كاوتسكي والمشهد في مصر... بين التنظيرات الماركسية والوقائع المصرية

حسين محمود التلاوي
2020 / 8 / 29

يعد "كارل كاوتسكي" أحد المرجعيات التنظيرية لما يمكن تسميته بـ"الماركسية الأرثوذكسية"، وقد كان الحجة الرئيسية للتنظير الماركسي في أعقاب وفاة "فريدريك أنجلز" عام 1895 إلى قيام الحرب العالمية الأولى. كان لـ"كاوتسكي" الكثير من الآراء بخصوص مشاركات الطبقات والشرائح الاجتماعية في الثورة التي تقود إلى حكم البروليتاريا؛ ومن ثم سوف يكون من المفيد إلقاء الضوء على تلك الآراء ومحاولة صياغة رؤية مبدئية عامة للمشهد المصري انطلاقًا منها.
لكن قبل الانطلاق في هذا المسعى يتعين التأكيد على أن التمايزات بين المشهد المصري والمشهد الأوروبي الذي كان سائدًا أيام "كاوتسكي" يلزم إجراء بعض التعديلات أو التغييرات نظرًا لخصوصية الوضع المصري. هذا القول لا يعد خروجًا على المبادئ الذي نحن بصدد الانطلاق منها، بل إن أحد كبار المفكرين والزعماء السياسيين والعسكريين الماركسيين — وهو "ماو تسي تونج" — دعا إلى المرونة في تطبيق الأفكار النظرية؛ حيث قال:
"إن أصحاب الجمود الفكري لا يفهمون أن الظروف تختلف باختلاف الثورات؛ ومن ثم لا يفهمون ضرورة اللجوء إلى أساليب مختلفة لحل التناقضات المختلفة، بل على العكس من ذذلك يتبنون ما يرونه أنماطًا أو صيغًا لا بديل لها، ويطبقونها في كل الحالات؛ مما يؤدي إلى انتكاس الثورات، أو حدوث فوضى عارمة فيما كان يسير أصلًا على ما يرام".
ليس هناك أوضح من حديث "ماو" في تأكيد أن الالتزام الحرفي بالنظرية قد يؤدي في الكثير من الأحوال إلى أخذ الثورات والحراك الجماهيري إلى مسارات خطأ بعد أن كان يسير في المسار الصحيح، وربما كان ذلك من الأخطاء التي وقع فيها اليسار العربي في جناحه الشيوعي، وإن كان هذا يلزمه مجلدات للحديث عنه.

ماذا قال كاوتسكي عن البناء الاجتماعي؟
رأى "كارل كاوتسكي" أن الطبقة العاملة هي الطبقة التي تقود الثورة، وأشار إلى أن هناك إمكانية بأن ينضم إليها مجموعة من الشرائح الأخرى مثل صغار الموظفين مشيرًا إلى أن كبار الموظفين سوف ينضمون إلى الرأسمالية، ومعهم سوف ينضم كذلك الفلاحين من أصحاب الملكيات.
وفيما يتعلق بالفلاحين يؤكد "كاوتسكي" أنهم ليسوا طبقة؛ لأنهم عاجزون عن الفعل السياسي المستقل، ولكنهم فئة تتأرجح انتماءاتها ما بين القوى المختنلفة تبعًا لمصالحها، ولكنه يقول إن انتماءها في الأغلب ينتهي إلى القوى الرجعية للحفاظ على الملكية الخاصة، وكذلك على مصالحها المرتبطة بالقوى الرأسمالية المسيطرة على الإنتاج؛ لأن الفلاحين من ملاك الأراضي يبيعون محاصيلهم لتلك القوى، أما صغار الفلاحين فسوف ينضمون إلى الرأسماليين على الرغم من عدائهم التقليدي للرأسمالية لوجود ارتباط مصالح مثل عمل صغار الفلاحين في مصانع القوى المسيطرة على الإنتاج.
لكن "كاوتسكي" نفسه رأى أن الفلاحين يمكن أن يكون لهم دور في الثورة حال قيامها في روسيا؛ وهو الرأي الذي لا يتناقض مع الكلام السابق؛ لأن القطاع الأكبر من الفلاحين الروس كانوا على درجة من الفقر لا تجعل بالإمكان وجود أي تشابك مصالح بينهم وبين الطبقة الرأسمالية المهيمنة، بل كانوا عرضة للاستغلال من طرفها مثلها مثل طبقة العمال؛ الأمر الذي يجعل هناك إمكانية لانضمامها إلى الفعل الثوري على أن تكون القيادة للبروليتاريا.
إذن الفكرة الرئيسية هي تحالف القوى المتضررة (عمال وفلاحين وصغار موظفين) من هيمنة الرأسمالية والتي تتعرض للاستغلال من القوى الرأسمالية في تحالف يكون هو المحرك الأساسي للثورة.

ما المشهد في مصر؟
يختلف الوضع في مصر القرن الحادي والعشرين عن الوضع في روسيا القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في أن الطبقة الرئيسية في البلاد هي الطبقة الوسطى على الرغم من كل محاولات التغييب والإضعاف التي تتعرض لها؛ فهي لا تزال الطبقة الرئيسية بكل شرائحها وتلوناتها.
لذلك فإن بعض الشرائح داخل هذه الطبقة يمكن أن تحل محل البروليتاريا في الاتحاد السوفييتي. كيف يمكن ذلك؟!لا يرتكز التقسيم الطبقي في مصر على الواقع الاقتصادي للطبقة، ولكنه يحوي أيضًا المنظومة القيمية والأخلاقية؛ ومن ثم فإن الطبقة الوسطى هي تقسيم ينبني على سمات اقتصادية وقيمية تتمتع بها تلك الطبقة التي تنقسم في داخلها إلى شرائح متفاوتة فيما بينها من حيث الواقع الاقتصادي والاستمساك بالقيم.
لذلك يمكن في داخل الطبقة الوسطى أن يوجد العمال وكبار الموظفين وصغارهم والفلاحون ملاك الأراضي وكذلك أصحاب الأعمال.
في داخل الطبقة الوسطى شرائح هي الطبقة الوسطى العليا والطبقة الوسطى المتوسطة والطبقة الوسطى الدنيا. تلتحق الطبقة الوسطى العليا بالقوى المهيمنة على أدوات الإنتاج والسلطة في مصر؛ حيث يوجد فيها أصحاب الأعمال المتوسطة وكبار الموظفين من أصحاب المصالح. أما الطبقة الوسطى الدنيا فهي تمثل القوى التي يمكن لحركتها أن تتسبب في فعل ثوري صريح يؤدي إلى التغيير.
ماذا عن الطبقة الوسطى المتوسطة؟! هذه الشريحة هي مناط المشكلة كلها في مصر؛ لأنها تضم القوى التي أحبطت الحراك الثوري في يناير عام 2011، وفي الوقت نفسه تضم القوى التي كانت فاعلة في تفجير ذلك الحراك الثوري. كيف ذلك؟!
تحوي هذه الشريحة الموظفين المتوسطين الذين يتمتعون بمزايا كموظفين في الجهاز الإداري للدولة سوف يطيح بها أي تغيير في الوضع القائم في البلاد؛ ومن ثم فإن مشاركة تلك الفئة في أي تحرك ثوري ضد الوضع القائم يمثل انتحارًا معيشيًّا من طرفها؛ لأن تخليها عن تلك المكتسبات يعني سقوطها في إلى الشرائح الدنيا في الطبقة الوسطى بل كذلك إلى الطبقات الدنيا في ظل الأزمات المعيشية. لذلك لجأت تلك القوى إلى معارضة الحراك الثوري في يناير بكل الوسائل الإعلامية والاجتماعية والمادية والسياسية للحفاظ على المكتسبات.
هذه الشريحة تذكرنا بالفلاحين الأجراء الذين يعملون في المصانع الرأسمالية والذين يدافعون عن الوضع القائم للحفاظ على مكانهم في تلك المصانع.
لكن الشريحة المتوسطة في الطبقة الوسطى تحوي أيضًا فئة كان لها دور كبير في تفجير الحراك الثوري في 2011؛ وهي فئة الشباب؛ فهذه الفئة محرومة من المكتسبات التي تتمتع بها فئة الموظفين المتوسطين، ولكن في الوقت نفسه لدى غالبية أفرادها وضع وظيفي في القطاع الخاص لكنه لا يحميها من الاكتواء بنيران الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تشهدها مصر منذ السبعينات المنفتحة.
يضاف أيضًا إلى تلك الفئة فئة أخرى من الشباب الصاعد الذي لا يجد أي منفذ أمامه للعبور إلى المستقبل؛ حيث الأفق مسدود على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى جانب شرائح صغار الموظفين الحكوميين وأصحاب رؤوس الأموال المحدودة الذين يمكن أن يطاح بهم إلى الفئات الفقيرة عند أي خلل اقتصادي. وبطبيعة الحال يقف العمال في هذا الجانب أيضًا؛ لأنهم لا يختلفون في التضرر المعيشي عن الشباب أو صغار الموظفين والفلاحين.
إذن هذه الفئات (وليست طبقة مستقلة مثلما هو الحال مع البروليتاريا) هي التي يمكن أن تتحمل عبء الحراك الثوري. وتأتي فئة الشباب باعتبارها الطليعة التي يمكن أن تقود الحراك؛ لأنها تتمتع بالرصيد القيمي والمعرفي اللازم للانطلاق في الفعل الثوري.

كاوتسكي محذرًا
هذا ما جرى في مصر، ولكن... لماذا انتهى إلى إخفاق؟! يصدر "كاوتسكي" العديد من التحذيرات الوجيهة التي كان يتعين على المنطلقين في الفعل الثوري أن يتنبهوا إليها؛ فعلى سبيل المثال يقول: "ليست مهمتنا أن ننظم الثورة بل مهمتنا أن ننظم أنفسنا للقيام بالثورة".
لم يحدث ذلك، وترك الشباب أنفسهم نهًبا للتنظيمات السياسية من اليمين واليسار بل من قوى الثورة المضادة كذلك. لم ينظم الشباب أنفسهم للثورة، وكان من المفترض حدوث ذلك التنظيم منعًا للتشرذم الذي حدث والذي أدى إلى ضياع الخيار الثوري من قائمة الخيارات المتاحة أمام المصريين.
وهنا يأتي دور تحذير آخر من "كاوتسكي"؛ وهو: "أي إضراب فاشل سوف يعرض التنظيم القوي — الذي هو أساس أية ثورة ناجحة — إلى الخطر. وقد تحقق هذا التخوف في الحراك الثوري في يناير، عندما أدى حراك غير منظم باء بالفشل إلى نسيان فكرة الخيار الثوري تمامًا لدى المصريين؛ حيث استوعب النظام الذي جاء بعد حراك 30 يونيو الفكرة، وأغرق الجميع في بحر الأزمات الاقتصادية المتلاحقة كي لا تكون هناك فرصة لالتقاط الأنفاس ناهيك عن الخروج في ثورة، إلى جانب جعل الخيار الثوري مساويًا للانتحار المعيش.
كانت اللعبة التي لعبها الرئيس المصري الراحل "محمد أنور السادات" ضد الطبقة الوسطى تتمثل في ضخ بعض المكتسبات والإغراق في الأزمات بما لا يجعل فرصة لالتقاط الأنفاس وكذلك يجعل محاولة التغلب على الأزمات تعني التخلي عن المكتسبات. تعود هذه اللعبة مجددًا إلى الأضواء ولكن على نطاق الوطن بأكمله وليس على نطاق الطبقة الوسطى فقط.

ماذا بعد؟
يتعين القول إن خروج جميع فئات الشعب في ثورة هو أمر مستحيل لوجود أصحاب المصالح. كذلك فإن انتظار انطلاق الثورة من تلقاء نفسها — كما قال "كاوتسكي" — خطأ؛ فقد قال إن الثورات لا تُصنع ولكنها تقوم بفعل الظروف. هذا الرأي خطأ؛ لأن الثورات تصنع وتقوم بفعل الظروف في الوقت نفسه. ويأتي تنظيم النفس من أجل الخروج في الثورة دليلًا على أن الثورات تصنع، ولكن عند توافر مجموعة من الظروف التي تساعد على صناعة الثورة.
التصور المحتمل حدوثه هو خروج الفئات والشرائح التي سبق الحديث عنها (الشباب والعمال وصغار الموظفين والفلاحين) في حركة ثورية تقودها طليعة تتمثل في الشباب من أصحاب الوظائف ذات الدخل الذي يطلق عليه "الوارد على قدر الصادر" بحيث تكون طليعة متعلمة ذات حصيلة معرفية تساعدها على الانطلاق في الفعل الثوري وذات إمكانيات معيشية تساعدها الاستمرار في الحراك الثوري.
العنف؟! لا يبدو صيغة مطروحة على الإطلاق في الحالة المصرية؛ لأن الشعب المصري مسالم بطبيعته، ويرفض العنف بشكل عام إلى جانب أن استخدام العنف سوف يأتي كمبرر لدى للنظام لاستخدام عنف معروف منذ ما قبل البداية أنه يخطط لاستخدامه دون انتظار لمبررات.
الآليات؟! يكفي العصيان المدني... لكن... هل الغرق في بحر الالتزامات المعيشية والضغط الاقتصادي المتزايد من قبل النظام يتيح آلية كهذه؟! لا يبدو ذلك مطروحًا أيضًا، لكن...
تبقى التنظيرات تنظيرات، ويبقى للنظام حساباته وإجراءاته... ولكن في الوقت نفسه تبقى حركة المصريين غير متوقعة على الإطلاق.
خطأ واحد من النظام يمكن أن يؤدي إلى تفجر الأوضاع، ولا ننسى أن المصريين تجاهلوا كل دعوات القوى السياسية المعارضة الإسلامية والمدنية للخروج في ثورات وانتفاضات وحركات احتجاجية، لكنهم أبدوا استجابة نادرة لدعوات انطلقت من ممثل يعرف الجميع أنه متورط في فساد... لماذا؟!
لأن دعوته في حينها جاءت في الوقت المناسب.
من يحدد الوقت المناسب؟! متى يحين الوقت المناسب؟!
تخرج الإجابة عن هذين السؤالين عن صلاحية كل التنظيرات.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار