دفاع عن الفلسفة .

منسى موريس
2020 / 8 / 29

دفاع عن الفلسفة ، قد يقول قائل وهل الفلسفة محل إتهام حتى ندافع عنها ؟ نعم الفلسفة عبر تاريخها الطويل وهى تتعرض للنقد والهجوم والإتهامات من قبل أطياف وفئات وإتجاهات مختلفة والهدف هو واحد أن الفلسفة أصبحت ليس لها قيمة ويُمكن الإستغناء عنها وتركها ، ودفاعى عن الفلسفة ليس لأنى درستها وتخصصت فيها وأحببيتها لكن دفاعى بعيد كل البعد عن العاطفة والأهواء والمشاعر الداخلية وهذا ماتعلمته منها أن البحث يتطلب البرهان لا الميول والإحساس .
يقول الفيلسوف الوجودى "نيقولاي برديائف "« إن الفلسفة لم تظفر في وقت ما بما يشبه التأييد الشعبى من بعيد أو قريب ، كما أن الفيلسوف لم يحقق قط الشعور بأنه يُشبع مطلباً إجتماعياً أياً كان شأنه»(1) وهذا الرأي يتوافق مع الواقع والتاريخ فمنذ فجر الفلسفة وتعرض الفلاسفة للهجوم بل وحتى القتل ألم يُقتل " سقراط" وحُكم عليه بالإعدام وتجرع سم " الشوكران " نتيجة فلسفتة وأفكاره ؟ وما الذى يدفع " أرسطو " أن يغادر مدينتة وهو يقول «لا حاجة لأن أهيىء للأثينيين فرصة جديدة للإجرام ضد الفلسفة »(2) أليس هذا يُبرهن وبكل قوة على أن الفلسفة منذ ولادتها وهى تتعرض لكافة النقود والإجهاض والعداء والتشنيع وإضطهاد الفلاسفة ؟
لكن ما الفلسفة ؟ وما هي الإنتقادات التى تم توجيهها لها؟
أولاً : الفلسفة بإختصار شديد هي البحث في الوجود كما هو وغايتها الوصول إلى حقائق الأشياء والعلل الأولى ودقائق المعانى فهى تدور حول طرح التساؤل وعلامات الإستفهام والدهشة من كل ما هو موجود بهدف إقتناص الغاية والحكمة الكلية للوجود الإنسانى هي دعوى مستمرة لمعرفة الذات والعالم والمصيروالمعنى ، لذلك هي نشاط يقترن بكل إنسان لأن طبيعتنا الوجودية تدفعنا للتفلسف رغماً عنا ، وكانت الفلسفة لها فضل كبير على الإنسان في نظرته إلى الوجود فقد جعلته ينتقل من النظرة الخرافية إلى النظرة العقلية والسعى إلى إكتشاف القوانين التي تحكم العالم .
ثانياً : ماهى الإنتقادات التي تم توجيهها إلى الفلسفة ؟
تختلف الإنتقادات بإختلاف المذاهب والعقليات أيضاً فالفلسفة تعرضت لطعنات مختلفة فتارة بأسم الدين وتارة باسم الفلسفة وتارة آخرى باسم العلم .
1- الفلسفة في مخيلة الوعى الشعبى : السواد الأعظم من الناس البُسطاء الغير مثقفين في مجتمعنا لديهم صور ذهنية مشوهة وخاطئة كاذبة عن الفلسفة ويكفى أن تسأل أحد من هؤلاء عن ماهية الفلسفة ستجد إجابات عجيبة غريبة لاتمت بحقيقة الفلسفة لامن قريب ولا من بعيد ، فالفلسفة إرتبطت في الوعى الجمعى الشعبى بالإلحاد وإنكار الحقائق الدينية ، وأيضاً إرتبطت بالجنون فتم تصوير الفيلسوف كأنه يُفكر في أمور غريبة غير موجودة على أرض الواقع ، وحتى في لغتنا الدارجة نسمع من أحدهم يقول " أنت هتتفلسف " وكأن الفلسفة تُعادل كثرة الكلام والكذب والتدليس وأنها مجرد لغو فارغ لا فائدة منه ولامعنى له ، أليست كل هذه الأشياء تُثبت لنا وبشكل قاطع على أن الفلسفة الآن تحتاج إلى دفاع لأنها أصبحت محط إتهامات باطلة ، فبحسب التعريف المختصر الذى ذكرته آنفاً فالفلسفة لا تقترن بالإلحاد لأنها نشاط إنسانى وفعل عقلى وهناك الكثير من الفلاسفة مؤمنين ، وهى ليست مجرد لغو فارغ بل جل تركيزها حول المعنى من الوجود ، ولاتبحث أيضاً في أمور غريبة لاتنتمى إلى أرض الواقع بل هي محاولة لفهم الواقع كما هو ، فالعقل الذى لايتفلسف هو عقل في عزلة تامة عن الواقع لأن الوجود يدفعنا إلى التفلسف ، وفى إعتقادى الشخصى تم تصدير هذه الأفكار الخاطئة والباطلة عن الفلسفة للعامة حتى يتخوفون من الفلسفة فبالتالى لايُمارسون التفكير العقلى ولا يطرحون الأسئلة حول كل شيء فمعاداة الفلسفة هى معاداة للعقل ذاتة .
2- لاهوتيين و مُتكلمين ضد الفلسفة : من التناقض العجيب الذى يُمكن أن نجده في تاريخ الفكر الإنسانى والفلسفى فمثلاً نجد " العلامة ترتليان "ولد عام ( 160 م )هو أحد أباء الكنيسة الأوائل وهو لاهوتى ومدافع عن الإيمان المسيحي وهو أول من صاغ عقيدة " الثالوث" فى قالب فلسفى "Trinitas" ولكتاباته تأثير قوى في الفكر المسيحي وكان يدافع عن الحريات الدينية والفردية " وهو أمازيغيى الأصل " وفى وقته كانت شمال إفريقيا " المغرب والجزائر الآن " منارة للفكر المسيحي رغم كل هذا كان له موقف سلبي من الفلسفة فكان يقول « أى علاقة توجد بين أثينا وأورشاليم، بين الأكاديمية والكنيسة»(3) ويرى أن الفلسفة هي مصدر للهرطقة والإنحراف العقائدى ، وبرغم هذا الموقف السلبي ظاهرياً يقول " كوبلستون " « ورغم التضاد الذى يرسمه ترتليان بين الحكمة المسيحية والفلسفة اليونانية فإنه يطرج أفكاراً فلسفية من عنده متأثراً بأفكار رواقية »(4) من هنا يظهر إستحالة فصل الفلسفة عن اللاهوت و مهما حاولنا رفض الفكر الفلسفى بحجة أن الوحى يتضمن كل الحقائق فالفلسفة تشترك مع اللاهوت في البحث عن الغاية والمعنى والمصير .
الغزالى ولد عام (1058م ) كان يُعادى الفلسفة ويعتبرها منبع للكفر والزندقة ولم يكتفى بنقد الفلسفة والفلاسفة فقط لكنه كفرهم فى ثلاث مسائل رئيسية وبدعهم فى سبعة عشر مسألة والأسباب التي كفر الفلاسفة من أجلها .
1- القول بقدم العالم وأن العالم مادتة أزلية وقد تبنى هذا الرأى العديد من الفلاسفة مثل " ابن سينا ، وأبن رشد.
2- إنكار العلم الإلهى سواء الجزئى أو الكلى .
3-إنكار بعث الأجساد فالبعث للروح فقط فالثواب والعقاب للروح فقط.
ويقول " الغزالى " عن سبب كفر الفلاسفة « وإنما مصدر كفرهم سمعاهم أسماء هائلة كسقراط و بقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس وأمثالهم وأطناب طوائف من متبعيهم »(5)
ورغم أيضاً معاداته للفلسفة لكنه إستخدمها في دحض نظريات الفلاسفة خاصة فى مسألة " قولهم بقدم العالم " هنا أيضاً يتجلى لنا وبكل وضوح أنه من المستحيل عدم التفلسف سواء للبرهنة على صحة شيء ما أو إثبات بطلانه ، فرغم حالة العداء الشديد للفلسفة لكن لايمكن الإستغناء عنها بأى حال من الأحوال .
3- فلاسفة وعلماء ضد الفلسفة : ذهب الكثير من الفلاسفة لإستبعاد الفلسفة كمصدر لمعرفة الوجود والإكتفاء فقط بالمعرفة العلمية وجعل الفلسفة مجرد خادمة للعلم ولاتسمو عليه فمثلاً نجد عالم الاجتماع "أوجست كونت " قسم مراحل التطورالإنسانى إلى ثلاث فالفلسفة مرحلة وسطى تليها المرحلة الثالثة العلمية وحسب فلسفتة الوضعية يجب أن تكون الفلسفة خادمة وخاضعة للعلم ، رغم أن هذا التقسيم بحد ذاته فلسفي في الأساس وهو وليد الفلسفة فكيف يُمكن أن نضع الفكر الفلسفي في المرتبة الثانية ؟
بعد ذلك تطور الفكر الوضعى وظهرت " الوضعية المنطقية" وهى حركة فلسفية في الأصل ظهرت فى القرن العشرين فى " فيينا وألمانيا " وأشهر فلاسفتها "مورتس شليك ،آير ، كارناب " وحتى في الشرق الأوسط نجد " زكى نجيب محمود " كان متأثراً بهذا المذهب كما هو واضح في كتابة " خرافة الميتافيزيقا لكن بعد الهجوم عليه غير عنوان كتابه إلى موقف من الميتافيزيقا " و تقوم هذه الفلسفة على " التحليل اللغوى للمعرفة العلمية " فصدق القضايا يشترط صدقها اللغوى ومايقابلها على أرض الواقع وبحسب الوضعيين المناطقة وفلسفتهم فإن كل قضايا الميتافيزيقا " كالدين والقيمة والمعنى والخبرة " هى مجرد لغو فارغ وثرثرة وخرافة ، لاشك أن هذا الموقف خطير ليس فقط بالنسبة للميتافيزيقا لكن بالنسبة للفلسفة ككل لأن موضوعات الفلسفة الرئيسة تتعارض مع مبادئ الوضعية المنطقية كون الفلسفة تبحث عن موضوعات قيمية وغايات كُلية وأيضاً موقفهم هذا هو فلسفى بإمتياز ، ونسير خطوة أبعد إلى الأمام فنجد العالم الفيزيائى الكبير " ستيفن هوكنج" يُصرح " بموت الفلسفة " فالأسئلة الفلسفية الكبرى التي تتعلق بالوجود حسب وجهة نظره ينبغي أن يُجيب عنها العلم فكتب يقول«الفلسفة قد ماتت ولم تحافظ على صمودها أمام تطورات العلم الحديثة»(6) فهل ياترى الفلسفة تتعارض مع العلم ؟ وهل العلم يستطيع أن يُجيب على الأسئلة الوجودية الكبرى ؟ وهل الفلسفة قد ماتت ؟
الفلسفة لايمكن أن تتعارض مع العلم كونها " أم العلوم " فهل كان يستطيع العلم أن يظهر إلى الوجود بمعزل عن الفلسفة والتأمل والخيال ؟ طبعاً من المستحيل لأن قبل العلم كان هناك العقل والوعى الذى إستطاع تحليل العالم وفق رؤية عقلية من خلالها تم إكتشاف القوانين العلمية حتى الميتافيزيقا التي تم إستبعادها من قبل الوضعيين المناطقة ساعدت في ظهور النظريات العلمية الحديثة ويرى فيلسوف العلم " كارل بوبر" أن « الكشوف العلمية مستحيلة ، بغير الإيمان بأفكار من نمط تأملى خالص وهذا الإعتقاد الميتافيزيقي قد لاتبيحه النظرة العلمية»(7) فالقول أن الفلسفة يجب أن تكون خادمة للعلم قول غير صحيح فالفلسفة هي التي رسخت للعلم ولا تتعارض معه بل هي التى جعلته يتقدم إلى الأمام لأن العلم لم ينشأ من فراغ بل من التراث الفلسفى الكبير للإنسان .
ونأتى للسؤال الآخر هل يستطيع العلم أن يُجيب على الأسئلة الوجودية الكبرى ؟ طبعاً في الحقيقة لا لأن موضوع العلم هو العالم المادى المحسوس والأسئلة الوجودية الكبرى تقع خارج نطاق العلم فالسؤال عن معنى الحياة وغايتها ومصير الإنسان وطبيعة الأخلاق كل هذه المقولات لاتنتمى للعالم المادى لكنها تنتمى إلى بُعد آخر فينا لذلك إختزال كل شيء في المادة ورد كل العلل إلى الفيزياء فقط هذا يُلغى تماماً الذات الإنسانية التي تبحث عن المُطلق والعلة الأولى للوجود .
ونأتى للسؤال الأخير هل ماتت الفلسفة ؟ ونعود إلى التعريف المختصر الذى ذكرته في بداية المقال عن ماهية الفلسفة فكون الفلسفة لاتنفك عن الإنسان الباحث عن المعنى فموت الفلسفة يقتضى بالضرورة موت الإنسان نفسه لأنه كائن متفلسف وكما يقول الفيلسوف " زكريا إبراهيم " « الإنسان لايتفلسف بإعتباره فيلسوفاً بل بإعتباره إنساناً »(8)
وقد حسم " أرسطو " هذا الأمر وقال «إما أن التفلسف ضروري، ولا بد عندئذٍ من التفلسف، وإما أنه غير ضروري، ولا بد أيضا من التفلسف لإثبات عدم ضرورته. أي في الحالتين معا ينبغي التفلسف» (9) فموت الفلسفة هو ضرب من ضروب المحال لأن كل الحركات والمذاهب التي تحاول أن تعمل على إقصاء الفلسفة ستحتاج إلى الفلسفة أيضاً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر .
1- نيقولاي برديائف : العزلة والمجتمع ص(23) دار آفاق للنشر 2018.
2- يوسف كرم : تاريخ الفلسفة اليونانية ص (132) دار آفاق للنشر طبعة أولى 2016
3- يوسف كرم : تاريخ الفلسفة الأوربية فى العصر الوسيط ص(20) طبعة آفاق 2017
4- فريدريك كوبلستون : تاريخ الفلسفة من أوغسطين إلى دانز سكوت المجلد الثانى القسم الأول ص (42) المركز القومى للترجمة طبعة أولى 2010
5- الغزالى : تهافت الفلاسفة ص(74) دار المعارف الطبعة الرابعة.
6- ستيفن هوكينج : التصميم العظيم ص (13) التنوير طبعة أولى 2013 .
7- يمنى طريف الخولى : فلسفة كارل بوبر منهج العلم منطق العلم ص (280)الهيئة العامة المصرية للكتاب الطبعة الثانية 2003.
8- زكريا إبارهيم : مشكلة الفلسفة ص (140) مكتبة مصر 1971
9- عبد الغفار مكاوى : كتاب مفقود لأرسطو ص (11) الناشر مؤسسة هنداوى 2017