المنعطف الكارثي : من الشروع في الانتقال إلى الشيوعية إلى إعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي

عزالدين بن عثمان الحديدي
2020 / 9 / 3

* إنتصار النظام الاشتراكي في الاقتصاد والتحول في البنية الطبقية للمجتمع.

لقد بين ستالين مرارا أن إشعاع الاتحاد السوفيتي وقوة جاذبيته و شروط استقلاله لا يمكن أن ترتكز بشكل دائم على تفوقه الأيديولوجي ونظامه السياسي وحدهما، ولكن يجب أن يستند بالضرورة إلى أساس مادي.

في جانفي 1934، إنعقد المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي وفيه يستعرض ستالين التحولات الأساسية التي حدثت خلال الفترة الماضية.
"خلال هذه الفترة، تحول الاتحاد السوفييتي بالكامل، تخلص من جلباب التخلف و طابع القرون الوسطى. من دولة زراعية أصبح دولة صناعية. من بلد الزراعات الفردية الصغيرة أصبح بلدً الزراعة الكبيرة الجماعية والآلية. من بلد جاهل وأمي وغير مثقف، أصبح بلدا يمتلك المعرفة والثقافة ومغطى بشبكة هائلة من التعليم العالي والثانوي والابتدائي حيث يتم التدريس بلغات دول الاتحاد السوفياتي".
(تقرير إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي - جميع المقتطفات المستشهد بها في هذا المقال هي من ترجمتنا - الحديدي).

من بين جميع التشكيلات الاجتماعية التي تعايشت أثناء إنشاء السياسة الاقتصادية الجديدةNEP انتصرت التشكيلة الاشتراكية.
" عندما تم تأسيس السياسة الاقتصادية الجديدة، كان لينين يقول أن هناك عناصر من خمسة تشكيلات اقتصادية واجتماعية في بلدنا: 1. الاقتصاد الأبوي(إلى حد كبير الاقتصاد الطبيعي) 2. الإنتاج السلعي الصغير (معظم الفلاحين الذين يبيعون القمح) 3. الرأسمالية الخاصة 4. رأسمالية الدولة 5. الاشتراكية. اعتقد لينين أنه من بين كل هذه الأشكال ينبغي للتشكيلة الاشتراكية أن تنتصر في النهاية. واليوم نستطيع أن نقول أن الأشكال الاقتصادية والاجتماعية الأولى والثالثة والرابعة لم تعد موجودة، والشكل الاقتصادي والاجتماعي الثاني أصبحت له مكانة ثانوية، أما الشكل الخامس الاقتصادي والاجتماعي، الشكل الاشتراكي، فيهيمن دون منازع. إنه القوة الوحيدة التي تتحكم بالاقتصاد الوطني كله ". (ستالين- تقرير إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب)للاتحاد السوفيتي).

لقد أدى النمو الاشتراكي للصناعة وللفروع الرئيسية للزراعة إلى هزيمة النظام الرأسمالي في الاقتصاد الوطني. لقد انتصر الاقتصاد التعاوني من حيث الأساس على الوحدات البضاعية الفردية الصغيرة. وأصبحت الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج أساس المجتمع السوفيتي. إن القضاء على الطبقات الطفيلية واستغلال الإنسان من قبل الإنسان يسمح بتوسيع الإنتاج مع زيادة الرفاهية المادية للعمال والفلاحين.
ويُبين ستالين كيف أحدثت التغييرات في الاقتصاد تغييرات في البنية الطبقية. بتحليل التحولات الرئيسية في البنية الطبقية، يشير إلى الروابط المتبادلة بين التحولات الاقتصادية وتلك المتعلقة بالطبقات المختلفة: تصفية ملكية وسائل الإنتاج واستغلال الإنسان من قبل الإنسان ووضع حد للأزمات والبؤس، مما أدى إلى تصفية الطبقات الاستغلالية والطفيلية وإلى تحول عميق صلب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين.
لا تتغير الطبقات بشكل مستقل عن بعضها البعض ولكنها تدخل في علاقات محددة فيما بينها وفقًا لعلاقات الإنتاج السائدة في المجتمع.
وهكذا يدلل ستالين على ضرورة السير بالثورة حتى النهاية على المستوى الاقتصادي على أساس الظروف السياسية الجديدة التي أوجدتها الثورة ومعارضة أي دمج للرأسمالية في الاشتراكية. إذ لا يمكننا ضمان الرفاه المادي والتنمية الثقافية للجماهير العاملة والبروليتاريا والحفاظ في الوقت نفسه على نظام الاستغلال الذي يكرس بقاء الطبقات المستغِلة والطفيليّة.
في عام 1936، وعند تقديمه لمسودة الدستور الجديد للاتحاد السوفياتي، الذي يجب أن يعكس التغييرات التي حدثت في الاتحاد السوفيتي منذ عام 1924، يحدد ستالين ما هي هذه التغييرات، خاصة فيما يتعلق بالبنية الطبقية.

"وهكذا فإن الانتصار التام للنظام الاشتراكي في جميع مجالات الاقتصاد الوطني هو الآن واقع ملموس. وماذا يعني ذلك؟
هذا يعني أن استغلال الإنسان من قبل الإنسان قد تم إلغاؤه وتصفيته، وأن الملكية الاشتراكية لأدوات ووسائل الإنتاج قد تأكدت باعتبارها الأساس الذي لا يتزعزع لمجتمعنا السوفييتي.
هذه التغييرات في الاقتصاد الوطني للاتحاد السوفيتي تجعل أن لدينا اليوم اقتصاد جديد، اقتصاد اشتراكي، لا يعرف الأزمات والبطالة ولا يعرف البؤس والإفلاس ويتيح للمواطنين جميع الإمكانيات لحياة الرفاهة والثقافة.
تلك هي، بشكل أساسي، التغييرات التي حدثت في اقتصادنا من عام 1924 إلى عام 1936.
هذه التغييرات في اقتصاد الاتحاد السوفيتي أدت إلى تغييرات في البنية الطبقية لمجتمعنا. نحن نعلم أن طبقة ملاك الأراضي قد تم تصفيتها بالفعل بعد فوزنا النهائي في الحرب الأهلية. وكان للطبقات المستغلة الأخرى نفس المصير. لا وجود لطبقة الرأسماليين في الصناعة ولا وجود لطبقة الكولاك في الزراعة ولا وجود لتجار ومضاربين في التجارة. بحيث تم تصفية جميع الطبقات المستغلة. بقيت الطبقة العاملة وبقيت طبقة الفلاحين وبقي المثقفون. ولكن سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذه المجموعات الاجتماعية لم تخضع لأي تغيير خلال الفترة قيد النظر، وأنهم ظلوا على ما كانوا عليه في وقت الرأسمالية.

لنأخذ على سبيل المثال الطبقة العاملة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. وغالبا ما يطلق عليها بحكم العادة القديمة البروليتاريا. لكن ما هي البروليتاريا؟ إن البروليتاريا هي طبقة محرومة من أدوات ووسائل الإنتاج في النظام الاقتصادي حيث نجد تلك الأدوات ووسائل والإنتاج على ملك الرأسماليين وحيث تستغل طبقة الرأسماليين البروليتاريا. البروليتاريا طبقة يستغلها الرأسماليون. لكن عندنا، تم، كما نعلم، تصفية طبقة الرأسماليين وتم انتزاع أدوات ووسائل الإنتاج من الرأسماليين وتسليمها إلى الدولة التي تقودها الطبقة العاملة. لذلك، لم يعد هناك طبقة من الرأسماليين يمكنهم استغلال الطبقة العاملة. وبالتالي، ونتيجة لذلك، فإن طبقتنا العاملة لم تعد محرومة من أدوات ووسائل الإنتاج، بل على العكس، فهي تمتلكها بشكل مشترك مع الشعب كله. وطالما أنها تمتلكها وطالما قضي على الطبقة الرأسمالية، فإن أي إمكانية لاستغلال الطبقة العاملة قد انتفت. هل يمكن أن نسمي طبقتنا العاملة بعد ذلك بروليتاريا ؟ من الواضح أن لا. يقول ماركس: من أجل تحرير أنفسهم، يجب على البروليتاريا سحق طبقة الرأسماليين وانتزاع أدوات ووسائل الإنتاج من الرأسماليين وإلغاء شروط الإنتاج التي تولّد البروليتاريا. هل يمكن أن نقول أن الطبقة العاملة في الاتحاد السوفيتي قد حققت بالفعل هذه الشروط لتحررها؟ يمكننا ويجب علينا أن نقول بدون شك نعم. وماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن بروليتاريا الاتحاد السوفياتي أصبحت طبقة جديدة تمامًا، هي الطبقة العاملة في الاتحاد السوفيتي التي دمرت النظام الرأسمالي للاقتصاد، وعززت الملكية الاشتراكية لأدوات ووسائل الإنتاج، والتي توجه المجتمع السوفييتي في طريق الشيوعية.
كما ترون، الطبقة العاملة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية هي طبقة عاملة جديدة تمامًا، محررة من الاستغلال، طبقة عاملة لا مثيل لها في تاريخ البشرية.

دعونا ننتقل إلى مسألة الفلاحين. من المعتاد أن نقول أن الفلاحين هم طبقة من صغار المنتجين الذين تفرق أفرادها على مساحة البلد بأكمله، كل منهم غارق في العمل في مزرعته الصغيرة، مع تقنيته المتخلفة، وهم عبيد للملكية الخاصة و مستغلون دون شفقة من قبل الملاكين العقاريين والكولاك والتجار والمضاربين والمرابين إلخ. والواقع أن فلاحي البلدان الرأسمالية، إذا نظرنا إلى معظمهم، يشكلون بالضبط هذه الطبقة. لكن، هل يمكن أن نقول أن فلاحينا اليوم، الفلاحين السوفييت، يشبهون في معظمهم أولئك الفلاحين؟ لا، لا يمكننا قول ذلك. لم يعد هذا النوع من الفلاحين موجود عندنا. إن الفلاحين السوفييت هم فلاحون جدد تمامًا. لم يعد لدينا ملاكين عقاريين ولا كولاك ولا تجار ولا مرابين لاستغلال الفلاحين. وبالتالي، فإن فلاحينا هم فلاحون تحرروا من الاستغلال. ثم إن فلاحينا السوفييت في أغلبيتهم الساحقة هم فلاحون تعاونيون (كولكوزيون)، أي أنهم يرتكزون لا على العمل الفردي والتقنية المتخلفة، ولكن على العمل الجماعي والتقنية الحديثة. وأخيرًا، لا يعتمد اقتصاد الفلاحين لدينا على الملكية الخاصة، ولكن على الملكية الجماعية التي نشأت على أساس العمل الجماعي. فالفلاحون السوفييت، كما ترون، هم فلاحون جدد تمامًا كما لم يعرف ذلك بعد في تاريخ البشرية.

وأخيرًا، دعونا ننتقل إلى مسألة المثقفين والمهندسين والفنيين والعاملين على الجبهة الثقافية والموظفين بشكل عام، إلخ. لقد خضع المثقفون أيضًا لتغييرات كبيرة في الفترة الماضية. لم يعد هؤلاء المثقفون نفس أولئك المثقفين القدامى الذين كانوا يدعون أنهم فوق الطبقات في حين أن غالبيتهم كانت تخدم بالفعل الملاكين العقاريين والرأسماليين. المثقفون السوفييتيون هم مثقفون جدد تمامًا، ويرتبطون بجميع جذورهم بالطبقة العاملة والفلاحين.
أولاً، تغيرت التركيبة الاجتماعية للمثقفين. تمثل العناصر المنحدرة من النبلاء والبرجوازية نسبة صغيرة من المثقفين السوفييت. 80 إلى 90٪ من المثقفين السوفييت يأتون من الطبقة العاملة والفلاحين والفئات الأخرى من العمال. أخيرا، تغيرت طبيعة النشاط الفكري للمثقفين. في السابق، كان عليهم خدمة الطبقات الثرية لأنه لم يكن لديهم مخرج آخر. الآن عليهم أن يخدموا الشعب لأنه لم يعد هناك طبقات مستغلة. و هذا بالتحديد ما يفسر لماذا هم اليوم أعضاء متساوون في المجتمع السوفياتي، حيث يشتغلون مع العمال والفلاحين على نفس المهمة، يشتغلون من أجل بناء مجتمع جديد، مجتمع اشتراكي لا طبقي.
إنهم كما ترون، عمال فكريون جدد تمامًا، كما لن تجدهم في أي بلد في العالم.

تلك هي التغييرات التي حدثت في البنية الطبقية للمجتمع السوفيتي خلال الفترة الماضية.
على ماذا تدل هذه التغييرات؟
إنها تشهد، أولاً، على أن الحدود الفاصلة بين الطبقة العاملة والفلاحين وكذلك بين هذه الطبقات والمثقفين تتلاشى، ويختفي الانعزال الطبقي القديم. يعني ذلك أن المسافة بين هذه المجموعات الاجتماعية تتقلص أكثر فأكثر.
وتشهد ثانياً، على أن التناقضات الاقتصادية بين هذه المجموعات الاجتماعية آخذة في الانخفاض والتلاشى.
وأخيراً، تشهد تلك التغيرات على أن التناقضات السياسية بينها آخذة أيضا في الانخفاض والتلاشى.
هذا هو الحال فيما يتعلق بالتغييرات الحاصلة في البنية الطبقية للاتحاد السوفيتي." (ستالين-حول مسودة دستور الاتحاد السوفيتي.).

* المرحلة الجديدة: استكمال بناء المجتمع الاشتراكي وتحضير شروط الانتقال إلى الشيوعية

كانت المهام الأساسية للخطة الخماسية الثانية هي: التصفية النهائية للعناصر الرأسمالية، الانتصار على بقايا الرأسمالية، استكمال إعادة بناء الاقتصاد على أساس تقني حديث واستيعاب االتقنية الجديدة ومكننة الزراعة وزيادة إنتاجها، وهو ما فرض رفع جودة العمل في جميع المجالات وعلى وجه الخصوص في المهام التنظيمية العملية.
في عام 1936، تمت تصفية العناصر الرأسمالية وعم النظام الاشتراكي كل الاقتصاد: تهيمن الزراعة الجماعية المزودة بالتقنية الحديثة، وتمت تصفية الكولاك كطبقة. وتتطور العناصر المتعلقة بالرفاهة وجودة الحياة والثقافة.
خلقت التغييرات التي حدثت الحاجة إلى تعديل دستور عام 1924. الدستور الجديد للاتحاد السوفييتي في عام 1936 كرس القاعدة الاقتصادية الجديدة للاتحاد السوفيتي في إطار الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج والنظام الاشتراكي للاقتصاد. إنه يمثل انتصار الديمقراطية العمالية ويكرس دخول الاتحاد السوفيتي في مرحلة جديدة من التطور: استكمال البناء الاشتراكي والانتقال التدريجي إلى المجتمع الشيوعي.
قبل فترة وجيزة من اعتماد الدستور الجديد، اكتشف ستالين في الحركة الستاخنوفية Stakhanovist بذور نمط جديد من التطور التقني والثقافي للطبقة العاملة، باعتباره أحد الشروط التي تحضر للمرور من الاشتراكية إلى الشيوعية.
"إن مغزاها (الحركة الستاخنوفية) يتمثل في أنها تعد الظروف اللازمة للانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. مبدأ الاشتراكية هو أنه في المجتمع الاشتراكي يعمل الجميع وفقًا لقدراتهم ويتلقون المواد الاستهلاكية، ليس وفقًا لاحتياجاتهم ولكن وفقًا للعمل الذي قدموه للمجتمع. هذا يعني أن المستوى التقني والثقافي للطبقة العاملة لا يزال منخفضا، وأن التعارض بين العمل الفكري والعمل اليدوي لا يزال قائما، وأن إنتاجية العمل ليست عالية بما يكفي لضمان وفرة مواد الاستهلاك - مما يجعل أن المجتمع ملزم بتوزيعها ليس حسب احتياجات أفراد المجتمع ولكن وفقًا للعمل الذي يقدمونه للمجتمع.
الشيوعية هي مستوى أعلى من التطور. مبدأ الشيوعية هو أنه في المجتمع الشيوعي يعمل الجميع وفقًا لقدراتهم ويتلقون مواد الاستهلاك ليس وفقًا للعمل الذي قاموا به ولكن وفقا لاحتياجاتهم كأفراد مثقفين. وهذا يعني أن المستوى التقني والثقافي للطبقة العاملة يكون مرتفعًا بما يكفي لتقويض أساس التعارض بين العمل الفكري والعمل اليدوي، وأن هذا التعارض بين العمل الفكري والعمل اليدوي قد زال بالفعل، وأن إنتاجية العمل بلغت درجة عالية بحيث يمكنها ضمان وفرة كاملة من مواد الاستهلاك بحيث يمكن للمجتمع توزيع هذه المواد حسب احتياجات أعضائه.
قد يعتقد البعض أنه يمكننا التوصل إلى إزالة التعارض بين العمل الفكري والعمل اليدوي من خلال نوع من التسوية الثقافية والتقنية بين العمال الفكريين واليدويين، عن طريق خفض المستوى الثقافي والتقني للمهندسين والفنيين والعاملين بالفكر إلى مستوى العمال ذوي المؤهلات المتوسطة. هذا غير صحيح على الإطلاق. فقط الثرثارون البرجوازيون الصغار يمكن أن تكون لديهم مثل هذه الفكرة عن الشيوعية.
في الواقع، لا يمكن التغلب على التناقض بين العمل الفكري والعمل اليدوي إلا من خلال رفع المستوى الثقافي والتقني للطبقة العاملة إلى مستوى المهندسين والفنيين. سيكون من السخف التفكير في أن هذا الرفع في المستوى غير قابل للتحقيق. على العكس، يمكن تحقيقه بشكل تام في ظل ظروف النظام السوفييتي، حيث تم تحرير القوى المنتجة للبلاد من قيود الرأسمالية وحيث تم تحرير العمل من نير الاستغلال وحيث أصبحت الطبقة العاملة في السلطة وحيث جيل العمال الشباب له كل الإمكانيات للحصول على تعليم تقني كاف . لا شك أن هذا التطور الثقافي والتقني للطبقة العاملة هو وحده القادر على تقويض أسس التعارض بين العمل الفكري والعمل اليدوي وأنه وحده يمكن أن يضمن الإنتاجية العالية للعمل ووفرة السلع الاستهلاكية اللازمة للبدء في الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية.
في هذا الصدد، فإن الحركة الستاخنوفية Stakhanovist لها ميزة ملحوظة تتمثل في أنها تحتوي على البذرات الأولى، رغم أنها لا تزال ضعيفة، ولكنها مع ذلك بذرات على وجه التحديد لهذا التطور الثقافي والتقني للطبقة العاملة في بلادنا." (ستالين - خطاب في المؤتمر الأول للعمال الستاخنوفيين Stakhanovists.).

في نصوص ستالين لسنة 1952 تم تناول مسائل جوهرية ذات أهمية حاسمة بالنسبة لمستقبل وآفاق الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وانتقالها التدريجي إلى الشيوعية. تعلقت هذه المسائل بالخصوص باستحالة إنشاء أو إلغاء قوانين الاقتصاد السياسي، دور الظروف الاقتصادية في توسيع أو في الحد من نطاق عمل هذه القوانين، الحاجة إلى إلغاء مفاهيم اقتصادية معينة خاصة بالرأسمالية والحفاظ على مفاهيم أخرى ضمن إطار محدود للغاية، إمكانية التناقضات بين طبيعة القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في الاشتراكية، ضرورة عدم الخلط بين إمكانية حل التناقضات وحلها فعليا...الخ.
كانت لهذه المسائل أهمية قصوى بالنسبة لفهم ما جرى في الاتحاد السوفييتي في السنوات التالية لاغتيال ستالين على الصعيد الاقتصادي والسياسي.
يشدد ستالين على أن مواصلة البناء الاشتراكي وإعداد الظروف التي تسمح بالانتقال إلى المجتمع الشيوعي لا يحدثان وفقا لمسار عفوي، خاصة في ظروف الحصار الرأسمالي. بل إن السعي إلى الانتقال إلى المجتمع الشيوعي والنضال ضد محاولات إعادة الرأسمالية تتطلب تعبئة متزايدًة لحل التناقضات داخليًا ولكن أيضًا خارجيًا وتتطلب اعتمادا قويًا على النظرية الماركسية ويقظة مستمرة وتقوية جهاز الدولة السوفيتية.

كما سبق لماركس أن أشار إلى ذلك، يبين ستالين أن الانتقال إلى المبدأ الشيوعي " كل حسب قدراته ، وكل حسب احتياجاته" لا يمكن تطبيقه عمليًا دون زيادة في إنتاجية العمل مما يضمن وفرة المنتجات. كما أنه يعارض نظريات التسوية، والتطابق في الاحتياجات والحياة الشخصية لأفراد المجتمع التي يريد البعض أن ينسبها بشكل خاطئ إلى الماركسية. "... عندما يتم القضاء على العناصر الرأسمالية وتحرير الفقراء من الاستغلال، فإن مهمة اللينينيين لا تتمثل في ضبط الفقر والفقراء والحفاظ عليهم إذ أن الظروف التي ولدتهم قد تم إلغاؤها، ولكن في القضاء على الفقر ورفع الفقراء إلى مستوى الحياة المرفهة. سيكون من الغباء الاعتقاد بأن الاشتراكية يمكن بناؤها على أساس البؤس والحرمان من خلال تقييد الاحتياجات الشخصية وخفض مستوى عيش الناس إلى مستوى معيشة الفئات الفقيرة التي لم تعد فعلا بدورها تريد أن تظل فقيرة وهي تسير بخطوات كبيرة نحو الرفاهة. من يحتاج إلى مثل تلك الاشتراكية إذا جاز تسميتها كذلك؟ لن تكون اشتراكية بل صورة كاريكاتورية للاشتراكية. لا يمكن بناء الاشتراكية إلا إذا تطورت القوى المنتجة للمجتمع بقوة، إلا إذا كان هناك وفرة من المنتجات والسلع، عندما يعيش العمال بشكل جيد وتنهض الثقافة بشدة. لأن الاشتراكية، الاشتراكية الماركسية، لا تعني الضغط على الحاجات الفردية بل توسعها وازدهارها الكامل، لا تضييق أو رفض للاحتياجات ولكن التلبية التامة والكاملة لاحتياجات كل العمال المتعلمين تعليما عاليا." ستالين - تقرير إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي).
ويقدم ستالين في الفقرة التالية تعريفا عبقريا في غاية الدقة لمفهوم المساواة من المنظور الماركسي : " بالنسبة للماركسية المساواة، لا تعني تسوية الاحتياجات الشخصية وأسلوب الحياة، ولكن إلغاء الطبقات. وهذا يعني: أ) التحرير المتساوي لجميع العمال من الاستغلال بعد الإطاحة بالرأسماليين ومصادرة ممتلكاتهم (ب) الإلغاء المتساوي إزاء الجميع للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج بعد أن أصبحت ملكية للمجتمع بأسره ج) الالتزام المتساوٍي للجميع بالعمل وفقًا لقدراتهم، والحق المتساوي لجميع العمال في أن يتقاضوا أجورهم وفقًا لعملهم (المجتمع الاشتراكي) د) الالتزام المتساوٍي للجميع بالعمل وفقاً لقدراتهم، والحق المتساوي لجميع العمال ليتلقوا وفقا لاحتياجاتهم (المجتمع الشيوعي). وتنطلق الماركسية من مبدأ أن أذواق واحتياجات الناس ليست ولا يمكن أن تكون متطابقة ومتساوية، سواء من حيث النوع أو الكمية، وذلك سواء في مرحلة الاشتراكية أو في مرحلة الشيوعية. ذلك هو المفهوم الماركسي للمساواة. "
(ستالين - تقرير إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي).

هذا المفهوم الذي يؤكد على زيادة إنتاجية العمل بهدف خلق المنتجات بوفرة، لا يعني أنه يكفي أن نعمل على تحقيق أي زيادة في القوى المنتجة لننتقل إلى الشيوعية منكرين هكذا أو مقللين من دور علاقات الإنتاج.
إذ تبقى مسألة التأثير المتبادل بين علاقات الإنتاج والقوى الإنتاجية حاسمة في الاشتراكية. إن تحويل علاقات الإنتاج، وأشكال الملكية التي تؤخر نمو القوى المنتجة يجب أن يتم قبل أن يتحول الصراع إلى عداء. منتقدا مواقف ياروشينكو Iarochenko الذي لم يأخذ في الاعتبار، من أجل الانتقال إلى الشيوعية ، الحاجة إلى إلغاء نظم اقتصادية معينة مثل الملكية الجماعية (الكولكوزية) وتداول البضائع وما إلى ذلك ...، يقدم ستالين بأسلوب دقيق ومركز جميع الشروط المسبقة الضرورية للانتقال- في الواقع وليس بالأقوال – إلى الشيوعية ، ويشدد على وجوب استيفاء جميع هذه الشروط لجعل هذا الانتقال فعليا:
* إعطاء الأولوية لتطوير إنتاج وسائل الإنتاج لتجهيز الاقتصاد بأكمله وضمان إعادة الانتاج الموسع.
* رفع ملكية المزارع الجماعية (الكولكوزية) إلى مستوى ملكية الشعب كله واستبدال نظام تداول البضائع بنظام تبادل المنتجات.
* إحداث التقدم الثقافي للمجتمع وتنمية المهارات الجسدية والفكرية للجميع خاصة من خلال تخفيض يوم العمل إلى 6 ساعات ثم إلى 5 ساعات والتعليم الإلزامي الفني متعدد الاختصاصات.

يقول ستالين : "يعتقد الرفيق ياروشينكو أنه يكفي التوصل إلى تحقيق التنظيم العقلاني للقوى الإنتاجية للحصول على وفرة المنتجات والانتقال إلى الشيوعية وللانتقال من الصيغة: " إلى كل حسب عمله " إلى الصيغة:" إلى كل وفقا لاحتياجاته ". هذا خطأ فادح يدل على سوء فهم تام لقوانين التطور الاقتصادي للاشتراكية. الرفيق ياروشينكو يقدم شروط الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية بصورة سطحية وطفولية. الرفيق ياروشينكو لا يفهم أننا لن نتمكن من الحصول على وفرة من المنتجات القادرة على تلبية جميع احتياجات المجتمع ، ولا أن ننتقل إلى الصيغة: "لكل وفقًا لاحتياجاته" اذا أبقينا على منظومات اقتصادية مثل الملكية الجماعية الكولكوزية، والتداول البضاعي إلخ ... الرفيق ياروشينكو لا يفهم أنه قبل الانتقال إلى الصيغة: "لكل حسب احتياجاته" يجب أن يقوم المجتمع بإعادة تأهيل نفسه اقتصاديا وثقافيا عبر سلسلة من المراحل يصبح خلالها العمل الذي لم يكن سوى وسيلة لضمان وجوده، الحاجة الأولى للوجود وكذلك الملكية الاجتماعية التي تصبح الأساس الثابت الذي لا يمكن الاستغناء عنه لوجود المجتمع." "(ستالين - أخطاء الرفيق ياروشينكو).

"من أجل التحضير للانتقال إلى الشيوعية انتقالا حقيقيا وليس بالقول، يجب علينا أن نحقق على الأقل ثلاثة شروط مسبقة أساسية.
1. من الضروري أولاً، ضمان لا "تنظيم عقلاني" أسطوري لقوى الإنتاج، بل ضمان النمو المتواصل لجميع الإنتاج الاجتماعي مع إعطاء الأولوية لإنتاج وسائل الإنتاج. إن أولوية تطوير إنتاج وسائل الإنتاج أمر ضروري ليس فقط لأنه سيمكن من تجهيز المؤسسات الناشطة في حقل انتاج وسائل الإنتاج وسائر المؤسسات العاملة في القطاعات الأخرى للاقتصاد الوطني، ولكن أيضًا لأنه بدون تطوير إنتاج وسائل الإنتاج سيكون من المستحيل تمامًا تحقيق إعادة الإنتاج الموسعة.
2 - من الضروري ثانيا، وعلى مراحل متتالية، أن يتم رفع الملكية الكولخوزية (الجماعية) إلى مستوى ملكية الشعب بأكمله والاستعاضة أيضًا عبر مراحل متتالية عن تداول البضائع بنظام تبادل المنتجات حتى تتمكن السلطة المركزية أو أي مركز اجتماعي اقتصادي آخر، من مراقبة الإنتاج الاجتماعي بأكمله في مصلحة المجتمع.
يخطأ الرفيق ياروشينكو عندما يأكد أنه في ظل الاشتراكية لا يوجد تناقض بين علاقات الإنتاج والقوى المنتجة للمجتمع. صحيح أن علاقات الإنتاج لدينا تمر حاليًا بفترة تتوافق فيها تمامًا مع نمو القوى الإنتاجية وتقدمها بسرعة فائقة. ولكن سيكون من الخطأ أن نركن إلى ذلك ونعتقد أنه لم يعد هناك أي تناقض بين قوى الإنتاج لدينا وعلاقات الإنتاج. هناك تناقضات الآن وبالتأكيد سيكون هناك مستقبلا، لأن تطور علاقات الإنتاج يتأخر وسيؤخر القوى المنتجة. وإذا طبقت الأجهزة القيادية سياسة صحيحة، فإن هذه التناقضات لا يمكن أن تصبح عدائية ولن تؤدي إلى صراع بين علاقات الإنتاج والقوى المنتجة للمجتمع. ولكن سيكون الأمر مختلفًا إذا اتخذنا سياسة خاطئة مثل تلك التي أوصى بها الرفيق ياروشينكو. سيكون الصراع عندئذ أمرًا حتميًا ويمكن أن تصبح علاقات الإنتاج لدينا عقبة جدية للغاية أمام تطور القوى المنتجة.
وبالتالي، فإن على الهيئات القيادية مهمة اكتشاف التناقضات التي تتبلور وذلك في الوقت المناسب واتخاذ تدابير في الوقت المناسب للتغلب عليها عن طريق تكييف علاقات الإنتاج مع نمو القوى المنتجة. وهذا ينطبق قبل كل شيء على منظومات اقتصادية مثل الملكية الكولخوزية (الجماعية) و تبادل البضائع. صحيح أننا في الوقت الحاضر نستخدم هذه المنظومات بنجاح لتطوير الاقتصاد الاشتراكي، وهي تقدم خدمات لا جدال فيها لمجتمعنا وليس هناك شك في أنها ستواصل تقديم تلك الخدمات في المستقبل القريب. لكن سيكون من العمى الذي لا يغتفر أن لا نلاحظ أن هذه المنظومات قد بدأت بعد اليوم في إعاقة التطور النشيط لقوى الإنتاج لدينا وذلك من خلال إعاقة الدولة على التخطيط الكامل للاقتصاد الوطني وخاصة الزراعة. ليس هناك شك في أنه كلما تقدمنا، كلما أعاقت هذه المنظومات نمو القوى المنتجة في بلدنا.
وبالتالي، فإن مهمتنا تتمثل في القضاء على هذه التناقضات من خلال تحويل الملكية الكولخوزية تدريجياً إلى ملكية الشعب كله واستبدال كذلك – على مراحل- تداول البضائع بتبادل المنتجات.
3. ثالثًا، من الضروري ضمان التقدم الثقافي في المجتمع الذي يمكّن جميع أعضائه من تطوير مهاراتهم البدنية والفكرية بشكل متناغم حتى يتمكنوا من تلقي التعليم الكافي ليصبحوا صناع نشطين للتنمية الاجتماعية و يمكنهم اختيار مهنة بحرية دون أن يضطروا للبقاء إلى الأبد في مهنة معينة بسبب تقسيم العمل الحالي.
ما هو المطلوب لتحقيق ذلك؟
سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن مثل هذا التقدم الثقافي المهم لأعضاء المجتمع ممكن بدون تعديلات كبيرة في الوضع الحالي للعمل. لأجل ذلك، من الضروري أولاً تقليص يوم العمل إلى 6 ثم إلى 5 ساعات. هذا ضروري حتى يحصل أفراد المجتمع على الوقت اللازم للحصول على تعليم كامل. ولأجل ذلك، يجب علينا أيضا إدخال التعليم البوليتكنيكي (متعدد الاختصاصات) الإلزامي، وهو ضروري حتى يتمكن أفراد المجتمع من اختيار مهنة بحرية ولا يضطرون إلى البقاء في مهنة معينة إلى الأبد. ولأجل ذلك، ما زلنا بحاجة إلى تحسين ظروف السكن جذريا وزيادة الأجور الحقيقية للعمال والموظفين بمقدار الضعف على الأقل وذلك من خلال رفع الراتب النقدي مباشرة من ناحية، وخاصة من خلال تطبيق الانخفاض المستمر في أسعار السلع الاستهلاكية من ناحية أخرى.
تلك هي الشروط الأساسية التي ستعد للانتقال إلى الشيوعية. فقط عندما يتم تحقيق كل هذه الشروط المسبقة، مأخوذة بمجموعها، يمكن لنا أن نأمل أن يتوقف العمل عن أن يكون سخرة في أعين أعضاء المجتمع ليصبح "الحاجة الأولى للوجود "(ماركس)، " بدلاً من أن يكون العمل عبئًا، سيكون سعادة "(إنجلز)، وأن الملكية الاجتماعية سيعتبرها جميع أعضاء المجتمع كأساس ثابت لا يقهر لوجود المجتمع.
فقط عندما يتم استيفاء جميع هذه الشروط المسبقة، مأخوذة بمجموعها ، يمكننا أن ننتقل من الصيغة الاشتراكية: "كل حسب قدراته، لكل حسب عمله" إلى الصيغة الشيوعية: " كل حسب قدراته، لكل حسب احتياجاته". سيتحقق آنذاك، الانتقال الكامل للاقتصاد، الاقتصاد الاشتراكي، إلى اقتصاد آخر، اقتصاد متفوق، الاقتصاد الشيوعيي." (ستالين - حول أخطاء الرفيق ياروشينكو (التشديد من عندنا- الحديدي)).

لم يتم استيفاء شروط الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية بعد لما تدخل ستالين في المناقشة الاقتصادية قبل بضعة أشهر من اغتياله. في "القضايا الاقتصادية للاشتراكية" المكتوب في عام 1952، يبين ستالين إذن ماهية القوانين الاقتصادية التي تعمل في إطار الاقتصاد الاشتراكي، ومدى وحدود مجالات عمل قوانين ومنظومات اقتصادية معينة. وشدد بوضوح على إمكانيات تدخل سلطة السوفييت وحدود عملها إزاء القوانين الموضوعية للاقتصاد.
إذ لا يمكن لسلطة السوفييت أن تخلق قوانين اقتصادية جديدة ولا أن تقوم بإلغاء القوانين الاقتصادية القديمة ولكن يمكنها استخدامها لمنفعة المجتمع أو الحد من مجال عمل بعض القوانين وآثارها الضارة من خلال وضع شروط اقتصادية جديدة (الملكية الاجتماعية، وتصفية الاستغلال). تسمح هذه الشروط الاقتصادية الجديدة بظهور قوانين جديدة كانت الشروط القديمة تعيق عملها، وفي الوقت نفسه، تحد هذه الشروط الجديدة من مجال عمل القوانين القديمة التي تفقد قوتها ولكنها لا تدمر.
بالنسبة لستالين، القوانين الاقتصادية توجد في جميع التشكيلات الاجتماعية ولا يمكن حذف أو إنشاء هذه القوانين. يمكننا تحديد مجال عملها أو استخدامها لأغراض محددة. أما نفي القوانين الاقتصادية بوصفها قوانين موضوعية فيؤدي إلى إنكار كل العلوم، وإنكار كل إمكانية للتنظيم ووضع التوقعات ويؤدي كذلك إلى الخضوع لتخبطات المغامرين الاقتصاديين.

يقول ستالين "يقال أن بعض القوانين الاقتصادية، بما في ذلك قانون القيمة، التي تعمل في بلدنا في ظل الاشتراكية هي قوانين "قد تحولت" أو حتى "قد تحولت جذريا" على أساس الاقتصاد المخطط. هذا أيضا خطأ، لا يمكننا "تحويل" القوانين ناهيك عن "تحويلها بشكل أساسي". إذا تمكنا من تحويلها فيمكننا أيضًا إلغاؤها واستبدالها بقوانين جديدة. إن أطروحة "تحويل" القوانين هي من بقايا الصيغة الخاطئة حول "إلغاء" و"إنشاء" القوانين. وعلى الرغم من أن صيغة تحويل القوانين الاقتصادية كانت شائعة بيننا منذ فترة طويلة، فإنه يتعين علينا التخلي عنها مع ذلك. يمكن لنا أن نحد من مجال عمل هذه القوانين الاقتصادية أو تلك، يمكننا أن نحول دون عملها المدمر كلما ظهر، ولكن لا يمكن لنا "تحويلها" أو "إلغائها".
[...]
وهكذا، فإن قوانين الاقتصاد السياسي في ظل الاشتراكية هي قوانين موضوعية تعكس انتظام التحولات التي تحدث في الحياة الاقتصادية بشكل مستقل عن إرادتنا. إن إنكار هذه الأطروحة يعني من حيث الجوهر إنكار العلم والحال أن إنكار العلم يعني إنكار إمكانية وضع أي توقعات" (ستالين -القضايا الاقتصادية للاشتراكية).
"دعونا نتصور للحظة أننا اعتمدنا وجهة نظر النظرية الخاطئة التي تنفي وجود قوانين موضوعية في الحياة الاقتصادية في ظل الاشتراكية والتي تعلن إمكانية "إنشاء "و" تحويل" القوانين الاقتصادية. ماذا سينتج عن ذلك؟ ستكون النتيجة أننا سنغرق في الفوضى والاحتمالات. سنكون عبيدا لهذه الاحتمالات، ولن يكون لدينا الفرصة ليس فقط لفهم هذه الفوضى من الاحتمالات، بل وحتى لمجرد تفحصها. و ستكون النتيجة التخلي عن الاقتصاد السياسي كعلم، لأن العلم لا يمكن أن يوجد أو يتطور دون الاعتراف بالقوانين الموضوعية ، دون دراستها. ولكن إذا ألغينا العلم، فلن يعد لدينا إمكانية التنبؤ بمسار الأحداث في الحياة الاقتصادية للبلاد، أي أنه لن يكون لدينا إمكانية تنظيم القيادة الاقتصادية حتى في أبسط مظاهرها. وفي النهاية، سنجد أنفسنا خاضعين لتخبط المغامرين "الاقتصاديين" المستعدين "لالغاء" قوانين التطور الاقتصادي و "إنشاء" قوانين جديدة دون فهم أو معاينة القوانين الموضوعية. " (ستالين -القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

في الاتحاد السوفيتي عام 1952، لم يتم بعد التخلص من إنتاج السوق وتداول البضائع ولكن تم حصرهما في حدود معينة. بسبب ظروف تاريخية معينة (درجة غير كافية من تمركز وسائل الإنتاج خاصة في الزراعة قبل الثورة) تم الحفاظ على إنتاج السوق لفترة كطريقة للتحالف الاقتصادي بين المدينة والريف مقبولة من قبل الفلاحين تسمح بعدم دفع هؤلاء في معسكر أعداء البروليتاريا. عندما يتم إنتاج وفرة من المواد الاستهلاكية متنوعة بما فيه الكفاية، سيقبل الفلاحون الكولخوزيون kolkhoz القضاء التام على إنتاج السوق.
إن الحفاظ على إنتاج السوق لفترة معينة من الزمن لا يؤدي بالضرورة كما يقول ستالين إلى إعادة الرأسمالية وذلك بسبب الظروف الاقتصادية الجديدة الموجودة في النظام الاشتراكي. في المقابل، فإن إعادة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وقوة العمل كسلعة، سيخلقان الظروف الاقتصادية التي يمكن أن تحول الإنتاج البضاعي إلى رأسمالية.
"يقال أن الإنتاج البضاعي يجب مع ذلك وفي جميع الظروف، أن يؤدي وسيؤدي حتما إلى الرأسمالية. هذا غير صحيح. ليس دائمًا أو في جميع الظروف! لا يمكن أن نسوي بين الإنتاج الرأسمالي والإنتاج البضاعي، هما شيئان مختلفان. فالإنتاج الرأسمالي هو الشكل الأعلى للإنتاج البضاعي.
وهذا الأخير لا يؤدي إلى الرأسمالية إلا بشرط وجود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإلا بشرط ظهور قوة العمل في السوق كسلعة يمكن للرأسمالي أن يشتريها ويستغلها في الإنتاج. أي بشرط أن يوجد في البلاد نظام لاستغلال العمال من قبل الرأسماليين. فالإنتاج الرأسمالي يبدأ حيث يمتلك الأفراد وسائل الإنتاج بينما يضطر العمال المحرومون من وسائل الإنتاج إلى بيع قوة عملهم كسلعة. بدون ذلك لا يوجد إنتاج رأسمالي. حسنًا، إذا لم يتم استيفاء شروط تحويل الإنتاج البضاعي إلى إنتاج رأسمالي وإذا لم تعد وسائل الإنتاج ملكية خاصة بل ملكية اشتراكية وإذا لم يكن هناك عمل مأجور وقوة العمل لم تعد سلعة وإذا تم إلغاء نظام الاستغلال منذ فترة طويلة، فماذا بعد ذلك: هل يمكن أن نعتبر أن الإنتاج البضاعي سيظل يؤدي إلى الرأسمالية؟ من الواضح أن الجواب هو لا. وبالفعل، مجتمعنا بالتحديد هو مجتمع حيث لم تعد الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والعمل المأجور والاستغلال موجودة منذ فترة طويلة."
(ستالين -القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

عندما كان ستالين في عام 1952 يستعرض "القضايا الاقتصادية للاشتراكية"، فإن الشروط التي تسمح بالقضاء التام على الإنتاج البضاعي وتداول البضائع لم تكن قد استكملت بعد. فقد كان يتعايش شكلان من الإنتاج الاشتراكي: ملكية الدولة والملكية الكولخوزية، والمزارع الكولخوزية لا تريد أن تفوت في منتجاتها إلا عن طريق التبادل السلعي. هذا الشكل الأخير يبقى ضروريا طالما لا يمكن تشكيل قطاع واحد شامل.
"يقال أنه بما أن الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج تحتل مكانة مهيمنة في بلدنا وأن العمل المأجور والاستغلال قد تم تصفيتهما، فإن الإنتاج البضاعي لم يعد له أي معنى وأنه بالتالي من الضروري إزالته. هذا أيضا خطأ في الوقت الحاضر. يوجد في بلدنا شكلان أساسيان للإنتاج الاشتراكي: إنتاج الدولة ، أي الشعب كله ، وشكل المزرعة الجماعية (الكولخوزية) الذي لا يمكن أن نعتبره إنتاج الشعب كله. ففي مؤسسات الدولة نجد أن وسائل الإنتاج والبضائع المنتجة هي ملك للشعب كله. أما في المزارع الجماعية، وعلى الرغم من أن وسائل الإنتاج (الأرض، الآلات) تعود ملكيتها إلى الدولة، فإن المنتجات المتحصل عليها هي ملك للمزارع الجماعية المختلفة التي توفر العمل وكذلك البذور. فالمزارع الجماعية تتصرف عمليا في الأرض التي أعطيت لها مدى الحياة كممتلكات خاصة بها على الرغم من أنها لا تستطيع بيعها أو شراءها أو كراءها أو رهنها.
وبالتالي يمكن للدولة أن تتصرف فقط في إنتاج مؤسسات الدولة، أما المزارع الكولخوزية فتتصرف في إنتاجها كملكها الخاص. لكنها لا تريد التفويت في منتجاتها إلا في شكل سلع مقابل سلع تحتاج إليها. لا تقبل المزارع الجماعية اليوم علاقات اقتصادية أخرى مع المدينة غير التبادل عن طريق شراء وبيع السلع.
بالتأكيد، عندما يكون هناك قطاع واحد شامل لكل الإنتاج وله قدرة التصرف في جميع المنتجات الاستهلاكية، سيختفي تداول السلع واقتصاده النقدي بوصفه عنصر غير ضروري في الاقتصاد الوطني. بحلول ذلك الوقت، وطالما يوجد قطاعان أساسيان للإنتاج، فسيظل الإنتاج البضاعي وتداول السلع ساري المفعول كعنصر ضروري ومفيد للغاية في نظام اقتصادنا الوطني. "
(ستالين -القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

يبين ستالين إن الإنتاج البضاعي في الاشتراكية هو من نوع خاص، فهو يتعلق بمنتجين اشتراكيين وليس برأسماليين ومجال عمله يقتصر على مواد الاستهلاك الشخصي. وبالتالي، لا يمكن أن يعني الحفاظ على الإنتاج البضاعي في النظام الاشتراكي إعادة المفاهيم الاقتصادية الخاصة بالرأسمالية:
" إذن، إن إنتاجنا البضاعي ليس إنتاجاً بضاعياً عادياً، بل هو من نوع خاص؛ إنه إنتاج بضاعي بدون رأسماليين، يتعلق، في الأساس، ببضائع عائدة إلى منتجين اشتراكيين متشاركين (الدولة، الكولخوزات، التعاونيات)، وينحصر نشاطه في نطاق سلع الاستهلاك الشخصي، ولا يستطيع بوجه من الوجوه، أن يتحول إلى اقتصاد رأسمالي، وعليه أن يساعد، مع «اقتصاده النقدي»، على تطوير وتثبيت الإنتاج الاشتراكي. (ستالين -القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

ويذكر ستالين أنه طالما تم الحفاظ على الشكل السلعي للمنتجات والإنتاج البضاعي، فإن قانون القيمة موجود بالضرورة. في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية لعام 1952، يحتفظ قانون القيمة بدور ضابط في حدود معينة تتعلق بمجال التجارة في السلع ذات الاستخدام الشخصي ويحتفظ أيضًا بدور معين في الإنتاج، ولكن لم يعد له دور ضابط كما هو الحال في الرأسمالية. فهو لم يعد يحدد النسب في توزيع العمل بين الفروع والقطاعات المختلفة وبالتالي فإن عمله المحدود ذاك لم يعد يعوق أولوية تطوير إنتاج وسائل الإنتاج ولم يعد قادرا على إحداث أزمات فيض الإنتاج الرأسمالي:
" إن دائرة مفعول قانون القيمة تشمل، عندنا، قبل كل شيء، تداول البضائع، تبادل البضائع شراءً وبيعاً، وخصوصاً تبادل البضائع المعدة للاستعمال الشخصي. فهنا، في هذا الميدان، يحتفظ قانون القيمة بدور ضابط ضمن حدود معينة طبعاً.
بيد أن مفعول قانون القيمة لا ينحصر في دائرة تداول البضائع. فهو يشمل الإنتاج أيضاً. صحيح أن قانون القيمة لا يلعب دوراً ضابطً في إنتاجنا الاشتراكي، على أن له، مع ذلك، تأثيراً في الإنتاج، و يجب بالضرورة أن يؤخذ هذا القانون بعين الاعتبار في توجيه الإنتاج. ذلك أن منتجات الاستهلاك الضرورية لسدّ نفقات قوة العمل خلال سير عملية الإنتاج، إنما تصنع وتنجز عندنا بوصفها بضائع خاضعة لمفعول قانون القيمة. وهنا، على وجه الدقة، يمارس قانون القيمة مفعوله على الإنتاج. وبالنظر إلى ذلك، فإن الاستقلال الذاتي المالي، والمردودية، وتكاليف الإنتاج، والأسعار، الخ. لها اليوم، في مؤسساتنا الصناعية، أهمية ملحة. ولذلك لا تستطيع مؤسساتنا ولا ينبغي لها أن تتجاهل قانون القيمة."
(...)
" وقد قلنا آنفاً أن مفعول الإنتاج البضاعي، في نظامنا، يسري ضمن نطاق ضيق ومحدود. ويجب أن يقال الشيء نفسه عن مفعول قانون القيمة. فمن المؤكد أن عدم وجود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وجعل وسائل الإنتاج اجتماعية، في المدينة كما في الريف، لا يمكن إلا أن يحدّا من دائرة مفعول قانون القيمة ومن درجة تأثيره على الإنتاج.
وفي هذا الاتجاه نفسه، يؤثر في الاقتصاد الوطني قانون التطور المتناسق (المتناسب)، الذي حل محل قانون المزاحمة وفوضى الإنتاج.
وفي هذا الاتجاه نفسه، تؤثر برامجنا السنوية وبرامج السنوات الخمس، وبصورة عامة، كل سياستنا الاقتصادية التي تستند إلى مقتضيات قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني.
كل هذه الوقائع بمجموعها تجعل دائرة مفعول قانون القيمة عندنا محدودة جداً، وتجعل قانون القيمة غير قادر، في نظامنا، على القيام بدور ضابط في الإنتاج.
ذلك ما يفسر، من جهة أخرى، هذا الواقع «المدهش»، وهو أن قانون القيمة لا يؤدي عندنا إلى أزمات فيض الإنتاج، بالرغم من نمو إنتاجنا الاشتراكي نموا مستمراً وانفجاريا، في حين أن قانون القيمة نفسه، الذي له دائرة عمل واسعة، في النظام الرأسمالي، يؤدي إلى أزمات فيض الإنتاج بصورة دورية، بالرغم من ضعف معدلات نمو الإنتاج في البلدان الرأسمالية."
(...) "ومن الخطأ التام أيضاً الإدعاء بأن قانون القيمة، في نظامنا الاقتصادي الحالي، خلال المرحلة الأولى من تطور المجتمع الشيوعي، يضبط، على ما يزعم، «نِسَب» توزيع العمل بين مختلف فروع الإنتاج.
فإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا تتطوّر صناعتنا الخفيفة إلى أقصى حد، باعتبارها أكثر الصناعات مردودية، تفضيلاً لها على الصناعة الثقيلة التي هي، في الغالب، أقل مردودية، وأحياناً لا مردودية لها البتة؟
وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا نغلق مؤسسات الصناعة الثقيلة عندنا، وهي الآن ليست ذات مردودية، وعمل العمال فيها لا يحدث «الأثر المطلوب»، ولماذا لا تفتح مؤسسات جديدة للصناعة الخفيفة، ذات المردودية المؤكدة، والتي يمكن أن يحدث فيها عمل العمال «أثراً أكبر»؟
وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا ينقل عندنا عمال المؤسسات القليلة المردودية، مع كونها ضرورية جداً للاقتصاد الوطني، إلى المؤسسات التي هي أكثر مردودية، وذلك وفقاً لقانون القيمة الذي يزعمون أنه يضبط «نسب» توزيع العمل بين فروع الإنتاج؟
من الواضح أننا إذا اتبعنا رأي هؤلاء الرفاق، فسيغدو لزاماً علينا التخلي عن منح الأولوية لإنتاج وسائل الإنتاج بدل إنتاج وسائل الاستهلاك، وماذا يعني التخلي عن أولوية إنتاج وسائل الإنتاج؟ إنه يعني جعل نهوض اقتصادنا الوطني باستمرار أمراً مستحيلاً، لأن من غير الممكن تأمين نهوض الاقتصاد الوطني باستمرار، بدون أن يؤمن، في الوقت نفسه، منح الأولوية لإنتاج وسائل الإنتاج.
إن هؤلاء الرفاق ينسون أن قانون القيمة لا يمكن أن يكون هو الضابط للإنتاج إلا في النظام الرأسمالي، في ظل وجود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، في ظل وجود المزاحمة وفوضى الإنتاج وأزمات فيض الإنتاج. إنهم ينسون أن دائرة مفعول قانون القيمة محدودة عندنا بالملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، وبفعل قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني التي تشكل برامجنا السنوية وبرامج السنوات الخمس انعكاس تقريبي لمقتضياته.
من هنا يستنتج بعض الرفاق أن قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني وبرمجة الاقتصاد الوطني يلغيان مبدأ المردودية. وهذا خطأ تام. فالأمر على خلاف ذلك تماماً. فإذا نظرنا إلى المردودية، لا من وجهة نظر مختلف مؤسسات أو فروع الإنتاج، ولا خلال سنة واحدة فقط، بل من وجهة نظر مجموع الاقتصاد الوطني وخلال عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً مثلاً، وتلك هي الوسيلة الوحيدة لتناول المسألة بصورة صحيحة، فإن المردودية الوقتية والسريعة الزوال التي تعطيها مختلف مؤسسات أو فروع الإنتاج لا تستطيع الصمود أمام أية مقارنة مع الشكل الأعلى للمردودية الوطيدة الثابتة التي تتوفر بفعل قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني وببرمجة الاقتصاد الوطني، إذ يخلصنا ذلك من الأزمات الاقتصادية الدورية، التي تدمر الاقتصاد الوطني وتلحق بالمجتمع ضرراً مادياً بالغاً، كما يؤمن لنا ذلك اضطراد تقدم الاقتصاد الوطني بمعدلاته العالية." (ستالين -القضايا الاقتصادية للاشتراكية- التشديد من عندنا- الحديدي).

وفي النهاية، كما يحدد ستالين، قانون القيمة سيختفي في المرحلة الثانية من المجتمع الشيوعي حيث يقاس العمل المنفق على صنع المنتجات مباشرة وحيث ينظم توزيع العمل بين فروع الإنتاج من خلال تلبية الاحتياجات المتزايدة للمجتمع:
"القيمة، ومثلها قانون القيمة، مفهوم تاريخي، مرتبط بوجود الإنتاج البضاعي. فمع زوال الإنتاج البضاعي، ستزول القيمة أيضاً بأشكالها، وقانون القيمة.
إن كمية العمل التي تصرف على صنع المنتجات، في الطور الثاني من المجتمع الشيوعي، لن تقاس حينئذ بسبل ملتوية، بواسطة القيمة وأشكالها، كما هي الحال في الإنتاج البضاعي، بل ستقاس مباشرة وفوراً بكمية الوقت، بعدد الساعات التي تصرف على صنع المنتجات. أما توزيع العمل بين فروع الإنتاج، فلن يتم ضبطه عن طريق قانون القيمة الذي يكون قد فقد قوته حينذاك، بل سيضبطه نمو حاجات المجتمع من المنتجات. ذلك سيكون مجتمعاً يضبط فيه الإنتاج عن طريق حاجات المجتمع، وسيكون فيه لإحصاء حاجات المجتمع أهمية من الدرجة الأولى للهيئات التي تقوم بإعداد البرامج."

* لا يمكن بلوغ المجتمع الخالي من الطبقات دون تطوير الصراع الطبقي للبروليتاريا وتعزيز دولة ديكتاتورية البروليتاريا وأداتها الحزب.

في عام 1934، يبين ستالين أن النظام الرأسمالي قد هزم بشكل أساسي في الاتحاد السوفيتي. ففي الاقتصاد، تم القضاء على الإنتاج البضاعي الصغير لكن التحولات العميقة وإن غيرت في البنية الطبقية إلا أن بقايا الرأسمالية لم تختف بعد في الاقتصاد وخاصة في وعي الناس الذي بقي متأخرا عن وضعهم الاقتصادي. يستمر التطويق الرأسمالي ويسعى بكل قوته لدعم تلك البقايا متحينا اللحظة المناسبة لمهاجمة أو إضعاف الاتحاد السوفيتي عبر استخدام تلك البقايا والاعتماد على حطام الطبقات المهزومة. إن مجال الصراع الطبقي لا يقتصر على حدود الاتحاد السوفيتي:
"قال الكونفرانس السابع عشر لحزبنا إن إحدى المهام السياسية الأساسية للخطة الخماسية الثانية هي "التغلب على بقايا الرأسمالية في الاقتصاد وفي وعي الناس. هذه الفكرة صحيحة تماما ولكن هل يمكننا القول أننا تغلبنا بالفعل على جميع بقايا الرأسمالية في الاقتصاد؟ من البديهي أن لا. وهل يمكننا القول بالأحرى أننا تغلبنا على بقايا الرأسمالية في وعي الناس؟ من المستحيل أن نقول ذلك ليس فقط لأن وعي الناس متأخر عن وضعهم الاقتصادي، ولكن أيضًا بسبب أن التطويق الرأسمالي ما زال موجودًا والذي يحاول جاهدا إحياء ودعم بقايا الرأسمالية في الاقتصاد وفي وعي الناس في الاتحاد السوفيتي، والذي يجب علينا، نحن البلاشفة، أن نحافظ دائمًا على يقظتنا واستعدادنا ضده "
(تقرير إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي (QL. الصفحة 750).
"يجب ألا يغيب عن بالنا حقيقة أن شراذم الطبقات المهزومة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ليست وحيدة. إنهم يحصلون على الدعم المباشر لأعدائنا خارج حدود الاتحاد السوفيتي. سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن مجال الصراع الطبقي يقتصر على حدود اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. فإذا كان أحد طرفي الصراع الطبقي يعمل في إطار الاتحاد السوفيتي، فإن جناحه الآخر يمتد إلى حدود الدول البرجوازية التي تحيط بنا. إن بقايا الطبقات المهزومة لا يمكن أن تتجاهل ذلك، ولأنهم بالضبط يعرفون ذلك، فسيواصلون هجماتهم اليائسة في المستقبل ".
(في سبيل تكوين بلشفي - الصفحات 52-53).
يؤكد ستالين في تقريره إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي على أن النجاحات المحققة لا يمكن أن تؤدي إلى إضعاف السياسة الهجومية للاشتراكية أو التخلي عنها. إذ أن المجتمع الاشتراكي الخالي من الطبقات لا ينشأ من تلقاء نفسه، تمامًا كما لم يكن من الممكن دمج النظام الرأسمالي القديم تلقائيًا في الاشتراكية. يتحقق المجتمع الاشتراكي بلا طبقات من خلال تطوير الصراع الطبقي ضد الأعداء الخارجيين والداخليين وتعزيز ديكتاتورية البروليتاريا:
"قال مؤتمر الحزب السابع عشر أننا نسير نحو إنشاء مجتمع اشتراكي بدون طبقات. لكن من البديهي أن المجتمع بدون طبقات لا يمكن أن يأتي إذا جاز القول بشكل تلقائي. يجب الفوز به وبناؤه بجهود كل العمال عن طريق تقوية أجهزة دكتاتورية البروليتاريا وبتطوير الصراع الطبقي وبإلغاء الطبقات وبتصفية بقايا الطبقات الرأسمالية وبالنضال ضد العدو الداخلي والخارجيً.
المسألة واضحة على ما أعتقد. ومع ذلك، لا ينكر أحد أن إعلان هذه الأطروحة الواضحة والأولية للينينية تسبب في قدر كبير من اللخبطة في العقول وأدى إلى ظهور اتجاهات خبيثة لدى بعض أعضاء حزبنا. لقد فهموا الأطروحة التي عرضناها كشعار لمسيرتنا إلى الأمام نحو المجتمع الخالي من الطبقات على أنها عملية عفوية. وقد فكروا على هذا النحو: بما أن الأمر يتعلق بمجتمع بلا طبقات فإنه يمكننا أن نخفف من الصراع الطبقي وأن نضعف من ديكتاتورية البروليتاريا، وبوجه عام، يمكن أن نضع حداً للدولة التي هي في كل الأحوال يجب أن تختفي قريباً. وقد شعروا بسعادة غامرة لأنه قريبا لن يكون هناك طبقات. وبالتالي لا مزيد من القلق أو الإنذارات وبالتالي يمكن إلقاء السلاح والذهاب إلى النوم في انتظار قدوم المجتمع بلا طبقات. (ضحك عام)
ليس هناك شك في أن هذه اللخبطة في العقول وهذه الحالة الفكرية تشبهان كقطرتي ماء بعض وجهات نظر عناصر الانحراف اليميني التي كانت تعتقد أن النظام القديم يجب أن يندمج من تلقاء نفسه في النظام الجديد وأننا في أحد الأيام سنجد أنفسنا في قلب المجتمع الاشتراكي. "
(ستالين - تقرير إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي).

* تطوير ستالين لنظرية ماركس وانجلز حول الدولة

وهكذا كان ستالين يشدد على أن الصراع الطبقي لا يخبو مع النجاحات المنجزة بل على العكس يحتد. تزيد القوة المتنامية للدولة السوفيتية من مقاومة شراذم الطبقات البائدة، وتقودهم إلى تعديل زاوية هجومهم والبحث عن جميع الوسائل المناسبة لاستمالة الطبقات الأكثر تأخرا من السكان. إن تلاشي دولة ديكتاتورية البروليتاريا، التي يجب أن تستمر لكي تتصدى لهجمات الطبقات المعادية، لا يتحقق من خلال إضعاف سلطة الدولة بل من خلال تقويتها باستمرار.
"يجب علينا أن نقضي وننبذ بعيدا عنا النظرية المتعفنة التي تدعي أنه مع كل خطوة نخطوها إلى الأمام، يجب أن يخبو الصراع الطبقي في بلادنا أكثر فأكثر، أنه كلما نجحنا سيصبح العدو الطبقي أكثر ترويضًا.
إنها ليست مجرد نظرية متعفنة، ولكنها أيضا نظرية خطيرة، لأنها تخدر رجالنا بجعلهم يسقطون في الفخ وتسمح للعدو الطبقي بالتقاط أنفاسه لأجل محاربة سلطة السوفييت. [...]
على العكس من ذلك، كلما تقدمنا أكثر، كلما ازدادت نجاحاتنا، كلما ازداد أكثر حقد شراذم الطبقات المستغلة و كلما لجئوا بشكل أسرع إلى أشكال الصراع الأكثر حدة، كلما ازداد إضرارهم بالدولة السوفيتية، كلما زاد تشبثهم بأكثر الأساليب اليائسة في الصراع كحل أخير من أناس محكوم عليهم بالهزيمة "
(ستالين - في سبيل تكوين بلشفي(التشديد من عندنا – الحديدي)).
"لقد فهم بعض الرفاق أطروحة إلغاء الطبقات وخلق مجتمع بلا طبقات واندثار الدولة، كمبرر للكسل والتراخي ومبرر للنظرية المضادة للثورة التي تقول بانطفاء الصراع الطبقي وإضعاف سلطة الدولة. وغني عن القول أن هؤلاء الناس لا يمكن أن يكون لديهم أي شيء مشترك مع حزبنا. إنها عناصر متفسخة أو منافقة ذات وجهين ومن الضروري طردها من الحزب. إن إلغاء الطبقات يمكن تحقيقه لا من خلال انطفاء الصراع الطبقي بل من خلال شحذه. إن اضمحلال الدولة لن يتم من خلال إضعاف سلطة الدولة بل من خلال تقويتها للحد الأقصى، وهو أمر ضروري للإجهاز النهائي على شراذم الطبقات البائدة وتنظيم الدفاع ضد الحصار الرأسمالي الذي لا يزال تدميره بعيدًا ولن يتم في وقت قريب."
(ستالين - تقييم الخطة الخماسية الأولى. (التشديد من عندنا – الحديدي))

إن إلغاء الطبقات المستغِلة لا يمكن أن يؤدي إلى إلغاء جميع وظائف الدولة طالما استمر الحصار الرأسمالي. هناك صنفان من الوظائف تميزان نشاط أي دولة: تلك المرتبطة بالاحتياجات الداخلية وتلك المتعلقة بخارج البلد.
لقد تغيرت وظائف الدولة الاشتراكية بشكل كبير منذ ثورة أكتوبر وستستمر في التطور مع التقدم نحو الشيوعية. وبنفس الطريقة يمكن أن تتغير أشكال الدولة حسب التغيرات في الوضع الداخلي والدولي. لكن الدولة ووظائفها المرتبطة بشكل خاص بالوضع خارج البلاد لا يمكن إلغاؤها طالما بقي الحصار الرأسمالي نفسه.
"يسأل البعض أحيانا:" لقد تم إلغاء الطبقات المستغلة عندنا ولم يعد هناك طبقات عدوة في البلد ولا يوجد أحد ليقمع، إذن لم تعد الدولة ضرورية ويجب أن تختفي. لماذا لا نساهم إذن في اختفاء دولتنا الاشتراكية؟ لماذا لا نسعى جاهدين للتخلص منها؟ ألم يحن الوقت للتخلص من كل هذه الخردة التي هي الدولة؟ "أو:" الطبقات المستغلة قضي عليها عندنا، الاشتراكية قد بنيت في خطوطها الكبرى ونحن ذاهبون إلى الشيوعية. ألم تقل النظرية الماركسية حول الدولة أنه في النظام الشيوعي يجب ألا تكون هناك دولة، لماذا لا نساعد في جعل دولتنا الاشتراكية تختفي؟ ألم يحن الوقت لإحالة الدولة إلى متحف الآثار؟ "
تشهد هذه الأسئلة على أن أصحابها تعلموا باجتهاد بعض الأطروحات من نظرية ماركس وإنجلز حول الدولة. لكنها تظهر من ناحية أخرى أن هؤلاء الرفاق لم يفهموا جوهر هذه النظرية ولم يتفطنوا إلى الظروف التاريخية التي تمت فيها صياغة بعض أطروحات هذه النظرية ولم يفهموا بشكل خاص الوضع الدولي الحالي، لقد نسوا الحصار الرأسمالي والأخطار التي تنجر من ذلك على بلد الاشتراكية. إن هذه الأسئلة لا تكشف فقط عن التقليل من أهمية الحصار الرأسمالي، بل تكشف أيضا عن التقليل من دور وأهمية الدول البرجوازية وأجهزتها التي ترسل إلى بلدنا جواسيس وقتلة ومخربين وتتحين اللحظة المناسبة لمهاجمتنا عسكريا. كما تكشف عن التقليل من دور وأهمية دولتنا الاشتراكية وأجهزتها العسكرية والقمعية ومصالحها الاستخبراتية اللازمة للدفاع عن بلد الاشتراكية ضد الهجمات من الخارج. "
(...)ما هو منبع هذا الانتقاص؟
يعود ذلك إلى أن بعض الأطروحات العامة للنظرية الماركسية عن الدولة لم يتم استكمال صياغتها وبقيت غير كافية. لقد انتشر هذا الانتقاص لأننا أظهرنا إهمالا لا يغتفر تجاه قضايا نظرية الدولة وذلك على الرغم من عشرين عامًا من الخبرة العملية في إدارة دولتنا، وهي تجربة توفر موادا غنيًة للتعميمات النظرية. وعلى الرغم من أن لدينا إمكانية، لو أردنا، لسد هذا النقص النظري بنجاح. "
(ستالين - تقرير إلى المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي).

متناولا أطروحة إنجلز حول تطور الدولة الاشتراكية وإلغاء الدولة، يحدد ستالين تحت أي ظروف تاريخية يمكن التحقق من هذه الأطروحة:
"أطروحة إنجلز هذه، هل هي صحيحة؟ نعم إنها صحيحة ، ولكن تحت أحد الشرطين:
أ) إذا درسنا الدولة الاشتراكية فقط من وجهة نظر التطور الداخلي للبلد بقطع النظر عن العامل الدولي مقدمًا ومع افتراض أن البلد والدولة، لغرض استقامة التحليل، خارج الظروف الدولية، أو
ب) إذا افترض المرء أن الاشتراكية قد انتصرت بالفعل في جميع البلدان أو في معظم البلدان وأنه بدلاً من المحيط الرأسمالي يوجد محيط اشتراكي: أي أنه لم يعد هناك أي تهديد بعدوان من الخارج وأنه لم تعد هناك حاجة لتقوية الجيش والدولة.
وإذا كانت الاشتراكية قد انتصرت في بلد واحد فقط، وأنه تبعا لذلك يستحيل مطلقا تجاهل الوضع الدولي – ما العمل في مثل هذه الحالة؟ بالنسبة لهذا السؤال، لا تعطي صيغة إنجلس إجابة بل إن إنجلز لم يطرح حتى مجرد السؤال. لذلك، لا يمكن أن نعثر لديه على إجابة عن هذا السؤال. ذلك أن إنجلز انطلق من فرضية أن الاشتراكية قد انتصرت بالفعل بصورة متوازية نوعا ما في جميع البلدان أو في معظم البلدان. وبالتالي، فإن إنجلز لا يحلل هنا هذه الدولة الاشتراكية الملموسة أو تلك في هذا البلد أو ذاك مأخوذا بمفرده، ولكن تطور الدولة الاشتراكية بشكل عام مفترضا أن الاشتراكية قد انتصرت في غالبية البلدان، حسب هذه الصيغة: "لنفترض أن الاشتراكية قد انتصرت في معظم البلدان، السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي التغييرات التي يجب أن تخضع لها الدولة الاشتراكية البروليتارية في هذه الحالة؟"
وحده هذا الطابع العام والمجرد في طرح المسألة يمكن أن يفسر لماذا تجاهل إنجلز تمامًا، في تحليل مسألة الدولة الاشتراكية، عاملًا مثل الوضع الدولي والظرف الدولي. "
(ستالين - تقرير إلى المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي).

بروح الماركسية، يجب استخدام تجربة الثورة السوفيتية والدولة الاشتراكية لتطوير نظرية الدولة في ظل الظروف التاريخية الجديدة، يقول ستالين :
"لقد نشأت الدولة من انقسام المجتمع إلى طبقات متناحرة، لإخضاع الأغلبية المستغلة لمصلحة أقلية من المستغلين. وكانت أدوات سلطة الدولة بالأساس الجيش والأجهزة القمعية وأجهزة المخابرات والسجون.ويتميز نشاط الدولة بوظيفتين أساسيتين: وظيفة داخلية (رئيسية) وهي إخضاع الأغلبية المستغلة، ووظيفة خارجية (وليست الوظيفة الرئيسية) وهي توسيع أراضي طبقتها، الطبقة المهيمنة، على حساب أراضي الدول الأخرى، أو الدفاع عن أراضي دولتها ضد هجمات الدول الأخرى. كان الأمر كذلك في ظل نظام العبودية والإقطاع. وهو كذلك في ظل الرأسمالية.
للإطاحة بالرأسمالية، كان من الضروري ليس فقط انتزاع السلطة من البرجوازية، ليس فقط مصادرة الرأسماليين، ولكن أيضا تحطيم آلة الدولة البرجوازية بالكامل، جيشها القديم، الجهاز البيروقراطي من الموظفين ، شرطتها، واستبدال هذه الآلة بنظام دولة جديدة بروليتارية، بدولة جديدة اشتراكية. هذا بالضبط ما قام به البلاشفة. لكن ذلك لا يعني البتة أن الدولة الجديدة البروليتارية لا يمكنها أن تحتفظ ببعض وظائف الدولة القديمة معدلة وفقا لاحتياجات الدولة البروليتارية. ولا يعني ذلك، من باب أولى، أن أشكال دولتنا الاشتراكية يجب أن تبقى ثابتة وأن جميع الوظائف الأصلية لدولتنا يجب أن نحافظ عليها برمتها في المستقبل أيضا. في الواقع، إن أشكال دولتنا تتغير وسوف تتغير مع تطور بلدنا وفي نفس الوقت مع تطور الوضع الخارجي.
لينين كان محقا تمامًا عندما يقول: "إن أشكال الدول البرجوازية متنوعة للغاية، لكن جوهرها واحد: في النهاية ، كل هذه الدول هي بطريقة أو بأخرى، ولكن بالضرورة، ديكتاتورية البرجوازية. ومن المؤكد أن الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية لا يمكن إلا أن يقدم وفرة كبيرة ومجموعة متنوعة من الأشكال السياسية، ولكن جوهرها سيكون بالضرورة واحدًا: ديكتاتورية البروليتاريا. (انظر "الدولة والثورة"، الأعمال، المجلد 25).

"منذ ثورة أكتوبر، مرت دولتنا الاشتراكية بمرحلتين رئيسيتين في تطورها:
المرحلة الأولى هي الفترة من ثورة أكتوبر إلى تصفية الطبقات المستغلة. كانت المهمة الرئيسية في هذه الفترة هي سحق مقاومة الطبقات التي أطيح بها وتنظيم الدفاع عن البلاد ضد عدوان المتدخلين واستعادة الصناعة والزراعة وتهيئة الظروف اللازمة لتصفية العناصر الرأسمالية. ونتيجة لذلك، قامت دولتنا بوظيفتين رئيسيتين خلال هذه الفترة. الوظيفة الأولى: قمع الطبقات المخلوعة داخل الدولة. في هذا، تذكرنا دولتنا ظاهريا بالدول الأخرى السابقة التي كانت وظيفتها تتمثل في قمع الطبقات المضطهدة، لكن مع اختلاف من حيث المبدأ، ذلك أن دولتنا قمعت الأقلية المستغلة لصالح الأغلبية العاملة، بينما قامت الدول السابقة بقمع الأغلبية المستغلة لصالح الأقلية المستغلة.
الوظيفة الثانية: الدفاع عن الوطن ضد العدوان من الخارج. وفي هذا الصدد أيضا، تذكرنا دولتنا ظاهريا، بالدول السابقة التي كانت هي أيضًا تقوم بالدفاع المسلح عن بلدانها. ومع ذلك، كان هناك أيضا اختلاف من حيث المبدأ، ذلك أن دولتنا كانت تدافع عن مكاسب الأغلبية العاملة ضد العدوان الخارجي بينما كانت الدول السابقة تدافع عن ثروات وامتيازات الأقلية المستغلة.
ولا تزال هناك وظيفة ثالثة: مهام التنظيم الاقتصادي والعمل الثقافي والتعليمي لأجهزة دولتنا، عمل كان يهدف إلى تطوير البراعم الأولى للاقتصاد الجديد الاشتراكي ، وإعادة تثقيف الناس بروح الاشتراكية ولكن هذه الوظيفة الجديدة لم تتطور بصفة جدية في ذلك الوقت.
المرحلة الثانية، هي الفترة الممتدة من تصفية العناصر الرأسمالية للمدينة والريف إلى الانتصار الكامل للنظام الاشتراكي للاقتصاد وإلى اعتماد الدستور الجديد. كانت المهمة الرئيسية لهذه الفترة هي تنظيم الاقتصاد الاشتراكي في جميع أنحاء البلاد وإزالة آخر بقايا العناصر الرأسمالية وتنظيم الثورة الثقافية
وتنظيم جيش حديث تماما للدفاع عن البلاد. ونتيجة لذلك، تغيرت وظائف دولتنا الاشتراكية. أصبحت وظيفة القمع العسكري داخل البلاد زائدة عن الحاجة واختفت بعد أن تم إلغاء الاستغلال ولم يعد المستغلون موجودين ولم يبق أحد لقمعه. لقد تراجعت وظيفة القمع إلى وظيفة حماية الملكية الاشتراكية ضد اللصوص والمفسدين للصالح العام. وتم الحفاظ بالكامل على وظيفة الدفاع العسكري عن البلاد ضد العدوان الخارجي وبالتالي، احتفظنا أيضًا بالجيش الأحمر والبحرية الحمراء فضلاً عن المنظمات العقابية وأجهزة المخابرات اللازمة لكشف ومعاقبة الجواسيس والقتلة والمخربين الذين ترسلهم مصالح التجسس الأجنبية إلى بلادنا. وتم الحفاظ كذلك والتطوير الكامل لوظيفة تنظيم الاقتصاد والعمل الثقافي والتعليمي لأجهزة الدولة.
الآن، تتمثل المهمة الأساسية لدولتنا داخل البلاد في القيام بعمل سلمي تنظيمي، اقتصادي وثقافي وتعليمي. فيما يتعلق بجيشنا وأجهزتنا القمعية وأجهزة مخابراتنا، فإن تركيزها لم يعد موجها نحو داخل البلاد بل نحو الخارج، ضد الأعداء الخارجيين.
كما ترون، لدينا الآن دولة جديدة تمامًا، دولة اشتراكية لم يسبق لها مثيل في التاريخ والتي تختلف بشكل كبير من حيث الشكل والوظائف عن الدولة الاشتراكية في المرحلة الأولى.
لكن التطور لا يمكن أن يتوقف عند هذا الحد. نحن نذهب إلى أبعد من ذلك، إلى الأمام نحو الشيوعية. هل ستبقى الدولة أيضا في مرحلة الشيوعية؟
نعم، ستبقى إذا لم تتم تصفية الحصار الرأسمالي، إذا لم يتم تجنب خطر الاعتداءات العسكرية من الخارج. ومن المفهوم أن أشكال دولتنا سيتم تعديلها مرة أخرى على ضوء التغييرات التي قد تحدث في الوضع الداخلي والخارجي.
لا، لن تستمر وستختفي إذا تمت تصفية الحصار الرأسمالي، إذا تم استبداله بالجوار الاشتراكي. ذلك هو الشأن فيما يتعلق بمسألة الدولة الاشتراكية. "
(ستالين - تقرير إلى المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي(التشديد من عندنا- الحديدي))

بعد الحرب العالمية الثانية، في عام 1950 ، لا يزال ستالين يؤمن بضرورة تقوية الدولة البروليتارية وتوطيد منظمات الدولة وذلك بسبب استمرار الحصار الرأسمالي.
"قال إنجلز في كتابه ضد دوهرينغ Dühring أن الدولة يجب أن تذبل بعد انتصار الثورة الاشتراكية . ولهذا السبب وبعد انتصار الثورة الاشتراكية في بلادنا، شرع العقائديون والتلموديون في حزبنا في المطالبة بأن يتخذ الحزب تدابير لجعل دولتنا تختفي في أسرع وقت وحل أجهزة الدولة والتخلي عن الجيش الدائم. ومع ذلك، واستنادا إلى دراسة الوضع العالمي في عصرنا، توصل الماركسيون السوفييت إلى استنتاج مفاده أنه في ظل التطويق الرأسمالي حيث أن انتصار الثورة الاشتراكية حدث في بلد واحد فقط وأن الرأسمالية تهيمن على جميع البلدان الأخرى، يجب على بلد الثورة المنتصرة ألا يضعف بل يعزز بكل الوسائل دولته، منظمات الدولة وأجهزة المخابرات والجيش، إذا كان هذا البلد لا يريد أن يسحق من قبل الحصار الإمبريالي. "
(ستالين - حول الماركسية وعلم اللغة).

* مع التقدم نحو الشيوعية في ظل التطويق الرأسمالي، يكتسي النضال دون هوادة ضد التيارات الانتهازية المعادية للينينية أهمية حاسمة

لقد أكد ستالين مراراً أن الحزب الشيوعي هو أداة ديكتاتورية البروليتاريا وأن هذه الأداة ضرورية للحفاظ على تلك الدكتاتورية ويجب أن يمارس هذا الحزب قيادته، قيادة البروليتاريا، للدولة. ولا يمكن طبعا تحقيق تقوية الدولة من دون دفاعات دائمة وتكريس الخط الشيوعي داخل الحزب ودون النضال ضد التيارات المعادية للينينية.
إن بقايا الرأسمالية في الاقتصاد وفي وعي الناس والتطويق الرأسمالي، هي بالفعل أرضية مواتية لإحياء هذه التيارات المعادية للينينية داخل الحزب.
"نحن نفهم أن تلك البقايا لا يمكنها إلا أن تتيح أرضية مواتية لإحياء أيديولوجية الجماعات المعادية للينينية المهزومة في عقول بعض أعضاء حزبنا. أضف إلى ذلك المستوى النظري غير العالي لغالبية منخرطينا وضعف العمل الإيديولوجي لمنظمات الحزب وكذلك حقيقة أن مناضلي حزبنا مشغولون جدا بمهام عملية بحتة الشيء الذي لا يسمح لهم بتكملة زادهم النظري، - وسوف تفهم من أين يأتي لدى بعض أعضاء الحزب هذا الارتباك في هذه المسائل أو تلك من مسائل اللينينية، ذلك الارتباك الذي غالبًا ما يتسرب في صحافتنا ويساهم في إحياء بقايا أيديولوجية الجماعات المعادية للينينية المهزومة ".
(ستالين -تقرير إلى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي (ح ش ب) للاتحاد السوفيتي).

لقد بين ستالين مرارًا كيف يجد الصراع الطبقي تعبيره الإيديولوجي داخل الحزب. ووصف تحول طرائق نضال التيارات المعادية للاشتراكية: من النضال المفتوح للتأثير على شرائح اجتماعية متذبذبة عندما يمثلون تيارًا سياسيًا في المجتمع، إلى النضال المقنع عندما لا يعودون يمثلون أي تيار في الطبقة العاملة ويخضعون مباشرة لأهداف أعداء الاتحاد السوفياتي. هذا الشكل المقنع من النضال خطير بشكل خاص لأنه يخفي أهدافه الحقيقية ويسعى إلى كسب ثقة العمال من خلال التنكر كشيوعيين أصدقاء لسلطة السوفييت وحتى ممارسة المديح المنافق إذا لزم الأمر.
"ما معنى تيار السياسي في الطبقة العاملة؟ التيار السياسي في الطبقة العاملة هو مجموعة أو حزب له طابعه السياسي المحدد بوضوح، له برنامج أو أرضية لا يخفيهم ولا يستطيع إخفاء وجهة نظره عن الطبقة العاملة، بل يدعو لها بصراحة وأمانة تحت أعين الطبقة العاملة ولا يخشى إظهار طابعه السياسي للطبقة العاملة بل على العكس من ذلك يذهب إليها كاشفا وجهه لإقناعها بصحة وجهة نظره. في الماضي، قبل سبع أو ثماني سنوات، كانت التروتسكية داخل الطبقة العاملة أحد التيارات السياسية من هذا النوع، معادي للينينية هذا صحيح، وبالتالي خاطئ للغاية، ولكن على الرغم من كل شيء كان تيارا سياسيا. هل يمكننا القول أن التروتسكية اليوم، على سبيل المثال التروتسكية لعام 1936، هي تيار سياسي داخل الطبقة العاملة؟ لا، لا يمكننا قول ذلك. لماذا ؟ لأن التروتسكيين اليوم يخشون أن يظهروا للطبقة العاملة وجوههم الحقيقية، لأنهم يخشون كشف أهدافهم الحقيقية، لأنهم يخفون بعناية عن الطبقة العاملة طابعهم السياسي خوفا من أن الطبقة العاملة إذا علمت بنواياهم الحقيقية فإنها ستلعنهم كغرباء عنها وتدفعهم بعيدا عنها. هذا ما يفسر، بالمعنى الدقيق للكلمة، أن الطريقة الأساسية للنشاط التروتسكي اليوم ليست الدعاية المفتوحة والمخلصة لوجهات نظرها داخل الطبقة العاملة، ولكن التمويه، والمديح المنافق والذليل لوجهات نظر الخصوم، وإهانة وجهات نظرها الخاصة وتلطيخها في الوحل."
"تكمن قوتهم (المخربين، التروتسكيين) في أن بطاقة الحزب تمنحهم الثقة السياسية وتمكنهم من الوصول إلى جميع مؤسساتنا ومنظماتنا. تكمن ميزتهم في أنه عن طريق هذه البطاقة وبالظهور كأصدقاء للسلطة السوفيتية، تمكنوا من خداع رجالنا سياسياً وأساءوا استخدام ثقتهم وقوضوا من وراء الكواليس وكشفوا أسرار دولتنا لأعداء الاتحاد السوفيتي ".
(ستالين -في سبيل تكزين بلشفي).

يمكن لليقظة السياسية داخل الحزب أن تفشل إزاء هذه التيارات المناهضة لللينينية خاصة لأنهم ينشطون بشكل أقل انفتاحًا. إن التمجيد الأحادي الجانب للنجاحات الاقتصادية ونسيان التطويق الرأسمالي والمستوى النظري غير الكافي، كلها عوامل يمكن أن تزعزع اليقظة، وأن تضعف القدرة على النضال ضد التيارات المعادية للاشتراكية داخل الحزب.
"الحقيقة هي أنه في السنوات الأخيرة، انغمس رفاقنا في الحزب بالكامل في العمل الاقتصادي وفي تمجيد النجاحات الاقتصادية إلى أقصى الحدود، وأمام هذا التمجيد نسوا كل شيء آخر، تخلوا عن الباقي.
[...] بالتأكيد النجاحات والإنجازات شيء عظيم. إن نجاحاتنا في مجال البناء الاشتراكي هائلة بالفعل. لكن النجاح، مثل كل شيء في العالم، له ظلاله أيضًا. إذ غالبًا ما تولد النجاحات العظيمة والإنجازات العظيمة لدى الرجال ضعيفي الخبرة اللامبالاة والتساهل والرضا عن النفس والثقة المفرطة بالنفس والشعور بالاشباع والتفاخر. لا يمكن إنكار أن المتفاخرين يتكاثرون لدينا مؤخرًا. وليس من المستغرب أنه في هذا الجو من النجاحات الكبيرة والهامة في مجال البناء الاشتراكي، تظهر ميول نحو التباهي والاستعراض الصاخب لنجاحاتنا وميول إلى التقليل من قوى أعدائنا والمبالغة في تقدير قوتنا ويؤدي كل ذلك إلى العمى السياسي."
"علينا أن نتذكر وألا ننسى أبدا أن التطويق الرأسمالي هو الحقيقة الأساسية التي تحدد الوضع الدولي للاتحاد السوفيتي.
[...] وأن نشرح لرفاقنا في الحزب أنه لا يوجد نجاح اقتصادي مهما كان عظيمًا، يمكن أن يلغي حقيقة التطويق الرأسمالي والعواقب الناشئة عن هذه الحقيقة."
(ستالين -في سبيل تكوين بلشفي).

بين ستالين بشكل ملموس، خلال كامل مجرى النضال الذي خاضه الحزب الشيوعي (ب) لبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، كيف أن انتصار هذا التيار أو ذاك المناهض لللينينية في الحزب سيسهل ارجاع العلاقات البرجوازية.
إن الضغوط التي تمارسها الإمبريالية تعيد إحياء وتقوية هذه التيارات المعادية لللينينية والتي إذا انتصرت يمكنها أن تضع تدابير تهدف إلى إرجاع العلاقات البرجوازية.
إن الضمانة الكاملة ضد عودة العلاقات البرجوازية، كما حرص ستالين على التاكيد في عام 1938 وقبل ذلك في عام 1924 ، ممكنة فقط على المستوى الدولي. إن مسألة الانتصار النهائي للاشتراكية لا يمكن حلها بجهود الاتحاد السوفياتي وحده دون مساعدة جادة من البروليتاريا العالمية. إن مساعدة البروليتاريا العالمية بعملها الموحد من أجل تقوية الدفاع عن الاتحاد السوفيتي وتعبئة البلد بأسره يمكنها أن تمكن من الصمود ضد العدوان ومحاولات إرجاع العلاقات البرجوازية. ولكن هذه الإمكانية لا تترجم تلقائيًا إلى واقع.

"تعلم اللينينية أن" الانتصار النهائي للاشتراكية بمعنى الضمان الكامل ضد إرجاع العلاقات البرجوازية ممكن فقط على نطاق دولي "... وهذا يعني أن المساعدة الجادة للبروليتاريا العالمية هي القوة التي بدونها لا يمكن حل مسألة الانتصار النهائي للاشتراكية في بلد واحد.
بالطبع، هذا لا يعني أننا يجب أن نجلس مكتوفي الأيدي وننتظر المساعدة من الخارج. على العكس من ذلك، يجب أن تتحد مساعدة البروليتاريا العالمية مع عملنا من أجل تعزيز الدفاع عن بلدنا وتقوية جيشنا الأحمر وأسطولنا الأحمر وتعبئة البلد بأسره للنضال ضد العدوان العسكري ومحاولات إرجاع العلاقات البرجوازية. إليكم ما قاله لينين عن هذا الموضوع:
"نحن لا نعيش فقط في دولة، ولكن في نظام دولي، ووجود الجمهورية السوفيتية جنبًا إلى جنب مع الدول الإمبريالية أمر لا يمكن تصوره لفترة طويلة. وفي النهاية، إما هذا الطرف أو ذاك يجب أن يفوز على الآخر. وقبل أن تأتي هذه النهاية، فإن نشوب عدد من النزاعات الرهيبة بين الجمهورية السوفيتية والدول البرجوازية أمر حتمي. "
(ستالين -جواب على رسالة إيفانوف (التشديد من عندنا – الحديدي)).

"يمكننا القول إن هذا النصر نهائي إذا كانت بلادنا على جزيرة وإذا لم يكن حولها عدد من البلدان الأخرى، بلدان رأسمالية. ولكن بما أننا لا نعيش على جزيرة، ولكن "في نظام دول" معظمها معاد لبلد الاشتراكية مما يخلق خطر التدخل وإرجاع العلاقات الرأسمالية، لذلك نقول بصراحة وصدق أن انتصار الاشتراكية في بلادنا ليس بعد نهائيا.
(الرد على رسالة إيفانوف -المجلد الرابع عشر ، الصفحة 183).

في نفس الوقت الذي رسم فيه البعد العالمي للثورة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية والفترة التاريخية للصراع بين النظامين التي دشنتها وتسليط الضوء على الكيفية التي يجد فيها الصراع الطبقي في كل مرحلة من مراحله تعبيرًا ملموسًا داخل الحزب الشيوعي، يقدم ستالين جملة من العناصر التي تسمح لنا بفهم الطابع الشرس وغير المنقطع بالضرورة لصراع الإمبريالية ضد الاشتراكية وتطور وتنوع أساليب تدخلها.
سواء من خلال التدخل العسكري أو الترهيب المسلح أو تأجيج البقايا الرأسمالية أو تقوية التيارات المعادية لللينينية، فإن الأمر يتعلق بالنسبة للامبريالية، بمحاولة تدمير الاشتراكية واستعادة العلاقات البرجوازية. إن إمكانية استعادة العلاقات القديمة وأساليب الصراع تتغير حسب درجة التطور التي وصل إليها النظام الاشتراكي وقوة أجهزة الدولة وقوة الحركة الثورية العالمية.

بالتوازي مع الاستعدادات للتدخل المسلح، أمكن للإمبريالية، حتى المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي البلشفي، أن تحاول دعم الطبقات المستغلة القديمة وحلفائها المباشرين على الصعيد الاقتصادي، مما أدى إلى إثارة وتقوية التيارات المعادية لللينينية داخل الحزب الشيوعي التي عارضت التحولات الاقتصادية الاشتراكية أو، على العكس من ذلك، أرادت تسريعها بشكل مصطنع من أجل عزل الدولة البروليتارية. بعد المؤتمر السابع عشر وتصفية القاعدة الاقتصادية للطبقات المستغِلة بصفة أساسية ، لم تعد الإمبريالية قادرة على محاولة استعادة العلاقات البرجوازية إلا من خلال إثارة وتأييد انتصار تيارات مناهضة لللينينية مستعدة لاتخاذ تدابير تعدل في الشروط الاقتصادية للاشتراكية من أجل توسيع مجال عمل القوانين الاقتصادية القديمة. (إذ لم يعد من الممكن القيام بمحاولات استعادة العلاقات البرجوازية إلا على الأساس الجديد الذي أوجدته الاشتراكية ولم يعد من الممكن ببساطة إعادة العلاقات الموروثة من روسيا القيصرية).
بعد الحرب الإمبريالية الثانية، اكتسب النظام الاشتراكي بلدانًا جديدة، لكن ليس البلدان الرئيسية للرأسمالية. وبالتالي فإن الحصار الرأسمالي ظل قائما. لقد أظهرت الدولة السوفيتية وجيشها ونظامها الاجتماعي في الواقائع حيويتها. الإتحاد السوفييتي لم يعد محاطا من جميع الجهات بدول ذات حكومات معادية كما كان الحال قبل الحرب العالمية الثانية. والشعوب ليست مستعدة لمحاربة الاشتراكية وكل المخططات الحربية لدعاة الحرب مثل تشرشل تؤدي فقط إلى الانتفاضة ضدهم في حركات معارضة عميقة.
وبعد الهزيمة التي لحقت بالإمبرياليين الألمان في الاتحاد السوفيتي وفشل الأهداف الإمبريالية في كوريا ونهاية الاحتكار الذري للولايات المتحدة الأمريكية، أصبح طريق التدخل المسلح ضد النظام الاشتراكي أكثر خطورة من أي وقت مضى على الإمبريالية.
"لقد أظهرت الحرب أن النظام الاجتماعي السوفييتي هو نظام شعبي حقيقي، نابع من أعماق الشعب ويتمتع بدعمه القوي؛ وأن النظام الاجتماعي السوفيتي هو شكل من التنظيم الاجتماعي راسخ وقابل للحياة..."
(ستالين -خطاب أمام جمعية الناخبين (فبراير 1946)).
"لا يمكن النظر إلى التأثير المتزايد للشيوعيين على أنه مصادفة، ولكن كظاهرة شرعية تمامًا.
ازداد تأثير الشيوعيين لأنه خلال السنوات الصعبة للسيطرة الفاشية في أوروبا، أظهر الشيوعيون أنهم مقاتلون موثوق فيهم مليئون بالجرأة ويضحون بأنفسهم ضد النظام الفاشي ومن أجل حرية الشعوب [ ...] هكذا إزداد تأثير الشيوعيين في أوروبا. هذا هو قانون التطور التاريخي. بطبيعة الحال، السيد تشرشل غير راضٍ عن مثل هذا التطور للأحداث، وهو يدق ناقوس الخطر داعياً إلى أستخدام القوة [...]
لا أعرف ما إذا كان السيد تشرشل وأصدقاؤه سينجحون في تنظيم حملة عسكرية جديدة ضد "أوروبا الشرقية" بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن إذا نجحوا، وهو أمر غير مرجح، لأن الملايين من "بسطاء الناس" يقفون على أهبة الاستعداد للدفاع عن قضية السلام، يمكننا القول بكل ثقة أنهم سيهزمون مثلما انهزموا من قبل منذ ستة وعشرين عامًا. "
(ستالين -مقابلة حول خطاب السيد تشرشل (مارس 1946)).
ويقول ستالين :
"[...] إن الحرب ضد الاتحاد السوفياتي، بلد الاشتراكية، هي أكثر خطورة على الرأسمالية من الحرب بين البلدان الرأسمالية. لأنه إذا كانت الحرب بين البلدان الرأسمالية لا تطرح سوى مسألة سيطرة بعض البلدان الرأسمالية على البعض الآخر، فإن الحرب ضد الاتحاد السوفياتي يجب أن تطرح بالضرورة مسألة وجود الرأسمالية ذاته ... "
(القضايا الاقتصادية للاشتراكية).
إذا كان التدخل العسكري ضد الاشتراكية أمرًا خطيرًا بالنسبة للامبريالية، فإنها مع ذلك لا يمكن أن تسمح بخسارة سوق كبيرة وبوجود نظام من البلدان الاشتراكية يعمق بقوته وتأثيره من أزمتها العامة ويؤدي في النهاية إلى تدميرها. لذلك لا يمكن للنضال الطبقي الذي تخوضه البرجوازية أن يخمد، بل على العكس من ذلك، نجده يتكثف ويسعى إلى تحسين أساليب نضاله من أجل محاولة إضعاف أو تدمير النظام الاشتراكي وتقويض أو تحطيم دولة دكتاتورية البروليتاريا وأداتها الحزب الشيوعي اللذان يعارضان هذا التدمير.

لم يكن غياب النضج الثوري في البلدان الإمبريالية الرئيسية يعني الاستعادة الحتمية للعلاقات البرجوازية في الاتحاد السوفياتي، لكنه مع ذلك قدم أرضية أكثر ملائمة للأنشطة الإمبريالية من أجل خلق وتطوير التيارات التحريفية في الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي - وفي الأحزاب الشيوعية الأخرى – وإقامة شبكات التخريب والجوسسة الخ.
وقد تمكنت عصابة خروتشوف سنة 1953 والسنوات التي تلتها من إحكام سيطرة التيار التحريفي البرجوازي على الحزب الشيوعي والدولة السوفياتية باغتيال ستالين والقضاء على جميع القادة القادرين على مقاومة هذا التيار. وكانوا قادرين تحت قناع الشيوعية على توسيع نفوذهم و التطور بحرية أكبر والتخلص من المعارضين بسهولة أكبر و كان عليهم أخيرًا تشويه سمعة شخص ستالين من أجل تسهيل قبول التغييرات في التوجهات التي تنتهك بشكل صريح الأفكار والمفاهيم الواردة بشكل خاص في "آخر الكتابات" النظرية لستالين. فقام الإنقلابيون بالخصوص بتوسيع مجال الاقتصاد البضاعي ومجال تدخل قانون القيمة ليصبح الضابط للإقتصاد بدل تضييق مجال تدخلهما باستمرار والتخلي عنهما على مراحل مع بلوغ مرحلة الشيوعية مثلما شرع في ذلك ستالين. وتم تهميش هيئات التخطيط المركزي ومنح أوسع السلطات لمدراء المؤسسات الاقتصادية لتنظيم الانتاج والتأجير وفق "معايير الجدوى" وبذلك تم ضرب القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية المتمثل في قانون التطور المتناسق للاقتصاد. وقام التحريفيون ببيع وسائل الانتاج للكولخوزات وبذلك انحدروا بها إلى مستوى الضيعات الرأسمالية بدل رفعها إلى مستوى "إنتاج الشعب كله"...الخ.

اليوم، وعلى الرغم من الهزيمة التي لحقت بالبروليتاريا في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. والتداعيات الكارثية التي لا حصر لها لهذه الهزيمة بالنسبة للبروليتاريا في جميع البلدان وللشعوب المضطهدة في أشباه المستعمرات، فإن التناقضات التناحرية التي يفرزها ويطورها نظام الإنتاج الرأسمالي والتي تجلت قبل الحرب العالمية الأول والثانية وأسفرت عن انتصار الثورة وتمددها ، ستعاود البروز مرة أخرى مع زيادة حدتها مهما طالت فترة "الهدوء".
إن تفاقم تناقضات الإمبريالية سيؤدي حتما إلى أن تفتح الثورة البروليتارية طريقا لها مرة أخرى لتدشن توسعا غير مسبوق للحركات الثورية والتحررية. ولا شك أن استعادة الإنجازات النظرية الناتجة عن تجربة دكتاتورية البروليتاريا في الاتحاد السوفيتي والحركة الثورية الأممية في زمن لينين وستالين وأخذ العبرة من الهزائم التي حصلت بعد عام 1953 وتقييم الآفاق الثورية الحالية، سيزيد من تسليح البروليتاريا بأكثر صلابة ويهيئها لانتصارات جديدة حاسمة.
يقول ماركس :
"[...] يجب أن نعتبر دكتاتورية البروليتاريا والانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية ليس كفترة عابرة من الإجراءات والمراسيم "الثورية جدا" ولكن كحقبة تاريخية كاملة مليئة بالحروب الأهلية والنزاعات الخارجية وبالعمل العنيد في التنظيم والبناء الاقتصادي ، وبالهجمات وبالتراجعات وبالانتصارات وبالهزائم.
[...]
ومخاطبا العمال :
"سيكون عليكم أن تمروا بخمسة عشر، وعشرين، وخمسين عامًا من الحروب الأهلية والحروب بين الشعوب، ليس فقط لتغيير العلاقات القائمة، ولكن لتغيير أنفسكم وجعلكم قادرين على ممارسة السلطة السياسية ". (انظر" رؤى حول محاكمة الشيوعيين في كولونيا "، ك. ماركس و ف.إنجلز.)"
ويقول ستالين :
"إن نضال البروليتاريا ليس هجوما متواصلا، سلسلة نجاحات متواصلة. نضال البروليتاريا له أيضا محنه وهزائمه. الثوري الحقيقي ليس ذلك الذي يظهر الشجاعة أثناء الانتفاضة المنتصرة، بل هو الشخص الذي مع معرفته القتال بصورة جيدة أثناء الهجوم المظفر للثورة، يعرف أيضًا كيف يظهر الشجاعة في فترة تراجع الثورة وهزيمة البروليتاريا، هو الشخص الذي لا يفقد عقله ولا "ينهار" أثناء هزائم الثورة ونجاحات العدو، هو الشخص الذي لا يصاب بالهلع و اليأس في فترة تراجع الثورة. "
(تروتسكية أو لينينية - نوفمبر 1924).
يمكن للرأسمالية أن تثبت نفسها جزئيًا، ويمكنها ترشيد إنتاجها، وتسليم قيادة البلاد إلى الفاشية، وتقليص الطبقة العاملة مؤقتًا، "لكن أزمة الرأسمالية العالمية ستصل إلى درجة من التطور بحيث ستفتح نيران الثورة حتما ممرا لها أحيانا في مراكز الإمبريالية، وأحيانًا في محيطها، مما يعجل يوم سقوط الرأسمالية."
الطابع الدولي لثورة أكتوبر." (ستالين - الطابع العالمي لثورة أكتوبر).