نقد نظرية المؤامرة .

منسى موريس
2020 / 9 / 1

تغلغلت بداخلنا نظرية المؤامرة وطالت الدين والسياسة والتخلف و الكوارث والأوبئة لدرجة أصبح تحليلنا لكل الأمور التي تدورحولنا يسير وفق هذه النظرية فكل شيء يحدث في عالمنا نرده إلى جهات ومنظمات وحكومات وكأن العالم أجمع يجتمع ويتحالف ضدنا كى يهدمنا ويُخرب أوطاننا ومجتمعاتنا وعقولنا وضمائرنا وعقائدنا، وكأننا وصلنا إلى ذروة التقدم والعلم والمعرفة وبلغنا أفضل حياة ممكنة لذلك العالم من حولنا يحسدنا على ما نحن فيه ، للأسف هذه عقلية السواد الأعظم منا ومن شعوبنا دائماً نبحث عن مبررات وعلل الفشل خارج ذواتنا ومن يكشف حقائق أخطائنا نحسبه من ضمن هؤلاء الذين يتآمرون علينا ، نعم نقول لسنا كاملين ولنا أخطاء لكن يبقى مجرد قول وشعارات وفى الواقع لا نريد الإعتراف بحقائق الأمور و إيماننا بنظرية المؤامرة هو خير دليل على عدم قدرتنا للإقرار بزلاتنا .
لكن ما هي نظرية المؤامرة ؟ وماهى خطورتها؟
نظرية المؤامرة هي عدم إرجاع الأسباب إلى مكانها الصحيح ورمى كل الأعباء والأخطاء والكوارث على الآخر ، فهى في الأصل لا تعالج الواقع كما هو بل تشوش على كل تفسير واقعى ، فيُمكننا القول أنها طريقة من التفكير خاطئة وباطلة وتعمل على إنكار الواقع والحقيقة لعدم قدرتها التفسيرية الصحيحة لأن من شروط الفكر السليم لوضع الحلول تحليل الواقع ورد الأسباب إلى مكانها الصحيح .
ماهى خطورة نظرية المؤامرة ؟
أولاً. إنكار الواقع والحقيقة : بما أن هذه النظرية لاترد الأسباب إلى مكانها الصحيح فكيف يُمكن أن نصل إلى حقيقة واقعنا إذا كانت الحقيقة تعتمد في الأصل على دقة الوصف والتفسير؟ بالطبع كل تفسير خاطئ يقودنا إلى نتائج خاطئة ، وكيف يُمكن أن نُصلح أيضاً هذا الواقع وبتفسيرنا المؤامراتى هذا أصبحنا لانرى حقيقة واقعنا من الأساس ؟ فخطورة هذه النظرية يجعلنا لا نرى حتى واقعنا في صورته الأصلية والحقيقية فكم بالأحرى أن نغيره للأفضل ؟
ثانياً . الكراهية : نظرية المؤامرة تقترن دائماً بالكراهية فكل كوارثنا ومشاكلنا نُلقيها على عاتق كل من نعتقد أنه يكرهنا ويتمنى لنا الخراب والفناء والدمار والزوال فهى تُزيد الأحقاد والصراعات هي لاتكتفى فقط بخطأ التوصيف والتفسير لكنها تتغذى على كراهية الآخر وتُعطينا نظرة مشوهة عن العالم والآخر فهى لاتُخرب فقط العقول لكنها تُخرب القلوب والضمائر أيضاً .
ثالثاً . الحرب والموت : تخيل أن إنسان ما يعتقد تمام الإعتقاد أنك تكرهه لدرجة أنه يجعلك سبباً رئيساً في خراب حياته وتمزيق طموحاته وأحلامه ويرى من خلال إعتقاده أنك تريد أن تمحوه من على وجه الأرض وتحاربه وتُدبر له المكائد ليل نهار أليس إعتقاده المُضلل هذا كفيل أن يجعله يشن الحرب عليك ؟ بكل تأكيد نعم مادام المؤمن بنظرية المؤامرة يرى أن سبب بؤس واقعه هو نتيجه حرب عليه من الآخر الكاره له ويرى أن حياته أصلا عبارة عن حرب وصراعات دائمة ومستمرة وأبدية ، أما بالنسبة للموت فنظرية المؤامرة تتجه دائماً إلى الموت لا الحياة سواء الموت الفيزيائى أو موت العقل أو موت الوجدان الإنسانى فمن ناحية الموت الفيزيائى كونها تتغذى على الكراهية فهى قد تؤدى إلى الحروب والقتل والصراعات وليس فقط الحروب والصراعات لكن بتكريس الجهل والتخلف وإنكار العلم أيضاً ومثال على ذلك الكثير من الناس يرى أن " فيروس كورونا مؤامرة" أليس هذا الإعتقاد يؤدى بصاحبه إلى الموت ؟ ومن ناحية موت العقل كون هذه النظرية لاتعتمد على مبادىء الفكر السليم وإرجاع الظواهر إلى أسبابها الجوهرية فهذا موت للعقل والفكر أيضاً ، وأما عن موت الوجدان فنظرية المؤامرة دائماً تجعلنا في حالة عداء ليس فقط مع الآخر بل حتى مع أنفسنا وواقعنا لأنها تعمل على تزييف الحقيقة والواقع وتزرع بذور الحقد والكراهية في قلب كل من يؤمن بها .