رحلة إلى جزيرة جيمس بوند - تايلاند.

دينا سليم حنحن
2020 / 9 / 3

دينا سليم حنحن - بريزبن

يبقى سرّ الكاتب هو الاكتشاف، وطالما هو حيّ، لا يكتفي أبدا من اكتشافه لنفسه، ولوطنه وللعالم، دائم الصيرورة، ويطمح إلى معرفة المزيد والجديد، باحث دؤوب عن آفاق العالم وأسراره، ويغوص فيه حتى النخاع، فما يراه هو لا يستطيع أن يراه الآخرون.
أظن أن رحلتي هذه ستلفت نظر المتلقي كونها مسكونة بالغرائبية العالية والتوفيقية في التقاط الصور لجزيرة جيمس بوند، أو، كو تابو، جزيرة تقع في خليج بان ناه، في تايلاند.
للوصول إلى الجزيرة، استقللتُ مركبا بحريا، تسلّقتُ السطح وجلستُ وكاميرتي بيدي.
حضر الكابتن ويدعى (رو)، وتربّع في المقطورة مرتديا لباس البحر، لم يكن "كابتن" بقبعة أو في بذلة رفيعة، فمن يستقل هذا النوع من القوارب عليه أن يكون جاهزا للغوص والسباحة. أما مساعديه فانهمكوا بفتح الأشرعة، وكلهم في عمر أبنائي.
انهمك (رو) بالرّد على عدة مكالمات عبر "الواير لس" نبأته بوصول عاصفة قوية، لكنه استمر في شق الأمواج مسرعا. أبحر بنا وعيناه تسرقان من بعض وجهي، شرح لي بعض المعلومات عن الجُزر التي مررنا بها، والمغروسة في المحيط الهندي بروعة تخلب الألباب.
سألني: هل أحببتِ المكان؟
لم أعرف كيف أجيبه وأنا مغمورة بالمشاهد الخلابة، وهل هو توقيت جيد أن أنهمك معه في محادثة وجميع حواسي كانت قد وضعت في المكان الساحر، بين الحين والحين، كنتُ قد بدّلت وجهتي إلى الجانبين، ودرتُ برأسي سريعا حتى أحصل على مزيد من الرؤية.
أحسستُ أني خارج منطق الكلام، بينما الكائنات المتحركة، منهم من جهّز الطعام المكون من الأسماك البحرية الطازجة بأطباق شهية، وأخذ العمّال يتفقدون جهات المركب تحسبا من الغرق، وذلك بعد أن هبّت رياح عاتية مسحوبة بأمطار غزيرة سحبتها الريح إلى الداخل، لم أشعر بالخوف نهائيا، لأنني مؤمنة أننا بعيدون عن الغرق، فجميعنا هنا مغامرون، والمغامر يصحب معه ابتسامة الخلاص.
أخرجني الكابتن من صومعة تفكيري وقال:
- الطقس اليوم حار جدا، والرطوبة عالية ونحن معتادون على تقلبات الطقس.
حاول إغرائي بالكلام، بينما حاولت لملمة بعض شدوهي وثقل أنفاسي، لا أريد تبادل الحديث الآن، فهذا قرار حياتي اتخذته منذ مدة طويلة، لا كلام لحظة التأمل، أردت أن أقول له، (أسكت يا رو)، ( اصمت يا أخي)، ( كفّ عن القول يا محترم)، (اتركني بلا كلام)، لكني عدت بي، فأنا الآتية من الشرق يجب أن تكون عند حسن ظنّ الجميع، أنا العصفورة التي وصلت مقصوصة الجناح، يجب أن تراعي أحاسيس الآخرين، أنا المسكونة بالخوف، يجب أن تسمع كل ما يقوله الناس وأن تتسلح بقناع الشجاعة، وأنا المهمومة بلملمة ما تركه الماضي للحاضر يجب أن تجيب بلطف وبهدوء.
وصلنا مياه الخليج، حينها طلب مني (رو) القفز داخل المحيط لألتحق بزورق صغير أنتظر على سفح المياه، ليقلّني إلى الخليج المشرف على جزيرة جيمس بوند.
كان الوقت ظهرا واحترق قرص الشمس، ترددتُ، واحترتُ، وتلوّثت شجاعتي بشعور مختلف، بعض الخوف المختلط بالقلق، استيقظتُ لحظتها على حقيقة، أنني في بقعة ما على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، على جزيرة لا يعرفها سوى من تابع روجور مور في فيلم جيمس بوند، إنتاج سنة 1974، صاحب المسدس الذهبي، معشوق النساء في حينه، عندما كان في كامل وسامته، لقد حضر الطاقم من هوليوود إلى هنا وتمّ التصوير على سفن عائمة وسط المحيط. من يعود إلى "غوغل" بإمكانه العثور على المَشاهد الرائعة والحيّة.
لا مفرّ، ويجب تكملة الرحلة، وحتى أحظى بالمزيد من المَشاهد علي النزول إلى البحر غطسا، أو سباحة، أو سحلا. سحلتُ جسدي المرتجف، نزلتُ من المركب واستقللتُ القارب الصغير، مال القارب فملتُ معه، صرختُ فاستقام، وبلحظة أصبحت وحيدة على قارب في مكان مجهول، في مكان ما في بلاد الله الواسعة، لكن، أضعتُ خاتمي الذي اعتمدته في اصبعي لسنوات، ضحك (رو) من بعيد قائلا:
- لا تبحثي عنه، فما ضاع قد ضاع، هذا خاتم النجاة، خاتم مبروك، لولاه لضعتِ أنتِ في المياه، إلهنا يقول: " الصحة أعظم هبة، والقناعة أكبر ثروة، والإيمان أفضل علاقة "، انتظر عودتكِ لنتناول الطعام معا.
يا لها من مغامرة، رحلة سخية في بلاد العم غوتاما بودا، المتوفي سنة 483 ق.م. لكن، من لا يحسن السباحة عليه المكوث في بيته وألا يخرج منه أبدا.
...
الصور: عدستي الخاصة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية