شروط أساسية لبناء دولة ديمقراطية وحديثة في منطقتنا

رابح لونيسي
2020 / 8 / 29

تعلمنا من التاريخ السياسي أن الدول الديمقراطية هي الأكثر إستقرارا وديمومة، مما يسمح بالتنمية وتراكم البناء، وذلك على عكس الدول ذات الأنظمة الإستبدادية التي تنهار بسرعة بسبب الصراع العنيف حول السلطة، سواء للوصول إليها أوالبقاء فيها، فتهمش الكفاءات والطاقات، وتتبدد الأرواح والأموال، ولا يمكن الخروج من هذه الدائرة الدموية المغلقة إلا بالآليات الديمقراطية التي تعد حلا سلميا لمشكلة السلطة، ولكل التناقضات المختلفة السائدة في كل المجتمعات والأمم.
لم تطرح مجتمعاتنا مشكلة السلطة بشكل جدي عبر تاريخنا، والتي كانت سببا للفتن والحروب منذ الفتنة الكبرى، فأستسلمنا للملك العضوض وللصراعات الدائمة حول السلطة، فتسقط دول لتأخذ أخرى مكانها بعد صراعات دموية مدمرة، ولم ننتبه إلى إشارة القرآن الكريم إلى الطبيعة السلطوية للإنسان وخطورتها على مصيره، والتي سماها ب"الملك"-أي السلطة بشكلها الواسع-، فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم، بأن إبليس أغوى آدم بالأكل من الشجرة الملعونة بعد إيهامه بأن ذلك سيعطيه "خلدا وملكا لا يبلى" )طه 120-121(، ولم يكن إنكشاف سوءاتهما بعد الأكل من الشجرة إلا ترميزا وإشارة إلى ظهور طبيعة الإنسان الحقيقية والمتسترة عند سعيه إلى السلطة والصراع حولها، وهي عادة ما تتصف بالدموية والهمجية في حالة هذا الصراع، وهو نفس ما توصل إليه تقريبا الفيلسوف الأنجليزي هوبز عند وصفه طبيعة الإنسان بالقول "أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، مما يتطلب التفكير الجدي في آليات تحد من الصراعات الدموية بين البشر، وقال ذلك في فترة كانت فيه أوروبا تعج بصراعات دموية حول السلطة، فكان ذلك كله منطلقا فلسفيا وواقعيا لكل الفكر السياسي الذي أنشغل بالبحث عن آليات للتخلص من هذا العنف المدمر، فبرز لوك وروسو ومونتسكيو وغيرهم من واضعي الأسس والآليات الديمقراطية الحديثة.
فقد عرف التاريخ الإسلامي مباشرة بعد وفاة سيدنا محمد(ص) صراعا عنيفا حول السلطة، فتقاتل الصحابة من أجلها أثناء ما يسمى في هذا التاريخ ب"الفتنة الكبرى"، فلم تكن الأخلاق والدين والقرب من الرسول(ص) كافية لصد هؤلاء عن الصراعات السلطوية، فاستغل الكثير من هؤلاء الدين من أجل السلطة والوصول إليها بشكل لا يمكن تصوره. أن هذه الظاهرة التي نعيشها اليوم من خلال توظيف الدين لأهداف سلطوية هي في الحقيقة قديمة سواء عند المسلمين أو الشعوب الأخرى، ففي البلاد المغاربية مثلا صور بن خلدون الظاهرة بشكل واف في مقدمته، حيث سادت الفوضى واللآإستقرار في هذه المنطقة بسبب الصراع بين بدو وحضر، حيث دائما ما يستغل البدو الدين بعد مايستندون على قبيلة ومذهب ديني، فيكفرون أصحاب الدولة الذين تمدنوا وتحضروا متهمين إياهم بأنهم أنحرفوا عن العقيدة والشريعة، فتندلع الحروب من أجل السلطة، وتأخذ طابعا قبليا وطائفيا أو مذهبيا، لكن بعد أخذ هؤلاء السلطة يأتي بدو آخرون، فيعيدون نفس الكرة مع السلطة القائمة، فيسود اللاأمن واللآإستقرار والحروب مرة أخرى.
أن هذه الظاهرة الخلدونية المرتبطة بالعصبيات هي التي دفعت أنجلس في دراسة له عام 1894 في مجلة دي نيوزايت الألمانية إلى تفسير تخلف شعوب منطقتنا، وقال أن ذلك يعود إلى هذا الصراع الدائم الذي جعل المنطقة لاتعرف الإستقرار وإستمرارية الدولة لمدة طويلة، مما يسمح بتراكم البناء والتنمية. ما يؤسف له أن هذه الظاهرة لازالت مستمرة عندنا إلى حد اليوم، فظاهرة إستغلال الدين للوصول إلى السلطة التي ظهرت بقوة في العقود الأخيرة ماهي في الحقيقة إلا تكرار لهذه الظاهرة الخلدونية، فما لم نقم بقطيعة مع هذه الظاهرة المتمثلة في توظيف الدين لأغراض سلطوية وسيادة مختلف العصبيات القبلية والجهوية والطائفية والدينية واللسانية وغيرها، فإنه من الصعب جدا ضمان سلم وإستقرار دائم في منطقتنا، ومنها الجزائر، مما يسمح بتراكم التنمية والبناء الإقتصادي.
ان ظاهرة الصراع حول السلطة المغذية بالقبلية والدين وغيرها عرفتها أوروبا أيضا عبر تاريخها الطويل، ولعل أشهرها تاريخيا الحروب الدينية في القرن17م التي دامت 30عاما بين البروتستانت والكاثوليك، لكن رغم سلبيات هذه الحروب وتأثيراتها على حياة البشر، إلا أن الأوروبيين أستفادوا منها فيما بعد، حيث أنتجوا محاولة لبناء السلام بموجب معاهدة ويستفاليا في 1648 التي أنتجت الدول الأوروبية الحديثة، كما مهدت هذه الحروب الدينية وغيرها لمبدأ"إبعاد الدين عن الإستغلال السياسوي" فيما بعد، والذي يعد عاملا رئيسيا في الإستقرار الذي تعيشه الكثير من الدول الغربية. تدل كل هذه الصراعات العنيفة على أن وجود سلطة فقط مهما كانت قوتها غير كاف لضمان الإستقرار، وهو ما دفع مفكرون كلوك ومونتيسكيو وروسو وغيرهم إلى التنظير للنظام الديمقراطي كحل سلمي لمختلف التناقضات السياسية والأيديولوجية والإقتصادية والإجتماعية والطبقية والثقافية وغيرها التي تعرفها كل المجتمعات وأمم الأرض. أستهدف هؤلاء المنظرون تحويل الصراع العنيف والدموي حول السلطة إلى صراع سياسي غير عنيف مبني على التداول السلمي عليها بواسطة الإنتخابات المعبرة عن إرادة الأمة مع إحترام الحريات وفصل السلطات وإبعاد الدين عن الإستغلال السياسوي وغيرها من المباديء الديمقراطية التي تطورت تدريجيا عبر عقود من الزمن، فهذا النظام هو الذي حد تماما من الصراعات الدموية من أجل السلطة في الدول الغربية، وجعلها ثابتة ومستقرة لمدة طويلة جدا، مما سمح بتراكم عملية البناء والتنمية.
لكن ما لم ينتبه له الكثير والذي يحتاج إلى نقاش أوسع هو: لماذا كلما حاولت شعوب منطقتنا، ومنها الجزائر تطبيق نفس الآليات المطبقة في الغرب، تجد نفسها في أغلب الأحيان قد تراجعت، إن لم تدخل في حروب أهلية، فقد فسر البعض ذلك بأن شعوبنا مصابة بما يسمونه "الإستبداد الشرقي"، ويستحيل نجاح الآليات الديمقراطية فيها، ويشترط آخرون تطوير التعليم كشرط لنجاحها.
نعتقد أن كل هذه الآليات فشلت لسببين: أولها انه عادة ما جاء تطبيقها في ظروف تتسم بضعف الدولة كما وقع في الجزائر بعد أكتوبر1988، فلا يمكن نجاح الآليات لديمقراطية في دولة ضعيفة، فالشرط الأساسي لنجاحها هو وجود مؤسسات عسكرية وأمنية قوية، وتردع أي إنفلات مع تطبيق صارم للقانون، أما السبب الثاني فهو أننا لازالنا نعيش ما نسميه ب"العصر الخلدوني" الذي سادته إستغلال الدين لأغراض سلطوية ومختلف العصبيات التي أخذت اليوم أشكالا متعددة كالعصبيات القبلية والجهوية والدينية والطائفية واللسانية وغيرها التي تعرقل نجاح هذه الآليات، بل جعلت الحياة الحزبية والإنتخابات مبنية على مختلف هذه العصبيات، خاصة إستغلال الدين، وهو ما يتطلب منا التخلص من هذه العصبيات وإقامة قطيعة مع هذا العصر الخلدوني الذي لازالنا نعيش فيه، فقد أبرزت لنا الأحداث الأخيرة في منطقتنا وإنعكاسات ما يسمى ب"الربيع العربي" بأن كل تغيير أو إسقاط للأنظمة القائمة لا يكون إلا تمهيد طريق لبروز هذه العصبيات الدينية والطائفية والقبلية والجهوية واللسانية وغيرها على شكل تنظيمات سياسية ومسلحة التي ستزرع الفوضى والحروب بإستغلال هذه العصبيات والتلاعب بالعواطف، فالإشكالية التي يجب طرحها وبحثها بعمق هي: كيف نحقق هذه القطيعة مع كل هذه العصبيات الذي يعد شرطا أساسيا لنجاح الأليات الديمقراطية عندنا؟.
نعتقد أنه من الأوهام الحديث فقط عن الآليات الديمقراطية والحداثة ومبدأ المواطنة وإحترام الآخر والتسامح وغيرها من الأفكار في مجتمع تسيطر عليه العصبيات الدينية والطائفية واللسانية والقبلية، فهذه الأفكار كي تسود أي مجتمع كان قولا وفعلا يجب وضع الشروط المادية لنجاحها كما وقع في أوروبا القرن19م، لكن في وقت قصير بحكم العولمة والتكنولوجيا اليوم، وذلك بتغيير البنية التحتية المتمثلة في قوى الإنتاج التي بدورها ستؤثر على البنية الفوقية للمجتمع المتمثلة في شكل الدولة والذهنيات والثقافة وغيرها- حسب طرح ماركس-، فإن لم نضع الشروط المادية لإحداث قطيعة مع هذه العصبيات الخلدونية، فإنه يستحيل بناء دولة مستقرة مبنية على الآليات الديمقراطية.
تتمثل هذه الشروط المادية في القيام بالثورتين الصناعية والعلمية اللتان ستطوران قوى الإنتاج، واللتان ستغيران ذهنية وثقافة المجتمع وشكل الدولة وغيرها، فإن لم نقم بذلك، سنبقى نعيش في عصر العصبيات الخلدونية، يجب علينا المرور على مانسميه "رأسمالية صناعية وطنية" تدور حول الذات، وتكون في خدمة الإنتاج الوطني بدل الرأسمالية التابعة التي يسطر عليها المستوردون الكبار والمرتبطة بالإقتصاديات الغربية وفي خدمتها، كما يشترط أيضا القيام بثورة علمية وثقافية، فلم تنجح الآليات الديمقراطية في أوروبا إلا بفعل الثورات الصناعية والعلمية والثقافية التي عرفتها في القرنين 18و19م، لكن كيف نصل إلى ذلك في ظرف قصير؟.
تتحقق الثورة الصناعية بدفع أصحاب الأموال للإستثمار في القطاعات المنتجة لخلق الثروة ومناصب الشغل بدل الإستيراد-إستيراد الذي يحطم يوميا المؤسسات والإقتصاديات الوطنية، وبذلك تتحول بلداننا إلى ورشة صناعية تحررها من التبعية للريع النفطي وللرأسمالية العالمية، ويمكن الإستلهام في ذلك من الآليات والقوانين التي اعتمدتها الصين الشعبية بعد الإصلاحات الإقتصادية التي وقعت فيها بعد وفاة ماوتسي تونغ، والتي كانت وراء تحول الصين اليوم إلى قوة إقتصادية عالمية، وطبعا سنعمل من أجل تحيينها مع ظروفنا.
ان هذه الإجراءات كفيلة بتحويل الكمبرادور إلى برجوازيات وطنية تكون في خدمة الإقتصاد الوطني بدل خدمة الإقتصاد الرأسمالي الغربي من خلال تسويق سلعه، فذلك يحقق التنمية، ويحل مشكلات البطالة والفقر ومختلف الأزمات الإجتماعية التي تعرقل نجاح الديمقراطية، وتغذي الجماعات الإرهابية والمشاكل السياسية والصراعات الإثنية والطائفية والهوياتية.
أما على الصعيد العلمي، فيتم ذلك بوضع قوانين وآليات وإجراءات تعيد النظر في أساليب الترقية الإجتماعية، وذلك بإعطاء الإمتيازات لكل مخترع في المجال العلمي والتكنولوجي يخدم به التطور، فيلد الطفل وهمه أن يصبح مخترعا في مجالات العلوم والتكنولوجيا بدل السعي إلى المناصب السياسية، فيخف الصراع حول السلطة السياسية والنفوذ الإقتصادي مادام أن البحث العلمي هو الذي يحقق الصعود الإجتماعي، كما تساعد الإبداعات العلمية والتكنولوجية في التطور الإقتصادي، مما سيطور قوى الإنتاج التي هي البنية التحتية التي ستغير بدورها البنية الفوقية، ومنها تغيير الذهنيات وإقامة قطيعة مع العصبيات الخلدونية.
كما لايجب إهمال الجانب الثقافي بغرس مبدأ المواطنة وإحترام الآخر وكذلك وضع حد للحروب الثقافية التي تأخذ طابعا قبليا وعرقيا تعود إلى التعصب والثقافات المغلقة، وذلك بتشجيع الثقافات المحلية المتفتحة والمتسامحة، كما يجب تشجيع التفتح على الثقافات العالمية كلها، وليس الغربية فقط، وكذلك الإهتمام بتعليم اللغات لأن الإعتماد على لغة واحدة فقط جعل البعض من أبنائنا سجناء ثقافات تحمل طابع الإنغلاق والتعصب، مما يثير المشاكل الهوياتية المدمرة من جهة، ويجعلهم لقمة سهلة أمام دعايات وخطابات الجماعات الإرهابية.
أن تحقيق الشروط الآنفة الذكر في نظرنا سيقوي الدولة، ويطور قوى الإنتاج التي بدورها ستغير ذهنيات المجتمع وممارساته، وتحدث قطيعة مع كل عصبيات العصر الخلدوني التي تعرقل قيام مجتمع حداثي وديمقراطي يضمن الإستقرار.