البحراوي وكينونة الوعي ...

قحطان الفرج الله
2020 / 8 / 31

محتوى الشكل؛ مشروع منهجي طموح، يضع نفسه في قلب أسئلة إشكالية تجسد أزمة النقد العربي والثقافة العربية، في آن معا، ليخرج. عبر جدل طويل ومفصل - بنسق منهجي متسع ومتسق ومجاوز، يحاول د .سيد البحراوي، أن يشكل ميدانا دقيقا لدراسة الأدب. وقد بدأ هذا المشروع بوضعه الجنيني منذ عشرين عاما، وظل يتنامي. عبر مراجعات ومحاورات ونقاشات حادة أثرته. حتى تبلورت ملامحه المتكاملة في هذا الكتاب، الذي يمثل تطبيقاته على نظرية المنهج المضمنة في الكتاب نفسه، حيث يستهل دراسة الرواية العربية في مصر، بالنصوص الروائية المصرية الأولى، كاشفا - من خلال تحليل دقيق المحتوى شكلها. عن إشكاليات نشأتها، وتجليات تناقضاتها، ومواقع تماسها بمنظومة الفكر والثقافة والإبداع لدي جيلى النهضويين والليبراليين الكبيرين .
أهتم الراحل (سيد البحراوي) بالعناصر الثقافية المشكلة للوعي الفكري وارتباطه العضوي بالحياة الاجتماعية، محاولا فك الارتباط الشائك بين الهيمنة بعناصرها المبهرة، وبين العودة إلى الذات وبيان حاجاتها الواقعية بعيدا عن افتراض الحاجة من العدم، لعل اشتغال البحراوي التنظيري لمفهوم (التبعية الذهنية) من أهم الاشتغالات العربية، على مستوى طرح نظرية عربية مساهمة في مجال النقد العربي الحديث، وغالبا "ما يعتمد النقاد، في بلدان العالم الثالث، إلى إلقاء المسؤلية في المشاكل الهامة التي تعترض المفكرين فيها على العنصر الخارجي، اي على الظرف الموضوعي، فالاستعمار والإمبريالية هما الحصانان الرئيسيان اللذان يمتطيها الفكر النقدي عندنا ولا شك ان لهذين العنصرين أهمية بالغة في خلط الأوراق على جميع الصعد وفي إعاقة مسيرة الفكر والحضارة" لكن البحراوي في محاولته الجادة ركب حصانا آخرا "حصان الظرف الذاتي والمسؤولية الداخلية" فانطلق من الواقع الى النظير لا العكس واعيا لاهم نقاط الإخفاق بان اضمحلال المساهمات التنظيرية العربية ليس سبب "تأخرنا في ميدان العلوم الاجتماعية، بل هو نتيجة موضوعية لعدم تعاطينا جديًا مع المسألة النظرية" فعملية تسليم العقل الى اليات التبعية والإنقاذ المطلق للتقدم الهائل في دول الغرب حجم منطقة النظر الى ما تحت الأقدام فصار العربي منقادا دون وعي الى الشعارات العريضة المستوردة باحثا لها عن حاجة قد يخلقها من العدم في كثير من الأحيان مما تسبب هذا الى الوقوع في فخاخ التلفيق في استخدام الكثير من النظريات الغربية وهذا يعود لسبب بسيط ايضا، اننا نجهل اليات وظروف انتاج هذه الأفكار على مستواها السوسيولوجي.
تعد مساهمة البحراوي في البحث عن المنهج واحدة من أهم المساهمات في العصر الحديث التي يجب أن تسلط عليها الأضواء لأنها كاسرة لنمط التفكير الجاهز .