عندما تغني فيروز اسامينا.

مراد سليمان علو
2020 / 8 / 29

(عندما تغني فيروز ـ اسامينا)
هنالك حزورة يتداولها أطفال الكرمانج في حوض جبل شنكال مفادها: "كلّ شيء بحاجة لشيء ما؛ فما هو هذا الشيء"؟
ولا يخفى أن الجواب هو (الاسم) فكل واحد منا بحاجة لأسم بين الناس، وكذلك كلّ شيء بحاجة إلى أن نطلق عليه اسما؛ لنميزه عن الأشياء الأخرى: الحيوان، الحشرات، النبات، الجماد. وكذلك الصفات، والأصوات، والأماكن... الخ.
نحب أسمائنا ونعتز بها، فقد بذل أولياء أمورنا جهودا لكي يختاروا لنا الاسم المناسب مثلما تذكره فيروز في أغنيتها ذائعة الصيت (اسامينا) من كلمات جوزيف حرب ومن ألحان فيلمون وهبة.
ولعل أول من أطلق على نفسه اسما هو (خودا) أي الذي (خلق نفسه بنفسه) وهو اسمه الأعظم حسب الأيزيدياتي، وله ألف أسم آخر، وهذا يؤكد بأن حالنا هو حال الديانات الأخرى، " ومفيش حد أحسن من حد" حسب المثل المصري الدارج الذي نسمعه في أغلب أفلامهم الشعبية، الزرادشتية فيها خمسة وخمسون اسما للرب، وفي الإسلام تسعة وتسعون، ولعل أول من أطلقوا عليه أسماء عديده وصفات مميزة هو الإله البابلي الأعظم مردوخ وكان له خمسون اسما.
اشتهرت العرب دون الأقوام الأخرى الاهتمام بالأسماء، فللأسد عندهم خمسمائة اسم، وللأبل زهاء ألف اسم، وللسيف ثلاثمائة اسم..الخ.
أحيانا قد يرافق أسم الفرد مهنته كأن يقال حامد الحداد أو فلاح الرسام أو فاضل أبو الفلافل؛ لتفوقه وتفننه في مهنته التي لا يجاريه أحد فيها، ولنا في أسماء العوائل الموصلية العريقة عبرة، فهناك بيت الصابونجي الأغنياء وبيت الكركجي والصواف والحبال والجماس والجقماقجي.. الخ.
في سنوات الحرب مع إيران وعندما كنت مأمور بدالة في مجموعة مخازن عتاد حديثة الثانية، وتأتي الشاحنات العديدة؛ لتفرغ حمولتها من العتاد أو تحملها من المخازن إلى الجبهة التي تكون فيها هجوم، كنا نفتعل عطلا في بعض خطوط الاتصالات السلكية كي نتفادى الذهاب إلى داخل المخازن؛ لتحميل العتاد أو تفريغه طيلة النهار وربما إلى منتصف الليل، وكان هذا يعتمد على الهجومات في جبهات القتل وعلى البرقيات المستعجلة؛ لأرسال العتاد والصواريخ، لذلك وعلى هذا الأساس من الحيل والخدع قيل ثلاث (سينات) لا يقدر عليهم أحد: سائق التاكسي ـ والسلكي (المخابر) في الجيش ـ والسستر (الممرضة)؛ لقدرتهم على خلق الأعذار فيما يخص مهنهم.
وعلى ذكر المهن اللاصقة بالأسماء هناك من يحب مهنته واسمه وهناك من يتفادى ذلك لسبب من الأسباب ويعلن نفسه باسم العشيرة التي يتباهى بها.
تغيير الاسم في دولتنا يتطلب إجراءات عديدة ومعقدة، فما بالك بمحاولة تغيير اللقب أو اسم الشهرة، وهذا تماما عكس ما هو سائر في دول أوربا حيث بوسعك تغيير اسمك أو لقبك تماما كما تبدله في الفيسبوك، وينطبق على الكثير منا المثل العربي القديم: "أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه".
قد لا يعرف البعض معنى أسمه ولا والده يعرف لماذا أطلق على ابنه هذا الاسم. فكلّ خلف في نظرنا هو أبو زيدان، زياد، زيد، مثلما كلّ سليمان هو أبو داوود، وحسن أبو فلاح، وأحمد هو أبو شهاب.. الخ من الأسماء والألقاب المعدّة لنا سلفا.
عند قبولي في جامعة الموصل وفي السنة الدراسية الأولى من سنوات الحصار والجوع وقبل أن التقي بمجاميع أو كروبات الطلبة الأيزيدية ونتعرف على بعضنا كنت على يقين بأنهم سيسمّونني (أبو ليلى) لأن اسمي هو (مراد) تيمنا بالمطربة والممثلة (ليلى مراد) ودون أن يشاهدوا لها فلم (غزل البنات) أو يسمعوا لها أغنية (أنا قلبي دليلي) فاتخذت لنفسي اسم (أبو بسمة) ثم لا حقا وبعد الزواج اطلقت اسم (بسمة) على أولى بناتي، وبعد هذه النكتة في جامعة الموصل وبسنوات عديدة وفي مهرجان أدبي سلمّ عليّ أحد أولئك الأصدقاء وقد منّ عليه كريفه بول بريمر بمنصب أداري محترم فسلم علي بحرارة وهو يخاطبني ب (أبو بسمة) وبعد أن جلس هو في الصف الأمامي وجلست مع صديقي في الوسط حتى سألني: لماذا لم يناديك بأبو (حسن) وكيف يعرف بأن لك طفلة اسمها (بسمة). فقلت له إنما هلاوسه هذه من آثار الحصار أيام التسعينات، وطبعا ظن صاحبي بأنني أنا الآخر أهلوس.
اعتدنا في العراق أن تكون في مدننا أحياء وشوارع وجسور بالاسم نفسه فهناك حيّ الشهداء وحي المهندسين والحيّ الزراعي، وشارع الكورنيش، وجسر الحرية.. الخ، وكذلك لابد أن يكون هناك في كلّ مدينة عراقية شارع يسمّى بشارع (الأطباء) حتى لو لم يكن الاسم مثبت رسميا في بلدية المدينة؛ لأن الناس عندنا اعتادوا أن يطلقوا على كلّ شارع تكثر فيه عيادات الأطباء الخاصة والمضمدين والمختبرات والصيدليات، بشارع الأطباء، فمثلا شارع نينوى في الموصل يسمى بشارع الأطباء وفي الآونة الأخيرة هاجر الكثير منهم للخارج، أو انتقلوا لمدن كردستان الآمنة ويمكن مشاهدة إعلانات أسمائهم واختصاصهم في شارع الأطباء بدهوك، أو أربيل وقد رفعوا من أجرة فحصهم من خمسة آلاف دينار إلى عشرين ألف وأكثر. وغالبا ما تقع عياداتهم في عمارات حديثة.
*******

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية