إبراهيم فتحى وحلقة هنرى كورييل ومستقبل الشيوعية فى مصر

سعيد العليمى
2020 / 8 / 22

نشهد اليوم ذكرى الميلاد الأولى التى يغيب فيها رفيقنا عن تجمعنا للإحتفال به –ولكن كيف يغيب عنا من لم تمر لحظة منذ ودعه الحرس القديم ، لم نذكره فيها قائدا ومفكرا وناقدا وانسانا ، هى غيبة تشبه غيبة المسافر الذى ننتظر عودته غير انه باستحضاره معنا دائم الحضور .
واود فى ذكرى ميلاده هذه ان اقدم هدية لمحبيه من رفاقه واصدقاءه هى مجموعة مقالات بحثت عنها طويلا عنوانها "حلقة هنرى كورييل ومستقبل الشيوعية فى مصر " وقد نشرت على سبع حلقات فى مجلة طريق الانتصار من اول سبتمبر/ ايلول 1987 حتى اول يونيو / حزيران 1988 – لسان حال حزب العمال الشيوعى الفلسطينى .
قد يقول قائل وماضرورة هذه المقالات اذا كان قد ترك لنا كتابا كاملا بعنوان " هنرى كورييل ضد الحركة الشيوعية العربية – فى القضية الفلسطينية" وقد صدر فى 1989 اى بعد نشر هذه المقالات ؟ الواقع ان مجموعة المقالات المنشورة فى الانتصار تركز بالدرجة الاولى على الخط السياسي الذى تبنته حلقة كورييل وهو الخط الذى مايزال له صدى راهن لدى التنظيمات العلنية التى تنتسب الى نوع من "الماركسية الليبرالية "وتدعى انها تجدد المفاهيم الثورية القديمة التى شاخت غير أنها تستبدلها بمفاهيم قديمة ايضا استعارتها من المخزون التاريخى للانتهازية العالمية والمحلية الذيلية والاصطفافية .
اذا كان رفيقنا ابراهيم فتحى قد انقطع عن النشاط السياسي العملى منذ النصف الثانى من 1973 – الا أن انتاجه السياسي النظرى وعلاقاته الوثيقة برفاقه لم تتوقف حتى رحيله مثله فى ذلك مثل نظيره الناقد الماركسي المجرى جورج لوكاش .
لقد نشرت هذه المقالات فى مجلة طريق الانتصار، وهى لسان حال حزب العمال الشيوعى الفلسطينى . وقد تأسس الاخير اواخر عام 1977 واعلن عن صدور مجلته المذكورة ، وقد تضمن اعلانه قيام علاقة تحالف وثيقة بينه وبين حزب العمال الشيوعى المصرى وسيرهما معا على نفس الخط الماركسي الثورى فى كل قضايا الثورة العربية . وسيلاحظ كل مطلع على الوثائق التأسيسية لحزب العمال الشيوعى المصرى ان المقالات الراهنة هى تعميق لهذه الوثائق وهى : حول سلطة البيروقراطية البورجوازية ، طبيعة الثورة المقبلة ، قضية التحالف الطبقى . ( انظر ، الوثائق التأسيسية ، ابراهيم فتحى ، دار المرايا ، 2020 ، القاهرة ) .
لقد قرأت هذه المقالات حينما كنت مقيما بالخارج عن طريق بعض الرفاق العرب المتصلين بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . وكان ومايزال من عادتى تلخيص بعض المواد التى اقرأها فى دفاتر لكنها لم تكن ترقى لمستوى النص الأصلى . ظللت احاول منذ عشرة شهور ايجاد المقالات ذاتها من فلسطين المحتلة مرورا ببيروت فالقاهرة فأسفرت المحاولات عن نسخة غامت فيها بعض اجزاء من الحلقة الرابعة ، غير ان ذلك لا يؤثر على وضوح الأفكار التى اراد رفيقنا طرحها . لذا وجدت انه لامناص وخاصة لأهميتها فى اللحظة الراهنة من نشرها بحالتها الى ان يهدينا بعض الرفاق صورة أجود من الحلقة الرابعة فى سلسلة المقالات .
طبت حيا فى ذاكرتنا يارفيق .
حلقة هنرى كورييل ومستقبل الشيوعية في مصر
بقلم : ابراهيم فتحى
مقدمة لابد منها
هناك خرافة واسعة الانتشار يكررها الكثيرون كأنها حقيقة لا ريب فيها . وتلك الخرافة تزعم ان مؤسس الحركة الشيوعية المصرية ( أو الحزب الشيوعي المصري) في أعقاب الحرب العالمية الثانية هو هنرى كورييل ، ولتلك الخرافة في الدعاية الاستعمارية البورجوازية والمعادية للشيوعية ذيلها الحتمى الذي يجئ في صورة التعريف بكورييل ، فهو اليهودي أو الصهيونى ، على الرغم من عداء كورييل للصهيونية عداء واضحا لا شك فيه ، وعلى الرغم من ان يهوديته لم تكن عاملا محددا لفكره او نشاطه السياسي ( أثناء وجوده فى مصر على الأقل ) .
وكانت الرجعية المصرية في العهد الملكى هى التى قامت بتعيين هنرى كورييل في صحفها ومجلاتها منذ عام 1946 قائدا مؤسسا للشيوعية المصرية . وقد صنعت أسطورته بدءا بما يسمي بقضية الشيوعية الكبري فى 11/7/1946 حينما اعتقلت حكومة صدقي باشا مائة من الوطنيين والديمقراطيين وبعض الشيوعيين ، والصقت بهم جميعا ومنهم سلامة موسي ومحمد زكي عبد القادر ومحمد مندور وعشرات غيرهم لا علاقة لهم بالشيوعية " تهمة" التآمر لقلب نظام الحكم . وقد اختارت الصحافة الملكية هدفا سهلا هو " المليونير اليهودي الشيوعي" كورييل ، وادعت انه قائد " مؤامرة شيوعية كيرى" ، ولم يمكث كورييل في السجن إلا أسابيع او بضعة شهور. ثم خرجت الاسطورة الى الهواء الطلق ، تستعملها الرجعية لتشوية النضال اليساري بأكمله .
وبعد المصرع الغامض لكورييل فى 4 آيار (مايو) 1978 فى باريس، حاولت أطراف مختلفة أن تستخدم شبحة لخدمة أهدافها ، وكما حدث فى مصر عام 1946، رددت الصحافة اليمينية اكاذيب عن علاقة كورييل بالمخابرات الاسرائيلية ( مجلة لوبوان مثلا) . ولم يعرف كثيرون فى مصر – وأنا منهم- على أي شئ استندت وكالة نوفوستي السوفيتية فى اعتبارها كورييل عميلا للمخابرات الاسرائيلية ، إن صح ما جاء على غلاف كتاب جيل بيرو بالفرنسية عن كورييل وعنوانه "رجل على حدة" ( وقد ترجمه كميل داغر الى العربية وأسماه رجل من طراز فريد )
والكتاب السابق يقع فى 587 صفحة ، وهو سيرة سياسية شخصية تنسب الى كورييل وخصوصا اثناء وجوده في مصر معجزات واكتشافات وأدوارا خارقة ، ويمكن اعتبارهذا الكتاب من قبيل سير القديسين ( قديس "دنيوي" فى حالتنا هذه)، فهو يضفي على صاحب السيرة سمات مثالية بناء على طلب عائلة كورييل بعد رحيلة ، والمؤلف لا يخفى عداءه للسوفييت او الاحزاب الشيوعية الأوروبية والعربية .
اما فى مصر المعاصرة فتواصل الصحافة اليمينية معزوفتها عن كورييل مؤسس الشيوعية المصرية فى معرض تشوية اليسار . ومن الناحية الأخرى صدرت كتب رفعت السعيد التي يحاول فيها تأريخ اليسار المصري من زاوية حلقة هنرى كورييل ومنطلقاته الفكرية .
وحينما نتكلم عن حلقة هنرى كورييل ، فإن كلامنا لا ينسحب على ، "الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى" ( حدتو) . فهذا " الحزب " السياسي له من اسمه نصيب كبير . إنه حركة واسعة فضفاضة تعددت داخلها الخطوط السياسية والقوى الاجتماعية ، بل وتعددت المراكز على الرغم من وجود لجنة مركزية شكلية فى أغلب الأحوال.
وقد ساعد هذا الهيكل التنظيمي الجبهوي ، بتركيبه الفئوي- على الرغم من أهداف كورييل وفى مفارقة تاريخية لا ترحم على تمكن عدد لا يستهان به من خيرة المناضلين داخل حدتو، من الاستقلال الى درجة كبيرة عن الخط الرسمي وأساليب العمل المعتمدة .
وقد كانت قيادة حدتو الكورييليه منذ البداية تتبنى فكرا تنظيميا يرفض المتعارف عليه فى الأحزاب الشيوعية من حيث البناء الهرمي ، فقامت بالفعل على فصل تنظيم الطلاب في قسم خاص ، وجعلت قسم العمال مستقلا ، وهناك قسم للأقاليم ، وقسم للنوبيين وقسم للجيش إلى آخره . ( انظر رفعت السعيد تاريخ المنظمات اليسارية المصرية 1940 – 1950 ص 348 – 349) .
وسنرجع إلى تلك النقطة فيما بعد ، ونقتصر هنا على إبراز الدور الكبير للكوادر الشيوعية المستقلة عن حلقة كورييل داخل حدتو في تطوير النضال العمالي والطلابى ، وفي ابتكار التحليلات السياسية وأشكال الحركة ، وقد تبلورت هذه الكوادر وتمايزت وسط سيل من العناصرالديموقراطية اليسارية عموما والتى تشترك أحيانا فى الأعمال الجماهيرية ، وتصر القيادة على إعطائها عضوية اسمية لا تستمر إلا استمرارا موسميا تدعيما لسيطرة بيروقراطية .
وقد ذكر بعض أركان حلقة كورييل ما يؤكد محاولات السيطرة ، وان القيادة الفعلية منذ البداية قد أريد لها أن تكون بين يدى كورييل وحده ، على الرغم من تعدد أقسام التنظيم الفئوي . تقول " إيميه ستون" عضو اول لجنة مركزية لحدتو عن كورييل : كان يجمع كل شئ وكان الوحيد الذي لديه كل المعطيات فى يده ، لقد كان كورييل دائما هو الذي يجذب كل الخيوط عبر اللجنة المركزية " . كتاب رجل على حدة الفرنسي سبق ذكره بقلم جيل بيرو ص 195 – في الترجمة العربية لكميل داغر ص 192).
ولكن مناضلى حدتو لم يرتضوا ان يكونوا دمى تحركها خيوط ، واثبت تاريخهم الطويل ان انجازاتهم الأساسية وما اصلوه من تقاليد ثورية كانت نتيجة لمواقفهم المناوئه من حلقة كورييل وأساليبها في العمل .
وتقوم خرافة "تأسيس" كورييل للشيوعية المصرية الحديثة على واحد من افتراضين : الافتراض الاول ويتبناه كورييل نفسه فى صدر سيرته الذاتية . ومؤداه ان الحزب القديم وتراثه الفكرى وتقاليده النضالية قد اندثرت او كادت. وليس ذلك فحسب ، بل إن الحزب القديم كان يسير في اتجاه يساري خاطئ ، لا يضع قضية الاستقلال الوطني فى موضع الصداره . وعلى ذلك فخط كورييل المعروف باسم خط القوات الوطنية والديموقراطية ليس امتداد لخط الحزب القديم ، بل هو نقطة بداية مطلقة ابتكرها كورييل نفسه.
ويستلهم " جيل بيرو" في كتابه سابق الذكر هذا الافتراض وهو يكذب في زعمه أن الحزب القديم كان حزبا من الأجانب لفظ انفاسه دون أن يترك اثرا على نضال الشعب المصري . ولا يروى لتأكيد ذلك إلا بعض النوادر عن محاولة اتصال الخواجات الجدد بالحزب الميت وكباره من الأجانب ، وعن احدهم الذى رفض العمل إلا شريطة أن يحصل على مركز السكرتير العام .( ص 89 فى الاصل ص 92 من الترجمة العربية ).
أما الافتراض الثانى فيتبناه رفعت السعيد .
حدث ذلك بطبيعة الحال قبل أن يطلع التلميذ على مذكرات الاستاذ ، ومؤداه أن الحزب القديم لم يستسلم أمام ضربات الرجعية الوحشية ، وظل يبذل الجهد لإعادة بناء تنظيمه وتطوير فكره وتوسيع نشاطه ، وقد بذل رفعت السعيد جهدا مثمرا في محاولة تتبع نشاط الحزب القديم طوال الثلاثينات.
(فى كتابه اليسار المصرى 1925 -1940 – الصادر من دار الطليعة البيروتية – حزيران 1972) . وينجح رفعت السعيد فى الرد على المؤرخين البورجوازيين ( وأبرزهم عبد العظيم رمضان ورؤوف عباس) ، الذين زعموا أن النشاط الشيوعي فى مصر ظل خلال الثلاثينات هزيلا فرديا ، يعتمد على جهود العناصر الاجنبية .
ورفعت السعيد يتتبع هنا على غير عادته عند تأريخ الحركة الشيوعية الحديثة مصادرأصلية ووثائق فى مصر والخارج ، ولا يكتفى كما فعل بالنسبة الى فترات لاحقة بالأقاصيص والطرائف القائمة على الانطباعات والذكريات والتحيزات الضيقة وسفاسف الاتهامات او أفيال الانجازات والبطولات الوهمية ، أو على ما يسميه " محاضر النقاش" . ( وهى مقابلات صحفية تروى حكايات ، ولا تلقى فيها الاسئلة الصحيحة عن مشكلات فكرية أو سياسية ، إن "محاضر النقاش" التى لا تنشر بالكامل لم يدر بعضها اصلا أو تجئ فورة ممزقة مضللة ، كما أن بعضها منسوب إلى أشخاص لا علاقة لهم أصلا بموضوع النقاش أو معادين للشيوعية وسنتعرض لذلك بالتفصيل فيما بعد) . لقد ابرز رفعت السعيد وقائع هامة لم تكن معروفة عن النشاط اليسارى فى الثلاثينات .
لكن هذا الافتراض الثانى لابد له أن يستدير على عقبية ، ناكصا ، زاعما أن الرجال الشجعان الذين خاضوا الجحيم ونيرانه "استطاعوا – وما أعجب الاستطاعة هنا – أن "يسلموا " رايتهم التى حملوها من 1924 إلى الطلائع الجديده ( كورييل وشركاه) للحركة الماركسية المصرية فى الاربعينات ( ص 141 المرجع السابق).
اذا كان يجب "التسليم"؟ هل كنا فى سباق تتابع وماذا تخفي هذه العبارة الحماسية من حقائق ؟
الحزب الشيوعي المصري في الثلاثنيات :
الحقيقة التى لا شك فيها ان الحزب القديم قد تلقى ضربات شديدة من الأعداء خارجه ، وصوبت إليه كذلك من داخله ، على أيدى عناصر معادية كانت فى موقع القيادة ، فسكرتير عام الحزب محمد عبد العزيز كان عميلا للاستعمار البريطانى وبوليسه المحلى ، وليس هذا إلا مثلا واحدا .
وقد أدى ذلك إلى إضعاف القيادة المركزية وبعثرة الهيكل التنظيمي المتماسك ، وتحول "الحزب" إلى حركة شيوعية تلقائية تعمل على أساس الرصيد النظري والنضالي القديم .
لقد كان خط الحزب في الحركة الوطنية إنجازا ثوريا متصلا . ففى مواجهة خط البورجوازية القومية بقيادة "الوفد " قدم الحزب خطا وطنيا شديد الاتساق والتماسك. فالوفد كان لا يعتبر نفسه حزبا ، بل يعتبر نفسه " الأمة" يعتبر نفسه جبهة عامة تضم كل الطبقات وراء البورجوازية القومية ، بحيث تفقد الطبقات الشعبية أي استقلال فكرى أو تنظيمى ، وبحيث لا تتحرك كطبقات ، بل كوقود لنار الحركة الوطنية التى تقطف البورجوازية ثمارها بإحلال مستغلين يلبسون الطرابيش محل لابسى القبعات ، أو إلى جوارهم . وكان الوفد معاديا لأى إصلاح زراعى ولربط مسألة الارض بالنضال المعادي للاستعمار ، بل لقد تهادن مع كبار ملاك الأرض شبه الاقطاعيين – وهم السند الأساسى للاستعمار في مسألة ملكية الارض وطابعها الاقطاعى – تهادنا شائنا . لذلك كان دوره فى الحركة الوطنية ، على الرغم من اتساع نطاقة ، عاجزا عن الوصول بهذه الحركة إلى نصر حاسم ، ولكنه كان يفرض عليها الضعف والتهادن والتردد ، بل والاستسلام أحياناً. ووقف الحزب الشيوعي القديم من الوفد موقفا صحيحا من حيث الجوهر، على الرغم من بعض الانحرافات الهامشية ، فلم ينعزل عن الصراع ضد الرجعية في مؤامراتها ضد حكومة الوفد ، ولم يكف عن الاتصال بجماهير الوفد ويساره مع عناصر من الحزب الوطنى، وأسهم فى تأسيس فرع مصري لعصبة النضال ضد الامبريالية ، ولم يتحرج أعضاؤه من العمل مع أفراد وطنيين من رجال الدين والجمعيات الدينية بالإضافة إلى شخصيات الوفد . ولكن الحزب القديم كان حزب الطبقة العاملة التى تتصدى لقيادة الطبقات الوطنية جميعها في النضال ضد الاستعمار، وكان على منهج الطبقة العاملة فى الحركة الوطنية ان يدخل فى صراع مع منهج البورجوازية القومية المتهادن ، الذى كان لابد له ان يلحق الهزيمة بقضية الاستقلال ، لقد كان فكر الحزب القديم وأسلوب عمله فى الحركة الوطنية يجدان مبررا لوجودهما بالاعتماد على الطبقة العاملة . وكانت النقابات والحركة النقابية التى تضم العمال المصريين هى مصدر الطلائع والقيادات . ولقد استطاع الحزب أن يلعب دورا في توحيد كثير من النقابات في اتحاد عام ، وكانت عضوية هذا الاتحاد تبلغ 35 الف عامل ، وقد انضم إلى الاتحاد العالمى " الأحمر " للنقابات ( بروفنترن) وكان لابد للحزب ان يتصدى لمحاولات الوفد لكي يخضع العمال لنفوذه الفكرى ، ولكى يحولهم إلى أنفار مطيعين . وقد شن الوفد وهو فى الحكم وخارج الحكم هجوما شديد الضراوة على مناضلى الحزب النقابيين وعلى النقابات المناضلة ، وكان الزعيم الوفدى "عبدالرحمن فهمى" الذى أطلق عليه الوفد أسم زعيم العمال يدافع عن حقوق الشركات المصرية والأجنبية لأن فى ذلك صيانة لمصالح بلادنا التى فتحت صدرها للأجانب لتستفيد منهم ويستفيدوا هم . ( المصدر السابق ص 30) . "فالاستقلال " الوفدى كان يتفتح على رأس المال الأجنبي ، ويحول القضية الوطنية إلى مسألة جلاء قوات أجنبية في المحل الأول بأسلوب المفاوضات وإلى افقاد الطبقات الشعبية صاحبة المصلحة فى الاستقلال أى دور مستقل . ولعب الوفد دورا في الهجمات البوليسية والفكرية التى تستهدف تحويل فاعلية الطبقة العاملة إلى مسارب بعيدة عن النضال السياسي والطبقي .
لذلك كان على الحزب واجب عزل النفوذ الوفدى المخرب لنقابات العمال، والكابح لدور العمال فى الحركة الوطنية كطبقة مستقلة وقوة منظمة ، والهابط بهذه الحركة الوطنية الى مزالق المساومة مع الاعداء .
وطوال الثلاثينات واصل أعضاء الحزب القديم فى حلقاتهم وخلاياهم المتناثرة فى المحلة الكبرى والاسكندرية والزقازيق والسويس والقاهرة اشتراكهم فى الحركة الإضرابية ضد ارهاب صدقى من أجل الديموقراطية ( كان الوفد يوافق على تجريم الحزب الشيوعي ومنع الصحف والمجلات المعادية ، للنظام الاجتماعي " الاقطاعى الاستعماري ، وكانت لبيراليته معادية للنشاط الشيوعي والفكر السياسي اليساري طوال الثلاثينات على الرغم من تعرضه هو للارهاب ) .
إلا أن الحزب القديم لم يعتبر الوفد القوة المناهضة للثورة على الرغم من كل شئ.
لذلك كان النقد الكورييلى للحزب القديم على أساس أنه لم يركز نشاطه على التحالف مع الوفد : في شئ ما أسمه الجبهة ، يشبه السيرك أو " الزفة " ( دعا الية كورييل دائما مع الوفد والاخوان المسلمين والاتحاد القومي ويسميه بالجبهة الوطنية ، ولم تقم أبدا لهذه الجبهة أى قائمة فى الواقع ، وكانت تسهم دائما في تسليم رقبة القوى اليسارية لأعدائها ، وتنتهى بهم دائما في سجون ومعتقلات "الحليف الوطنى " ) نقدا شديد الخطأ والانحراف . فالواجب الثورى كان وما يزال دائما لا إعلان للتحالف مع حزب الوفد ( أو ما يمثله ) ولا إقامة تنظيمات مشتركة معه ولكن المثابرة على إقامة اتصال دائم مع الوطنيين من قياداته . وعلى الاخص مع قواعده للقيام بأعمال مشتركة محددة . وذلك لا يلغى توجيه صراع مبدئي ضد نقاط التهادن في الوفد ، وعزل محاولاته للسيطرة على حركة الطبقة العاملة وعلى قتل أى بوادر لحركة فلاحية .
لقد قال شيوعيو الحزب القديم عن ساسة الوفد ( وممثلي البورجوازية القومية عموما ) إنهم يتحدثون عن الجماهير لتحقيق الأهداف الطبقية الضيقة ، والمغانم السياسية وبشرط قاطع ، لا يغفلونه أبدا هو منع هذه الجماهير من ممارسة أي دور ايجابي يؤثر في نشاط الوفد واتجاهاته . فالوفد ( ونظائره ) يعتبر الصراع الطبقي الذي يشنه رأس المال على العمال وعلى حقوقهم وتنظيماتهم بناء للاقتصاد الوطنى ، ويعتبر تسريح العمال وطردهم حقا مشروعا لصاحب العمل ، أما دفاع العمال عن أجورهم وساعات عملهم وسائر حقوقهم وتنظيماتهم وامتناعهم السلمى عن العمل، فقد اعتبره النحاس باشا ( وقادة الاتحاد القومي والاشتراكي بعده ) دعوة هدامة تقود الشعب الى الهاوية والهلاك .
فالجبهة الوطنية ، لم تكن أغنية يجب ترديدها في أذن احزاب البورجوازية الحاكمة ، بل عملية تاريخية طويلة المدى لتغيير علاقات القوى الطبقية في الحركة الوطنية وهى عملية صراع طويلة تؤدى إلى مستوى مختلف كيفيا من الوحدة بين أطرافها .
وكان للحزب القديم فضل السبق في آخر برنامج وصلنا منه . وهو برنامج عمله عام 1935 ، إلى وجوب " النضال" من أجل تحرير الشعوب العربية ومن أجل وحدة عربية شاملة تنتظم فيها كل الشعوب العربية الحرة ، وذلك حينما كانت قيادة الوفد مازالت تعتبر القضية العربية حاصل جمع أصفار .
وقد عجزت حلقة كورييل حتى طرد زعيمها من مصر عام 1950 ، ان تصل إلى أى فهم للقضية العربية القومية ولم يثرثر أفرادها بهذه القضية إلا بعد أن طرحها عبد الناصر .
كذلك كان الحزب القديم سباقا إلى النضال من أجل " الضمان الكامل لحق السودان في تقرير مصيره ، على الرغم من أن وحدة وادى النيل تحت التاج المصري كانت مطلب الوفد ، وكان الخروج على هذا المطلب يعد "خيانة وطنية " فى صفوف الرجعية وجماهير الوفد على السواء . وقد حاولت حلقة كورييل أن تنسب لنفسها دورا رائدا فى مسألة السودان هذه .
ولرفعت السعيد فضل " الكشف " عن هذه المادة التاريخية فى كتابه سابق الذكر ص168،167 باعتبارها مادة تاريخية ، ولكنه أدمجها في سياق من المناقشة الفكرية المزيفة) .
ونختم هذه النقطة بمأثرة الحزب القديم في الربط بين معسكر النضال ضد الامبريالية والنضال من أجل الثورة الزراعية الفلاحية وذلك كان بمثابة هوة تفصل في هذه المرحلة بين هذا المعسكر وبين باشوات الوفد ، وتجعل الدعوة إلى جبهة وطنية معهم على أساس هذا المطلب الاستراتيجي اضحوكة ، أما هم فقد قاموا من جانبهم بتوجيه الضربات البوليسية والتنظيمية والفكرية إلى حزب ونقابات وصحف الطبقة العاملة والجماهير الشعبية .
الدور الانقسامي لكورييل
وقد أطلنا فيما سبق لنقدم خلفية لنشأة حلقة كورييل . انها لم تبدا على أرض مهدها الحزب القديم بنضاله وبدم أبطاله ، وأرسي عليها تقاليد نضال عميقة التجمعات العمالية الهامة والحركة الجماهيرية النقابية فى عمال العنابر والمحلة الكبرى ( قضية الشيوعية مايو 1935) ولا استمرارا للدور التاريخي للحزب فى نشر الوعى الاشتراكي في الصحف والمجلات والكتب ابتداء من مجلة " الحساب " إلى المجلات والنشرات والمقالات التي لم تقف طوال الثلاثينات عند شرح نظريات الاقتصاد السياسي الماركسي ، وتطور المجتمعات ، وأشكال التنظيمات الجماهيرية ، مثل النقابات والأحزاب ، بل حاولت ربط ذلك كله بالمشاكل المحددة للمجتمع المصري ، في تلك الفترة جاء كورييل ومن معه وقرروا جميعا – وكلهم من الأجاب الأثرياء وأبرزهم من اليهود – أن الصفحة القديمة قد طويت ، وأن الحزب القديم مات ، ويكذب كورييل كعادته في هذه المسألة قائلا فى حديثه مع تلميذه عن مناضلي الحزب القديم : لقد كانوا خائفين !! وسيكرر أكذوبته ويكررها أتباعه عن مناضلي وشهداء الحركة الحديثة أيضا ، الذين اختلفوا معهم ( شهدى عطية ( أيام التكتل الثورى ) وشعبان حافظ على سبيل المثال فحسب ) .
لقد كانت بداية الوضع الانقسامي في الحركة الشيوعية المصرية هى التخلى الكامل عن المهمة الوحيدة المطروحة للانجاز : مهمة مواصلة نشاط الحزب القديم وإعادة بنائه ، واستكمال مقوماته لتكون ملائمة للأوضاع الجديدة بتطوير البرنامج وتعميق الاستراتيجية وتحديد التكتيك وإعمال القواعد اللائحية . (يلاحظ أن حدتو – وحدة الحركة المصرية للتحرر الوطنى وإيسكرا بدأت عملها بدون أية وثائق لا برنامج ولا خط سياسي ولا لائحة ( تاريخ المنظمات اليسارية المصرية 1940-1950 ص 387- 388 ) .
وكان هذا التخلي ضروريا عند القادمين الجدد للهرب من الملاحقة البوليسية ضد الحزب القديم ورموز نشاطه ومجالاته ، فمن المعروف ان القاهرة في الثلاثينات كانت من أهم مراكز النشاط الفاشستى ، لذلك نشأ فى أوساط أثرياء الاجانب واليهود عدد من التجمعات والأندية " الديموقراطية " بالمعنى الذي كانت تقصده قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية . إن رفعت السعيد نفسه يؤكد أن تجمع كورييل نشأ على هذه الأرض الاخرى ، وأن هذه الأرض وتجمعاتها كانت ارهاصا بموجه التنظيمات الجديدة ( لماذا كان يجب أن تكون متعددة وجديدة ؟ )
وبدون ذرة من الخجل يؤكد المؤرخ الكورييلي أن الاحتلال أغمض عينيه بعض الوقت عن اليسار – هذا النوع من اليسار طبعا – ويواصل قوله بأن طلائع اليسار الجديد استمتعت بإغماض عين الحكام الى حد ما لفترة كافية من الوقت مكنتهم من أن يجدوا الفرصة الكافية للانطلاق نحو تأسيس " منظمات ، ماركسية ( هكذا بالجمع !!) ( تاريخ اليسار المصري 1925- 1940 ص 53 )
أما أعضاء الحزب الشيوعي القديم فكانوا في زعم كورييل خائفين جدا ، ويبدو ان عين الحكام كانت شديدة اليقظة بالنسبة لهم .
ويقول "جيل بيرو" عن كورييل وأفراد هذه التجمعات : إنهم مرتبطون جميعا بالرأسمالية الأوروبية التي تحمي امتيازاتها كعوب البنادق الانجليزية ، ولكن ارتباطهم الثقافى والعاطفي بفرنسا يبرئهم من تهمة التواطؤ مع المحتل وكانوا يستمتعون في القاهرة بالثمرة الاستعمارية الطيبة دون الوقوع في خطيئة الاستعمار الأصلية ( ص 59 -60 من الأصل ص 63- 64 من الترجمة العربية ) .
لقد تأسس الاتحاد الديموقراطي عام 1939 واستأجر مقرا واسعا دفع المليونير المصرفي والد كورييل المعادي للشيوعية حتى وفاته المال اللازم له ( ص 99 من الأصل ص 102 من الترجمة العربية ) .
واشترك كورييل في جمعية الصداقة مع فرنسا عن طريق البعثة الديغولية وتطوع للحرب فى جيوش فرنسا ( كانت تحتل المغرب العربي وسوريا ولبنان ولكن طلبه رفض ) .
ونواصل مسيرة " التأسيس " المزعوم ، يقول رفعت السعيد "علينا أن ندرس ولكي ندرس يجب أن تكون هناك كتب ، وهكذا كانت أول خطوة هي العمل على افتتاح مكتبة " هذا التفكير العملى المباشر الذي يعرف نقطة الانطلاق الحقيقية والعملية نحو الهدف ، ظل مميزا لكوادر الحركة المصرية ثم كوادر حدتو فيما بعد ( تاريخ المنظمات اليسارية .... 1940 – 1950 ص 231 -322 ) وهذه المكتبة هي مكتبة الميدان ( الرونبوان). أما القصة الحقيقية فهى كما يرويها جيل بيرو الذي لم يكف عن تمجيد هنرى كورييل : كان قسم منها مخصصا للكراريس والدفاتر والأدوات الكتابية ليحصل منها والد كورييل على عائد منها ، فهو الذي دفع رأس المال .
أما هنري كورييل فكان يريد من المكتبة صالونا أو ناديا يساريا . ولكن والد كورييل كان سعيدا لأن الكثيرين من الضباط والجنود البريطانيين كانوا يترددون على المكتبة وكان يسره أنه أتاح فتح مكان جديد مناسب لقضية الحلفاء . وكانت فيلا الزمالك حيث يقيم هنرى ويملكها والده تستقبل الضباط الانجليز ، أما حفلات الشاي الراقصة في الحديقة فتضم من مائتين الى ثلاثمائة جندي بريطانى .. ينسون قسوة الحرب بين ذراعي فتيات جميلات بورجوازيات .. ففى هذه الفترة لم تكن الطائفة اليهودية تبخل بالمال على قضية الحلفاء ، لأن " رومل" كان يدفع دباباته نحو النيل ( ص 99 -100من الاصل) ص 102- 103 من الترجمة العربية )
ومن المؤكد أن هنرى كورييل حينما قبض عليه أيام الحرب فقد كان ذلك بدون علم الانجليز ومن جانب الشرطة المصرية التى كانت تنتظر المنتصرين الألمان كما جاء في الكتاب المذكور .
ونلاحظ هنا أن رفعت السعيد يبتذل قضية الوعى الاشتراكي ويختزلها إلى فتح مكتبة تبيع كتباً أجنبية في الدعاية لقضية الحلفاءأساسا وبعض الكتب والقواميس السوفيتية أيام التحالف بين السوفييت والانجليز ضد هتلر . وعددا ضيئلا جدا من الكتب اليسارية باللغات الاجنبية .
ولم تكن المكتبة تتبع تنظيما أو حلقة ، بل كانت " بوتيكا" عائليا يمتلكه والد كورييل شديد العداء للشيوعية .
أما " المؤرخ" المعاصر فهو يمتدح هذا الأسلوب "العملى" ويدعو إليه ، ولا يشعر بأى غضاضة نحوه ويلطخ مناضلى الحركة المصرية بنسبة كل ذلك إليهم ، فلم يكن يتردد على المكتبة الا أقل القليل من المصريين .
ويصور جيل بيرو أساليب النضال لدى مجموعات الأجانب واليهود المتعددة فى وقت "التأسيس" المزعوم : تكونت حلقات وانفرطت لتتكون من جديد ، تحليلها للنصوص المتاحة ومناقشات لا تنتهى . دوران في فراغ وما يأخذونه على الآخرين إنما هو انعكاس صورتهم هم ( ص89 من الأصل ، ص 91 من الترجمة العربية).
وفى نفس الصفحة ونقلاً عن الأفراد " المؤسسين" أنفسهم نعرف حلقة كورييل الخاصة وتتكون من شقيقه راؤول وزوجته فيما بعد روزيت وريمون اجيون وقرينته غابى . وقد دعت الحلقة " مؤسسا" آخر لحلقة أخرى هو شوارتز ( مؤسس آيسكرافيما بعد ) وقال شوارتز إن طابع الهواية صعقه فيهم : عينا روزيت مطلبتان بالمساحيق وكانت غابى أسوا وترتدي ثيابا قصيرة جدا ..وكانت كثيرة الغياب والتأخير وتعتذر بسبب الحلاق والخياطة . (ظل هؤلاء جميعا حول كورييل حتى مصرعه ) .
وتمر السنوات ليتجه كورييل نحو خلق منظمة للنضال بعد النادي وحلقة الدراسة . ويقول شوارتز : كان اسم ممثل الأممية الثالثة على كل لسان عام 1943 في المجتمع الراقي القاهرى ، وقد جمعتني به ابنة عم لى فوجدت نفسي وجها لوجه مع هنرى كورييل ..هو لم يطلق الإشاعة ولكنة لم يكذبها ..."
أما زميل كورييل في النضال إلى النهاية يوسف حزان فيقول عن أيام التأسيس : كان هنرى يظهر بمظهر القائد السري العظيم ، الرجل الغامض الذي يمسك بالخيوط . ( ص 123، من الأصل الفرنسي ص 125 من الترجمة العربية).
وكانت ساحة النضال في جروبي أو بار"بج بن" في شارع سليمان . ونحن نورد هذه الوقائع التافهة لا للتشوية أو الانتقاض ، بل لنؤكد أن هنرى كورييل لا ينتمي إلى أرض المعركة التي خضبها شيوعيو الحزب القديم بدمائهم وعرقهم والتصاقهم بطبقتهم العاملة على رأس الحركة الوطنية ، بل إلى أسلوب اللقاءات وعقد الاتفاقات والصفقات .
ولكن ما هى العلاقة بين مجوعتين من الحزب القديم هما مجموعة اسكندرية : د. حسونة وعبد الرحمن فضل ومحمد عمر والشيخ صفوان أبو الفتح ومجموعة القاهرة شعبان حافظ ، ود عبدالفتاح القاضي ... الخ كقيادة هنري كورييل ، وما علاقة ذلك بتسليم الراية ؟
في الحقيقة لم يحدث اللقاء على أرض معركة مشتركة أو وحدة في الفكر . يروى الدكتور عبد الفتاح القاضي في حديثه لرفعت السعيد : ذات يوم عند عودتى لمنزلي اذا بأحمد اسماعيل جالس في مطعم رينون ومعه عسكري انجليزي ونادانى وقدمه لي، وكان اسمه سام باردل وكان متزوجا من فتاه يهودية "هنريت آرييه" تعمل في مكتبة الميدان التي يمتلكها كورييل، وقدم أحمد اسماعيل سام باردل على أنه عضو فى الحزب الانجليزي ، وبعد حديث طويل سألنى سام : لماذا تعملون متفرقين وأبلغني أن هناك مجموعة أخرى .... وتعرفت بكورييل ، وأبتدأنا العمل معه في تنظيم الحركة المصرية . ( رفعت السعيد . تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر 1900- 1925 ص 270) . وكان أعضاء الحزب القديم من العمال شديدي الفقر .
وحينما يتعلق الأمر بالطنطنة والمديح يقول المؤرخ الكورييلي عن عبد الفتاح القاضي وزملائه : والحقيقة أن كل هذه التضحيات الغالية ، وكل هذا التحمل الباسل للمشاق والصعاب ليتضاءل أمام روح التوأضع وانكارالذات التي دفعت رجالاً كهؤلاء كي يقبلوا عن طيب خاطر تسليم زمام القيادة لآخرين غيرهم ، بينما قنعوا هم بمكان في القاعدة يواصلون من خلاله النضال من أجل بناء مصر الاشتراكية ، ( اليسار المصري 1925 – 1940 ص 141).
ولكنة يذكر في سياق آخر أن د.عبدالفتاح القاضي ومن البداية ضم إلى اللجنة المركزية كممثل للمجموعة التى انضم بها للحركة المصرية ( تاريخ المنظمات اليسارية المصرية 1940 – 1945 ص227 ). فلم يكن في القاعدة إذن .
ودون خجل يقول رفعت السعيد في سياق آخر : عندما انضمت مجموعة د. عبد الفتاح القاضي إلى ح .م فان انضمامها مجرد تعبير عن الرغبة في التوحد وفي الخروج من مأزق الحلقة الصغيرة غير القادرة على الاتساع أو الاستجابة لمتطلبات الوقت ( هنا لا يشير رفعت إلى الحزب القديم وأمجاده) . ..ويضيف رفعت : وعلى مضض بدأ الدكتور عبد الفتاح القاضي نشاطه في صفوف الحركة المصرية وكانت له تحفظاته التى يختزنها : تحفظ حول افتقاد القواعد والعلاقات التنظيمية الصحيحة وضرورة أن تكون العلاقات بين الكادر حزبية وليست شخصية ، وتقول هذه المجموعة أن هنرى كورييل كان يقيم علاقات شخصية مع بعض الكوادر ويربطها به على أسس شخصية ، وتحفظ حول دور الأجانب .
وما لبثت هذه المجموعة ومعها آخرون وأن أنقسمت معلنة تنظيم العصبة الماركسية عام 1946 وكالمعتاد يحمل المؤرخ الكورييلي على أبطال النضال التاريخي .. ناقلا عن تابعى كورييل افتراءه التافه بأنهم رفعوا شعار إحناء الرأس للعاصفة ( تاريخ المنظمات اليسارية 1940 – 1950 ص 360 – 361 – 362- 363 ) ونسي المؤرخ كل ما ذكره من قبل ، بل إنه عند حديثه عن "حلقة" عبد الفتاح القاضي في معرض خروجه على انتهازية كورييل لا يذكر أن هذه الحلقة هى جزء من الحزب الشيوعي المصري القديم ، ويدعى كاذبا أن نقد كورييل فرار أمام بطش الرجعية والإرهاب .
لقد ظن الشيوعيون القدامى أن "سام باردل" ينطق باسم الحزب البريطاني حينما دعاهم إلى الاتصال بكورييل ، ولم يعرفوا انه كان ضيفا مثابرا على حفلات الزمالك الراقصة في قصر آل كورييل .
إن هنرى كورييل حاول عن طريق " وضع اليد" أن ينتحل لنفسه نضال الدكتورعبد الفتاح القاضي والأحزاب العربية في مجال الفكر الاشتراكي ، لقد كان القاضي مسئولا حين انزلقت به القدم إلى حلقة كورييل عن قسم المثقفين وكان هو والذين خرجوا معه مثل المناضل فوزى جرجس أصحاب الفضل في اختيار الكراسات النظرية وترجمتها ، وقد ذكر رفعت السعيد في سياق آخر أن الدكتور القاضي هو الذي ترجم " العمل المأجور" و"رأس المال" وأعمال عن الاشتراكية الخيالية وغيرها من الكتب الماركسية في الثلاثينات ( تاريخ الحركة المصرية، منها البيان الشيوعي والمادية الجدلية وأسس اللينينية من ترجمه الحزب الشيوعي السوري اللبناني وبعض ترجمات الدكتور القاضي وزملائه .
أما زعم رفعت أن الحركة المصرية للتحرر الوطنى قد ترجمت ونشرت قبل 1946 كتابا " عن اللغة " لستالين والذى صدر بالروسية عام 1950 ) - (تاريخ المنظمات اليسارية المصرية 1940- 1950 ص 356 ) فيعطينا فكرة عن المنهج الكورييلي في التاريخ .
وهنا يبرز سؤال عن مكان حلقة كورييل من تاريخ الحركة الشيوعية ، واستمرارها إلى اليوم ..
*الاسم الصحيح للكتاب الصغير هو "حول الماركسية فى علم اللغة لستالين.


الحلقة الثانية
تزعم خرافة منتشرة أن للاجانب عامة ولليهود خاصة دور التأسيس في الحركة الشيوعية المصرية ، ولم يكف هنرى كورييل شخصيا أو تلامذته عن ترديد ذلك . خذ مثلا حديث كورييل لتلميذه رفعت السعيد في كتاب " اليسار المصري من 1925- 1940 " الصادر عن دارالطليعة البيروتية (ص277-281)،وفيه يؤكد كورييل أن "نشأة " الحركة الشيوعية في الثلاثينات "بدأت" عن طريق عدد من الشيوعيين الأجانب . ويواصل كورييل أدعاءه فيقول " والحقيقة (!!!) إن ظهور الفاشية (في أوروبا) قد أعطى دفعة قوية للحركة الشيوعية في مصر ، وتفسير ذلك ان هذا الظهور "قد حرك كثيرا من اليهود للعمل ضد الفاشية ومن أجل إقرار الحقوق الديموقراطية ... كذلك دفعهم الى الاهتمام بتأييد كل الحركات المناهضة للنازية وتأييد الجمهوريين في أسبانيا .
وقد تغاضي الاحتلال الانجليزى عن هذا النشاط لأنه موجة ضد الألمان . ولكن " الحقيقة" إن الاستعمار البريطاني لم يكن متهادنا مع اليسار المعادي للفاشية سواء أكان مصريا أو اجنبيا ، بل لقد وصل الأمر إلى أن فرض الاحتلال البريطاني مسيرة للموت على فرقتين يونانيتين يساريتين اشترك جنودهما ببسالة فى الحرب ضد روميل ، ومن أصل سبعمائة رجل وصل أربعون في المرحلة الأخيرة لتمرد الجنود على قيادة تنتمى إلى الفاشية اليونانية فرضها الاستعمار البريطانى الديموقراطي ( ص 140 – 141 من الكتاب الفرنسي لجيل بيرو وهى نفس الصفحات في الترجمة العربية لكميل داغر).
لقد تهادن الانجليز مع نوادي وحلقات معادية للفاشية ولكنها لا تنتمي إلى اليسار ، ولا تتبنى أهداف الشعب المصري .
أما اليسار المصري ، الشعبى والعمالي والديموقراطي فلم يتوقف قط ولم ينقطع نشاطه على الرغم من أن المطاردة الضارية من جانب الاستعمار وعملائه ، قد فرضت على صفوفه التفكك والتبعثر ، وضعف الروابط أو انعدامها ، وأستشراء الطابع التلقائي في العمل .
لقد كان هناك كوادر الحزب الشيوعي المصري القديم ، وهم بدون ترتيب : عامل السكة الحديدية محمد دويدار ( الذى درس في مدرسة كادحى الشعب بموسكو وعاد إلى مصر بطريقة غير قانونية عام 1937 بعد أن أسقطت الرجعية المصرية الجنسيه عنه ، والدكتور حسونة حسين أسماعيل الذي تعلم طب الأسنان في الاتحاد السوفيتي وظل مناضلا في صفوف يسار الحركة الشيوعية "الجديدة " والدكتور عبد الفتاح القاضي ، والعامل عبد الرحمن فضل ( نجار) والشهيد شعبان حافظ الذي كان في قيادة الحزب القديم وكان مسؤلا للجنة المركزية فى أواخر الثلاثينات وأستشهد في الواحات في الستينات وقد بدأ مستخدما صغيرا بالسكة الحديدية ، والشيخ صفوان ، إلى آخر فصيلة مقاتلة لم تلق الراية ولم تهجر السلاح التنظيمي .
وكانت هناك الحلقات الماركسية للمثقفين المصريين أنوركامل وكامل التلمساني ورمسيس يونان وفتحى الرملي وأسعد حليم ود. عبد العزيز هيكل ، وكانت هناك الأنشطة الثقافية اليسارية المصرية لدى عصام الدين حفنى ناصف وسلامة موسي ولدى كوكبة لامعة مثل نعمان عاشور ، أحمد رشدى صالح ، سعد مكاوى ، وعلى الراعي ، وعبد الرحمن الشرقاوي.
وفى الحركة النقابية كان المناضلون اليساريون الأفذاذ محمود العسكري ، وطه سعد عثمان ( رئيس النقابة العامة لعمال النسيج الميكانيكي بالقاهرة من 1938 حتى 1943) ويوسف المدرك وعشرات النقابيين اليساريين .
بل، إن مجموعة رائعة من شبان المدارس الثانوية تلتقي في حي القلعة في أوائل الأربعينات وتتجه نحو الفكر الاشتراكي وتتسع المجموعة لتضم مثقفين تقدميين من أمثال يوسف حلمى ومصطفى هيكل ، وعددا من الفنانين التشكيليين ثم تتخذ إطارا تنظيميا ، ويطلق على هذا التنظيم أسم "القلعة"، وينضج الشباب ليقدم هذا التنظيم المصري للحركة الشيوعية عددا لا يستهان به من كوادرها : فؤاد عبد الحليم ( مسئول الأقاليم السبعة بعد ذلك في الحركة المصرية ) ، حمدي عبد الجواد ، وأحمد الرفاعي من قادة حدتو ، بل إن هذه المجموعة قد جندت أول ضابط مصري ماركسي وهو أحمد حمروش الغنى عن التعريف . كما أن "أنور كامل " كان أول من كسب إلى الماركسية ميكانيكي سلاح الجو الشهير سيد سليمان رفاعى الذى أصبح مسؤلا سياسيا لحدتو بعد كورييل .
إن الأجانب واليهود لم " يؤسسوا " شيئا ولكنهم حاولوا "بوضع اليد " أن يستولوا على ما أسسه المناضلون المصريون وأن يوجهوا الحركة الشيوعية إلى طريق آخر ، طريق التعاون الطبقى والذيلية للبورجوازية القومية ، طريق التصفية .
لذلك فإن كورييل يكذب متعمدا حين يزعم صارخا : "في البداية كنا وحدنا " على حين أن البوليس في يونيو 1942 كان قد قبض على حوالي خمسين من المصريين من أعضاء وأنصار "الخبز والحرية " (وهو المنبر العلني لحلقة شيوعية أسمها "تحرير الشعب") .وكانت الخبز والحرية في 1941 قد اصدرت نشرة أشارت فيها إلى تجربة الحزب الشيوعي المصري القديم في انشاء النقابات والنضال من أجل مصالح الطبقة العاملة .
( تقرير الرفيق مارسيل اسرائيل عن تاريخ الحركة الشيوعية المصرية وقد قدمه إلى الحزب الشيوعي الإيطالي ) .
ومما هو جدير بالإشارة أن الرفيق مارسيل في تقريره لا يخجل من إبراز الحقيقة في شجاعة وموضوعية ؛ فهو يشير إلى الجماعات الماركسية الأجنبية واليهودية الأولي ( من 1942 – 1939)، موضحا أن أعظم أخطائها هو مفهومها عن أن اخفاق الحزب الشيوعي المصري كان نتيجة لعدم توفر الشروط الموضوعية لبناء حزب للطبقة العاملة المصرية ، فهذه الطبقة فى نظرهم لم تنضج بعد، بل عليها أن تنتظر تطوراً اقتصاديا وسياسيا لكي تكون جديرة بأن يكون لها حزبها الطليعي .
لذلك أعفت هذه الجماعات الأجنبية نفسها من مهمة إعادة بناء الحزب وتطويره ، وأعفت نفسها كذلك من مسؤليات أساسية مثل خلق وتطوير برنامج ولائحة واستراتيجية وتكتيك لتظل الحركة عمياء فريسة للعفوية . والكفاح العشوائي والانقسام .
وكان كورييل يرى " أن اعلان حزب يمكنه ان يعبر حقيقة عن آمال الجماهير المصرية يتطلب وقتا كثيرا وجهدا أكبر واعدادا سياسيا وماديا ونضاليا لم يكن متوافرا لنا ، كنا في بداية الطريق ولم يكن من السهل أن نعلن للجماهير أن هذا التكوين الضعيف هو الممثل الفعلى للبروليتاريا المصرية " ( اليسار المصرى من 1925- 1940 ص 286).
وهنا خلط شنيع بين وجود الحزب وبين نجاحه فى أداء مهماته ، إن "اعلان" الحزب ليس إعلانا لشركة رأسمالية – عليها أن تدعى الضخامة والقوة ، بل هو ضرورة تاريخية لكي تمارس الطبقة العاملة نضالها السياسي ، ولكي تكتسب وعيها الطبقى ، والمسألة ليست "لافتة" تعلق على الباب أو اسم يطلق بل علاقة عميقة بين الوعى الاشتراكي والحركة التلقائية تبدأ ضعيفة ويشتد مع النضال عودها .
معركة بناء حزب الطبقة العاملة :
من المعروف أن الطبقة العاملة والكتل الجماهيرية عموما ليست قطاعات متباعدة جغرافيا أو مهنياً ، وليست زحاماً من أفراد يتجمعون هنا أو هناك ، ويذهب المناضلون إليهم حاملين الشعارات والتوجيهات الثورية . إن الأفراد والتجمعات ينتمون إلى طبقات ، وهناك علاقات تحالف وصراع بين هذه الطبقات الشعبية نفسها ، كما أن هناك تناحرات طبقية بين الجماهير الشعبية والطبقات الرجعية والبورجوازية .
ومن المهم ملاحظة أن هناك طبقة مهيمنة اقتصاديا وسياسيا وفكريا ، فليست الساحة السياسية ملعبا لفرق مستقلة رغم وجود فرقة منتصرة وفرقة مهزومة .
ويترتب على ذلك أن الكفاح الاقتصادي والممارسات اليومية التلقائية للطبقات الشعبية يتحققان داخل نطاق الايديولوجية البورجوازية ويدعمان في خاتمة المطاف النظام الرأسمالي ولا يطرحان أسسه للمناقشة .
وبطبيعة الحال فإن للطبقة العاملة والطبقات الشعبية قدرة خلاقة تبتكر اتجاهات ووسائل ثورية على الرغم من سيادة الايديولوجية البورجوازية، فهناك جنين الوعي الثوري داخل الحركة التلقائية ، ولكنه ليس إلا جنينا فحسب تحيط به قيود التكيف مع الممارسات البورجوازية . وهل نكرر للمرة الألف أنه بدون نظريا ثورية لا جود لحركة ثورية ؟ فماذا فهم كورييل من النظرية الثورية ؟
إنه يسمي منظمته بالحركة المصرية للتحرر الوطني، متخليا عن وصفها بالشيوعية وعن علاقاتها بالطبقة العاملة ، وليس ذلك مصادفة ، بل تم عبر نقاش طويل ، لدواعي الآمن ولتلافي اتهامات معاداة الدين والانحرافات الجنسية!! ( كتاب جيل بيرو- ص127 بالفرنسية و128 في الترجمة العربية ) ، وليس الإذعان أمام دعاية الأعداء مقصورا على إخفاء الوجه أي ممارسة شر أنواع الانتهازية فحسب ، بل يحدثنا الكتاب السابق عن "واقعية سياسية " تستهدف الابتعاد عن طليعة تقود الصراع الطبقى توحى بها كلمة " شيوعية " إلى أذهان الجماهير .
كانت المسألة الملحة ربط الماركسية بالخصائص المحددة للشعب العربي المصري لكي تضئ الماركسية الممارسة النوعية في بلادنا بدلاً من التشدق بشعارات مجردة ، واستعمال قوالب جامدة . وكان المثقفون المصريون واعين بذلك، يقول احمد رشدي صالح في مقدمة كتابه " كرومر في مصره عن "جراثيم" الوعي الشعبي : أنها لا تولد في أبراج المثقفين ليتفضلوا بها على الطبقات الشعبية ولا تستورد من الخارج من التيارات العالمية وإن أتت بعناصر منها ولا تترجم عن أمهات الكتب ، بل من واقع المجتمع المصري .
فالأسئلة الصحيحة كانت ما هى خصائص الحركة الوطنية الراهنة من مختلف جوانبها ، وما هى قوانين حركتها ، ومستوى نضجها ودور الطبقات المختلفة فيها وحركة تناقضاتها وآفاق تطورها ، وما هى الشعارات وأشكال النضال التى تنشأ عن الحاجات الحيوية للجماهير عند المستوى الراهن لقدرتها النضالية ، وكيف يمكن اقناع الجماهير بتجربتها الذاتية ، أن تتحرر من النزعة الإصلاحية الوطنية لتسير بها تدريجيا في طريق الثورة الوطنية .
وهذا الوعى الثورى لا يمكن أن نغترفه من الماركسية بوصفها قوانين ومقولات شاملة فحسب ، بل يجب الاستفادة من هذه القوانين والمقولات الشاملة وإعادة خلق نظرية عربية مصرية للواقع في ارتباط بزاوية طبقية داخل ممارسات تاريخية متعددة الأوجة في وضع قومي محدد . وهذا الإسهام العربي المصري في الماركسية ما كان ليتحقق في جدة وحيوية عن طريق نزعة تجريبية ضيقة الآفق ، تعتبر الخبرة الجزئية والممارسة المعزولة حقيقة عامة ، وترى الزاويا والآركان والسطوح وتعجز عن رؤية الكل والتيارات الأعمق . كما فعل كورييل ، ثم تربط هذه القطع الممزقة باستشهادات نظرية مبتورة .
ويقول اصدقاؤه إن "التحرر الوطني" هو إسهامة المتفرد ، وإن هذا المفهوم قد ولد من تجربته وتجربة المصريين ، وكان يرد على الذين ينتقدون تذويبه النضال الطبقى العمالى الفلاحى في خليط قومي يجمع بين الشيوعيين والبورجوازية الوفدية الكبيرة ، بترديد عبارة لينين الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية فالنضال ضد الرأسمالية في مصر يمر بالكفاح المعادي للاستعمار . ولم يدخل كورييل وأتباعه في صراع نظرى ضد الايديولوجية السائدة في دوائر نفوذها المختلفة باستخدام المنهج الجدلي والنظرة المادية العملية إلى العالم ، ولم يقدموا دراسات او محاولات لتناول التاريخ الاقتصادي والسياسي والثقافى من زاوية منهج الطبقة العاملة ونظريتها ، بل لقد سقط كورييل وتلامذته فى وحل تجنب دراسة المنهج والنظرية المتكاملين ، وسوقية ترديد ايديولوجية العدو عن ضرورة " تطهير" المادية الجدلية من كل تضمينات معادية للدين ( المرجع السابق 136 بالفرنسية ، 137 بالعربية ) بل إن رفعت السعيد مايزال يهاجم ماركسيا قديما لأنه "قد أخطأ بتركيزه أساسا على موضوعات المادية والمادية الجدلية " (تاريخ المنظمات اليسارية المصرية 1940-1950 دار الثقافة الجديدة ص 291 ) ، ويقول رفعت إن منظمة الحركة المصرية للتحرر الوطني تركز انتاجها في مجال النشر في موضوعين أساسيين أولهما محاولة تقديم تفسير تقدمي واشتراكي للدين الاسلامي (لا محاولة دراسة تاريخية علمية حقيقية أ.ف)... وقد قدمها أحد كوادر المنظمة من رجال الدين الذي أصدركتابا عن الشيوعية في الاسلام (وكأن الشيوعية . قالب عادل يمكن أن يتحقق في أي فترة تاريخية بصرف النظر عن مستوى تطور القوى المنتجة .أ.ف) ولنفس المؤلف كتاب أبو ذر الغفاري أول ثائر في الإسلام .( نفس المصدر ص 227- 228) ، وما أبعد ذلك عن التحليل العلمي، إن المقتضيات الديماغوجية قد جعلت التصور العلمى للعالم والأساس الفلسفى للماركسية محل تشكك و"تطهير" ولم تعد الفلسفة هى "منطق" الثورة المصرية ، بل أصبحت لدى الانتهازيين شيئا يعزلنا عن الشعب . ولما كانت المرحلة الناصرية تضع ما يسمي بالقيم الروحية فارقاً بين الاشتراكية المصنوعة محليا ( بثروات البيروقراطيين المتراكمة برضاء المولى سبحانه وتعالى عليهم )وبين الماركسية فإن تلامذة كورييل وأصلوا إعلان موقفهم المتحفظ من منهج الماركسية ونظريتها ، من الأساس الفلسفى كالبرنامج والاستراتيجية والتكتيك وكل نشاط للحزب .
وكيف نظر كورييل إلى العملية التاريخية لانصهار طليعة من المثقفين الثوريين في قسم واع من الطبقة العاملة أى إلى عملية تأسيس الحزب ؟
يقول كورييل في شرح فكرته: " ان ظروف عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية قد خلقت واقعا جديدا جذب إلى العمل الثوري في مصر قوى طبقية غير عمالية ، بمعنى أن الطبقة العاملة ليست الطبقة الثورية الوحيدة في مصر وإنما هناك قوات ثورية أخرى ، وأنه مع الاعتراف بقيادة الطبقة العاملة ، يجب أن يكون الحزب حزبا لكل الجماهير الثورية – في إطار المرحلة – حزبا لمصر كلها ،أى أن الشعب كله يجب أن يشعر أن الحزب ملك له وليس للعمال وحدهم ( المصدر السابق ص 414).
اعتراف يسوعي بقيادة الطبقة العاملة ، وبأن ثوريتها مساوية للبورجوازية الصغيرة والبورجوازية " الوطنية " في اطار المرحلة ، حزب لمصر كلها ، دون تناقضات طبقية داخلية أو خارجية !! ، حزب للجميع !!
وعلى حين أن الماركسية اللينينية ( ما العمل ؟ كتاب لينين على سبيل المثال ) لا تسمح بعلاقة ميكانيكية بين المثقفين ذوي الأصل البورجوازي والبورجوازي الصغير من جهة والعمال من جهة أخرى ، حيث يقدم المنسلخون عن الطبقة الرأسمالية نظرية وأيديولوجية وقيادة لقاعدة جماهيرية غير مثقفة في هذا الزعم الخاطئ ، فإن لينين يرفض مثل هذا التقسيم للعمل داخل الحزب ويطالب بمحو كل التمايزات والفوارق بين العمال والمثقفين . حقا إن للمثقفين وظيفة نقل الوعى الاشتراكي العلمى للطبقة العاملة من خارجها ، ولكن "الواسطة " هنا في نقل الوعى ليس المثقفين التقليدين في تخصصاتهم الوظيفية ينقلون الوعى إلى عمال تقليديين في هذه الصناعة أو تلك ، بل الواسطة هنا هي الحزب الثوري نفسه ، وفيه قد أنصهر مثقفون فقدوا وضعهم المهني الجزئي مع عمال فقدوا وضعهم الجزئى الطائفي في وحدة ملتحمة متماسكة . وهذا الحزب وحدة قادرة على تنظيم الطبقة العاملة لتقود المجتمع قيادة سياسية تتجاوز الكفاح الاقتصادى ، فهو أرقى أشكال التنظيم الطبقى ، وهو ليس جبهة شعبية (أو وطنية أو ديموقراطية) فله إيديولوجية مستقلة مختلفة عن كل ايديولوجيات الطبقات الثورية الأخرى وبدونه تعجز الطبقة العاملة عن قيادة حلفائها ، بل وتسقط فريسة لايديولوجية البورجوازية .
وليت "تصفوية" كورييل في مسألة الحزب وقفت هنا بل تعدتها إلى كارثة التنظيم الفئوي .
يقول كورييل : "... كان النشاط في مجالات محددة ومن كوادر من نفس المجال يتيح الفرصة لاحراز نتائج باهرة وسريعة .. شيوعيون طلاب يقودون طلابا شيوعيين . وكان هذا الشكل يحقق تقدماً كنا في أمس الحاجة اليه وخاصة في البداية . وكان التخصص ضرورة لازمة ، كوادر تتخصص في العمل في مجال معين وتدرس كل أبعاده واحتمالاته وانعكاساته والفرص الكامنة فيه ، كذلك فقد كانت خطتنا منظمة جماهيرية ديموقراطية لكل فئة ، فقد كانت مصر تفتقد المنظمات الجماهيرية مثل اتحاد طلاب واتحاد عمال واتحاد نسائي ... الخ ومن ثم فقد كان تكوين قسم طلابى شيوعي بقيادة من كوادر طلابية شيوعية مثلا خطوة هامة لخلق النواة القادرة على إقامة هذه المنظمات الجماهيرية ". (المرجع السابق ص 349) .
إن هذا التنظيم الفئوي قد عاق تكوين حزب مركزي موحد ، وكان لابد بالضرورة أن يؤدي إلى اختلال التكوين الطبقى والسياسي والقومي للمنظمة ، على الرغم من إدعاء كورييل أنه قام لتفادي ذلك الاختلال ، فكورييل يقول " كان هناك توسع شديد في بعض المجالات ، ولو فتح الباب أمام القادمين منها لاختل التوازن داخل المنظمة ، مثلا في مجال الطلبة كان التجنيد وأسعاً جداً وكذلك في صفوف الاجانب ، ويتساءل كورييل : "فكيف نفتح الباب كي تصبح أغلبية المنظمة من الطلاب أو من الأجانب "( نفس المصدر ص 348)
وما أعجب ذلك التساؤل ، كأن المجندين سيدخلون التنظيم بالقوة ضد الخطة التنظيمية للجنة المركزية !! أما في التنظيم الفئوي فقد حدث ذلك الاختلال ، فقد نما بالضرورة ميل إلى استقلال مصالح الجزء الطلابى أو النقابى أو العسكري أو النسائي فى مواجهة مصالح التنظيم باعتباره كلا ، "القادة " في الدوائر والأماكن المختلفة نمت لديهم نزعات ايديولوجية " متخصصة" بورجوازية صغيرة أو نقابية اقتصادية أو نزعة إصدار الأوامر " العسكرية "من أعلى ، وأدت " دراسات الجدوى" علي طريقة المشروعات الرأسمالية للمجالات النضالية إلى خفض المستوى النظري للتنظيم بأكمله وافتقاد النظرة الشاملة وامتلاء المنظمات الفئوية بأصحاب النظرة المحلية الساذجة والآراء الضيقة الانعزالية ، والذين لا يرون أبعد من أنوفهم ويشددون على العمل الجزئي ويأملون أن تخضع مصالح الكل لمصالح جزئهم الذي يسجنون أنفسهم فيه وضاعت المركزية الديموقراطية ، وحلت محلها قيادة بيروقراطية تحاول أن تفرض انتظاما شكليا وتناسقاً في خطوات أقسام هي بالضرورة متفاوتة التطور وسرعة الحركة ، بل ومتنافرة الاتجاه والمصالح أيضا . وبدلا من تنظيم نضالى تحول التنظيم الفئوي الى فلول تسودها الانعزالية والنزعة الذاتية في العلاقات التنظيمية يستحيل انصهارها في بوتقة الثورة .
فالانحناء أمام العفوية والسير في ذيل "مواسم" النضال الجماهيري أصبح " نظرية " للتنظيم الفئوي ، نظرية الحيلولة دون قيام حزب للطبقة العاملة ، ينصهر في مركزيته الديموقراطية الوعى الثوري والحركة التلقائية .
ولم ينجح التنظيم الكورييلي على الاطلاق في تأسيس الاتحادات المزعومة للفئات المختلفة ووقف عند لجان تحضرية تفتقر إلى القدرة على أن تنزل من علياء "العلاقات العامة الى واقع حى .
الحلقة الثالثة
وقضية بناء الحزب الشيوعي فى مصر وتطويره لكى يتجاوز مرحلة الطفولة لا تقف كما يزعم كورييل عند توسيع عددى لاقسام معينة أو لمجالات كفاح ذات أهمية ، بل تتعدى ذلك الى تدعيم التقاليد الثورية فى هذه المجالات وتربية كوادر عالية المستوي في النضال السياسي والايديولوجي . وظل السؤال عن بناء حزب على نطاق البلاد يجمع الطابع الجماهيري الى الرسوخ السياسي والايديولوجي والتنظيمي بلا اجابة ثورية . فالاجابة التى قدمها كورييل كانت تربط بناء هذا الحزب بما يسمي خط القوات الوطنية والديموقراطية ، أي باكتشافات كورييل الخاصة بطبيعة الحركة الوطنية في مصر .
وكانت خطيئة كورييل منذ البداية ماثلة في رفضة التمييز بين ثورية ووطنية الطبقة العاملة وبين ثورية ووطنية فئات البورجوازية القومية المختلفة ، من حيث البرنامج والنظرية والمواقف العملية ، فالطبقة العاملة هي الوحيدة بحكم وضعها في العملية الانتاجية التى تتميز موضوعياً وعلى المدي التاريخى بأنها ثورية للنهاية ، وبأن مصالحها تتطابق مع استمرار المعركة الوطنية ضد الامبريالية الى نهايتها الظافرة . ولكن خط كورييل كان يغمض العين عن حقيقة ان مراتب البورجوازية المتفاوتة فى تدرجها الصاعد تعمل جاهدة من اجل القضاء على استقلال الطبقة العاملة السياسي والتنظيمي وتستخدم في ذلك أسلحة البطش البوليسي والتضليل الفكري ، كما لا تكف لحظة عن تصفية المنظمات الجماهيرية والاقتصادية للعمال والفلاحين كأجهزة مستقلة وعن اضعافها وتحويلها الى ذيل سياسي للبورجوازية الكبيرة لكي تسقط مكاسب الحركة الوطنية كلها بين أنياب هذه البورجوازية ، بل ان المراتب المختلفة من الرأسمالية تقف من الحركة الوطنية موقف المشارك في فترات معينة والى حدود معينة ولكنها لا تسير ابدا في المعركة ضد الاستعمارالى النهاية ولا ترغب ابدا فى قطع علاقتها مع المعسكر الاستعماري ، بل لا تتردد في الوقوف احيانا الى جانب الاستعمار اذا تعارض استمرار المعركة الوطنية مع مصالحها الانانية الضيقة .
وكان خط كورييل داعيا للطبقة العاملة الى ان تكيف نضالها وتنظيمها مع المصالح الخاصة للفئات البورجوازية باسم طبيعة المرحلة .
أن خط كورييل انفق كثيرا من المداد في تفرقة مزعومة بين جبهة شعبية تستحيل اقامتها وجبهة ديموقراطية يمكن في الحال ان تقوم (الملايين 2/6/1951) ، وهذه الجبهة تضم القوات الآتية بهذا الترتيب : الاخوان المسلمون . الوطنيون ( الحزب الوطني ) – الاشتراكيون- الوفديون- منظمات العمال والطلبة وجميع المواطنين الاحرار ( الملايين 21/10/1951)
طبيعة المرحلة
يعلن كورييل ان الحركة الشيوعية المصرية ولدت مع مدافع ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية ، ولكنه لا يرتب على ادعائه اي نتائج سياسية صحيحة ، بل على العكس تماما . ان الوضع العالمى الجديد ابتداء من الحرب العالمية الاولى وانتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية قد نقل حركات التحرر الوطني والمرحلة الديموقراطية من الثورة الى ان تكون جزءا من الثورة الاشتراكية العالمية ، ولم تعد مثل الثورات البورجوازية التاريخية القديمة . فهي ثورة أصبحت الان ضد الامبريالية أي ضد الرأسمالية العالمية .
ومعني ذلك – على العكس من خط كورييل تماما- ان هذه الحركة الوطنية او المرحلة الديموقراطية للثورة في عصرنا الجديد الذي افتتحته ثورة اكتوبر مغيرة اتجاة التاريخ العالمي بأكمله – لم تعد تنتمى الى الثورة الديموقراطية البورجوازية بمفهومها القديم ، فلم يعد هدفها الرئيسي اقامة نظام رأسمالي . وهذه الثورة الوطنية الديموقراطية لا يمكن ان تقودها البورجوازية القومية في مصر ممثلة أساسا في الوفد ، انها لم تسيطر على مقاليد الحكم وانما تسيطر على حلقات ثانوية فيه وترغب في توسيع نقاط سيطرتها بالتهادن والضغط معا على القوي الرجعية ، وعلى نحو سلمى تدرجي ، وتعلق الآمال على تنازلات يضطر الانجليز وتضطر السراي الملكية الى القيام بها بواسطة حركة محدودة جدا في الداخل وضغط "دولي" في الخارج تقوم به اطراف دولية متناقضة المصالح مع الانجليز . ان اكمال الثورة الوطنية الديموقراطية – الاستقلال وتصفية العلاقات شبه الاقطاعية في الاقتصاد والسياسة والفكر – اصبح مهمة تتجاوز قدرة البورجوازية ولا مصلحة لها في هذا الاكمال فهى على الرغم من كل التناقضات تهدف في حالة وصولها الى السيطرة على السوق الداخلية الى ان تصبح جزءا له وزنة في التقسيم الرأسمالي الدولي للعمل ، وهى في مصر ترتبط بالاستغلال شبه الاقطاعى في الريف بالاف الخيوط التاريخية والحاضرة ، وتقف موقف العداء الكامل من ثورة زراعية ديموقراطية لصالح الفلاحين فهى تشترك في "الثورة" بقدم غير ثابتة ، ولا تكف عن الارتكاز على المساومة مع أعداء الثورة من ناحية اخرى . وبالاضافة الى ذلك فهى قد استولت بمفردها على ثمار ثورة 1919 ولم تقدم للجماهير الا الفتات .
ان كورييل عندما يتحدث عن المرحلة الديموقراطية فانه يتحدث عن مرحلة ضرورية تقيم فيها البورجوازية المصرية ديكتاتوريتها ، وهو بطبيعة الحال لا ينسي الحديث عن مرحلة اشتراكية تتحقق باذن الله بعد قفز السور الصيني بين المرحلتين ، وبشرط ان تظل هذه المرحلة الاشتراكية مثل جنة عدن التى وعد الله بها المتقين ، لا تمارس اي تأثير على المرحلة الديموقراطية الراهنة ، ومن السهل ان ندرك ان كورييل لا يقدم تطبيقا مصريا للماركسية ، بل يقدم الفكر الليبرالي الغربي للاشتراكية الديموقراطية بعد ترجمته الى نزعة اصلاحية وطنية ، فهو ممثل داخل حركة الطبقة العاملة لنزعة الاستسلام الطبقى .
حقا ان الصراع الطبقي بين العمال والبورجوازية وبين الجماهير الشعبية ومستغليها يجب اخضاعه لصالح النضال المعادى للامبريالية ولكن ما معنى ذلك ؟
ليس معناه كما فهم كورييل اخضاع الصراع الطبقي لسياسة المهادنة البورجوازية مع الاستعمار ، بل معناه ان الصراع الطبقي داخل الحركة الوطنية يأخذ شكل كفاح وطني ، فالخط العمالي الثوري خط متماسك في توجيه الضربات للعدو الاستعماري وحلفائه في الداخل وضد التهادن على جميع الجبهات ، وهو لذلك ضد التحالف في نطاق الاستسلام أو التراجع ، بل على اساس مقاومة العدو والسير بالحركة الوطنية الى الامام ، وضد تدعيم ديكتاتورية البورجوازية واستبدادها وراء دعوى الوحدة الوطنية . والخط العمالى الثوري – كما عبرت عنه منظمات مصرية مثل العصبة الماركسية والنواة والطليعة الشيوعية ووحدة الشيوعيين في فترات مختلفة – رفع صوته دائما ضد التحالفات الكورييلية الكاذبة الصورية التي كانت الدعوة المرحلية لها تتم داخل نطاق خط استراتيجي شديد الانتهازية ، يري أن مهمة الطبقة العاملة والجماهير الشعبية ان تكافح في الحركة الوطنية من اجل احتكار البورجوازية الوطنية للسلطة بعد "التحرير" وافساح المجال امامها واسعا للتهادن مع الاستعمار .
ولأمر ما لم ترفع الانتهازية اليمينية في مصر شعار سلطة الطبقات الوطنية والديموقراطية على الاطلاق باعتبارها هدفا وضمانا لحركة التحرر الوطني . وعلى الرغم من ان كورييل يعلق لافتة الديموقراطية ، الا ان " الديموقراطية " لدية لم تكن الا ليبرالية بورجوازية ، فهو لم يدرك ابدا ان الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى هي ثورة مناهضة للامبريالية والقوي شبه الاقطاعية وتخوضها جماهير الشعب المتحررة من قيادة البورجوازية والسائرة وراء قيادة الطبقة العاملة ولم يؤكد خط كورييل على ان المرحلة الديموقراطية من حيث الاساس تعنى في جانبها السلبي ( اى جانب محاربة العدو) الكفاح ضد الاستعمار والاقطاع ومن جانبها الايجابي ( القوة التي توجه الضربات وتحقق التغيير) تحقيق قوة جماهيرية اقتصادية وسياسية للطبقات الشعبية ولكل الفئات المقهورة من حلف الاستعمار وبقايا الاقطاع والبورجوازية متشابكة المصالح مع الاستعمار اى في المحل الاول تدعيم الحركة الفلاحية وتنظيماتها النقابية والتعاونية وحصول الفلاحين على اراضي الملكية شبه الاقطاعية، واستقلال هذه الحركة الفلاحية عن سيطرة رأس المال القومي الذي يعمل على تصفيتها واضعافها ، فالفلاحون هم القوة الرئيسية فى المرحلة الديموقراطية لذلك كان تأميم رؤوس الاموال التابعة للامبريالية وتصفية املاك الرجعيين والخونة مطلبا جوهريا لهذه المرحلة الديموقراطية ، ولن يتحقق الطابع الديموقراطى بأن تخضع الجماهير الشعبية للتسلط البورجوازى ، وبأن تطوي راياتها المستقلة وتذوب في المذهب البورجوازي الواحد .
الجبهة المزعومة
والمتتبع لكتابات الكورييليين حتى اليوم حول "الجبهة " يجدهم يشددون على توحيد شكلي كاذب انتهى بالفعل بحل التنظيمات الماركسية وخضوع النقابات لحزب البورجوازية الحاكمة وتسريح القوي الشعبية . لقد كانت المرحلة الوطنية الديموقراطية عندهم مرحلة عبادة البورجوازية "الوطنية" فهي القوة الرئيسية والقيادة الحقيقية للشعب . ولم يكن ذلك خطأ نظريا مؤقتا ، بل عقيدة سماوية ابدية ما تزال مستمرة حتى الآن .
ان مصر في زعمهم حتى بعد أن ادعوا انها مرت بمرحلة التطبيق الاشتراكي ايام عبد الناصر ماتزال في الحلقة الاخيرة من الثورة البورجوازية الديموقراطية ولم يكن " التطبيق الاشتراكي " الذى اعلنوه تنازلا اعلاميا في المصطلحات لدفع الثورة الى الأمام كما يدعى الانتهازيون ، بل كان مهاما محددة هي تصفية الرأسمالية كطبقة وتنظيم اقتصاد اشتراكي لا يخضع للقوانين الرأسمالية . وقد كان الكورييليون يسمون رأسمالية الدولة البيروقراطية بهذه الاسماء الاشتراكية الجذابة أيامها .- وسنعود الى ذلك بالتفصيل فيما بعد – وعلى الرغم من كل هذه التأرجحات البندولية اللامبدئية ، الا أن محور الحركة كان دائما التكيف على "ثورية" البورجوازية "ووطنيتها" وبناء الحزب الشيوعي المزعوم باعتباره كشك حراسة ومكتب استعلام ودعاية للبورجوازية الحاكمة وحلقة اتصال ومساومة بين البورجوازية والحركة الشعبية والديموقراطية في مصر والخارج .
ان مصر التى تنفرد البورجوازية بسلطة الدولة فيها منذ 1952 ، مازالت عند الكورييليين في مرحلة الثورة البورجوازية ، وهم بذلك ينفون أى علاقة بين طبيعة المرحلة وبين طبيعة السلطة ، بين الحركة الثورية وبين السلطة فالسلطة يجب أن يعملوا دائما على ان تكون احتكارا للبورجوازية . ومن المعروف ان البورجوازية لا تعمل ابدا على تصفية الروابط مع الامبريالية ،ولا على تصفية رواسب القرون الوسطى لان مصلحتها الطبقية تتحقق على العكس باستمرار كثير من الروابط والهياكل المتخلفة في مواجهة الحركة الشعبية ، لذلك تستمر لدى الكورييليين دورة أبدية خبيثة وحلقة مفرغة ، بما أن هناك بقايا علاقات متخلفة ومهاما وطنية فالمرحلة تظل بورجوازية ولا بد من التحالف مع البورجوازية الوطنية التى تقود الحركة ، بعد أن خانت فئة من هذه الطبقة وانتقلت الى معسكر العدو ، لكي تصل هذه الفئة الجديدة الى السلطة او ان تنفرد بها لكي تتهادن وتعيد الكرة مرة بعد مرة ، وتظل الحلقة الاخيرة من الثورة البورجوازية الديمقوقراطية – التى يتعين على البورجوازية انجازها ويتعين علينا تأييدها والدخول معها في جبهة – حلقة ابدية تطبق على فكرة الحركة الثورية وتفرض علية الشلل والتصفية .
لقد ارتفع صوت كورييل في الاربعينات صائحا بحرمان الطبقة العاملة من سلاحها التنظيمي الذي لا تملك غيره ، بدعوى طبيعة المرحلة وعدم نضج الطبقة وتوفر الشروط "الموضوعية " والان يرتفع صوت اتباعه والمنضمين الى مدرسته التصفوية بأن "شكل" الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني لا يصلح لبلاد العالم الثالث ، حيث الطبقة العاملة ضعيفة ، وحيث الاهداف ديموقراطية وطنية ، وأن البديل صيغة تحالف ما أو تجمع ما ( مورس ذلك التطوير الجديد في حل "الحزب " والانضمام الفردي إلى الاتحاد الاشتراكي العربي وتجريم أي محاولة لخلق منبر مستقل ) . وهناك خليط من الافكار الانتهازية حول هذه النقطة ، فبعض الانتهازيين القدامي يصرون على وجود منبر صورى للعلاقات العامة مع الخارج . مع الاممية (!!) شبه علنى في الداخل ملحق بأشكال العمل "الشرعية" متميع البناء التنظيمي ، له وجود طقسي ، مهمته الاولى قطع الطريق امام بناء حزب حقيقى للطبقة العاملة ، مواصلة "الكفاح" بآفاق الناصرية ، وبأساليب العمل ايام الحل .
لذلك نرى ان خط القوات الوطنية والديموقراطية ، ليس خط المعركة الوطنية حتى نهايتها الظافرة . فالاستسلام الطبقى ( او التعاون الطبقي ) قدم الطبقة العاملة منذ ايام الملكية ضحية لانانية البورجوازية ، وحرم الحركة الوطنية من تنظيماتها القوية ودورها الطليعي ، كما عاق التعبئة الشاملة للشعب في تنظيمات جماهيرية واسعة ، وعاق توعية الجماهير وتحريكها الايجابي المنظم ، ومباركة لسياسات البورجوازية في الممالأة المرحلية لبعض قوى العدو . ومواصلة اضطهاد الشعب واستنزاف دمه لاضعاف مقاومته للعدو ، او وقوفة سدا امام فئات واجنحة البورجوازية الحاكمة السائرة في طريق الردة الوطنية . لقد كان الاستسلام الطبقى حجر الزاوية في سياسة الاستسلام الوطني ، وضرب الديموقراطية ، فقد ساعدت على ان تظل معظم القوى الشعبية دون يقظة نضالية ومشاركة فعلية منزوعة سلاح الوعي والتنظيم بواسطة تعسف البورجوازية وقمعها .
لقد كان خط القوات الوطنية والديموقراطية ، جبهة عريضة بمعني ضم كل المتهادنين واضعاف مواقع الشعب بمعني احتضان اقرب الفئات الى عقد الصفقات مع العدو ، تلك التى تخشي حركة الجماهير خشية الموت والتفريط في المحافظة على الاستقلال الايديولوجي والسياسي والتنظيميى للقوي الوطنية وراء شعارات النحاس يحيا النحاس ، وكلنا جمال عبد الناصر . وكانت نتيجة ذلك التخلي عن مبدأ الديمواقرطية داخل الحلف الوطنى الموضوعي ، والوقوف عند حصول البورجوازية وحدها على حريتها من الحلف الاستعمارى الرجعى ، "حفاظا "على الجبهة المزعومة ، ومراعاة لحسن السير والسلوك حتى لا تخاف البورجوازية من الشعب وتهرع الى احضان العدو .
ولم تكن الحركة الوطنية الديموقراطية عند هذا الخط تعتمد فى المحل الاول على بناء قوة ذاتية للطبقة العاملة ، وتطوير تلك القوة بربطها بحركة الجماهير التقدمية ، وتدعيم مواقع هذه القوى الشعبية في المعترك الوطني ، بل ان كورييل كان يري في تنظيمة الفئوى اداة لتشكيل اتحاد عام للعمال المصريين ، أى حصر الحركة العمالية بصورة رئيسية في اطار الحركة النقابية ، وفى المطالب الوطنية العامة داخل الاطارالذى ترتضيه البورجوازية الليبرالية . واستبعادها عن كل سياسة ثورية مستقلة ، تهدف الى سلطة تشارك فيها القوى الشعبية بنصيب . لم يكن هذا الخط يهدف الى تطوير كفاح الطبقة العاملة لتقوم بدور قيادي في الثورة الوطنية ، يضم صفوفها وبناء وحدتها النضالية السياسية والاقتصادية واتخاذ المبادرات المستمرة التى لا تترك قيادة العمال لحزب البورجوازية الوطنية .
ان للطليعة الثورية مهما تكن ضآلتها العددية دوراً كبيراً ، كقوة محركة للنشاط العمالى ، فى الدفاع عن المصالح المباشرة للعمال ، وربطها بالمصالح التاريخية ، وابداع الشعارات واشكال النضال التى تنشأ عن الحاجات الحيوية للجماهير عند مستوى قدرتهم النضالية الراهنة ، وتوعية الطبقة واعدادها الصبور لتغير أشكال وأساليب النضال مع تغير الوضع ، والانتقال من الاشكال الدفاعية الى الهجومية .
ولكن خط القوات الوطنية والديموقراطية لم يقدم الا قائمة محفوظة من الشعارات الذيلية ، اما للبورجوازية أو للحركة التلقائية ، وأعتمد على أشكال التنظيم الموروثة من الهجوم البورجوازي على الطبقة العاملة ، حتى يصبح من الممكن ان نحصي على أصابع اليد الواحدة كل هذه الاشكال وكل الشعارات .
فالوحدة التنظيمية للطبقة العاملة اخذت شكلا محفوظا واحدا هو اتحاد نقابات ، وظل الكفاح علويا ، اتصالات بين رؤساء نقابات واجتماعات ادارية تحضيرية . ولا وجود لاشكال متنوعة من العمل المستقل في التثقيف والتعبئة الجماهيرية ، ولا لاشكال من التنظيمات المرنة الفضفاضة الجماهيرية للدفاع عن مصالح العمال ، ولتجسيد الاتفاقات قصيرة المدى وطويلة المدى للعمل المشترك مع القوى المختلفة الموجودة في صفوف الطبقة العاملة ، نقابية وسياسية وثقافية وفقا للدرجات المتنوعة من نضج حركة التحرر الوطنى ودور الطبقة العاملة داخلها ونفوذ الطليعة السياسية ، وأسهم خط القوات الوطنية والديموقراطية في تنمية كوادار نقابية اصلاحية لا مدافعين عن كل طبقات الشعب ، ولا مناضلين ثوريين يدفعون الحركة الوطنية الى الامام الى ما وراء الحد الذي تقف عنده هذه الفئة البورجوازية او تلك .
وكان الاقنوم الثانى في أشكال التنظيم هو " الجبهة الوطنية" الخالدة "ولجانها الوطنية" أو "لجان التحرر" وكلها قوالب فارغة موسمية وكان اعضاء التنظيم الفئوي في مستوي الخلايا ( الطلبة مثلا ) هم انفسهم اعضاء "اللجنة" التحضرية لاتحاد الطلبة هم اعضاء لجنة "السلام" او اللجنة الوطنية .
لقد كان العقم فى المجال الجماهيري وهو عقم يحدث ضجيجا عظيما في اويقات ذروة المد الوطنى ثم يندثر بلا اثر – هو الترجمة الفعلية لخط القوات "الوطنية والديمقراطية" الذى سلب الوطنية والديموقراطية اسلحتها النضالية وتركها بلا قوة او قوات .
الحلقة الرابعة ( هذه الحلقة غير مكتملة لان الصورة التى نقل عنها داكنة وعزاؤنا ان رفيقنا قد ترك كتابا كاملا حول المسألة – ولعل احدا ممن يحوزها من الرفاق يعيد نشرها )
الموقف من الصهيونية والبورجوازية عند التأسيس
منذ البداية اختلق كورييل وأتباعه مبررات زائقة لانقسامهم على نضال الحزب الشيوعي المصرى القديم ، ولاستغلال أزمته الناجمة عن توالى ضربات المخابرات البريطانية وعملائها في "القلم السياسي" المصري ، لكي يجهزوا عليه . وفي مقدمة هذه المبررات الزائقة يأتى الحديث عن انحراف يساري في الموقف من " البورجوازية "، عزل الحزب عن حركة التحرر الوطنى ، لأنه جعل الصراع الطبقى بين العمال والفلاحين من جهة والبورجوازية "الوطنية " من جهة أخرى مهمته الرئيسية ، ولم يجعل هدفه الرئيسي توجيه الضربات إلى الاستعمار . ويزعم "كورييل" وأتباعه أن التحرر الوطنى يشكل "الإسهام الأصيل" وجهة نظرة المسيطرة او الفعالة ، ويقينه الوحيد.
لقد كان هذا الذي غسل بماء المعمودية (الثورية) حديثاً يسبح في محيط من الشك ، إلا فيما يتصل بالتحرر الوطني ، لانه اليقين الوحيد المولود من تجربة ( الأصل الفرنسي لكتاب جيل بيرو عن كورييل ص 127 – الترجمة العربية مختلفة قليلا ص 128) . وما هى تلك التجربة ؟ لقد قام بقياس الشعور بالاذلال الوطنى لدى "كل" المصريين ، حينما فرضت المدافع البريطانية حكومة الأغلبية الوفدية على صاحب الجلالة الملك فاروق حليفها السابق واللاحق ، والمتطلع فى تلك اللحظة من انتصار النازية الألمانية وتهديدها بالزحف على مصر إلى حليف استعماري صاعد (!!) . إن طموح المصريين إلى "الاستقلال" (هكذا طموحاً مجرداً من أي طابع طبقى يستوى في ذلك صاحب الجلالة ومؤسس الحلقة الشيوعية) يشكل "القاسم المشترك الأعظم" بين الجميع ، وأن رفض أن يؤخذ ذلك في الحساب بمثابة انتحار سياسي .(نفس المرجع).
وقد أدى هذا التفكير الميتافيزيقي المجرد الذى يجعل من التجربة الجزئية المؤقتة نظاماً عاما مطلقاً إلى كوارث في العمل السياسي.
ولنأخذ وثيقة "تاريخية" تشير دلائل عديدة عند رفعت السعيد أن كورييل هو صاحبها ، وقد قدمها إلى اللجنة المركزية للتنظيم لتكون أساساً لسياسة الحركة المصرية للتحرر الوطنى ، تجاه القضية الفلسطينية وتاريخها 22/10/1945 رفعت السعيد . "اليسار المصري والقضية الفلسطينية " . دار الفارابي- بيروت) ودعك من عملية إضافة اللون الأحمر التى يفتعلها رفعت السعيد بعد عشرات السنين في التقديم الذي أضافة ، متحدثاً عن شعارات "متميزة" عن شعارات البورجوازية في القضية الوطنية وغيرها ، ولندخل إلى الموضوع ، لنرى متى كورييل يعتبر التميز عن البورجوازية بل ومهاجمتها ضروريا ومتى كان يعتبر ذلك خيانة .
وفى هذه الوثيقة يكشف كورييل عن الطابع الرجعى للصهيونية ، ويبرهن على أن الناحية الرجعية القديمة في الصهيونية لم تختف ، بل ازدادات كثافة وعمقاً ويواصل إيضاحه فيؤكد أن علاقتها التاريخية بتنفيذ أغراض الامبريالية البريطانية واصلت الحياة بتعزيز علاقتها بقوي امبريالية اكثر خطراً وأصبحت بالفعل عميلا للامبريالية الامريكية (ص144) ولا جدال في أن حلقة كورييل معادية للصهيونية ، ولكنها تضع النضال ضد الصهيونية داخل النضال ضد الإمبريالية باعتبار النضال الأول مسألة تابعة لا تتمتع بأي استقلال نسبي . فالكفاح الوطنى ضد "الاستعمار" هو الذي يصفي الصهيونية ، وتسقط الصهيونية وتزول كما يزول ظل الشجرة إذا اسقطنا الشجرة ، فالظل هو الصهيونية والأصل هو الاستعمار وما اغبي محاربة الظل فإن ذلك يحرف النظر ويشتت الجهد بعيداً عن المهمة الأصلية : مهمة محاربة " الأصل" ، وهو الامبريالية (ونفس القصة عن الشجرة وظلها نجدها عند الكورييليين حينما يتعلق الأمر بكبار ملاك الأرض والبورجوازية المتحالفة مع الاستعمار . مقالات أعضاء حدتو وخاصة سكرتيرها سيد سليمان رفاعى في أعداد جريدة الملايين مايو ويونيو 1951).
وأدى ذلك إلى التقليل البشع من خطورة الصهيونية (واسرائيل فيما بعد) ، كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطانى له على الرغم من ارتباطة بالامبريالية صفاته النوعية ، التي تستوجب أشكالاً خاصة من النضال .
ونرجع إلى وثيقة كورييل عن المسألة الفلسطينية ، ولبشاعة الانحراف أورد سطوراً منها كما هى .
" أظهر بعض العناصر – وخاصة العربية – اتجاها شوفينياً إذ كانت لا ترى فرقا بين يهود فلسطين عامة وبين الصهيونيين خاصة وأن مجرد وجود هؤلاء اليهود في فلسطين كان يعنى أن لديهم صلات تتفاوت قوتها بالصهيونية .ومن الملاحظ أن نفس هذه العناصر أظهرت موقفاً سلبياً تجاه كثير من المواقف النضالية .
وترتكب هذه العناصر خطأ كبيرا الا وهو تجاهل تعاليم ستالين التى تقول إن الشيوعيين يجب أن يهاجموا بورجوازيتهم أولا. ولكن ما الذى يفعلة الشيوعيون العرب؟ إنهم يملأون صفحات جرائدهم بهجوم على الصهيونية ويتركون جانبا مهاجمة الرجعية العربية ، وهم بهذا إنما ينفذون الأهداف الرجعية ، ذلك أنه لن يمكنهم أبدا أن يرفعوا اصواتهم ضد الصهيونية اكثر مما تفعل البورجوازية العربية وصحفها ، وهم على أى حال لن يصبحوا بهذه الطريقة مؤهلين لاي كفاح جاد .
ويتفق السكان العرب جميعا ً على إدانة الصهيونية ، فما جدوى أن يضاعف الشيوعيون العرب هذه الادانة . إن الواجب عليهم ان يعملوا على الا تتحول معاداة الصهيونية إلى معاداة اليهودية ، (ص143) (التشديد لنا) .
ومن الواضح أن كورييل لا يقف فى عدائة عند الحزب الشيوعي المصري القديم ، بل لقد امتد ذلك إلى الشيوعيين العرب عموما ، وهو يحاول فى انتهازية أن يخفى هجومة وراء قناع ستالين . ولا يعلم احد متى كف الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي طوال تاريخه عن الهجوم على الصهيونية . ولا يعلم احد اين قال ستالين بأن الشيوعيين يجب أن يهاجموا "بورجوازيتهم" اولاً ويتركوا مهاجمة البورجوازية البريطانية والامريكية والصهيونية ؟. كل ذلك كذب سافر .
وماذا يعنى كورييل بالبورجوازية العربية ، هكذا بلا تمييز بين فئة وفئة ومطابقتها بالرجعية العربية فى الأربعينات وهو الذى ملأ الدنيا صبيحا وما يزال أتباعه يواصلون الصياح عن وطنية البورجوازية وتقدميتها (اجزاء منها بطبيعة الحال)
ونواصل اقتباس السطور البشعة :
" كما ينسى الشيوعيون العرب أن المشاكل العربية قد تطورت فى العشرين عاما الأخيرة ، وأن الشيوعيين لا يمكن أن يظلوا على موقفهم الماضي تجاه يهود فلسطين إذ يوحد اليوم (1945!!) سكان يهود في فلسطين لهم سمات مميزة تختلف عن يهود الدول الآخرى ، وهم سكان لهم ثقافتهم الخاصة ، ولغتهم الخاصة (!!) ومؤسساتهم الخاصة .سكان يتكون ربعهم على الأقل من العمال والفلاحين واخدوا يتخذون سمة الشعب العامل . والسكان اليهود في فلسطين يحتلون مركزا في الصناعة ولهؤلاء حقوق قومية لا يمكن لأى دولة ديموقراطية أن ترفض منحهم أياها ، وعلى الشيوعيين النضال من أجل ذلك .
عليهم منح هؤلاء السكان كل حقوقهم السياسية ، بما فى ذلك جق الانفصال ،ولكن ما الذي الشيوعيون العرب؟ إن فلسطين دولة عربية ويجب أن تظل كذلك وهم بذلك ينكرون الواقع أيا كانت الأسباب التى فرضته .وبذلك بنكرون النظرية الستالينية (ص142- 143).
ان كورييل ....فى ... لحظاته النموذجية ، فالوثيقة معادية للصهيونية في توجهاتها وتحليلها وبياناتها ،ولكنها تدعو إلى دولة يهودية (حق الانفصال والحقوق القومية للسكان اليهود الذين كانوا اقلية ضيئلة في ذلك الوقت استنفادت من سياسية الاستعمار البريطانى منذ وعد بلفور بتأسيس وطن قومى لليهود فى فلسطين) وتبنى دولة الصهيونية فى تضخيم الهجرة اليهودية وسيطرتها على اليهود
كما تنسي الوثيقة أن الوطن القومى لهؤلاء اليهود لن يمكن قيامة إلا على سلب حق الشعب الفلسطيني في تقريرمصيره وإقامة دولته على كامل أرضه . هو .............ستالين وكأن الاحزاب الشيوعية العربية أيامها لم تكن ....بكتاباته
......العكس لما يزعم كورييل كان ستالين فى "المسألة القومية" يقول ........إن مسألة حقوق الأمة ليست مسألة معزولة مكتفية بذاتها ......المشكلة العامة للثورة البروليتارية : خاضع للكل ويجب اخذه في ....وجهة نظر الكل وفى الاربعينات من القرن الماضي ايد ماركس الحركة القومية للبولنديين والمجريين وعارض الحركة القومية للتشيك والسلاف .
لأن التشيك والسلاف الجنوبيين كانوا حينذاك "شعوبا رجعية مخافر أمامية روسية (قواعد روسية) فى أوروبا ، مراكز حراسة بينما كان البولنديون والمجريون"شعوبا ثورية " يناضلون ضد الحكم المطلق ولأن تأييد الحركة القومية للتشيك والسلاف الجنوبيين كان فى ذلك الوقت معادلا لتأييد غير مباشر للقيصرية أخطر اعداء الحركة الثورية فى اوروبا .
ويكتب لينين ! ان المطالب المختلفة للديموقراطية بما فيها حق تقرير المصير ليست امراً مطلقا بل جزءا صغيرا من الحركة العالمية الديموقراطية العامة (الآن الاشتراكية العامة) وفى حالات مفردة بعينها قد يتناقض الجزء مع الكل ، فإذا كان الأمر كذلك .........
هذا هو الموقف فيما ....المسألة حركات قومية معينة ، بالطابع الرجعى الممكن لهذه الحركة اذا تم تقييمها بطبيعة الحال لا من وجهة النظر الشكلية ، لا من وجهة نظر الحقوق المجردة بل على نحو عيني (ملموس) من زاوية مصالح الحركة الثورية : (ستالين مسائل اللينينية : القسم الأول أسس اللينينية المسألة القومية ص69 دار النشر باللغات الأجنبية موسكو 1949 بالفرنسية)
ويلاحظ اتخاذ كورييل موقف المتعالم من الأحزاب الشيوعية العربية بأكملها وإدعاءاته الإلمام بكتابات ستالين والتمسك بتوجيهاته . واتهامة لهذه الاحزاب بالشوفينية واتصافه هو وحده بالأممية (أو الإخلاص المطلق لستالين) .ثم اخيرا استعمال "اسطوانته" ا لترديدها دائما ضد المختلفين معه على النطاق المصري والعربي وهى انهم يتخذون مواقف غير نضالية أو هاربون من الكفاح وقد تنطبق كلمة شوفينية عليه وعلى اتباعه ، فهو يظن ان أصوله الأجنبية ولغاته الأجنبية وعجزة عن التكلم أو الكتابة بالعربية امتيازا خاصا ويظن دفاعه عن اليهود ذوى الطابع الغربي "الذين يحتلون موقعا خاصا فى الصناعات انتماء إلى ثقافة أرقي ."
وقد أدى هذا الموقف الانتهازي من الحركة القومية الرجعية التى تقود الصهيونية في فلسطين العربية إلى سلسلة من النتائج السلبية فإغفال الطبيعة الخاصة لدولة اسرائيل في قمع حركة التحرر العربية كان له أثر في العجز عن تحليل الأحداث والانعزال عن الجماهير .
ونجد أن افتتاحية الأعداد الاولى من مجلة " الكاتب" لسان حال اللجنة التحضرية لأنصار السلام ...تتعامل مع اسرائيل على انها " بعبع " خلقه الاستعمار ليحرف الأنظار عن المعركة الوطنية ضده ،وحذرت من الانسياقء وراءه .إن "الملايين " تنشر عنونا كبيراً فى صفحتها الاولى (13/5/1951) منشورات سرية تغمر انحاء إسرائيل ، وتزعم أن الشعب الاسرائيلي يرفض معاداة العرب ويستعد للانقلاب على حكومته ، وهكذا واصلت حلقة كورييل بيع الأوهام التى هى نتاج منطقى لخط كورييل خط القوات الوطنية والديموقراطية .
ويقول رفعت السعيد ...عن هذا الخط الكورييلى .إن أكثره عبارة عن اقتباسات من ستالين (تاريخ المنظمات اليسارية المصرية ) دار الثقافة الجديدة نوفمبر 1976 ص 413).
ويستطيع الراصد أن يلاحظ أن "كورييل" كان يقدم نفسه بإعتباره الوكيل الأوحد لخط ستالين ،وأنه الوحيد القادر على فهمه فهما صحيحا ولكن بعد المؤتمر العشرين للحزب السوفييتى ، وبعد توجيه النقد لبعض الأفكار والقضايا والممارسات الستالينية ، انقلبت الآية . وكما زيف كورييل واتباعه أفكارستالين عندما كانوا يعتبرونه إلهاً معبودا ويرتلون عبارات مبتورة مقتطعة من سياقها من كتاباته لكى يدعموا تصوراتهم الانتهازية ، انقلبوا على أعقابهم وأصبحوا ينسبون إلى ستالين كل اخطاء الحزب الشيوعي المصري القديم فى مسألة التحرر الوطني ، وهى أخطاء يزعمون أنهم لم يقعوا فيها اصلاً فلهم وجهة نظرهم في مسألة "الاستقلال" المبتكرة .
مستعمرات الدرجة الثانية
يزعم رفعت السعيد أن الحزب المصري القديم وقع في أخطاء أدت الى عزلته وكانت بسبب تواجده داخل اطار الفكر الماركسي العالمي الذى سادت فيه الاتجاهات الستالينية بصورة لا تقبل المعارضة ولا الانتقاد مثل الموقف من البورجوازية الوطنية في المستعمرات والبلاد التابعة (اليسار المصري من 1925-1940 دار الطليعة – بيروت ص 153) .
ويوجه المؤرخ الكورييلي اللوم إلى الكومنترن فى مؤتمره السادس لخضوعه لخط ستالين اليساري من البورجوازية الوطنية . ويزعم رفعت السعيد استنادا الى كتابات "عجوانى" المعادي للشيوعية (الشيوعية في الشرق العربي) ان الحزب الشيوعي المصري وفقاً للمؤتمر السادس للكومنترن 1928 كان يتحتم عليه ان يركز جهوده لشن حرب لا هوادة فيها ضد الوفد ( ورفعت السعيد وحلقة كورييل تضع علامة التساوي بين الوفد والبورجوازية الوطنية ) ويدعى رفعت أن الحزب المصري رفض ذلك وحاول قدر ما تسمح به طاقته ويسمح به ثقله ان يقاوم هذا الاتجاه . وأعلن على منصة المؤتمر عن اعتقاده ان البورجوازية الوطنية في مصر لم تنتقل نهائيا إلى المعسكر المعادى للثورة كما فعل الكومنتاتج (ص 155) .ومن المضحك أن الحزب الشيوعي المصري لم يكن له مندوب فى المؤتمر السادس للكومنترن ، وكان المتحدث هو الرفيق حيدر مندوب الحزب الشيوعي الفلسطيني ، وكان يتكلم عن بلدان الشرق العربي عموما )
ولم يرد في كلمة الرفيق حيدر شئ عن طبيعة البورجوازية الوطنية وانما عن الأوضاع المتغيرة للصراع الطبقي فى كل من مصر وسوريا واختلافهم عن الأوضاع فى الصين . ولم يكن كلام الرفيق الفلسطينيى في معرض الرد على خط ستالين او التوجهات العامة للكومنترن ، بل كان إثراء لهما وربطا لهما بشروط الشرق العربي .
وماهو خط ستالين من البورجوازية "الوطنية" ؟
يقول ستالين في نص شهير ترجم الى العربية مرارا ويرسي فيه مبادئ موقفه (1924) : "إن الطابع الثورى لحركة وطنية ( قومية) في شروط القهر الامبريالي لا تفترض مسبقاً بالضرورة وجود عناصر بروليتارية في الحركة ، أو وجود برنامج ثورى أو جمهورى للحركة ، أو جود أساس ديموقراطي للحركة . ان النضال الذي يشنه أمير الأفغان من أجل استقلال افغانستان هو موضوعيا نضال ثورى (التشديد لستالين) رغم الآراء المجندة للنظام الملكى لدى الأمير ورفاقه ، لأنه نضال يضعف الامبريالية ويحطم تماسكها ويقوضها ، على حين أن النضال الذي يشنه هؤلاء الديموقراطيون و"الاشتركيون" و"الثوريون" شديدو البأس ، أمثال كيرنسكي وتسرتلي ورنودل وشيدمان وتشيرنوف ودأن وهندرسون وكلينس أثناء الحرب الامبريالية ( الأولى) كان نضالا رجعيا (التشديد لستالين) .لأن نتيجته كانت تجميل الامبريالية وتقويتها وانتصارها .
ولنفس الاسباب فإن النضال الذي يخوضه التجار والمثقفون البورجوازيون في مصر من أجل استقلال مصر هو موضوعيا نضال ثورى (التشديد لستالين) على الرغم من الأصل البورجوازي والألقاب البورجوازية لقادة الحركة الوطنية المصرية . وعلى الرغم من حقيقة انهم مناهضون للاشتراكية ،، (التخطيط لنا) . (ستالين- مسائل اللينينية . القسم الأول أسس اللينينية المسألة القومية ص 70 . دار النشر باللغات الأجنبية موسكو 1949- بالفرنسية ) وقد تعرض ستالين لنقد حاد بتهمة اليمينية . وبخصوص مستعمرات الدرجة الثانية مثل الصين ، يقول ستالين في ذروة خيانة البورجوازية الصينية ( في الفترة الممتدة من 1927 – 1921) ردا على المعارضة التروتسكية :"...إن المعارضة قد نسيت أن الصين بخلاف روسيا 1905 هي بلد شبه مستعمر يقهره الاستعمار، وأنه نتيجة لذلك لا تكون الثورة فى الصين ثورة بورجوازية على نحو بسيط بل ثورة بورجوازية ذات طابع معاد للاستعمار . وأن الاستعمار في الصين يسيطر على الخيوط الرئيسية للصناعة والتجارة والنقل ، وأن القهر الاستعمارى لا يحيق بالجماهير العاملة وحدها ، بل يؤثر أيضا فى أقسام معينة من البورجوازية الصينية ، وتبعا لذلك فإن البورجوازية الصينية قد تؤيد الثورة في شرط معينة وفى مرحلة معينة . وهذا كما نعلم ما حدث بالفعل ...ويجب الإقرار بأن البورجوازية الصينية ساندت الثورة في الصين وأن خط الكومنترن بأن العمل المشترك مع هذه البورجوازية مسموح به لمرحلة معينة وفي شروط معينة قد ثبت أنه على صواب مطلق " .
ويمكن أن نوجز بقية التقرير فى ان المرحلة الأولى للثورة تميزت بأن كل القوي الوطنية بما فيها البورجوازية ناضل ممثلوها مع الشيوعيين داخل تنظيم بورجوازي ثورى واحد هو الكومنتانج . وقد تعاظم نفوذ الشيوعيين عددا واتسعت جماهيرهم وانتشرت شعاراتهم وتدعم تنظيمهم .
وتبدأ المرحلة الثانية بأن البورجوازية الوطنية التى لها مصلحة حيوية في الصراع ضد العلاقات شبه الاقطاعية في الريف لكي توسع سوقها ، وفى الاستقلال الوطني لكي تحرر نفسها من السيطرة الاستعمارية تدفعها حقيقة أنها طبقة استغلالية لكي تحتفظ بالروابط مع الاستعمار وشبه الاقطاع، يرغمها ضعفها الاقتصادي والسياسي على الخضوع في فترات احتدام الصراع الطبقى للضغوط الاستعمارية ، فتضطر الى الانضمام التكتيكي للثورة المضادة مثلما فعلت البورجوازية الصينية في الفترة التى بدأت عام 1927 (استمرت حتى 1931) ولا يصبح من الممكن في مستعمرات الدرجة الثانية ان يظل الحزب الشيوعي داخل تنظيم بورجوازي ثورى واحد.
ولا حديث لستالين عن انضمام نهائي أبدي للبورجوازية الوطنية إلى معسكر الثورة المضادة في الصين ، كما يزعم رفعت السعيد ، وتدل التجربة التاريخية للثورة الصينية لموقف ستالين الفعلى من البورجوازية الصينية على العكس تماما مما يذهب اليه المؤرخ الكورييلي (تقرير ستالين . ملاحظات عن قضايا .....-برافدا 28 يوليو 1927 . ....انقضاض شبانج كاي ......................وعلى العمال ....والنظرية الأساسية للثورة .....أوضحها ستالين وتبناها ......صراحة هى جبهة ....يقودها العمال وترتكز نواتها القاعدية على التحالف بين العمال والكتل الفلاحية وتضم حولها جميع الحلفاء حتى المؤقتين والمترددين وذوى المواقف المزدوجة المناهضين للاشكال الثلاثة للقهر : الامبريالية وشبه الاقطاع والرأسمالية البيروقراطية الخائنة (المتحالفة مع العدوين السابقين) .
والتقرير مترجم الى الانجليزية في كتاب :
The Essential stalln, major theoretical writings, anchor books ,doubladeya company ,inc. garden city ,new yourk 1972 pp 194 -219.
ولسنا بصدد مناقشة خطأ ستالين أو صوابه .
ويزعم رفعت السعيد أن الموقف من البورجوازية الوطنية في مصر ودمغها بأنها جزء من معسكر الثورة المضادة قاد بالضرورة إلى قضية اخرى هى الكتلة الثورية من العمال والفلاحين وكأن على هذه الكتلة ان تقفل أبوابها أمام كل الفئات الأخرى ، ولكن أدبيات الحزب الشيوعي المصري كانت تتحدث عن الكتلة الثورية الوطنية الموحدة تحت قيادة حزب الطبقة العاملة وتضم العناصر الشريفة فى الحزب .(ص 184 من اليسارالمصري 1925-1940). كما تورد مجلة "الشرق بالروسية مقالا ورد فيه تأييد للوزارة الوفدية ضد مؤامرات الرجعية (أورد رفعت ترجمته تحت عنوان الحزب الذي يثرثر كثيرا (عن الحزب الوطنى).
ويمضى الخيال برفعت السعيد بعيدا جدا فيتحدث عن أن الكتلة الثورية سرية بطبيعة الحال !! أى حال وأي طبيعة ومتى وأين نادى الكومنترن بهذا اللغو العجيب؟.
وليست المسألة أن ستالين او الكومنترن منزهان عن الخطا ولكن المسألة هى اختلاق مبررات كاذبة للدفاع عن خط كورييل ومزاعمه ...انضمام البورجوازية "الوطنية" إلى معسكر العدو أحيانا ونشوء فئات احتكارية منها ترتبط بالعدو وضرباتها للقوى الوطنية ليست حقائق واقعية في المراحل المختلفة من الحركة الوطنية .
ولا يخجل رفعت السعيد من أن ينسب إلى ستالين والكومنتانج القول بأن الوفد "قد القى باعلام الحرية في الوحل ".فعبارة ان البورجوازية القومية في فرنسا وايطاليا قد أصبحت تابعة فى الاحلاف العسكرية التى تقودها الولايات المتحدة ، وأنها خانت تاريخها القومي السابق وألقت باعلام الحرية والاستقلال في الوحل قالها ستالين في خطابه القصير أمام المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي السوفييتى (اكتوبر 1952) ولم تكن العبارة متعلقة بالبلاد التابعة على الإطلاق
إن ستالين إلها وشيطانا تستخدمه الانتهازية لطمس معالم المعركة الايديولوجية الحقيقة . خذ مثلا مترجم كتاب جيل بيرو الى العربية (هنرى كورييل رجل من طراز فريد) وهو الاستاذ كميل داغر .انه يتغنى بالأممية الرابعة كما طاب له الغناء . وبوقوفها فوق الأخطاء وتنزهها عنها ، ولكنه يزعم ان كورييل وأتباعه أيدوا قرار التقسيم – كما يقول مؤلف الكتاب – لا عن ادراك سياسي خاص بهم ، بل نتيجة لموقف الاتحاد السوفييتى ، وليس من شك في انه لو اختار الكرملين الموقف المعاكس لانحازات حدتو الى هذا الموقف ، وقد سبق أن أشرنا الى ان خط كورييل في الوثيقة الخاصة بالمسألة الفلسطينية قبل التقسيم نابع من صميم تفكيره . وما أعجب القول بأن كورييل كان ستالينيا حتى النخاع وان الشيوعيين المصريين كانوااصداء للخط "الستالينى" حتى في حل تنظيماتهم !! فالاستاذ كمبل داغر لا يحاول مجرد محاولة تقديم أى سند لإدعاءاته التى تتفق مع ادعاءات اشد القوى رجعية إن المخطئين والمصيبين فى الحركة الشيوعية لمصرية كانوا دمى تحركها موسكو كما أن الذين اتخذوا الموقف الصحيح من القضية الفلسطينية قد فكروا برؤوسهم ولم يكونواصدى لاممية ما.

حلقة كورييل ومغامرات "التمثيل" السياسي الطبقي
الحلقة الخامسة
لم يعرف عن خط القوات الوطنية والديمقراطية خطيئة القيام بتحليل طبقى للتشكيلة الاجتماعية المصرية ، يحدد طبيعة تناقضاتها ، وعلاقات القوي الاقتصادية والسياسية والايديولوجية المتغيرة ، ولم يكن هذا الخط خط ثورة ، بل كان خطاً إصلاحيا في جميع المجالات .
لذلك كان كورييل وتابعيه – وهم حلقة ضيقة طافية على سطح "حمتو" ثم "حدتو" بعد ذلك يعتبرون محاولة القيام بهذا التحليل أناقة مثقفين وثرثرة منعزلين عن النضال ، وترتيل مصطلحات عويصة لا سبيل الى أن يعرفها العمال الفلاحون .
كان كورييل يزعم أن "الحلال بين والحرام بين" في المعترك السياسي ، هذا هو الشعب وهؤلاء هم أعداؤه ، وأرض الكفاح شفافة نقية ، كالماء الصافي الكفاح على مية بيضة بلا نظرية وكلام فارغ ، وجدول أعمال النضال ملقى في الشارع وسط "الجماهير" .
وكان ذلك رده على ممارسات الحزب الشيوعي المصري التي كانت لا تسير في ذبل الحركة التلقائية للجماهير بقيادة الممثلين السياسيين لفئات البورجوازية القومية . لقد عمل حزب الطبقة العاملة المصرية على تحرير الجماهير من "آسر لايديولوجية الاصلاحية في المسألة الوطنية "، وعلى انقاذ "طاقاتها المبددة في أشكال نضال بلا أسنان "، وعلى أن يكون للعمال دور "كطبقة مستقلة وقوة منظمة". وينسجم ذلك مع حزب ثوري يعمل على الانتقال بالمرحلة التحريرية الى مستوى أعلى .
أما كورييل فقد ناضل لكي يكون مستوى الحركة الوطنى داخل الاطار الذى حاول حزب الوفد أن يفرضة على الجماهير . وليس معنى ذلك أن كورييل وأفراد حلقته لم يوجهوا بعض الهجوم للوفد في بعض اللحظات قبل يوليو 1952 ، فقد كانوا يضطرون لذلك حينما تخرج الجماهير على تردد القيادة الوفدية وتهاونها الأعداء . ولكن الحقيقة التاريخية تبقى وهي أن حلقة كورييل تجئ دائما في ذيل الحركة التي تنتقد الوفد وتضغط عليه.
ومن الشائع فى هذه الفترة كلها سباب حلقة كورييل للحزب القديم ، بسبب انحراف سياسي مزعوم في الموقف من الوفد ، وكان الوفد قوة سياسية حاولت الحلقة عقد مساومات وصفقات معه على أساس عملي انتهازي ضيق الأفق لصالح نشاطها.
وتبريرا لهذا الموقف العملى الصق كورييل بالوفد لافته ممثل البورجوازية الوطنية ذات الاتجاهات المعادية للاستعمار وذات الطبيعة "الديموقراطية" وكانت هذه البورجوازية الوطنية عند كورييل هى "البورجوازية المتوسطة".
ويجب ان نقف هنا لنشير إلى أن مصطلح "البورجوازية المتوسطة " لم يكن من أدوات التحليل الاساسية في كتابات لينين أو ستالين أو ديمتروف عن الحركة الوطنية في المستعمرات . كما لم يرد فى أدبيات الكومنترن ولا الحزب الشيوعي المصري باعتباره معيارا يحدد الفئة البورجوازية الرئيسية في الحركة الوطنية ومن المؤكد أن التحديد النظري "للبورجوازية المتوسطة" هذا التحديد الكمى ، والوظيفي لطبيعتها قد جاء من كتابات الشيوعيين الصينيين عن الواقع الصيني . ومن المؤكد أيضا أن هذا الفهم للبورجوازية المتوسطة كان داخل سياق نظرية التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية كما قدمها الشيوعيون الصينيون .
وحينما كانت حلقة كورييل تتكلم الصينية ، نزعت من كتاب المطالعة أى شئ عن الثورة الزراعية ، عن استقلال الحزب وعن الكفاح المسلح باعتباره شكلا لمضمون هو التحالف بين العمال والفلاحين .
فلم يكن اعتبار الوفد ممثلا للبورجوازية المتوسطة نتيجة لتحليل طبقى علمي عن خصوصية الواقع المصري ، بل كان تبريرا سطحيا ، (يرتدي ثياب التنكر الطبقية الماركسية ) لموقف سياسي عملى ضيق الافق.
ويلاحظ فى هذه النزعة البرغماتية التطابق الكامل في المصطلحات التى تحلل المستويين السياسي والاقتصادي ، فالبحث يدور دائما عن "طبقة" ما تصلح حاملا لسلسلة مواقف سياسية .
وهل تندهش في وهدة انعدام المبادئ اذا رأينا تحليل "الوفد" عند حلقة كورييل يغير جلده من النقيض الى النقيض حسب اعتبارات المصلحة السياسية ؟
لقد جاءت حركة الجيش (1952) ثم وجهت الضربات الى الوفد وأعلنت أنه حزب "إقطاعي" . لذلك أصبحت المصلحة العملية للحلقة مرتبطة برضاء السادة الجدد ، فلم يعد للوفد مجال للحركة . وكان من المفهوم أن تقف الحلقة مع الاهداف المعادية للاستعمار في مسار حركة الجيش وأن تعارض بقايا الوفد لما تتخذه من مواقف متخلفة . ولكن ما أعجب ان تغير الحلقة موقفها من الوفد من حيث تاريخه السابق ابتداء من البداية !! لقد أمتدت "الماركسية الخلاقة " لحلقة كورييل لتختلق التاريخ والماضي ، فأخفت تحليلها للوفد وبورجوازيتة "المتوسطة" ووضعته ووضعت تاريخه السابق في خانة " الرجعية " ، ولم يعد الحديث عن البورجوازية المتوسطة وارداً الا في مجال توجية النقد للحزب الشيوعي القديم .
ولنأخذ مثالا لذلك في "التحليل" الفريد الذي يقدمه رفعت السعيد للوفد منذ نشأته الاولى ، وهو "تحليل" يجئ في كتاب يعتبر الوفد ممثلا للبورجوازية "المتوسطة" عند نقد الكومنترن ، ولكنه يعتبره ممثلا للشيطان الرجيم عند الحديث عن مقدمات حركة الجيش في مصر .
يقول رفعت السعيد : الوفد يعانى من تناقضات عنيفة مصدرها تناقض أساسي بين المحتوى الاقطاعي لغالبية قيادته وبين المحتوى الفلاحي أو البورجوازي الصغير عموما لقاعدته (ص71) .... وأعطت وزارات الوفد أغلبية مقاعدها لكبار الملاك الزراعين ( في فبراير 1942 مثلا تضم الوزارة 62.7% من كبار الملاك والغلبة دائما في الصفوف القيادية للوفد هي لكبار الملاك الزرعيين ، بل أن أول لجنة مركزية للوفد كانت نسبة كبار الملاك الزراعيين فيها 82.21% (ص 44).
تاريخ المنظمات اليسارية المصرية من 1940- 1950- دار الثقافة الجديدة .
وهل لمصطلحات "اقطاعي" أو"بورجوازي" اي دلالة علمية عند رفعت السعيد ؟ أم هى لافتات سياسية تلصق تعسفا عند الحاجة وتتغير تبعا للمصلحة ؟
فكيف يكون حزب سياسي يتسم بالمحتوى الاقطاعي لغالبية قيادته منذ نشأته سببا لانعزال الشيوعيين لانهم وقفوا منه موقفا معارضا ؟ وكيف يتمشي ذلك مع قول المؤرخ الكورييلي في نفس الكتاب بأن الوفد "ليس قوة مناهضة للثورة ولم يربط نفسه بهذه القوى " ردا على الكومنترن والحزب القديم (في زعمه) ؟
ومن المعروف ان قضية التطور الاجتماعى فى أبسط تحديداتها تستهدف الانتقال من علاقات انتاج اقطاعية الى رأسمالية ومن رأسمالية الى اشتراكية عبر صراع طبقى وثورات ، ولكن حلقة كورييل لها مواقف فكرية مختلفة عن خصوصية التشكيلة الاجتماعية المصرية فالعلاقات الرأسمالية نشأت عند الحلقة امتدادً للاقطاع كما أن الاشتراكية في كتابات ممثلي المجموعة (أيام حل الحزب وبعده) تنشا امتدادً للسلطة البورجوازية الوطنية بواسطة "مجموعة " اشتراكية في قمة السلطة . وهل تعني كلمات اقطاع – رأسمالية – اشتراكية عند هذه المجموعة الا قوالب ( كليشيهات ) سياسية ؟
التمثيل السياسي :
ونجد عند حلقة كورييل فيما سبق فهما مغلوطا للتمثيل السياسي ، وكأنه مجرد انعكاس بسيط أو تعبير مباشر عن طبقات مفردة . وتعمل الحلقة على فهم حزب الوفد أو حركة الضباط الاحرار على أساس التركيب الاجتماعي للقيادة أو الموالين للحزب أو الحركة (ماذا يحدث لو طبق كورييل هذا المفهوم على حلقته من حيث الاصل الطبقى لافرادها القياديين ؟ ان أبرزهم ينتمون الى البرجوازية الكومبرادورية ، وارتباطهم بالرأسمالية الاجنبية أشد تماسكا ) .
أما الماركسية فتقول بأن التطابق بين الطبقات الاجتماعية والقوى السياسية هو تطابق على المدى التاريخي وفى خاتمة المطاف ، ولن نجد تطابقا مباشرا بين طبقة ما وممثلها السياسي ، فإن وسائل التمثيل السياسي من احزاب وتحالفات وأجهزة وأشكال حكم وصحافة وأساليب حشد وحملات انتخابات وشعارات ...الخ ، لا تولد مع طبقة بمفردها ، بل هى أشكال كتل وتحالفات لها تاريخ . حقا أن "الطبقة" تتحدد أساسا بمكانها في الاقتصاد ، ولكن من العبث البحث عن تطابق بين سلوكها في لحظة معطاه وبين مصالحها الأساسية التاريخة من وضعها على المدى التاريخي في الهيكل الانتاجى ، لذلك يجب أن نأخذ بعين الاعتبار مكان "الطبقة" في التقسيم الاجتماعي للعمل ككل بما فى ذلك علاقات سياسية وأيديولوجية متغيرة وفقا للصراع الطبقي ، فالطبقات تنشأ على نحو مركب فى كل مستويات التشكيلة الاجتماعية .
وهل من الضروري أن نكرر رفض الماركسية للقول القائل بأن القاعدة الاقتصادية تحدد الاحداث السياسية على نحو مباشر، دونما استقلال نسبي للمستوى السياسي ؟
ولنعد الى الوفد . ان مستوى الصراع الطبقي السياسي للوفد ، له فاعليتة الخاصة وأشكاله وشروط وجوده النوعية ، كما يتميز بخصوصية فى قواه الدافعة ومعدل حركتها واتجاهه وتناقضاته الداخلية .... ونتائجه . ولا يرتبط المضمون الطبقى للوفد بهذا المستوى السياسي بواسطة الصمغ أو الغراء بل بواسطة سلسلة من الممارسات على مسرح الصراع الطبقى بين قوي متحالفه عند هذا القطب أو ذاك فهناك في الاوضاع المحددة اختلاف بين العلاقات الاقتصادية والقوى السياسية .
وذلك لن ينسينا أن "السياسة" تتطابق مع الحاجات العريضة العميقة الانتاج ، ولكننا نعرف أن هذه "الحاجات" لا تظهر أبدا فى حالتها النقية فالرأسمالية لم تظهر في مصر ولا في غيرها فى حالتها النقية ، بل فى علاقة متناقضة مركبة مع شبه الاقطاع ومن الانتاج الفلاحى السلعى البسيط من ناحية ، ومع الطبقة العاملة "المتحررة" من الارض ووسائل الانتاج عبر مراحل انتقالية من ناحية أخرى ، وكذلك داخل علاقات "هيكل فوقي "سياسية وقانونية وأيديولوجية لا تموت مع اندثار قاعدتها . لذلك كان شكل "ظهور " الرأسمالية المصرية فى المستوى الاقتصادى مختلفا عن ظهورها كقوة سياسية وايديولوجية وكان لكل من الشكلين نتائج متناقضة لا تترابط متكاملة إلا على المدى الطويل
وننقل عن ماركس في كتاباته عن بريطانيا المفهوم العلمى الذي يوضح ان الاقسام الرئيسية لرأس المال لاتظهر أبدا كاملة النضج متحدة ممسكة بزمام التشكيلة الاجتماعية سياسيا وايديولوجيا وفي ايدي أشخاص ينتمون الى مختلف الاقسام الرأسمالية .
وماذا يحدث لو كان هناك شبيه بمؤرخ كورييلي مثل رفعت السعيد فى بريطانيا أيام السيطرة التى لا شك فيها لرأس المال الصناعي ووجد أن الغالبية الساحقة للوزراء وأعضاء المجالس النيابية والسلك الدبلوماسي تنتسب الى"كبار ملاك الارض" في بريطانيا "ورشة العالم "؟
ان ماركس وانجلز منذ زمن بعيد قد أوضحا أن الرأسمالية – بخلاف مجتمعات الرق والاقطاع – تتصف بأن المجموعة الاجتماعية الممتازة ruling caste في مناصب الحكم ( أى الشريحة الاجتماعية التى تجيء الصفوة الحاكمة منها ) ليست مطابقة بأي حال للطبقة التى يدار الحكم لصالحها .
ان رأس المال يظهر على المسرح السياسي في ثياب اللوردات وحملة الألقاب أو يحكم بحزب العمال أو الاشتراكية الديموقراطية ، أو بثباب صاحب الجلالة وفقا للحظة التاريخية وعلاقات القوى الطبقية المتصارعة :
لقد استمر الخلط واستنتاج الطبيعة الطبقية لحركة 23 يوليو من الأصل الاجتماعي المزعوم للضباط المشاركين فيها واعتبارها بورجوازية صغيرة كما استمرالخلط بين المسرح السياسي وقواه في تحالفاتها وانفضاض تحالفاتها وتقاليدها الايديولوجية وبين هيكل عظمى "طبقى" يستنتج مباشرة من تبسيط ساذج للمسرح السياسي .
ووراء ذلك كله نجد الفهم – أو سوء الفهم – الكورييلى للمعالم الاساسية للمجتمع المصري .
وفى كاريكاتير حلقة كورييل للماركسية نرى خلطاً شنيعا بين الملكية الاقتصادية (علاقة الانتاج ) وبين الملكية القانونية (تنتمي الى الهيكل الفوقى القانوني) . فأفراد الحلقة يرددون المفهومات البورجوازية عن الملكية ، فما هو المالك العقاري فى القانون المدنى ؟ أنه الذى اشترى أرضا باسمة بموجب عقد صحيح وله حق التصرف فيها . ويصبح مالكا كبيرا للارض اذا زادت ملكيته عن كم معين من الافدنة . فالملكية هنا علاقة بأشياء وليست علاقة اجتماعية بين البشر تتطور موضوعيا في استقلال عن إرادتهم ، وليست شكلا اجتماعيا للانتاج كما تذهب الماركسية . لذلك يعجز أنصار الفكر البورجوازي عن التحليل العلمى للتمايز داخل الملكية " القانونية " الكبيرة للأرض كما يعجزون عن التحليل العلمى للتمايز داخل الملكية " القانونية" الصغيرة للارض .
خذ مثلا ما يقولة رفعت السعيد : " لكن هؤلاء الملاك الكبار ( الذين كانوا في الاصل تجارا في أغلب الاحوال) والذين يزرعون القطن أساسا ، كانوا يضاربون علية في البورصة . نحن اذن أمام ظاهرة ملفتة للنظر . كبار تجار أثرياء يصبحون ملاكا عقاريين ( بدلا من أن يصبحوا ( اصحاب ) مانيفاكتورات كما حدث لقرنائهم في أوروبا ، وهؤلاء ينتجون القطن وفق علاقات انتاج اقطاعية أو شبه اقطاعية ثم هم أنفسم يضاربون عليه فى البورصة ( واحد من ارقى أنماط التبادل الرأسمالي)، هل يصبح غريبا أذن أن نرصد أن الرأسمالية المصرية لم تقم عبر معركة افناء الاقطاع وأساليب الانتاج الاقطاعية ، وانما نمت من رحمها أن جاز هذا التعبير .
وهل يصبح غريباً أن نقارن بين قائمة أسماء من خضعوا لقانون الاصلاح الزراعى (سبتمبر 1952) ، وقائمة من خضعوا لتأميم المؤسسات الرأسمالية ( يوليو 1961) ، فنجد تشابها كبيرا . ان اسماء مثل أحمد عبود – سراج الدين – دوس - الشمس ، البدراوي ، وعشرات غيرها ترد ضمن القائمتين "
قضايا فكرية – الكتاب الثالث والرابع أغسطس – اكتوبر 1986
إن الاخطاء اكبر عددا من عدد سطور هذه الفقرة .
فالحديث عن تاريخ الرأسمالية الغربية ، والدور الرئيسي لرأس المال التجاري فى تقويض العلاقات الاقطاعية فحسب ، بل فى بناء العلاقات الرأسمالية ايضا حديث لا ينتسب الى ماركس بل الى ماكس فبير . لقد أوضح ماركس أن سيطرة التاجر على الحرفيين في "المانيفاكتورة" دور محافظ يعوق تطوير الرأسمالية وهى حقائق تاريخية عن رأس المال التجاري – المجلد 3- الفصل العشرون) . ولم يستطع رفعت السعيد أن يري أن تتجير الناتج الزراعي ( محصول القطن مثلا ) لحساب الدولة منذ أيام محمد على لا يختلف من حيث طبيعته عن بيع الدولة المصرية منذ قرون للفائض الزراعي فى الاسواق البعيدة عن بيع المحصول على يدى ملاك أفراد في البورصة أو فى غيرها ، فذلك لن يجعل العلاقات الانتاجية رأسمالية ، فماركس يقول : " فى كل المجتمعات القديمة المتعاقبة كان بعض النتاج ينتزع ويتحول إلى سلعة ، ولكن ذلك لم يجعل الفلاح منتجا سلعيا صغيراً ،أو كاملا بطبيعة الحال .( المجلد الاول من رأس المال . دار التقدم بالانجليزية 197 –ص 83 ) .
فالعملية التحويلية هنا في مصر بعد ادماج بقايا العلاقات الاقطاعية في نظام علاقات الرأسمالية الدولية ، ونتيجة لتطور القوى المنتجة داخل نمط الانتاج العتيق ( انظمة الري والصرف الحديثة ، ادخال محاصيل جديدة ، استخدام كيماويات ومخصبات ، استحداث دورات زراعية وتقسيم جديد للعمل نتيجة زراعة القطن) انما تتمثل في التناقض بين قوي الانتاج وعلاقات الانتاج . وقد جرى ذلك عن طريق صراع سياسي طويل ضد الاستعمار والقصر ضمن نتائج أدت الى تحرر جزئى لفئة واسعة من صغار المنتجين الفلاحين من علاقات السخرة شبه الاقطاعية وعلاقات التبعية الشخصية ، والقسر غير الاقتصادي الذى كان يبتلع النتاج الفائض وجزءا من النتاج الضرورى . وهكذا تمايزت فئة من المنتجين الصغار لا تعتمد اساسا على زراعة معيشية طبيعية ، بل تعتمد على الانتاج للسوق ، أي لقد تحولت فئة فلاحية ( الفلاحون المتوسطون بورجوازية صغيرة ( انتاج سلعى بسيط ) .
وبعكس العلاقات شبه الاقطاعية التي "كان تحويل النتاج فيها إلى سلع وما يناظره من تحويل البشر الى منتجين للسلع ذا طبيعة ثانوية تابعة (ماركس بقية الفقرة الواردة في المصدر السابق). فقد تحللت العلاقات شبه الإقطاعية وانحسرت عن قطاع من البورجوازية الصغيرة الفلاحية مالكة وحائزة ( ليس معنى ذلك أن كل الفلاحين تحولوا الى بورجوازية صغيرة أو أن العلاقات الاقطاعية قد فقد سيادتها ، ولكن ذلك ينفى الاستمرار البسيط الخالى من الصراع بين الاقطاع والرأسمالية ) .
ويجئ الحديث كذلك عن رأسمالية تجارية .متجانسة تشترى الارض وتزرع القطن على أساس علاقات شبه اقطاعية بعيدا عن الحقيقية ، ان كبارالعاملين في الاستيراد والتصدير كانوا مرتبطين برأس المال الاجنبي مثل يحيى باشا ) على العكس من التجار الذين يعملون في التجارة الداخلية الساخطين على هيمنة الاجانب على السوق وقد شكل هؤلاء القمم فى جميع أنحاء مصر في أعقاب ثورة 1919 وكانوا من أنصار مقاطعة الاجنبى والبنوك الاجنبية ( عبد المجيد الرمالى . على لهيطة ) (انظر الى قائمة ...الفريقين فى كتاب إريك دافيز مأزق البورجوازية الوطنية الصناعية في العالم الثالث . تجربة بنك مصر 1920 – 1941 ) . وإن عائلات مثل الجزار والوكيل والمنزلاوى جمعت بين زراعة القطن وتجارة القطن كانت تختلف عن عائلة خشبة التى اشترت مثلهم اراضي بعد عام 1882 ولكنها ترتبط بمحصول القطن ( بيعه للاجانب ) بصورة أوثق من أنشتطها التجارية ( الثانوية) (نفس المصدر ) .
فالعائلات الاولى فيما تزرعه وتؤجره كانت تعتمد على علاقات انتاج وعلى تقسيم للعمل يختلف عن الذين يكتفون باعتصار الريع العيني ، كما أن علاقات الفريقين برأس المال الاجنبي مختلفة . واذا اخذنا فئة الكومبرادور مثل إسماعيل صدقى وعبود وحافظ عفيفي الذين كونوا ثرواتهم من "العمل" مع الشركات الاجنبية وامتلكوا مساحات واسعة من الارض ، لوجدنا ان امتلاك الارض كان شيئا ثانويا بالنسبة لمصالحهم المالية الاخري ، يهدف الى اعطائهم مكانة اعضاء في الطبقة العليا وقاعدة سياسية حينما كانت السلطة السياسية في يد النظام الملكى التابع شبه الاقطاعى ( ومن ثم غلبه الملكية القانونية للارض عند الصفوة على المسرح السياسي ، كومبرادور وغير كومبرادور ) .
ومن يستطيع اغفال الدور الذى لعبته قروض البنوك العقارية الاستعمارية في توسيع أراضي الشريحة شبه الاقطاعية ؟ ومن يستطيع اغفال الصراع العنيف من جانب الكومبرادور والملاك شبه الاقطاعيين ضد قيادة طلعت حرب لبنك مصر ، ومحاصرة البنك والحاق الهزيمة به ثم الاستيلاء على قيادته ؟
وعلى الرغم من العجز عن اخذ التمايز في الاعتبار بين الفئات والطبقات على أساس العلاقات الانتاجية ، الا اننا نجد عند حلقة كورييل نوعا خرافيا من التمايز . انهم يعتبرون البورجوازية كلا متكاملا منتظما في سلسلة متصلة من الحلقات "المتميزة " أو فى سلم مثل سلم المطافى " متمايزة الدرجات .
هل كف أصحابنا قط عن التقسيم المبتذل الى بورجوازية كبيرة ومتوسطة وصغيرة ؟ وحينما تتعدد الهياكل الانتاجية فى بلادنا ، فإن هذا الحديث عن سلم متجانس متدرج يؤدي الى طمس الخطوط الفاصلة بين رأس المال بمعنى الكلمة وبين البورجوازية الصغيرة التى ليست رأسمالية صغيرة وليست رأسماليه على الاطلاق (رأس المال الصغير مقولة اقتصادية تشير الى طبقة تعتمد على استغلال قوة العمل وتراكم رأس المال) . ويغفل هذا "السلم" أن قطاعات من رأس المال متوسط الحجم كانت خاضعة وتابعة لرأس المال الاستعماري ، كما يغفل عموما أن رأس المال متوسط الحجم لم يوجد فى أشكال مستقلة ولم يمتلك قاعدته الخاصة للتراكم ، ولم يستطع اعادة انتاج اماكنه وأدواره إعادة موسعه كما لم يكن أبدا قوة قائدة للتنمية الاقتصادية أو قوة سياسية فعاله في صدارة المسرح السياسي .
حلقة كورييل والتحالف مع البرجوازية الوسطى
الحلقة السادسة
لقد كانت "البورجوازية المتوسطة" اغنية حلقة كورييل المفضلة ، وكان الموقف من وطنيتها وديمرقراطيتها هو المعيار الحاسم للحكم على الاتجاهات المختلفة داخل الحركة الشيوعية المصرية ولن تكون "ثوريا" على الطريقة الكورييلية الا اذا سبحت بحمد وطنية وديموقراطية "البورجوازية المتوسطة" . (اسم التدليل لوفد) .
وفى "التحليل" العلمى لهذه الحلقة كانت "المتوسطة " تقع بين البورجوازية الكبيرة (التى هى عندهم "خائنة" بحكم طبيعتها ) من أعلى وبين البورجوازية الصغيرة (والتى يخلطون بينها وبين رأس المال الصغير الذي يعيش على استغلال عمل الآخرين من أسفل ولكن بعد 1952 . وخاصة بعد 1961 واجراءاته "الاشتراكية" تغيرت الأغنية . لا وفقا لمتغيرات موضوعية . بل وفقا لنزعة برغماتية شديدة الانتهازية . قبل 1952 كان كورييل - وأهل منزله - وخاصته المقربون وعددهم لا يتجاوز اصابع اليدين ( وسنعرض لهم بالتفصيل فيما بعد) يقولون أن بلادنا في مرحلة بورجوازية وطنية ديموقراطية وكانوا يهزون رؤوسهم العامرة بالحكمة والنضوج والخالية من آفات الطفولة اليسارية مؤكدين فى – البرنامج - السياسي الخاص بحدتو على العمل من أجل أن يظل "الوفد " دائما في الحكم . ولا خطأ في اعتقادنا في القول بأن مصر كانت تواجه من حيث الاساس أثناء سيطرة علاقات ما قبل الرأسمالية المتحالفة مع الامبريالية مهاما وطنية ديموقراطية . ولكن الخطا كل الخطا هو ان يتحول الشيوعيون الى مطايا للوفد .
ولا جدال أيضا فى أن بلادنا ايامها كانت تسودها هياكل اقتصادية اجتماعية متعددة ، ينتمي بعضها الى علاقات انتاجية سابقة للرأسمالية أو رأسمالية في مراحلها الدنيا او المبكرة ولا جدال كذلك في أن الرأسمالية المتطورة لم تكن قد شكلت هيكلا قائما بذاته ( صناعات آلية كبيرة مترابطة ) وان وجدت صناعات ومشروعات رأسمالية قومية كبيرة نامية . ولكن هل يترتب على ذلك القول بأن العلاقات القائمة حينئذ كانت تتيح للبورجوازية المتوسطة " المزعومة" وممثلها "المزعوم" حزب الوفد بأيديولوجيته الاصلاحية المتهادنة ، وبأساليب عمله السياسية ان تلعب دورا فعالا في تصفية العلاقات البالية ، وفى معركة التنمية الاقتصادية المتحررة من التبعية للاحتكارات الرأسمالية العالمية ، أو بأن توسع نطاق هيكلها الاقتصادي بحيث يمحو آثار الهياكل السابقة على الرأسمالية أو التى تعوق تطورها ؟
لقد رد تعاقب الاحداث التاريخية على ذلك بالنفي القاطع . فما يسمي بالبورجوازية المتوسطة في مصر لم تكن الا شريحة شديدة الضآلة في الاقتصاد والسياسة . وكانت ذيلا تابعا- في معظم الاوضاع – للبورجوازية القومية الكبيرة التى كانت تناوئ رأس المال الاجنبي والمحلى العميل . ولم يستطع حزب الوفد ممثل هذه البورجوازية الكبيرة الصمود في مواجهة علاقات القوى المتغيرة بعد 1952 .
ولكن الذى لا شك فيه ان حركة 1952 وما تلاها كانت تعنى انتقالا للسلطة من حيث الجوهر الى البورجوازية القومية في مصر . فالسلطة السياسية لم تعد بين أيدى القوى المنتمية الى العلاقات السابقة للرأسمالية ، بل لقد انفردت البورجوازية القومية بالسلطة .
ولا جدال في ان الرأسمالية المصرية ليست كتلة واحدة متجانسة ، وفى أن مراتبها وشرائحها وأقسامها مختلفة المواقف والاتجاهات ، ولكن المهم هنا هو تاكيد الاطار الرأسمالى لا الاقطاعي السابق للرأسمالية .
وتمر حلقة كورييل على التغير في طبيعة السلطة مر الكرام اذا كان الامر متعلقا باثبات ابدية المرحلة البورجوازية من الثورة ، وكأن " السلطة" ليست المسألة الجوهرية في تحديد طبيعة أى مرحلة ثورية .
أما اذا تعلق الامر بصفقة سياسية ( خاسرة دائما على الرغم من توقعاتهم ) فان أفراد الحلقة لن يعنيهم الإتساق المنطقى للمواقف . لقد ثرثروا بعد اجراءات يوليو 1961 عن أن البورجوازية الكبيرة ثم المتوسطة التى كانت عزيزة على قلوبهم يجب مواصلة " ضربها" وتصفيتها لان مصر تسير في طريق "التطبيق الاشتراكي "لأن "الشروط الموضوعية" كانت أيامها ناضجها للانتقال الى الاشتراكية ( اي تصفية الرأسمالية كطبقة استغلالية ) .
ولن يخجل أعضاء الحلقة من أن يسير التاريخ عندهم من مرحلة انتقال الى الاشتراكية رجوعا القهقري الى مرحلة الثورة البورجوازية ايام السادات فليس التاريخ او الشروط الموضوعية عندهم الا اسماء تنكرية لصالح حلقتهم الذاتية مع الرؤساء الحاكمين .
ومن المضحك ان يزعم بعض دعاة الحلقة المرددين لأغانيها انه لم يعد بامكان احد انكار ان العديد من الانجازات الوطنية قد تم ضربها (انجازات عبد الناصر ضربتها تبعية السادات ) وأن ذلك يجعل المرحلة بورجوازية ما تزال . ثم ينتقلون من ذلك مباشرة الى نقد القائلين بالثورة الاشتراكية لانهم لا يحددون اللحظة التاريخية الحاسمة التى أصبح فيها التناقض الرئيسي في مجتمعنا تناقضا مع رأس المال ككل بما فيه البورجوازية التى كانت وطنية (أزمة الوطنية المصرية بقلم مصطفى مجدى الجمال – 1986 – ) وقد حيا رفعت السعيد في هذا الكتيب أصداء أفكاره هو في جريدة "الاهالى").
ومن العجب أن البورجوازية الحاكمة منذ يوليو 52 ( بنفس المؤسسات السياسية) ، بعد أن انتقلت من مرحلة الصعود الى مرحلة الانحدار ، وبعد أن ذهبت بقدميها طائعة ووفقا لمصالحها الطبقية الى اتخاذ مواقف التحالف مع الرأسمالية العالمية ، لا ترى حلقة كورييل فيها طرفا من تناقض رئيسي بين العمل ورأس المال . ان أى ضربة يوجهها الاستعمار للشعب المصري إنما تمر عبر ذراع البورجوازية وقبضتها أى من خلال سلطة البورجوازية . كما أن توجيه الشعب ضرباته للاستعمار لن يتحقق الا من خلال الحاق الهزيمة بسياسة التبعية التى تنتهجها البورجوازية . وهل نكرر للمرة الالف ما اثبتته الحياة من عجز البورجوازية القومية عن تعميق الثورة المعادية للامبريالية وبقايا علاقات القرون الوسطي ، ومن تحويلها الى قوة تعوق مواصلة التطور اللاحق للنضال التحرري ، ومن أن فئاتها العليا تتحالف مع الاستعمار والقوي الرجعية في المنطقة ؟ وهل من سبيل لمناهضة التبعية الا بالوقوف في وجه احتكار البورجوازية القومية للسلطة وتشكيل حكومة ائتلاف ديموقراطي . أن شاركت فيه اقسام من البورجوازية التى تتناقض مصالحها مع الاستعمار ، فلن تلعب فيه الدور القيادي أو الحاسم .
وقد روج أنصار كورييل طويلا لمفهوم يدعى أن أي "تحالف" مع قسم من البورجوازية القومية لا يتمشي مع القول بطبيعة اشتراكية للمرحلة . وهذا الزعم لا يتفق مع التجربة العالمية لحركة الطبقة العاملة ، فلا أحد ينكر أن فرنسا مثلا أثناء المقاومة المناهضة للفاشية (من 1926- 1945) وأثناء الحرب العالمية الثانية كانت تمر بمرحلة استراتيجية ذات طبيعة اشتراكية ، على الرغم من ضخامة المهام الوطنية والديموقراطية ، وعلى الرغم من التحالف مع أقسام من البورجوازية المعادية للفاشية ، وترفع الاحزاب الشيوعية اليوم في جميع البلاد الرأسمالية المتقدمة شعار الجبهة المعادية للاحتكار وتدعو الى تحالف مع فئات بورجوازية واسعة على الرغم من الطبيعة الاشتراكية للمرحلة الاستراتيجية (دعك من صواب هذا التكتيك السياسي او خطئه فليس ذلك موضوع المناقشة ) .
ويقول لينين : لا يمكن هزيمة اقوى عدو . الا بواسطة بذل اقصى جهد . والا بواسطة اكمل استفادة واكثرها اناة ويقظة دون ابطاء حتى من اصغر – تصدع- في صفوف العدو . من كل تطاحن فى المصالح في صفوف بورجوازية البلاد المختلفة وفي صفوف المجموعات او الانواع المختلفة لبورجوازية داخل نطاق كل بلد مفرد ، وكذلك من كل فرصة حتى اصغرها لكسب حليف جماهيري حتى ولو كان حليفا مؤقتا مترددا غير ثابت غير موثوق فيه مشروط . ان من لم يفهم ذلك لم يفهم مثقال ذرة من الماركسية أو من الاشتراكية العلمية الحديثة بوجه عام ( الشيوعية اليسارية مرض طفولة )
ولم يدرك كورييل واتباعه اى فرق بين الشعارات الاستراتيجية والتكتيكية ، كما لم يدركوا في الشعارات التكتيكية اى فرق بين شعار هو منظور للمستقبل القريب ، وشعار العمل المباشر اليوم ، ويتوهمون ان القول بثورة اشتراكية معناه المطالبة الفورية بتأميم الملكية الرأسمالية بجميع اشكالها .
وهم لم يفهموا ابدا انه ما من سبيل لتصفية التبعية واشكال الاستغلال وعلاقات الانتاج العتيقة الا بقطع الطريق امام النمو الرأسمالى ، كما لم يفهموا أن المهام الوطنية والديموقراطية في ظروف بلادنا ، ما لم تكن ذات افق اشتراكي ، فلابد ان تتجمد ثم ترتد ناكصة على أعقابها ، كما لم يحاولوا ابدا الاستماع الى لينين في تاكيده النظرى عن ان تشكيل الجيش السياسي الطبقى للثورة الاشتراكية يتحقق باعادة اصطفاف للقوى الطبقية اثناء ممارسة المهام الثورية الديموقراطية وليس بعد انتهائها ، فتحالف القوى ذات الاتجاه الاشتراكي في التشكيل لا بعد اكمال الثورة الديمواقراطية بل فى غمار الصراع من اجل الحسم المتسق للمهام الديموقراطية .
ويتدهور الفهم الانتهازي للقوى المتحالفة الى درك شديد الخطورة اذ يغفل ان تقود الاستراتيجية التاكتيك ، بل يجعل "الذيل" التكتيكي يجرجر وراءه جسم الحركة السياسي . وتتحول الجبهة أو السلاح التنظيمي الذي لابد من بناءه وتنميته الى شظايا مؤقتة متطايرة ، ويختلق اصحابنا العابا نارية عن جبهة تكتيكية ، وجبهة وطنية تختلف عن جبهة شعبية ( وكأن "الجبهة الشعبية (1926) الفرنسية لم تكن ذات اهداف ديموقراطية وطنية ولم تضم فى صفوفها البورجوازية ، وكأن "الجبهة الوطنية" فى تشيكوسلوفاكيا وهى الحاكمة بعد التحرير لم تكن تستهدف بناء الاشتراكية )، ان انواع التنسيق والعمل المشترك الخ بين القوى السياسية والاجتماعية ليست "جبهات" ، بل فى بعضها خطوات تمهيدية ولبنات وعناصر في بناء الجبهة . وليست القضية قضية تسميات ، بل قضية الاستهانة بالتنظيم السياسي للجماهير ، وبربط القضية الجزئية بالمهام الاساسية والوقوف عند الاصلاحات الجزئية ، والرفض الكامل لمسألة السلطة ما لم تكن داخل النطاق الرأسمالي .
المؤرخ الكورييلي والتنظير الاقتصادي
ونأخذ مثلا من مقال كتبه رفعت السعيد في مجلة " الطليعة" القاهرية (....الثامنة – مارس 1972) عنوانه الطبقة الوسطى ودورها في المجتمع المصري ص 61 -72 )
وفى بداية المقال ( وتاريخة مرة ثانية هو مارس 1972 أى بعد ما يقال عنه ردة السادات ،و"انقلابه" في مايو 1971 ) نقرأ تلك الدرة من التنبؤ العلمي . " ان عصر البورجوازية الكبيرة بمعناها العملى قد اختفى من افق مصر بصدور قرارات التأميم عام 1961 . ولسنا نعنى بذلك اختفاء " الاثرياء الكبار" فثمة عناصر بورجوازية تستطيع الان ومن خلال مسالك مأمونة وقانونية ان تحقق ثروات ضخمة ، قد تصل بها من حيث "المظهر" والقدرة على التظاهر بالثراء سواء فى المسكن او مستوي المعيشة او الملبس او كمية الانفاق الى حد قد يصل بها الى مستوى قريب من المستوى الذي كانت تعيش فيه بعض فئات البرجوازية المصرية الكبيرة القديمة . لكن ذلك لا يكفى على الاطلاق كي نسميها بالبرجوازية الكبيرة . فهى ومهما بلغت من ثراء لا تزال محكومة بقيود قوانين تمنعها من الانطلاق الرأسمالي وتفرض عليها التمسك بطابع الانتاج الصغير خوفا من مخاطر مستقبليه .
وقد يلجأ البعض للتحايل فيقيم عددا من الوحدات الصغيرة المتناثرة بدلا من وحدة انتاجية كبيرة واحدة ، ولكن ذلك لا ينفي ان طابع الوحدة الصغيرة يظل مسيطرا على عملية الانتاج ذاتها وباختصار فان المجتمع المصري يحتوي الآن من القيود القانونية والقيود السياسية ، بل والقيود الطبقية ما يعوق من نمو هذه العناصر البورجوازية الاستغلالية الى مرتبة البورجوازية الكبيرة " .
ولقد اطلنا في الاقتباس لأن تلك السطور عينة نموذجية من طريقة في التفكيرأو سوء التفكير . ان الواقع قد صفع هذه التنبؤات العجيبة عن انتهاء عصر البورجوازية الكبيرة بإجراءات قانونية . وما اعجب نفي صفة البورجوازية الكبيرة عن الاثرياء الكبار الذين نشأوا وترعرعوا على اجراءات يوليو1961 "الاشتراكية".ان كل الرطانة عن وحدات انتاجية وحجمها الصغير تثير الضحك فالمؤرخ الكورييلي ينسي ابجدية الماركسية كما ينسي خصوصية التطور الرأسمالى فى مصر . أن سيطرة رأس المال التجاري الكبير على سلسلة المشروعات الانتاجية الصغيرة ظاهرة معروفة في تاريخ الرأسمالية العالمية كما أن رأس المال الكبير المصري الذي يعمل في مقاولات البناء يسيطر على سلسلة وحدات انتاجية صغيرة من الحرفيين وعمال البناء في كل عملية بناء مفردة يعمل على أساس الوحدات الانتاجية الكبيرة . وفي مصر لم يستطع رأس المال الانتاجي قط أن يخضع دائرة التداول لسيطرته وأن يجعل رأس المال التجاري يحصل على نفس معدل الربح الذي يتحقق في دائرة الانتاج ، وظلت دائرة التداول تحصل على نسبة عالية من الارباح بالنسبة الى المشروعات الانتاجية ولم يفقد رأس المال التجاري في مصر استقلاله قط ولم يتحول الى "لحظة" من لحظات رأس المال الانتاجي كما كانت الحال فى البلاد الصناعية ، بل ان وضعه "الممتاز"يزداد رسوخاً وانها لتعمية سخيفة تلك التى تزعم أن كبار تجار الجملة ونصف الجملة والتجزئة (المفرق) ورأس مال المقاولات ، وكبار المتعهدين والموردين ينتمون الى الطبقة الوسطي ولا ينتمون الى البورجوازية الكبيرة .
وبعد أن ينفى رفعت السعيد عن هؤلاء الاثرياء الكبار طابع البورجوازية الكبيرة يتخذ منهم موقف التحالف الثورى فيقول في خاتمة مقاله بالحرف الواحد .
"إن الكاتب يهمه في ختام هذه الدراسة أن يؤكد أن ما جمعه من معلومات ، وأن ما ساقه من أدلة على تزايد ثراء الطبقة الوسطي لا يعنى على الاطلاق انه يقف موقف العداء من هذه الطبقة او من ممثليها . وهو لا يشك قط في أن هذه الطبقة لازالت تمثل قطاعا من التحالف الوطني المناهض للاستعمار والاقطاع والتخلف ، ولازالت قادرة على أن تلعب – فى أطار محدد- دورا بناءً في التجربة المصرية (التجربة الاشتراكية فيما يبدو – ابراهيم فتحى ) بشرط أساسي هو أن نفهم حدود هذه الطبقة وأن تفهم هذه الطبقة حدود نفسها ، وان نتوصل معا الى صياغة ملائمة ومعقولة للتحالف الوطنى المناهض للاستعمار والصهيونية والرجعية والذي يسعي لبناء مصر الاشتراكية الناهضة ".
فهؤلاء كانوا حلفاء رفعت السعيد في بناء الاشتراكية !!
البورجوازية الصغيرة وثقلها الاقتصادي :
وكما يضع المؤرخ الكورييلي قناع الطبقة الوسطى على البورجوازية الكبيرة التى ادعى ان القانون والواقع يمنعان ظهورها عاام1972 حينما كانت تعيث فى مصر فساداً . فانه يضع علامة التساوي بين هذه البورجوازية الكبيرة وبين فئة كادحة من الشعب لا تنتمى الى الرأسمالية اصلا.
ففى نفس المقال يتناول اصحاب المشارع الصناعية التى تستخدم عشرة عمال فأقل ويقدم – حقائق- رقمية أولها أن عدد منشآتها 556و144 منشأة لكي يجعل الهول يدب في قلب القارئ ،. ثم يورد رقماً أخر اذ يعمل بها 285.000 مشتغل وتستخدم 33/ من القوة العاملة في قطاع الصناعة كله وكل ذلك يجعلنا نعتقد أننا أمام ثقل اقتصادي رأسمالي ضخم كما يقول وهو يشدد النبر ويكتب بالبنط الاسود ان هذه الفئة تحقق ارباحا كبيرة وتفرض على عمالها اجوارا منخفضة .
ولكن المؤرخ الكورييلي كعادته ، لا ينقل الا "الحقائق" التى تناسب "المرافعة" عن القضية التى يريد ان يدافع عنها ويرفض تماما أن ينقل عن المصدر الذي استقي منه الحقائق حقيقة "صغيرة " تقول ان عدد اصحاب العمل اكبر بشكل واضح من عدد العمال ( المجلة الاقتصادية – البنك المركزي المصري – العدد 2-4 لعام 1969 دراسة العمال والانتاج في الصناعات الصغري ) . وقد سجل احصاء الانتاج الصناعي لسنة 1967 القسم الاول- الجداول 1و2و4 حقائق مشابهة تقربيا بالاضافة الى "حقيقة" اغفلها رفعت السعيد وهى أن اصحاب العمال يشكلون 60% من قوة العمل ولم يذكر رفعت أن متوسط الدخل الاجمالى السنوي لصاحب العمل هو 280 جنيهاً سنوياً اى ثلاثة وعشرون جنيهاً في الشهر تقريبا ولكنة تحدث عن ارباح "كبيرة"
ولا نعرف لماذا يوجه فارس الدفاع عن "البورجوازية المنتجة" فيما بعد هجومه – الاشتراكي عام 1972 على ورش الصناعة الصغيرة . بل ولماذا المبالغة الحماسية في الحديث عن مثاليها فى الصناعة المصرية ايامها وهى لم تكن تشكل سوى 16 في المائة من القيمة المضافة للصناعة التحويلية ؟ ( التصنيع فى مصر (1929-1973) تأليف روبرت مابرو وسمير رضوان . الترجمة العربية 162)
ولا نفهم لماذا يبالغ رفعت السعيد في الحديث عن التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص الصناعي فيقتطع من مقال الدكتور فؤاد مرسي (مصرالمعاصرة ابريل 71) "حقيقة" أن القطاع الخاص ارتفعت جملة تسهيلاته الائتمانية نسبة 71.6 في المائة من جملة تسهيلات البنك الصناعي ، مما يجعل القارئ يتوهم ضخامة القروض الى القطاع الخاص بالنسبة الى القطاع العام وينسي تماما "حقيقة" ان تسهيلات البنك الصناعي بأكملها لا تزيد عن .....من مجموع التسهيلات الائتمانية المقدمة للصناعة المصرية ....فيها القطاع العام
وهل من المعقول ان نضع اصحاب الورش فى نفس الفئة "الوسطى" مع كبار تجار الجملة في المنسوجات وعلى سبيل المثال ......تاجرا ومنشأة برقم أعمال قدره 120 مليون جنية مصري اى حوالى ....ناتج القطاع العام ارباحا قدرها 25 مليونا من الجينهات المصرية ( ارقام 1972 كمال السيد الدخول الطفيلية مجلة للطليعة القاهرية عدد .....1973) .
ولماذا التعامي عن اخطاء رأسمالية الدولة ازاء التطور الصناعي فى الوحدة الصغيرة وإفساح المجال واسعا امام رأس المال التجاري الكبير ؟
أن رفعت السعيد يقدم ارقاما صاخبة عن حجم الدور الذي يلعبه القطاع الخاص ، في عملية الانتاج الصناعى ومدى الازدهار الذي يحققه فقد جاء فى المقال المذكور ان الحصة النسبية للقطاع الخاص من اجمالى الانتاج الصناعى في صناعة الغزل والنسيج هو 53.9% ولا جدال فى ان ذلك خطأ مطبعي لاذنب لرفعت السعيد فيه ، وربما كان الرقم الصحيح 27% وفى الصناعات الكيميائية 12.7 والميكانيكية25.6%(عام 67/68) .
ولماذا يورد رفعت السعيد أرقاما اجمالية ولا يورد القيمة المضافة ؟ ليس من الصعب أن ندرك ان اجمالى انتاج القطاع الخاص في صناعة الغزل والنسيج يدخل فيه قيمة الغزل الذى ينتج القطاع العام مائة فى المائة منه ، ولاشك أن اجمالى انتاج الصناعات الكيماوية يدخل فيه قيمة الكيماويات الاساسية التى ينتجها بأكملها القطاع العام ، وكذلك الحال مع الصناعات الميكانيكية بدرجة اقل .
ولكن رغبة البورجوازية البيروقراطية في تضخيم ارقام القطاع الخاص الصناعى تجعلها تلجأ الى هذه الحيل الاحصائية
أن رفعت السعيد يذكر ان المنشآت الصغيرة تستخدم حوالى ثلث القوة العاملة في الصناعة التحويلية ، ولكنه لايذكر انها تنتج اقل من 16% من اجمالى القيمة المضافة ، ويذكر ان نصيب القطاع الخاص من اجمالى الانتاج الصناعي في المنسوجات يصل الى ما يزيد عن 25 % ولكنه لا يذكر ان نصيب القطاع العام من اجمالى القيمة المضافة لصناعة المنسوجات كلها يتراوح ما بين 95% و92% عام 66/67 ( التصنيع في مصر – روبرت مابرو- سمير رضوان ص 132 ) . اى أن نصيب القطاع الخاص يقع ما بين 5/و8 من القيمة المضافة .
وسيدور رفعت حول نفسه بعد ذلك حينما وجد بعض الناس في مصر مصطلحا سياسيا يصفون به مظاهر حكم السادات ، وهو البورجوازية الطفيلية وكالمعتاد حاول اصحابنا البحث عن وقائع اقتصادية ، وفئات اجتماعية يلصقون بها المصطلح السياسي وفى المقابل تم اختلاق فئة او فئات بورجوازية منتجة ناصعة البياض ينهال عليها الثناء وأخذت المقولة الغامضة الاخلاقية مكان البورجوازية المتوسطة الوطنية القديمة فى جوقة ثورة بورجوازية ابدية .
ولم يعد رفعت السعيد يتحدث عن كبار التجار والمقاولين من ناحية واصحاب الورش الكادحين من ناحية اخرى ، كما لو كانوا ينتمون الى طبقة واحدة ولكن لقد اختلف ترتيب اوراق اللعب اما قواعد اللعبة فما تزال كما هى .
حلقة كورييل والتأريخ البورجوازي
المنهج التلفيقي عند د.رؤوف عباس
الحلقة السابعة
صدر في القاهرة "أوراق هنرى كورييل "مترجما عن ذكريات كورييل وفق خطاباته الفرنسية الأصل وهذه الوثائق ذات قيمة ليست بالكبيرة في رسم صورة تقترب من الواقع للحركة الشيوعية المصرية في بدايتها واستمرارها . فهى مصطبغة بالطابع الحلقى ضيق الأفق ، حافلة بالتحيز والهوى .
وليس هذا هو موضوعنا الآن . أما ما سنتناوله فهو شئ يقال عنه دراسة . صدر به الدكتور رؤوف عباس هذا الكتاب . ويتخذ هذا الشئ لنفسه عنوانا ضخما لا يتفق مع مادة التناول ولا منهجة . هو أوراق هنرى كورييل والحركة الشيوعية المصرية .
الأجانب .... الأجانب
وابتداء من السطور الأولى لا يخفى رؤوف عباس انسياقه وراء الشائعات التى تطلقها الدعاية المناهضة للشيوعية في مصر. وهذه الدعاية تخرج عن "مشروع رأسمالى " ضخم في صناعة تزييف الوعى السياسى للمواطن المصري.
ولا أزعم ان رؤوف عباس يحترف معاداة الشيوعية أو أنه عميل لآجهزة ما ، أو يقدم ما يسميه " دراسات" لخدمة جهة ما ، ولكنه ينتمى الى ايديولوجية بعينها في الحركة الوطنية والأكاديمية ، ايديولوجية الفئات المثقفة من البورجوازية الصغيرة التى تعادي الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية ، وقد حظى الكثير من ممثلي هذه الفئات بنعمه كبيرة في أيام الناصرية ، داخل الجامعة (التى كان الشيوعيون أو أشباه الشيوعيين يطردون منها ويسجنون في هذه الأيام المجيدة) ، وأجهزة النشر والاعلام والثقافة جميعها . وكانت " دائرة" ايديولوجية محكمة ترسم لهم من خارجهم ثم يبتلعونها ، أو يسيرون على هديها بتلقائية وطواعية هذه الدائرة تجعل محاربة الاقطاع والاستعمار والرأسمالية لا تتعدى النطاق الذي حددته السلطة ، كما تجعل الخيار "الاشتراكي" أيضا معاديا للشيوعية ، باعتبارها " تنظيما اجنبياً و" فكراً مستوردأ".
ولكن دائرة اللعب المسموح بها أيام الاشتراكية الناصرية اتسعت لمغازلة عناصر متفرقة من الفكر الماركسي ، والاشادة " بأولاد طيبين " في الحركة الشيوعية باعتبارهم أفرادا . وفي هذا النطاق كان أنصار " الاشتراكية العلمية" حسب مفهوم "ميثاق العمل الوطنى" يؤسسون مدرسة في التاريخ داخل الجامعة . ولا يستطيع منصف أن ينكر أن الراحل الكبير الدكتور محمد أنيس كان رائدا في أن ينتزع من قبضة المنهج الفردى الوضعى ، ومن الاتجاهات المثالية عموما في التاريخ مكانا للبدء في طريقة علمية جديدة للتاريخ . وقد صدرت عن هذا الاتجاه دراسات متفرقة ذات قيمة في تناول تاريخ مصر الحديث وتاريخ الحركة الوطنية عموما ، أيام كانت السلطة الناصرية تشتبك فى معارك صاخبة مع الاستعمار العالمى . ومن الانصاف ايضا القول بأن مؤرخى هذا الاتجاه كانت لهم نقاط اختلافهم مع ماتعلنه السلطة من اتجاهات تتعلق بالتاريخ الحديث ، مثل الموقف من ثورة 1919 مثلا، ولكن نقاط الاختلاف كانت نقاطا ثانوية بطبيعة الحال .
وبعد أن تغير اتجاه الريح أو انعكس ، لم يعد أفراد هذا الاتجاه يلقون ترحيبا ً بل كانوا يلقون صعوبات جمة توضع فى طريقهم . واضطر الرائد الى الرحيل . بل ان نفرا منهم دار على عقبيه وأصبح مؤيدا لكامب ديفيد ، شديد العداء لكل ما تشتم منه رائحه الاشتراكية . ولكن رؤوف عباس لم يغير في كتاباته جلده وظل متابعا لطريقته السابقة ، وهذا شئ ليس بالقليل ، فالاشتراكية قومية الطراز في السياسة والفكر ليست هى الاتجاه المفضل لدى السلطة . ومن الأقاويل الاثيره لدى الاشتراكيين الناصريين ان الماركسية المصرية حركة أجنبية المنشأ والفكر والتوجيه والتمويل . وقد طفحت بالوعات أجهزة الأمن والبوليس السياسي – ومن المؤكد أن الاستعمار البريطانى هو مؤسسها وواضع تقاليدها على يد المتمصر " جورج فيليبيدس " ، لمحاربة الحزب الوطنى – بهذه الأكاذيب ومن الطريف أن الذين فتحوا الآذرع مرحبين بالتطبيع مع العدو الصهيوني ويسهرون على رعايته وعلى مصالحه في أجهزة الامن . هم أنفسهم أصحاب التاريخ الطويل في الصراخ ، عن أن الحركة الشيوعية المصرية حركة يهودية أو صهيونية ، وعلى الرغم من ان الاتجاه الناصري وجه أكبر الضربات الى الاستعمار البريطاني وإلى مصالح أساسية للاستعمار العالمي . الا أنه ظل محتفظا داخل أجهزة الامن بعدد من كوادر البوليس السياسي القديم ووضع بعضهم مثل "حسن المصيلحى" على رأس مكتب مكافحة الشيوعية ، وهناك آخرون من هذا الجهاز وصلوا إلى أعلى المناصب أيام الناصرية ، وواصلوا تقدمهم الصاعد أيام السادات إلى كرسي رئاسة الوزارة !! وقد غيروا جلودهم كثيرا إلا فيما يتعلق بمعاداة الشيوعية .
ونعود الى "دراسة" رؤوف عباس . إنه يقدم ابتداء من السطر الثانى "الواقعة" المختلقة عن أن الارهاصات الاولى للعمل الاشتراكي في مصر – وترجع الى نهاية الحرب العالمية الاولى – بدأت على أيدي بعض العناصر الاجنبية بالاسكندرية . ويقدم المؤرخ ما يشبه أن يكون توثيقاً للواقعة المزعومة ، فهو يرجعها الى تحقيقات النيابة العامة وما ورد على لسان جوزيف روزنتال من مؤسسي الحزب الاشتراكي ( الشيوعي بعد ذلك) عام 1921 .
إن النغمة السائدة يتم عزفها ابتداء من السطر الاول ، ويقدم اسم خواجة من اليهود تحت أول ضوء كاشف كما تقدم المظاهر الخارجية لرجوع الى "مصادر"و"وثائق" ، بل وما يشبه أن يكون تواريخ دقيقة (ص 15)
بعد صفحة واحدة (ص17) سيذكر رؤوف عباس أن أول شرط للكومنترن كي يقبل الحزب الشيوعي المصري هو فصل جوزيف روزنتال ) .
وهنا لم يبذل رؤوف عباس أى محاولة لتنبع المثقفين المصريين في تحسس طريقهم الى الفكر الاشتراكي ولم يخطر بباله أن الجهود المتعددة قبل الحرب العالمية الاولى لفهم ظاهرة الامبريالية ، ولدراسة المجتمع على أسس علمية ، ولبحث أسباب الفقر وتخلف الانتاج تمتلئ بها صحف ومجلات تلك الفترة . لقد كانت "الاشتراكية " الجديدة على اللغة العربية وأدبياتها من الكلمات التى تتكرر ، باعتبارها هدفا يلقى قبولا واسع النطاق . وكان الصراع الفكري ضد الدعوات السلفية في طاعة أولى الامر وقبول الهيكل الطبقي يفسح مكانا لا يمكن اغفاله الى جانب الاتجاهات الليبرالية والاصلاحية الكاسحة لارهاصات فكر اشتراكي تعكس قضاياه تناقضات الواقع المصري وآفاق تطوره .
ومن السهل الاشارة – بالرجوع الى صحف تلك الفترة – الى عشرات المقالات والمحاضرات والاجتماعات الاشتراكية ، ولرفعت السعيد فضل البحث والتنقيب عن هذه المصادر وإثبات أن الحزب الشيوعي المصري نشأ أول ما نشأ على أرض فكرية مهدتها جهود عشرات المثقفين والمفكرين المصريين ، وأن الفكر الاشتراكي كان امتدادا متطورا لمسائل طرحتها أجيال من المثقفين المصريين وإن يكن رفعت السعيد يغفل جانب " الانقطاع" في هذا التطور ، ويقصر الأمر على الحزب القديم وينتهج منهجا مغايرا عند الحديث عن الحركة الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية .
وخطأ رؤوف عباس فادح في هذا المجال ، لآنه مؤرخ عمالي له دراسة جادة فى بعض اجزائها ولا يخلو كتابه "الحركة العمالية في مصر 1899 – 1952 من إشارة الى دور عمال أجانب ، وأجانب على وجه العموم في الحركة النقابية العمالية المصرية منذ بدايتها ، وفى الحركة الاضرابية والمطلبية للطبقة العاملة المصرية ، وفى الاتحاد العام للعمال المصريين . وفى هذا المجال لم يزعم أبداً أن الصراع الطبقى ظاهرة مستوردة ، ولا أن الحركة النقابية نبت أجنبي . فاشتراك عمال أجانب ومثقفين أجانب في حركة اجتماعية (الحركة الوطنية المصرية نفسها ابتداء من الهبة العرابية ونضال مصطفى كامل ومحمد فريد ( وخاصة محمد فريد) ، عرفت أفراد من الأجانب لعبوا أدواراً مفيدة ، أما محمد فريد في منفاه فقد تحالف مع الحركة الاشتراكية الفرنسية ) لا يجعل الأجانب مؤسسين لهذه الحركة ولا خالقيها.
ويواصل رؤوف عباس شائعات تزعم أن الحزب الشيوعي المصري القديم لم تقم له قائمة بعد أن أصبح نشاطه محظورا عام 1924 . وبهذه الطريقة لا يكون للحزب الشيوعي في مصر من نضال إلا ما أتسعت له أيام معدودات امتدت من يناير 1922 الى مارس 1924 . ويدعى دونما سند أنه : وفى ضوء الحظر القانوني ، ومطاردة السلطات للنشاط الشيوعي لم تحقق المحاولات المتكررة لإقامة تنظيمات شيوعية النجاح وكانت جميعا محاولات أجنبية تقوم على عناصر يونانية وإيطالية مع قليل من كوادار الحزب الشيوعي المصري القديم وبعض المثقفين المصريين . وظل النشاط الشيوعي في مصر هزيلا فرديا عاجزا عن اقامة تنظيم حزبى حتى أواخر الثلاثينيات حين أعلنت الحرب العالمية الثانية ولم يحاول المؤرخ البحث عن الحقيقة فى مصادرها ، بل انساق وراء اهوائه التى تجعل النشاط الشيوعي على هامش الهامش بالنسبة للتاريخ المصري .
ولن نكرر ما سبق أن ذكرناه عن الدور المجيد للحزب القديم فى صفوف الطبقة العاملة المصرية طوال الثلاثينات وقد أورد رفعت السعيد وثائق ومصادر قاطعة فى هذا السياق .
ومن العجيب أن رؤوف عباس ينقض على أكذوبة لهنري كورييل ، تدعى أن الحزب الشيوعيى قد تبخر ، وبقى منه أفراد بدون حركة أو بدون حركة أو تنظيم ، ويمسك بهذه الاكذوبه التى تتمشي مع هواه ملوحا بها على أنها حقيقة !
ويواصل التحيز الأعمى عمله ، فكما أن جنين الحركة الشيوعية المصرية كان أجنبياً ، فأن محاولات استمرارها بعد الضربات كانت تدعى الأكذوبة "محاولات أجنبية" تقوم على عناصر يونانية وإيطالية من حيث الكثرة .
وليس أدل على تفاهة هذا الزعم من أن "العناصر" اليونانية والايطالية في مصر، كانت لها تنظيماتها التابعة لأحزابها فى أوروبا . فالتنظيمات الايطالية في مصر كانت جزءا من كفاح الحزب الايطالي ، تتبني خطة السياسي ضد الفاشية وتعمل ضد الفاشست الايطاليين في مصر ، ولم يكن من مهامها ولا أهدافها وضع تحليل للمجتمع المصري ، وبرامج نضال لمصر ، ولقيادة الصراع الوطني والطبقي للشعب المصري ، وكذلك الحال مع التنظيمات اليونانية وغيرها.
وإن كانت هذه التنظيمات لم ترفض إقامة علاقات عرضية ببعض المصريين الديموقراطيين واليساريين ، فلا يعني هذا أنها حاولت أن تقيم "تنظيمات" شيوعية امتدادا للحزب الشيوعي المصري ، فليس ذلك إلا هراء .
ويستمر المؤرخ في حكاية القصص اعتمادا على ما تردده الشائعات فبعد الحرب العالمية الثانية دخلت الحركة الشيوعية المصرية فى طور جديد ، ويؤكد الراوي أن عناصر من اليهود الاجانب لعبت الدور الاكبر في بعث الحركة من مرقدها !! ولا يمل رؤوف من مضغ هذه الحكاية اللذيذة التى اختلقتها اجهزة الامن المصري .
ولن يتوقف المؤرخ كثيرا قبل أن يصل الى هدفه ، فالانتقال من الاجانب اليهود الى الصهاينة يتم فى غمضة عين . فالغرض من التركيز على "موت" الشيوعية المصرية وبعثها على يدي "الخواجة اليهودى " ، هو إنكار دور المثقفين المصريين والعمال المصريين أو التقليل من هذا الدور في خلق الحركة ، وإعطائها طابعها النضالى الأصيل ، وبعد ذلك يثار التساؤل حول "كورييل" وصهيوينيتة .
ومن المؤكد أن ترهات أجهزة الأمن والدعاية الاستعمارية التى تحاول أن تضع علامة التساوي بين هنرى كورييل والحركة الشيوعية المصرية ذات غرض واضح هو تلويث النضال الشيوعيى المصري .
وتتردد الخرافة القائلة بأن حفنة من الشيوعيين اللقطاء الاجانب اليهود لعبوا بقصد أو غير قصد دور القابلة فى "الميلاد الثانى" المزعوم للحركة الشيوعية المصرية – على حد تعبير كورييل . ورؤوف عباس يؤيد وجهة نظر كورييل- المعروفة الدوافع- عن أن هناك فترة انقطاع في تاريخ الحركة الشيوعية المصرية فيما بين 1924 – 1940 (كأن الحركة الشيوعية لم تستمر إلا بضعة شهور).وأنه لم تكن هناك حركة . ولم تكن هناك منظمات وإنما كان هناك أفراد شيوعيون (ص32)
الاتصال بالخارج
وبعد ذلك يلاحظ رؤوف أن الحركة الشيوعية المصرية الموزعة بين عدة تنظيمات كانت أشد اهتماما بتوثيق الصلات بالمنظمات الجماهيرية الشيوعية الدولية منها بالنضال بين صفوف الجماهير المصرية (ص37)
ويتخذ المؤرخ من هواه مركبا سهلاً . ففى الفترة التي يتحدث عنها ، فترة المد لوطنى الذي بلغ أقصي مدى ، فترة اللجنة الوطنية للطلبة والعمال ، وجريدة الجماهير التى كانت توزع آلاف النسخ ، والمظاهرات العارمة وضحاياها ، يدعى أن الشيوعيين كانوا يولون اهتماما اكبر بالاتصال بالخارج ، ترى ما هو مقياسه الكمى لتزايد الاهتمام ؟ هل يعد مجرد إرسال فرد أو فردين الى اتحاد عالمى ما بدرجة عالية من الاهتمام يتضاءل الى جوارها الاهتمام بالجماهير المصرية ؟ . نحن لسنا إزاء مؤرخ يرصد وقائع ، بل أمام متحيز أسير أفكار مسبقة خاطئة يصدق الأكذوبة التي يفضلها .
هاهو ذا قد وضع هنري كورييل معادلا لمنظمة شيوعية بأكملها ، وهى من أكبر المنظمات ...وما أسهل أن ينسب بذلك المنطلق الاختزالى كل "أثام" كورييل الى الحركة الشيوعية المصرية بأكملها لادانتها بخفة يد وسهولة .
ولكن رؤوف ينتقى من آثام كورييل أشدها إثارة للنفور . فحينما يتصل معتقلين فلسطينيين ويهود . ويتحدث عن "جهتين" بصراحة في رسالته الى ناعومى كانيل "،يصمم رؤوف على أن الرسالة قد عينت "ناعومي" – وهى سجينة زنزانة لا تملك من أمرها شيئا الا تسقط اخبار شخصية ضابطة اتصال بين مجموعة روما والصهاينة المحكوم عليهم في قضايا التجسس . ولسنا في معرض الدفاع عن كورييل ، وإن ثبت صحة ما يزعمه المؤرخ هاوي الطرائف وجبت إدانة كورييل ومن يدافع عنه . ولكن ما أعجب تقاعس المؤرخ الذي لم يكلف خاطرة أن يفحص الآمر وأن يقدم أسماء بعض المحكوم عليهم في قضايا التجسس وهى متاحة ، وأن يكلف خاطره مشقة معرفة أين كانت ناعومى كانيل مسجونة ، إنه حتى لم يعرف واقعة مشهورة حول " معتقل القلعة " وأنه لم يكن فى تلك الفترة موئلا للمحكوم عليهم في قضايا التجسسس ، بل لمعتقلين لم يصدر عليهم حكم . إن من يتقدم باتهام كهذا راكبا سطور خطاب شخصى لا يعرف تفسير إشاراته ، كانت عليه مسئولية صغيرة أمام القارئ ،. مسئولية التحقق مما قفزاليه قفزا . فرأي كورييل في مسألة فلسطين رأي انتهازي ، بل هو رأى شديد الضرر لا ينتمى إلى تقاليد حركة النضال الوطنى العربية ، بل ينتمي إلى سوء تقدير الليبراليين والاشتراكيين الديموقراطيين في الغرب وبعض الشيوعيين الذين ينزلقون إلى هذا الرأي . ولكنه رأي كورييل – فيما نعرف- وهو الذي يدين العدوان الصهيوني في كل مرات حدوثه ، لا ينتمي الى الموقف الصهيوني . وعلى من يحاول القول بغير ذلك أن يقدم أدلة موضوعية أو سياسية ترقى الى مستوى مناقشة ليتخذ منها أعداء الصهيونية أساسا لموقف حاسم ضد كورييل أتباعه الذين يشاركونه هذا السلوك السياسي إن صح .
وينقلنا ذلك الى الحديث عن مسألة المنهج .
المنهج
نلاحظ في هذا التاريخ ابتعادا عن محاولة التحقق النقدى من صدق المعلومات عن الحوادث المفردة كما تقدمها المصادر المختلفة ، وفى ظاهر الأمر يحكى المؤرخ قصته كأنها اطار بسيط يضم وقائع تاريخية تنتظم معا بمساعدة سلسلة من الروابط السببية المباشرة . ولكن هذه الروابط السببية التى تبدو مباشرة تفرضها تحيزات المؤرخ وافتراضاته التي لم يخضعها للمناقشة وأخذها عن أجهزة الآمن . إنه لم يصل اليها نتجة تحليل كتلة من المصادر والبيانات والمعلومات ، ولم يجهد نفسه في أن يرتفع الى مستوى معين من التعميم .انه لا يناقش اتجاهات سياسية ومناهج فكرية واشكالا تنظيمية تعبر عن قوى اجتماعية متصارعة ، بل يكدس أنصاف حقائق وأرباعها في كومة تحيزات عن أجانب واتصال بالخارج وتمويل اجنبى ويقدمها كما لو كانت وقائع راسخة صلبة تشبه طوب البناء الذي يشيد به حكايته ، إنه لم يقدم لنا نموذجا نظريا لمسار حركة سياسية وعلاقاتها بالواقع بل قدم لنا هيكلا مزعزعا من التصورات الذاتية .
ومن المعروف أن "الوقائع التاريخية " ليست كائنات جاهزة نعرفها كما نعرف أصدقاءنا أو نجمعها كما نجمع طوابع البريد فالتاريخ لا يتشكل من ظواهر واحداث وعمليات يمكن لنا ملاحظتها ودراستها على نحو مباشر ، فتلك الوقائع التجريبية الموضوعية التي تنتسب الى الماضي لن تصبح وقائع تاريخية إلا اذا تأسست واقعيتها على تحليل المصادر التاريخية ، وعلى إدماجها في بنية منطقية لمعرفة علمية ، بنية تعمل على تصنيف وتقييم الوقائع . فإعادة البناء العلمية للحدث التاريخي لا تعيد خلق الحدث نفسه ، بل تقدم نموذجا له . وهذا النموذج قد يتعرض للتلوين الايديولوجي ذي النزعة العلمية الزائقة وليس محايدا .

إننا نفتقد فى حكاية رؤوف عن الحركة الشيوعية المصرية بناء يقترب من الصحة لواقع تاريخي ، فليس هناك تصنيف علمى للوقائع يوزعها على أي مجموعات محددة متمايزة وفقا لسمات معينة فكرية أو سياسية او اقتصادية أو تنظيمية ...الخ لكي نصل الى بناء هيكل تصورى للحركة الشيوعية فى مرحلة من مراحلها لمضمونها ووزنها وآفاق نموها او تناقضاتها القاتلة .
وبطبيعة الحال ليس من المنهج العلمى في شئ عند تأريخ حركة سياسية تقديم قائمة بأسماء بعض الاعضاء وذكر نوادرعن وظائف بعضهم ، مثل تنظيم كله من موظفى الضرائب (!!) ، دون محاولة للتثبت أو الحديث عن أن منظمتي طليعة العمال والحزب الشيوعي المصري ( الراية) شاركتا في مفاوضات تأسيس الحزب الشيوعي المصري الموحد (ص49) فهذه "واقعة"مكذوبة من أساسها معروف للجميع خطؤها وكان يمكن للمؤرخ أن يسأل أي عابر سبيل عنها ،أوالثرثرة عن التمويل من الخارج في حركة كانت ميزانيتها كلها مائة جنية في الشهر (الحركة المصرية للتحرر الوطنى) ، أو الزعم دون جفن يطرف أن "المحترفين" كانوا "يختارون" من فقراء الطلبة والعمال وكأنهم من الذين يرتزقون بدلا من أن يكونوا مناضلين انتمى بعضهم الى أغنى الاسر وكان معظمهم من الطبقة الوسطي ، وما أعجب السؤال عن من اين اتى هنرى كورييل بالأموال التى غطت كل هذا النشاط (ص24) ما دام الاعضاء فقراء !! فالمؤرخ البورجوازي لا يستطيع ان يفهم أن قروش الاف الفقراء من اعضاء ومرشحين وعاطفين وقراء ومشاركين في النضال هى التى مولت نشاط أحزاب سياسية عالمية تعد المنظمات المصرية شديدة االضآلة بالنسبة اليها . ولكنه السؤال القادم من ملفات اجهزة الامن يردده المؤرخ دون حيطة ويكشف ذلك عن قصور في فهم أي نشاط سياسي .
ويدعى المؤرخ أن كورييل جعل الفكر الماركسي متاحا باللغة العربية لأول مرة على الرغم من أنه يذكر ان الذين قاموا بتعريب هذا الفكر ، بل وبطباعته ينتمون الى الحزب الشيوعي المصري القديم ومن المصريين الاقحاح د.عبد الفتاح القاضي ود. حسونة (ص21) . ولكن هذا الاصرار العجيب من جانبه مفهوم ، فهو اصرار على فرض الطابع الآجنبي على الحركة .
وفى نفس الوقت يتناثر المديح لدور كورييل في نقاط جزئية وهامشية ليكتسب "التأريخ" طابعا موضوعياً ، وكأن كورييل كما يزعم رؤوف المدافع عن الصهيونية الذى يتلقى حركته منها يمكن أن يؤسس حركة تقوم باعداد كوادر مصرية من العمال والمثقفين ممن لعبوا ادواراً مختلفة القيمة والعمق في تاريخ الحركة الشيوعية المصرية . وهذه النزعة التلفيقية لا يمكن أن يبنى عليها تأريخ صحيح لأى حركة سياسية .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي