نقض إشكالية الناسخ والمنسوخ في النص الإلهي

هيبت بافي حلبجة
2020 / 8 / 29

في موضوع قضية الناسخ والمنسوخ لامحيص من التأكيد على المقدمات التالية التي من خلالها ندرك حقيقة وأبعاد ماسمي بالناسخ والمنسوخ :
المقدمة الأولى ثمة آيتان في النص الإلهي قد تتعارضان ، وإذا ماتعارضتا فإنها قد تتعارضا في الشكل أو ربما في الشكل والمضمون ، أو ربما لاتتعارضان البتة . الآية الأولى في سورة الأنعام ، وتمت كلمة ربك صدقاٌ وعدلاٌ ، لامبدل لكلماته ، وهو السميع العليم . الآية الثانية في سورة البقرة ، وماننسخ من آية أو ننسيها ، نأتي بخير منها أو مثلها ، ألم تعلم إن الله على كل شيء قدير . في دلالة الآية الأولى إن النص الإلهي ، ورغم تحفظنا على مفهوم كلمة ربك ، هو نص أحكمت آياته ثم فصلت ، ولايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه ، هو متسق إتساق الضرورة للضرورة ، إتساق الحتمية للحتمية ، إتساق الإرادة للإرادة ، هو قصيدة إلهية موزونة لذاتها ، للذات الإلهية ، للعقل الإلهي الكوني ، هو تشريع إلهي سرمدي قديم قدم الإله نفسه ، وإذا ما ربطنا مابين هذا المفهوم وموضوع الناسخ والمنسوخ ، فإن هذا يعني إن النص الإلهي لايطاله الإلغاء ولا الإبطال ولا المحو ولا التغيير ، ولا الحذف ، ولا ، ولا . في دلالة الآية الثانية تبرز إشكالية تفسير وتاويل مفردة وماننسخ على النحو التالي : قد يعني ما ننسخ الإبطال أوالإلغاء ، إبطال مفعول آية أخرى ، أو إلغاء حكم شرعي لها ، فتكون آية متقدمة تتمتع بحكم شرعي معين في قضية ثابتة ، ثم تأتي آية أخرى متأخرة تتعلق بنفس تلك القضية الثابتة لتتمتع بحكم شرعي آخر ، وقد تأتي آية ثالثة تتعلق بنفس تلك القضية تبطل الحكم الشرعي للآية الثانية لتتمتع ، هي ، بحكم شرعي جديد ، فتسمى الآية المتقدمة بالمنسوخة ، والآية المتأخرة بالناسخة ، لإنها أبطلت مفعولها أو ألغت حكمها الشرعي ، أي نسختها . وقد يعني ما ننسخ النقل أي الأستنساخ ، كما وردت في آية ، إذ كنا نستنسخ مما كنتم تعملون . وقد يعني ما ننسخ النسخ والإثبات معاٌ ، أي أن تنسخ آية من التوراة مثلاٌ لتحل محلها آية من القرآن ، أي هو نسخ ، من جهة ، لحكم شرعي قد صدر في رسالة سابقة متقدمة ، وهو إثبات ، من جهة أخرى ، لحكم شرعي جديد في رسالة جديدة متأخرة .
المقدمة الثانية يعتقد البعض إن الفقهاء قد تورطوا في قضية الناسخ والمنسوخ بمعنى الإبطال أو الإلغاء لإنهم إعتمدوا في التأويل والتفسير على ماسموه بالتجزيئية ، التي هي دراسة النص الإلهي آية آية ، ولم يعتمدوا ، حسب زعم هؤلاء ، على الدراسة الشاملة والكلية للنصوص الإلهية ، فلو إعتمدوا على هذه المفهوم الكلي للنص الإلهي لأدركوا ، بكل يسر ، إن النسخ بمفهوم الإبطال أو الإلغاء غير جائز ومستحيل إستحالة إلغاء أو إبطال السنن الكونية ، فالأحكام الشرعية هي سنن في حد معقوليتها ، أضف إلى ذلك إن النسخ بمفهوم الإلغاء يتناقض جملة وتفصيلاٌ مع بقية الآيات الكونية ، ولامبدل لكلمات الله ، أحكمت آياته ثم فصلت ، لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه . في الحقيقة إن هذه الرؤية منقوضة في بعدها التأصيلي من ناحيتين ، الناحية الآولى إن الأمر يتعلق بأحكام إلهية وليست بشرية ، أي الأمر لايتعلق بمحتوى الرأي إنما بمحتوى الحكم الشرعي ، فنحن لا نبحث عن رأي إله الكون في قضية معينة إنما نبحث عن الحكم الشرعي في تلك القضية ، لذلك فإن مضمون النص هو الذي يقرر المفهوم الكلي للحكم الشرعي ، فالكلية هي في مضمون النص وليست في عموم النصوص . ومن ناحية ثانية في موضوع الأحكام الشرعية في النص الإلهي ، فمن المؤكد ، إذا تعلق الأمر بقضية ثابتة محددة ، فإن النص المتأخر يلغي النص المتقدم كلياٌ أم جزئياٌ حسب مضمون النص المتأخر ، لإنه هو الذي أصبح يمثل صلاحية الحكم الشرعي الجديد في تلك القضية ، وهذا واضح في موضوع تحريم الخمر على درجات وعلى فترات زمنية حيث إن كل آية جديدة كانت تنسخ الحكم الشرعي للآية المتقدمة .
المقدمة الثالثة يعتقد البعض ممن لايؤمنون بالنسخ كإلغاء إنما كنقل وأستنساخ ، إن إلغاء الحكم الشرعي لآية ما هي بمثابة حالة بداء لإله الكون ، والبداء محال عليه ، والبداء هو إن إله الكون حينما شرع حكماٌ للمرة الثانية ماكان يدرك محتوى الضرورة التطبيقية في المرة الأولى ، تلك الضرورة التي ظهرت وبدت فيما بعد ، لتؤكد إن الحكم الشرعي الأول كان قاصراٌ وناقصاٌ . أي إن الإلغاء أو الإبطال لحكم إلهي يعني ، بالضرورة ، إن إله الكون كان قاصر الإدراك في حكمه الشرعي آنذاك ، ولم يدرك الضرورة التطبيقية اللاحقة التي بدت لإله الكون وأظهرت قصور الحكم الشرعي الأول ، وهاهو يبدله بحكم شرعي أكثر نضجاٌ ، وإلا ماهو وجه الضرورة في الإلغاء ، وإذا كان وجه الضرورة هو مراعاة لصالح الجماعة ، فهذا يدل على إن إله الكون ما كان يدرك وجه الضرورة هذا حينما شرع الحكم الآول ، أي الحكم المسنوخ الملغى . وبما إن إله الكون كلي العلم من الأزل إلى الأبد فمحال عليه حالة البداء ، ونستنتج ، بالتالي إن مفهوم النسخ في تلك الآية لايعني مطلقاٌ الإلغاء أو الإبطال ، إنما هو النقل والأستنساخ .
المقدمة الرابعة يعتقد البعض ممن يؤمنون إن النسخ هو الإلغاء والإبطال ، إن إلغاء الحكم الشرعي لآية ليس حالة بداء أبداٌ ، ويزعمون إن في الأمر إلتباس ، ويؤكدون ويتفقون مع الأوائل إن البداء محال على إله الكون ، لكن النسخ بمفهوم الإلغاء ليس فيه بداء ابداٌ ، فإله الكون حينما فرض الحكم الشرعي الأول ، لضرورة مؤقتة ، كان يدرك ، تمام الإدراك ، الضرورة المطلقة في الحكم الشرعي الثاني . فالحكم الشرعي الأول المنسوخ حالة مؤقتة لضرورة مؤقتة كانت ضرورة مطلقة في زمنها ، بينما الحكم الشرعي الثاني الناسخ حالة مطلقة لضرورة مطلقة ، هي ضرورة مطلقة في زمن تشريعها ، وقد تتحول إلى ضرورة مؤقتة في زمن مغاير ، فيه تأتي ضرورة مطلقة أخرى ثالثة بتشريع ناسخ لتشريعها ، لتنسخها ، هي وتشريعها ، إلغاءاٌ وإبطالاٌ ، وتحولهما معاٌ إلى ضرورة مؤقتة .
المقدمة الخامسة يعتقد البعض ممن يؤمنون إن النسخ هو الإلغاء والإبطال ، إن الحكم الشرعي يمكن أن يبطل بطريقتين ، الطريقة الأولى من خلال النص الإلهي نفسه ، أي إن إله الكون يحق له ، وهو قادر على ذلك ، وهو الحاكم الشرعي المطلق ، أن يلغي الحكم الشرعي الأول ويأتي بحكم شرعي ثان ينسخ الأول ، أي إن القرآن ينسخ القرآن ، وينسخ السنة النبوية بالتبعية . الطريقة الثانية من خلال نص الحديث ، أي إن نبي إله الكون يحق له ، بحكم نبوته وبحكم إنه الكائن الثاني في الوجود كله وبحكم إنه يستمد معقولية وجوده من إلهه ، ويستمد سلطته منه ، وهو قادر على ذلك بالتفويض والإنابة ، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، ولايحرمون ما حرم الله ورسوله ، أن يلغي الحكم الشرعي الأول ويأتي بحكم شرعي ثان ينسخ الأول ، أي إن السنة النبوية تنسخ القرآن كما زعم القرطبي ، وتنسخ السنة النبوية بالتبعية.
المقدمة السادسة يعتقد البعض ممن يؤمنون إن النسخ هو الإلغاء والإبطال ، إن النسخ يطال المجال الثالث فقط من هذه المجالات ، المجال الأول لايجوز النسخ في مجال الأصول العقدية العقائدية ، فهي واحدة ثابتة مطلقة منذ أن بدأت الخليقة إلى الأبد ، منذ آدم ونوح إلى نبي إله الكون وأبديته ، فهي سنن كونية عليها إنقعدت الخليقة وتأصلت بها ، فلايجوز أن تبدل هذه السنن بسنن أخرى . المجال الثاني هو المجال الإخباري ، مجال الخبر ، إذ من غير المعقول أن يخبرنا إله الكون بقصة قد جرت وحدثت وإنتهت ، ثم أن يقول ، فيما بعد ، إن هذه القصة قد نسخت وأبطلت ، كأنها لم تحدث . المجال الثالث هو مجال الأحكام الشرعية المتعلقة بنا ، نحن البشر ، بصورة مباشرة ، فيجوز تبديل حكم شرعي بحكم شرعي آخر سواء عن طريق النص الإلهي أم عن طريق النص النبوي ، أي أن تأتي آية أو أن يأتي نص نبوي بحكم شرعي معين ، ثم تأتي آية أخرى أو يأتي نص نبوي آخر بحكم شرعي آخر خير من الأول ، سواء في درجته أو في تخفيف الحكم علينا .
المقدمة السابعة في موضوع العلاقة مابين النسخ كإلغاء وإبطال ، ومابين تلاوة الآية وحكمها ، ثمت ثلاثة حالات ، الحالة الأولى إن النسخ قد رفع التلاوة والحكم معاٌ ، الحالة الثانية إن النسخ قد رفع التلاوة مع بقاء الحكم ، الحالة الثالثة إن النسخ قد رفع الحكم دون التلاوة ، أي بقيت التلاوة في النص الإلهي ، رغم إن حكمها الشرعي منسوخ . في الحالة الأولى ذكر في صحيح مسلم عن السيدة عائشة إننا كنا نتلوا آية فيما أنزل على النبي ، إن عشر رضعات يحرمن ، ثم نسخن بخمس رضعات معلومات . وفي الحالة الثانية ذكر إن عمر بن الخطاب في حديث صحيح قد قال ، إننا كنا نتلوا فيما أنزل على النبي ، إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالاٌ من الله . وفي الحالة الثالثة وهي الحالة السائدة والعامة وهي الأصلية ، حيث إن الآيات موجودة في النص الإلهي وتتلى مع إن حكمها منسوخ لايعمل به . وهذه الحالة الأخيرة هي التي نكترث بها دون سواها على الإطلاق ، وهي التي نعتمد عليها حصرياٌ ، ومرجع ذلك ومبتغانا هو إن النص الإلهي مازال يتضمن ، حتى هذه اللحظة ، النصين معاٌ ، أي النص المنسوخ والنص الناسخ .
المقدمة الثامنة وأما تعريف النسخ حسب علماء أصول الأحكام في منطوق الناسخ والمنسوخ ، هو رفع حكم شرعي بدليل حكم شرعي متاخر ، وهذا يتضمن ، في رأينا الخاص ، جملة من شروط أولية ، أي لكي يصدق النسخ لامحيض من هذه الشروط . الشرط الأول أن يكون الحكم الشرعي المنسوخ قطعياٌ في الثبوت وفي الدلالة ، وواضحاٌ في المفهوم والمعنى ، أي ألا يكون ظنياٌ في الدلالة ، ظنياٌ في الثبوت ، أو على شاكلة إبداء رأي أو مجرد ترجيح حالة على حالة أخرى . الشرط الثاني أن يختص بقضية معينة ثابتة ، ومحددة أصولاٌ ، ومدركة في ذاتها ، كالخمر والميسر والأزلام . الشرط الثالث أن يحتوي في جوهره قضية الثواب والعقاب ، فلاحكم شرعي إذا لم يرتبط ، بطريقة ما ، بمفهوم الثواب والعقاب . الشرط الرابع أن يتفارق الحكم الشرعي الناسخ عن الحكم الشرعي المنسوخ بفارق زمني ، فلايجوز أن يأتيا معاٌ في آية واحدة . الشرط الخامس أن يختص الحكم الشرعي الناسخ بعين تلك القضية المعينة التي أختص بها المنسوخ . الشرط السادس ألا يكون الناسخ على سبيل التخصص ، أو على سيبل الإستثناء ، أي أن يختص بالقضية في كليتها وليس في جزئيتها ، لكي يحل محل المنسوخ تمام الحلول . الشرط السابع أن يتمتع الناسخ ، أيضاٌ ، بقطعية الدلالة والثبوت . الشرط الثامن ينبغي إحترام القاعدة الفقهية ، إن الحكم يدور مع علته وجودأ وعدماٌ ، فإذا علق حكم بعلة ، فإن بزوال العلة يزول الحكم ، والمثل الشهير على ذلك هو إذا تحول الخمر إلى خل ، بطل الحكم المتعلق بالخمر . الشرط التاسع والأخير أن يكون مصدر إقرارالحكمين واحداٌ ، وبما إن الأحكام الشرعية هي أحكام إلهية بالضرورة ، فلايحق لغير إله الكون أن يصدر مثل هذه الأحكام ، ولايحق لغيره أن ينسخ مثل هذه الأحكام ، وإلا لكانت إرادة من ينسخ هي مكافىء لإرادة إله الكون .
رأينا في هذه الإشكالية :
أولاٌ نحن لانلزم أنفسنا ، أطلاقاٌ ، بتاويل الآيتين اللتين تشيران لمفهوم النسخ ، الآية الأولى وقد أتى ذكرها في سورة النحل ، وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل . والآية الثانية أتى ذكرها في سورة البقرة ، وما ننسخ من آية أو ننسيها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم إن الله على كل شيء قدير . كما لا نعول على مضمونهما ، سواء فيما يخص معنى النسخ ، هل هو إالغاء وإبطال ، أم نقل وأستنساخ ، أم نسخ وإثبات . سواء فيما يخص معنى الآية ، هل هي آية تكوينية ، أم آية إعجاز مختصة بالأنبياء ، أم آية قرآنية . إذن سنتعامل مع مفهوم الناسخ والمنسوخ من خارج محتوى وموضوع هاتين الآيتين .
ثانياٌ نحن لا نلزم أنفسنا ، إطلاقاٌ ، بتأويل الآيات التي قد تتضمن نسخاٌ لآيات أخرى ، مثل وكتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، التي قد تكون ناسخة لوجوب الصيام في العاشوراء . ومثل آية السيف ، وهي الآية الشهيرة ، الآية الخامسة من سورة التوبة المتعلقة بالمشركين ، فإذا إنسلخ الأشهر الحرم فإقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وإحصروهم وإقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم . ومثل الآية التاسعة والعشرين من سورة التوبة المتعلقة بأهل الكتاب ، قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولايحرمون ما حرمه الله ورسوله ولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . من المؤكد إن هاتين الآيتين تناقضان نصوصاٌ عديدة جداٌ ، مثل لكم دينكم ولي دين ، لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي ، من شاء ليؤمن ومن شاء ليكفر . إذن لن نعول على مثل هذه الآيات ، إنما سنعول على موضوع واحد محدد معين ، وهو موضوع تحريم الخمر حيث لايمكن لأي شخص عاقل ، حصيف ، متزن ، رزين أن ينكر تطور الآيات التي تخصه ، كما لايمكن لأي مسلم أن يجهل القصة الحقيقة التي كانت وراء إقرار تلك النصوص ، فالقصة معروفة لكل باحث ، فإلى ذلك .
ثالثاٌ إذن هو موضوع تحريم الخمر ، في البداية ، يا أيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وإتنم سكارى حتى تعلموا ما تقولون . ثم ، يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما . ثم ، إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فإجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل إنتم منتهون . في مستوى الآية الأولى شارك علي بن أبي طالب في وليمة أكل وخمر أقامها عبد الرحمن بن عوف ، ولما نودي للصلاة كان الخمر قد أخذ منه كل مأخذ ، فتلى آيات من النص الإلهي وأخطأ ، قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ماتعبدون ، فنزلت هذه الآية . وهنا نستنتج ثلاثة إستنتاجات ، الأول إن الخمر مباح شرعاٌ ، إذ يجوز للمسلم أن يشربه حتى حالة السكر ، إذ لايوجد مانع شرعي للنهي . الثاني إن الخمر مباح حتى في أوقات الصلاة شرط ألا تكون حالة السكر قد تحققت ، أي إذا إنتفت حالة السكر لايوجد مايبطل إقامة الصلاة . الثالث الحكم الشرعي ينحصر مابين حالة السكر وإقامة الصلاة ، حتى تعلموا ما تقولون ، وهذه هي إحدى الغايات من إقامة الصلاة . ومن المؤكد إن هذه الإستنتاجات صادقة ، لإن علة عدم الإقتراب من الصلاة ليست الخمر بحد ذاته ، وإلا لكان القول الأرجح ، حرم عليكم الخمر ، إنما العلة هي تحقق حالة السكر لإنها تمنع تحقق الغاية من إقامة الصلاة وهي ، حتى تعلموا ما تقولون . وفي مستوى الآية الثانية ندرك جملة من القضايا ، الأولى إن الصحابة أستمروا في شرب الخمر ودليلنا في ، يسألونك عن الخمر ، عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة . الثانية لايوجد حكم شرعي فيها لإنها مبنية على المفاضلة مابين ، قل فيهما أثم كبير ومنافع للناس . الثالثة إن الخمر ، هنا ايضاٌ ، مباح شرعاٌ ، لإن فيه منافع للناس ، ولايضر مصداقية ذلك إذا كان الأثم أكبر من النفع . وفي مستوى الآية الثالثة لدينا جملة أمور متشابكة ، الأمر الأول إن مفهوم إجتنبوه ، إجتبنوا الرجس ، لايرتقي إلى حد التحريم ، لإن إله الكون حينما أراد التحريم ثبت ذلك ، حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ، حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقودة والمتردية وما أكل السبع . الأمر الثاني إن إلصاق مضمون الخمر ب ، رجس من عمل الشيطان ، ويريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ، لدليل إن إله النص الإلهي لم يرد تحريم الخمر لذاته ، لعلة خاصة فيه ، لإنه خمر ، إنما قال فإجتنبوه لعلة أسمها الشيطان . الأمر الثالث عندما هتف عمر بن الخطاب ، نعم نحن منتهون ، منتهون لإن الشيطان يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة في الخمر والميسر ( والميسر مفردة كوردية تخص نوعاٌ ثقيلاٌ من الخمر ) ، وليس لأنكم تأذون أنفسكم وأهلكم ، فالعلة ليست عامة في الخمر إنما خاصة في نتائج الخمر ، والعلة الخاصة ، هنا ، لا ترتقي إلى حد التحريم . الأمر الرابع ينبغي علينا أن نفارق مابين موضوع تحريم الخمر ، ومفهوم نسخ آية لآية ، فالآية الثالثة تنسخ مضمون الآية الأولى بالقطع ، فالأمر تجاوز محتوى العلاقة مابين إقامة الصلاة وحالة السكر ، وأصبح موضوعاٌ عاماٌ ، لذلك هتف عمر بن الخطاب نعم نحن منتهون ، أي الآن أدركنا نتائج الخمر ليس عند إقامة الصلاة فقط ، إنما لإن الشيطان يريد ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون !! . الأمر الخامس من أغرب الآيات والتي تؤكد معاني كثيرة ، منها بشرية وأرضية النص الإلهي ، فهل أنتم منتهون ، فهل يعقل أن يستفتي إله الكون البشر في حكم شرعي !! .
رابعاٌ لنعود الآن إلى الأيتين الخامسة من سورة التوبة والمتعلقة بالمشركين وقتلهم كحكم شرعي إلهي ، والتاسعة والعشرين من نفس السورة والمتعلقة بأهل الكتاب ومقاتلتهم ودفع الجزية وهم صاغرون كحكم شرعي إلهي . ولنطرح التساؤل التالي خارج قضية الناسخ والمنسوخ ، هل ثمة تناقض مابين هاتين الآيتين ومابين آيات أخرى عديدة ، وإن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله ، يأيها الذين آمنوا أدخلوا في السلم كافة ، من قتل نفساٌ بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاٌ ، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، لكم دينكم ولي دين . والتناقض واضح وصريح ولايقبل بالشك ولا بالتأويل ولا بالترقيع ، ولايمكن نزع فتيل التناقض إلا بحذف إحدى الجهتين ، إما حذف الآية الخامسة والتاسعة والعشرين ومثيلاتها ، وإما حذف الآيات التي دعت إلى التسامح والسلم ، فالمنطق والعقل لايقبلان بوجودهما معاٌ . لكن بما إن نبي إله الكون وإلهه والإسلام كانوا ضعفاء في البداية ، كانوا يستعطفون اليهود ، حصراٌ ، بآيات السلم والسلام ، ولما أشتدت سواعدهم ، ضربوا تلك الآيات بعرض الحائط وأستبدلت بآيات القتل والمقاتلة ودفع الجزية وهم صاغرون !! وكيف يمكن لإله الكون عن يقول عن مخلوقاته ، وهم صاغرون !!! إشكالية كبيرة . إذن ، وبالعودة إلى قضية الناسخ والمنسوخ ، نكون إزاء فرضين لاثالث لهما ، الفرض الأول إن الجهة الثانية تنسخ الجهة الأولى ، الفرض الثاني إن الجهة الأولى تنسخ الجهة الثانية . وبمنطق إن دفع الجزية حكم شرعي ينبغي أن يطبق ، وبمنطق إن الحكم الشرعي المتأخر يلغي الحكم الشرعي المتقدم ، فإن الآيتين الخامسة من سورة التوبة ، والتاسعة والعشرين من نفس السورة ، قد نسختا ، قد أبطلتا ، قد ألغتا ، كافة الآيات التي تناقضها في حكمها الشرعي .
وهنا ، نقدم ثلاثة ملاحظات جوهرية :
الأولى إن الناسخ والمنسوخ في النص الإلهي شيء طبيعي جداٌ ، لإن هذا النص تكون ، في تداعياته ، على الارض ، وحسب مقتضيات الضرورة والحاجة .
الثانية يزعم المحدثون من المفكرين والشيوخ ، إن الأقدمون قد خلقوا ، قد أتوا بدين جديد ، وإن الدين الحقيقي هو دين التسامح والمغفرة والسلم والسلام . في الحقيقة إن المحدثون هم الذين يخلقون ، يأتون بدين جديد ، وإن حقيقة الدين الاصلية هي تلك الاية الخامسة من سورة التوبة ، والتاسعة والعشرين مننفس السورة . مع تذكير هؤلاء بالبطش والوحشية المرتكبين في الغزوات ، أوطاس ، بني قريظة ، صفية ، وآلاف منها ، ناهيكم عن حروب الردة ، أليس كان من المفروض ، بصدد حروب الردة ، أن تكون ، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر !!! .
الثالثة تقول الآية ، لو كان ذلك من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافاٌ كبير، وهانحن نجد فيه إختلافاٌ كبيراٌ ، فهل هو من عند من ؟ . وإلى اللقاء في الحلقة الثامنة والتسعين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول