل هذا يسهم في صعوبة انتظامهم نقابيا والنضال من أجل تلطيف شروط الاستغلال وانتزاع مكاسب (أجور، حماية اجتماعية، عمل قار)... وهذا ما يستدعي تدخلا نقابيا واعيا من طرف النقابات المتواجدة بالمدينة: تحريضا وتشهيرا بأوضاع الاستغلال، وتنظيما لهؤلاء العمال وتضامنا معهم.
===
خاتمة: من أجل نضال وحدوي لإنقاذ المدينة
أثار انفجار الوضع الصحي بالمدينة مؤخرا، جملة مواقف تنديدية ورافضة لما آلت إليه الأوضاع، وقام الأطباء بوقفات داخل أماكن العمل، وفي نفس الوقت يخوض طلبة مهن التمريض وقفات احتجاجية حول ملف مطلبي خاص بهم- هن.
وأصدر فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وفرع حزب النهج الديمقراطي والجبهة الاجتماعية وهيئات أخرى بيانات رافضة ومنددة بالأوضاع الصحية والاجتماعية بالمدينة
يستدعي الوضع- أكثر من أي وقت مضى- تظافرا للجهود وتعاونا نضاليا يشمل الإطارات الحزبية والنقابية والجمعوية وشغيلة القطاعات المتضررة من أجل برنامج نضال وحدوي يفرض على أرباب العمل ودولتهم إجراءات اجتماعية وصحية لصالح من هم أسفل.