أسباب تعطيل القانون النافذ وعدم تطبيقه (القرار 141 لسنة 2002 إنموذجاً)

سالم روضان الموسوي
2020 / 8 / 25

أسباب تعطيل القانون النافذ وعدم تطبيقه
(القرار 141 لسنة 2002 إنموذجاً)
إن القانون حينما يصدر بعد مروره باليات تشريعه الدستورية وبالشكل الصحيح، فانه يرتب أثاره اعتبارا من تاريخ نفاذه، وهذا هو السائد والسليم، فلا يجوز مخالفة نصوص التشريع التي تصبح نافذة إذا كان فيها إلزام بعمل معين أو الامتناع عن عمل معين، كما يجب الالتزام بأحكامها أذا ما تضمنت قواعد تنظيمية أو خلقت مراكز قانونية جديدة، نفاذها هو تاريخ بدأ سريان أثار تلك النصوص، لكن نجد إن بعض هذه النصوص القانونية، قد استوفت كل آليات إصدارها وأصبحت نافذة وانها ملزمة للجميع، لكن لا يعمل بها مع بقاء وجودها، وهذا ما يسمى بتعطيل النص التشريعي أي إن النص موجود بوصفه كيان في جسد المنظومة التشريعية، إلا انه غير فاعل في الحياة العامة واليومية، ولا يلتفت إلى أحكامه سواء من المكلف بتطبيقه أو من المكلف بتنفيذه، وأسباب هذا التعطيل متعددة منها قانوني ودستوري ومنها يعود إلى عزوف الجهات المكلفة بتطبيقه عن العمل به، وسأذكر بعض هذه الأسباب على وفق الآتي :
1. التعطيل القانوني: صدور قانون لاحق يعطل نص قانوني سابق ومثال ذلك يصدر القانون الجديد ويتضمن حكما جديداً يخالف حكم قانوني سابق لكنه لا يشير اليه بصريح العبارة على إلغائه أو تعطيله، وإنما يردف النص بعبارة ولا يعمل بأي نص يتعارض وأحكام هذا القانون ولىنه لاحق فان أي نص سابق يتعارض وأحكامه يعد معطل ولا يعتد به.
2. التعطيل القضائي: صدور حكم من القضاء الدستوري بعدم دستورية النص القانوني، وفي هذه الحالة يبقى النص قائم لكنه معطل بموجب هذا الحكم ولا يجوز العمل به ويرى المختصون بالقضاء الدستوري بأن الحكم بعدم الدستورية يؤدي إلى الامتناع عن تطبيق النص من دون إلغائه فقط، أي يقتصر أثر هذا الحكم على عدم جواز تطبيق النص على الوقائع والمراكز القانونية التي نضمها ، فالمحكمة تقرر عدم الدستورية فقط وتكتفي ولا تصدر حكما بإلغاء القانون المحكوم بعدم دستوريته ويبقى القانون من الناحية النظرية المجردة قائماً حتى يلغيه المشرع.
3. التعطيل بحكم تبدل الظروف : أحيانا يكون النص القانوني معطل لان الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية قد تغيرت وأصبح ذلك النص غير ذي جدوى ولا يتناسب مع الظرف الجديد لأنه صدر في ظل ظروف سابقة تختلف أو إنها تغيرت ومن الأمثلة على ذلك نص المادة (242/2) مدني ( فلو سقط من شخص لؤلؤة التقطتها دجاج فصاحب اللؤلؤة يأخذ الدجاجة ويعطي قيمتها)
4. التعطيل من الجهات المكلفة بتطبيقه : و يكون بإهمال تطبيق النص القانوني من قبل الجهات المكلفة بتطبيقه وسأعرض لمثال من هذه الصورة وبشكل مفصل حيث نجد كثير من النصوص القانونية معطلة ليس لأنها ملغاة بنص تشريعي لاحق أو بحكم قضائي من المحكمة الدستورية وإنما الجهة المختصة المكلفة بتطبيقه تتجاهله إما عمداً أو سهواً ، لأنه غير قابل للتطبيق أصلاً بسبب صياغته التشريعية أو لان الظروف المحيطة به تعيق تطبيقه ومثال ذلك قانون التوقيع الالكتروني والمعاملات الالكترونية رقم 78 لسنة 2012 فانه نافذ وتوجد تراخيص للشركات المكلفة به لكنه معطل فعليا من قبل جميع الجهات ذات العلاقة.
لذلك فان القوانين الصادرة وان اكتسبت شكلها النهائي على وفق الآليات الدستورية إلا إنها أحياناً تبقى معطلة وغير فاعلة ولا يلتفت إليها ، وسأذكر مثالاً على ذلك يتمثل في وجود قرار لمجلس قيادة الثورة المنحل رقم 141 لسنة 2002 صادر بتاريخ 31/7/2002 وهو يتعلق باليات التقاضي وعمل المحاكم في التعامل مع الحقوق العائدة للدولة، إلا انه لم يفعل ولم يعمل به لغاية الآن وارى انه أصلاً غير قابل للتطبيق بسبب عدم إمكانية تطبيقه لتعارضه مع أهم مبدأ في العمل القضائي، وهو حياد القاضي عند نظر الدعوى وعدم ميله إلى أي طرف من أطراف الدعوى التي ينظرها مهما كانت تلك الجهة، لان هذا القرار أتى بمبدأ جديد وغريب على المنظومة التشريعية وهو وجوب قيام القاضي بالطلب من أي جهة حكومية لمطالبة بحقها إذا ما وجد إن لها حقاً وذلك من خلال نظر دعوى لم تكن تلك الجهة ممثلة فيها وألزم الادعاء العام أن يبادر إلى تحريك الدعوى خلال فترة محددة وارى إن في هذا القرار صياغات غير دقيقة تثير الإشكال عند تطبيقه وفي أدناه نص القرار ومن ثم سأوضح أهم معوقات تطبيقه .
قرار رقم 141 لسنة 2002 ( استنادا إلى أحكام الفقرة ا من المادة الثانية والأربعين من الدستور،
قرر مجلس قيادة الثورة ما يأتي :أولا - 1 – اذا توصل القاضي من خلال دعوى معروضة عليه الى وجود حق للدولة جرى التجاوز عليه او عدم الوفاء به فعليه اصدار قرار بدعوة الجهة المتجاوز على حقها للمطالبة به 2- على الجهة المتجاوز على حقها اقامة الدعوى للمطالبة به امام المحكمة المختصة خلال 15 خمسة عشر يوما من تاريخ تبلغها بقرار المحكمة بدعوتها للمطالبة بالحق.
3- لعضو الادعاء العام تحقق حالة من الحالات المنصوص عليها في الفقرة 1 من هذا البند تحريك الدعوى بالتنسيق مع الجهة مالكة الحق. ثانيا - 1 – يشكل وزير العدل هيئة في مركز الوزارة لدراسة الأحكام الصادرة وفق البند اولا من هذا القرار لتقويم عمل القاضي او عضو الادعاء العام والاثار المالية المترتبة عليه لمصلحة الدولة ورفع توصية بذلك الى وزير العدل 3- يرفع وزير العدل توصية اللجنة إلى ديوان الرئاسة مشفوعة برأيه في تكريم القاضي أو عضو الادعاء العام ثالثا - لوزير العدل اصدار تعليمات لتسهيل تنفيذ احكام هذا القرار. رابعا - ينفذ هذا القرار من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.)
وارى في هذا القرار عدة إشكالات في الصياغة منها الآتي :
1. انه أشار إلى تحريك الدعوى وفي قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل لم ترد هذه العبارة وانما استخدم الفعل اقام ومشتقاته ومنها (تقام الدعوى أو إقامة الدعوى) بينما نجد انه استخدم عبارة تحريك الدعوى الجزائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل.
2. إن الطلب من القاضي تحريك الدعوى في هذا القرار، أرى بان ينصرف إلى الدعوى المدنية وليس الدعوى الجزائية لان قانون أصول المحاكمات الجزائية يتضمن نص يوجب على القاضي او الادعاء العام او أي شخص مكلف بخدمة عامة بالإبلاغ عن أي اعتداء على المال العام فضلاً عن نصوص أخرى في قوانين متعددة أخرى، إذا ما لحق علمه بوقوع جريمة ومنها التي تقع على الأموال العامة وعلى وفق نص المادة (1/آ) والمادتين (47 و 48) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل ، أضف إلى ذلك بان تحريك الشكوى لم يحدد بزمن معين لعدم وجود تقادم في الدعوى الجزائية العمومية والتي تقع على المال العام ، بينما في القرار 141 لسنة 2002 قد حدد مدة(15) يوم لغرض تحريك الدعوى وهذا التحديد له وجود في قانون المرافعات المدنية مما يؤشر على أن النص كان معني بإجراءات التقاضي في الدعوى المدنية وليس الجزائية.
3. ان هذا القرار يتقاطع مع أهم مبدأ في العمل القضائي وهو حياد القاضي بمعنى أن يكون القاضي متخذاً موقع المحايد بين الخصوم في النزاع الذي يعرض أمامه، فكيف له أن يطلب من جهة أخرى أن تطالب بحقوقها وهو ينظر في خصومة بين الأطراف فان ذلك يعد ميلاً وانحيازاً لتلك الجهة حتى وان كانت الدولة لان القضاء سلطة وليس وظيفة والدولة غير عاجزة عن حماية حقوقها عبر الوسائل القانونية والقضائية ولديها الكوادر الحقوقية التي تعمل بهذا المضمار
4. انه يتقاطع مع مبدأ المساواة الذي اقره الدستور العراقي النافذ لام 2005 الوارد في المادة (14) وعند قيام القانون (قرار مجلس قيادة الثورة المنحل) بتفضيل الدولة على المواطن فانه قد خرق هذا المبدأ، لان القاضي لا يملك صلاحية الطلب من شخص آخر بالمطالبة بحقه وان فعل ذلك أثناء نظر الدعوة فانه يعد مرتكباً لخرق في قواعد السلوك القضائي.
5. عندما نص قانون المرافعات المدنية على الحق بالدخول بصفة شخص ثالث في الدعوى على وفق أحكام المادة (69) من قانون المرافعات المدنية فان القاضي لا يملك الصلاحية في القيام بذلك من تلقاء نفسه وإنما للخصوم فقط ، باستثناء حال الاستيضاح او دعوة الوديع والمودع والمستعير والمعير والمستأجر والمؤجر والمرتهن والراهن والغاصب والمغصوب منه عند نظر دعوى الوديعة على الوديع والمستعار على المستعير والمؤجر على المستأجر والمرهون على المرتهن والمغصوب على الغاصب وعلى وفق أحكام المادة (69/3) مرافعات
لذلك فان القرار 141 لسنة 2002 مازال نافذا لكنه معطل بإرادة المطبق للقانون ولم تلتفت إليه المحاكم ولا القضاة لأنه غير قابل للتطبيق في ظل المنظومة التشريعية في العراق وهذا النص بحاجة إلى معالجة تشريعية أو عبر القضاء الدستوري، لان وجوده يثير اللبس والغموض حيث وجدت بعض الأشخاص يطالبون بتفعيله وصرح بذلك احد السياسيين بشكل صريح في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يكون ملما بالمعرفة القانونية التي توضح أسباب عدم إمكانية تفعيله وعلى وفق ما تم ذكره آنفاً.
القاضي