تجديد المواجهة الكونيه العراقوأمريكيه؟/2

عبدالامير الركابي
2020 / 9 / 3

عبدالاميرالركابي
بعد "وطنيه مناهضة الاستعمار" وليدة طور الدولة المفبركه على يد الاحتلال 1921/ 1958 ، تحل على المناح "السياسي" العراقي، حقبة ونموذج "وطنية مناهضة الدكتاتورية"، وليدة الطور الثاني 1968/2003 ، لامجال لان نعثر بين هذين المنحيين على أي ملمج من فكر(1)، او مراجعه مناسبة للمطلوب من أي نوع كان، بغض النظر عن نوع المتغير، والمرحليه بين حقبتين متباينتين، فالامور في هذه البلاد تحدث محفوفه بغلبه الجانب العملي المطلقة، بينما تفعل "الأفكار"، في حال وجدت، وهو امر نافل، لتؤدي غرض الشرح المقتضب، الاوامري والتبريري، والانتماء هنا سابق بمراحل على المحاجه، او على القناعه، بالاخص اذا كان الامر يتعلق بما هو شرط يقع على العقل لاجل اختراق مايحول دون ملاقاة الذات، او الفعل اتفاقا مع احكامها، ونوع اشتراطاتها.
في مثل هذه الحالة، لم يكن متاحا لشكل من "الوطنيه التي تهادن الدكتاتورية" في حال وجدت، استجابه لمفعول لحظة استثناء، ان تكون اكثر من مجازفة، تظل تعاني من نقص الهوية والشرعية، وتقع خارج الاطار "الوطني" الغالب، بغض النظر عن كونها تنتمي الى الصنف الأول المنتهي من ناحية موقفها من "الاحتلال" الأجنبي والغزو، ذلك لان الوطنيه الوحيدة المقرة وقتها، والتي يمكن قبولها اليوم، هي تلك التي تناصب "الدكتاتورية" العداء المطلق، فقط لاغير، وذلك ماقد جعل قوى "المعارضة" بمختلف مجموعاتها واطرافها تنحاز لجبهة الغزو والاحتلال. بينما ظلت "المعارضة الوطنيه العراقية" المناهضة للغزو،خارج الفعاليه الجدية، بغض النظر عن محاولتها الحضور كطرف تتسم حركته بالجرأة والابداعية على صعيد المحاججه والمقترح، ومنه وعلى راسه مشروع "المؤتمر التاسيسي"(1) ومساعي بلورته عالميا وعربيا، ومن ثم عراقيا. الامر الذي وضع القيمين عليه في الواجهة، وركز هجوم ومحاولة شيطنة الأجهزة المخابراتية الامريكيه، والعاملين بخدمتها عليهم، وعلى شخصيات بعينها تبرع بتنفيذها"وطنيون" ملتحقون ببريمر والسفارة الامريكيه، مديرة شؤونهم ومسيرتهم الجديده.
كل هذا لايمكن مقاربته بالفعل، مادامت خاصية الازدواج المجتمعي مغفلة وغير حاضرة كعامل فعل رئيسي، فاعل في المسارات وتطور الاحداث العراقية ابان الطور المستمر من عام 1917 حتى حينه، وبالذات ابان ثورة 14 تموز وازدواجها ك "انقلاب" و "ثورة"، ينتميان لعالمين ومستويين ومسلكين متعارضين، يجري الى اليوم اجمالهما لصالح المنظور الأحادي (2)، مامن شانه تغيب دلالات الاحداث والظواهر وسيرورتها، بمنحها بعدا واحدا هو بالأحرى اكراه وتنميط لحالة، هي وكما تتجلى في الواقع "أخرى" مختلفة تماما وكليا، وقد تجلت يوما وعلى وقع "البيان رقم واحد"، بانطلاق الأساس اللادولوي الأسفل عفويا، وتكرارا كما في ثورة العشرين، من دون تمثيل، مافتح الباب وقتها امام اطراح التمثيل المستعار الاستبدالي، الذي اضطر "مجتمع اللادولة" الأسفل الى استخدامه وقتها، ردا على الهجوم الاستعماري الأخطر والامضى من اعلى، كما تمثل بقانون التسوية عام 1932 مرتكز هجوم دولة الاحتلال المفبركة من خارج النصاب المجتمعي، وباستباق اكراهي لعملية التشكل الوطني الازدواجي الامبراطوري التاريخي،واستهدافها شكل ملكية الأرض التاريخي الذي هو قاعدة واساس مجتمع و"دولة" اللادولة البنيوية التاريخيه العراقية.
وجدت ظاهرة "وطنية مناهضة الدكتاتورية"، خارج أي تماس اوعلاقة يحسب حسابها بالبنية التاريخيه والخاصيات البنيوية، وتحديدا خارج اليات الاصطراع الازدواجي الغالب والاساسي في الصراعية العراقو / بريطانيه في حينه، وفي حين كانت قوى "الوطنيه الأولى الحزبيه" ـ قوى مناهضة الاستعمار ـ قد بلغت مع ثورة تموز لحظة حاسمه كانت تستوجب توقفها امام الاشتراطات التاريخية والاليات الفاعله خارج الاستعارة، بعد ان كانت فقدت وقتها، وعلى وقع الثورة، الحد الأدنى من التماس مع مجتمع اللادولة الأسفل، والذي كان قد قبلها كاستبدال بظل غياب تمثيليته المطابقة الخاصة، واستخدمها استبدالا ازدواجيا بوجه الدولة المفبركه من اعلى، ونمط هجومها المركز على أساس مجتمع اللادولة المادي / شكل ملكية الأرض، بينما واصلت هذه نفس موضوعاتها البرانية الاكراهية المستعره، لتدخل عالما من التخبط والعزلة الكلية عن الواقع، ولتتحول الى قوى منفصلة عن مجرى وحيثيات الصراع الازدواجي ابان لحظة كرست بعد عشر سنوات من ثورة تموز، صيغة ريعية من صيغ الانتقاص التاريخي الذي هوقانون تضطر الدولة من اعلى بحكم اليات الازدواج وضغطها، للذهاب الية، مع ان ذلك لم يكن ممكنا اليوم، وان بصيغة من صيغ العقائدية "الوطنيه"، وطبعتها "القومية"، بشرط الريع النفطي، والنواة القرابيه.
وقتها كان العراق قد عاد من دون قوى تعبير عن ازدواجيته، وبالأخص عن مجتمعيته السفلى، وان تكن مستبدله، كما كان حصل بعد الثلاثينات، وصولا الى 14 تموز1958، ليعود مرة أخرى الى ثورة العشرين، فعالية حيوية بلا تمثيل من اسفل، وحضور ريعي عقائدي قرابي من اعلى، ولنصبح من يومها امام طور جديد من التاريخ الازدواجي، مفتوح على العودة مجددا الى زمن "العيش على حافة الفناء" ومينتظر ان يرثه من محركات مستجدة، وهو ما يبدأ عام 1980 مع الحرب العراقية الايرانيه، ويظل قائما مع مايبطنه من احتمالات انقلابيه استثنائية، الى اللحظة الراهنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفهوم " الفكر" عند الشيوعيين كمثال بارزهو "فكر ماركس ولينين"، لاوجود سواه لاي شيء يمت بصله هنا من قريب او بعيد لفكر "العراق"، موضع تأسيس المجتمعية البشرية، حيث سومر، واكد، وبابل، وبغداد، موضع كوراجينا حين عرفت لأول مرة في التاريخ البشري كلمة ( حرية/ امارجي) وكل المعروف اليوم من "حقوق الانسان"، والثورة باسم المضطهدين والمظبومين، موضع كلكامش اعظم جموح عقلي خارج الجسدية، والقرامطة، والاسماعيليين، واخوان الصفا... ومالايعد ولايحصى من المنجزات الباهرة العظمى، عدا منجزه التاريخي الكوني الابراهيمي عقيدة "العالم"، والبشر الرئيسية الثابته مع تعدد قراءاتها،على مدى القارات، ومنذ عشرات القرون.
(2) وجد مقترح "المؤتمر التاسيسي الوطني العراقي" ابان الغزو وعلى وقعه، وقام على القول بحصول حالة فراغ هو الثاني بعد نهاية وجود العثمانيين، نتج عن تدمير الدولة القائمه منذ 82 عاما على يد الغزو الامريكي، لامجرد اسقاط النظام الدكتاتوري، مايستوجب الدعوه الى مؤتمر عراقي عام، يضم كل ممثلي المجتمع العراقي لاجل التداول، بغية الاتفاق على شكل النظام الذي يريدون العيش في ظله من هنافصاعدا، وكان كاتب هذه السطور قد وجه عبر تلفزيون "الجزيرة" القطري، نداء بهذا الصدد الى السيد السيستاني، طالبا اليه تبني الدعوه لعقد هذا المؤتمر، قبل ان يلتئم شمل 11 شخصية في اجتماع في باريس اثناء انعقاد "المنتدى الاجتماعي الأوربي"، ليتقرر تشكل "هيئة تاسيسية" من الحاضرين" تعمل على تجسيد المؤتمر في المحافل، وداخل العراق"، وقد عرض المقترح عالميا كخيار اخر مطروح مقابل الخيار الأمريكي، في جكارتا في أيار من عام الغزو، اثناء المؤتمر العالمي لقوى مناهضة العولمه، كما عرض من خلال وفد حضر للقاهرة من حوالي 11شخصية من غير المؤسيين، امام عمر موسى، امين عام الجامعة العربية في القاهرة، في مقر الجامعه العربيه، وأخيرا تم عقد "المؤتمر التحضيري للمؤتمر التاسيسي" في بيروت، في صيف عام 2004 وحضره من العراق 350 شخصية من داخل العراق من مختلف الانتماءات والتيارات، مادفع بالامريكيين لاعتقال العديد من الحاضرين بعد عودتهم للعراق، وايداعهم سجن بوكا، كما تم اغتيال اخرين، والى شن حمله تسقيط وتشويه منظمه ضد شخص كاتب هذه السطور، اضطلع بها بعض عملاء الاحتلال، بما في ذلك شيوعيو بريمر.
(3) تظهر رغم ذلك تحسسات داله على بروز ظاهرة انشطار المبادرة والفعل، كتلك التي تقول بان ثورة 14 تموز"ثورة اريد لها ان تتحول الى انقلاب"، مقارنة بثورة 23 تموز1952 المصرية، التي يقال عنها بانها "انقلاب تحول الى ثورة"، دلالة على ان الثورة في مصر ان حصلت لاتاتي الا من داخل الدولة، علما بان اشارت ذات دلاله لهذه الجهه، قد وردت في تقييمات عالميه، مثل راي مكسيم رودنسون عن 14 تموز العراقية، واعتبارها الحدث الثوري الوحيد الذي يمكن نسبته لعالم الثورة في الشرق الأوسط، الا ان كل هذا لم يصل باية درجة، لحد إقرار أساس الازدواج ومفاعليه وتجلياته، بالاخص فيما وضع من تآليف عن الثورة عراقيا اكاديميا وعربيا، والاهم هو الرأي السائر المستمر معتمدا الى الان بخصوصها، امعانا في تشوية دلالاتها.