تجديد المواجهه الكونية العراقوأمريكية؟/1

عبدالامير الركابي
2020 / 9 / 1

تجديد المواجهه الكونيه العراقوأمريكيه؟/1
في التسعينات كانت المواجهة العراقية/ الامريكية الناشبة قد حظيت موضوعيا، وحتى على المستوى الاجرائي العملي، بما يوطن الإحساس على تعدي ماهو حاصل لمجرد ردود الفعل، او التفاعلات للمتعارف عليه من الاصداء، او الاجتذاب الشامل للاهتمام والمشاركة المعروفة، لامن حيث بعدها الجغرافي، وانما من حيث دلالتها الايحائية، بحيث استحقت، وقتها ان تنسب لنوع المجابهات ذات البعد او الطابع الكوني، مع ملاحظة انها استحثت او زادت من تاجيج ووجاهة تعبيرات اممية بدت وريثة للتعبير "التحرري" المعروف، مثل حركة "مناهضة العولمعه العالمية" وماقد تمكنت او تهيأ لها في حينه من قوة تحشيد كوكبي وصلت ل 13 مليون متظاهر مناهضين للحرب على العراق، على الطرف المقابل كانت الولايات المتحدة قد حشدت مايزيد على الثلاثين دولة في تحالف حرب، ماقد ظهّر صورة غير مالوفه، ودل على نوع الحدث المضمرالذي اججها، لاحت بالمقارنه بماضي القطبيه الدولية المنتهية وقتها توا، وكانها حالة تجديد قطبي حركي خارج التمثيل الثابت الدولوي المعسكراتي.
تلك الموجة المقاربه للانفجار العالمي المضاد للهيمنه الامريكيه والعولمه، باعتبارهما عنوانين لطور من "الامبرايالية"، توقفت ولم تستمر بعد عام 2003 ،مع شن الحرب الثانية على العراق، ماقد دل على ان ماقدحصل في حينه كان مواكبا لايقاع متغير أساسي تمثل بغياب الاتحاد السوفياتي، وتحول الولايات المتحدة الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ، الى القوة العظمى الوحيده، مع حالة تركز رمزية دالة على شكل تجسد المتغير في الواقع الدولي، ليس من الشرط، او المحتم انطوائها على مايمكن ان يبرر، او والاهم، ادامة، مظهر اصطراع "كوني"، خاصة ان وضع نظام صدام حسين في حينه بكفة الميزان المقابلة، لم يكن يقع باية حال بصالح تنمية اية دلالات من شانها ان تعززتبلور عناصر صراعية مستجده بالإمكان تنميتها.
كل ذلك كان قد جعل من "الآنيه" وحكم اللحظة خاصية ذلك المنعطف الذي ظل مفتوحا، بينما كان التفارق بين وسائل ومترتبات الوعي المتاح، ومسارات الحال المتزايدة ابتعادا عما هو شائع ومعتاد من اشكال نظر وتحليل، فالعدة الغربية المرافقه والمواكبه لصعود الغرب الحديث، وتكرسها كنموذج طاغ، كانت هي التي بالمتناول والمتاحة دون غيرها في الحصيلة، سواء كسردية للحداثة، اوكممكن يبدو حتى حينه غير قابل للاستبدال، الامر الذي نجد عناصر الاستدلال عليه شاخصة، بالذات في الحالة العراقية نفسها، لاعلى جبهة النظام بالذات، بل بما يتعلق بمجمل البنيه التعبيرية والتفكرية، وبالأخص كما تمثلت وقتها بلقوى المسماة ب"المعارضة" الميته تاريخيا، والموجودة خارج النظام وضده لاسباب أساسها الأول خروجها من اليات الاصطراع التاريخي، وانتسابها الى طور من تاريخ العراق الحديث، سابق على نظام البعث الريعي، يعود لنمط ونوع اصطراع لم يعد قائما موضوعيا، ماجعل محور واساس وجود هؤلاء منصبا على مايمكن ان يؤمن منح تجمعاتهم أسبابا ما للديمومه والبقاء خارج الضرورة التاريخية، الامر الذي جاءت لحظة الغزو الامركي كي تكرسه وفق صيغة انقاذيه من خارج التوازنات "الوطنية"، مع كل مايتصل بمثل هذا النوع من "الإحياء" لقوى فاقدة أسباب الحياة من فرضية اخضاع، وانعدام توقع اية فعاليه ذات دلالة، او صله بحضور العراق حجما ومعنى.
بجانب هذا،كانت مسالة "معارضة" نظام الريع البعثي القائم منذ 1968 غير متبلورة حتى حينه، ان لم تكن ظلت بلا إشارات اوليه يمكن البناء عليها، ورغم ان النظام كان قد فقد المرتكزات والاسس التي اقيم عليها مع الحرب العراقيه الايرانيه 1980/1988 حين خرجت وسيلة الريع النفطي وقتها من دائرة الفعل، بماهي وسيلة استقلال عن المجتمع، لم يسبق ان توفرت خلال تاريخ العراق برمته لاي حكم او نظام، مااوقع النظام المنوه عنه تحت وطاة اختلال أساس ومرتكزات وقواعد بنيته، وصار ينذر بتعذر مهمته واغراضه، المنصبه أساسا على تصفية خلفيات مايضاده داخليا، خارج دائرة مايسمه، او مايعرف بالقوى المعارضة بشتى تلوناتها، ذهابا الى الواقع البنيوي العراقي التاريخي الازدواجي، المحكوم للاليات التحولية المجتمعية والامبراطورية، مع تحولاتها وماقد طرا عليها في العصر الحديث من اشتراطات ومتغيرات، وواكبها من غربة وخيانه النخب المسماة "حديثة" لها.
ولم تكن الوطنيه العراقية بصفتها الوطن / كونيه وقتها قد ظهر مايدل عليها، بينما كان العكس هو الغالب، وشكل الوطنيه المستعارة من الحاضر الأوربي، اوالماضي المحكوم عليه بالانتهاء فعالية، بدلالة تغلب نزعة "الانتظار"، عنوان ختام الدورة التاريخية الثانيه العراقية، العباسية القرمطية الانتظارية، هذا بينما استمرت غالبة منذ الثلاثينات، مفاهيم "الوطنية المناهضة للاستعمار"، او ماهو قابل للاجمال ضمن معسكر ودائرة "حركة التحرر الوطني"، وكل هذه تفاصيل، وهي صيغة وشكل من "الوطنية" بلورها الازدواج الغربي المنبثق منذ ثورة أكتوبر الروسية عام 1917ليست مرهونه، وقد تكون مخالفه ولاعلاقة لها بالوطنيه كضرورة متصلة بالتبلور والاليات التكوينيه البنيويه، ركيزتها الأساس مناهضتها للهيمنه الاستعمارية، مع ان الوطنيه ليست مشروطة بالمقاومه للغازي الاستعماري، بدلالة نموذجها الغربي المعاصر نفسه، واشكال تجليه الحديث، خضوعا لحكم ووتيرة الاليات التاريخيه وصعودها، بناء على الأسس والمقتضيات التاريخية البنيويه.
هكذا وجدت أفكار "القومية" و "الوطنيه" الاوربية المعروفه في العصر الحديث، مخالفة ومناقضة لما اطلق عليه عنوان ومصطلح "حركة التحرر العالمية" التي هي بالأحرى حالة تحشيد واستنفار على مستوى البلاد وبما متوفر من وسائل وسبل التنظيم والشعارات، ووسائل الاعلام، علاقتها ب" الوطنيه" قد لاتكون، وليس هناك مايشترط توفرها، الامر الذي كانت تكرست حالة منه في العراق منذ الثلاثينات بصيغة "الوطنية الحزبيه الايديلوجيه"، بدا دورها ينتهي مع ثورة 14 تموز 1958 مع ميل هذه الى اخضاع الواقع والبنيه التاريخيه لاشتراطات مستعارة من خارجها، لاتمت لها باية صلة.
من وقتها والقوى والحركات المذكورة محكومة بالخروج من الفعاليه التاريخيه، بينما حصل الانقلاب النوعي والتاريخي على مستوى الحكم والدولة، مع حلول الريع النفطي كعنصر أساس ممزوج ب "العقائدية الحزبيه"، والنواة القرابيه، وهي صيغة متجاوزه مقارنه بتلك التي نشات ضمنها في الثلاثينات قوى "الوطنية الحزبيه المستعارة" وقد غدت اليوم خارج التاريخ الفعلي، لاحاضر حي يسند وجودها باي قدر كان،بعد زوال الاشتراطات التي اوجدتها ضمن حقبة 1921/ 1958 وخصوصياتها،الامر الذي اوجب على المستوى التاريخي حتمية التبلور"الوطن / كوني"، مايجعل من ثورة 14 تموز بالأحرى، اللحظة التي يؤرخ عندها لبدء الحاحية التبلور التاريخي للوطنيه العراقية، مع كل مايتصل بعملية كهذه من ظروف وتاثيرات متداخلة، عراقية وعالميه، عدا نوع المقاربات غير المالوفه والانقلابيه الاستثنائية التي تنطوي عليها هي بذاتها تاريخيا.
والمؤكد ان استمرار طور "الازدواج الغربي" كما مجسد في الثنائية القطبيه، كان يحول دون، ويسهم في تأخير أي انتقال من زمن ونمط "الوطنية المستعارة" بظل الحضور القوي لمرجعيتها ( المعسكر الاشتراكي )، مع ان هذه حين غابت في التسعينات، قد اورتث حالة من غلبة الغربوية الليبرالية المجدده على وقع الغلبه الامريكية، تكريسا لطبعة اكثر تهافتا من نفس نمط التفكير الاستعاري الببغاوي التوهمي، مع ان اشكالا وظواهر مناهضة للغزو الأمريكي لم تكن غائبة، ووجد لها تمثيل يمكن ان تلحظ له فعالية، وبعض حضور في الراي والمبادرات العمليه، ظل جهدها محكوما لنقيصة اساسيه، هي تلك المتمثلة في استمرار هيمنه المنظور الغربي، بمقابل غياب الرؤية الوطن /كونيه العراقية، ماكان من شانه ان يجعل من هذه النقيصة التاريخيه، واثرها المتعاظم، حلقة اساسيه، ومدارا تاريخيا استثنائيا، يتضمن وللمرة الأولى على مر التاريخ، احتمالية افصاح العراق عن ذاته المطموسة.
ـ يتبع ـ