الدول المتخلفة في مواجهة كوفيد-19 بالمدرَّعات

المهدي بوتمزين
2020 / 8 / 22

بعد أن ظهر فيروس كوفيد-19 في جمهورية الصين الشعبية التي يصل عدد سكانها لأزيد من مليار نسمة و اتسعت رقعته لتشمل بلادا أوروبية و أميركية , اختلفت معها استراتجية مواجهته و المقاربات التي يمكن الركون إليها لتجاوز الأوضاع .
في البلدان المتقدمة حيث المعرفة و الثقافة و ارتفاع نسبة التمدرس و العيش الكريم و العدالة الاجتماعية , واجهت الشعوب هذه الظاهرة الميكروسكوبية بتأنِّي و حكمة منقطعة النظير , حيث لم تكن بحاجة إلى وضع شرطي في كل نقطة؛ فكان كل فرد يدرك أسس الوقاية و طرق حماية نفسه و الاَخرين . ففي الولايات المتحدة الأميركية و كندا مثلا توصَّل المواطنون بأظرفة تحمل مبالغا مالية مهمة و رسائل إيجابية تبعث على الحياة , فكان لكل فرد في الدولة الدور الجهوري لمواجهة هذا الفيروس من خلال الوعي الفردي و الجماعي وليس اعتماد المقاربة الأمنية المتسلطة و الرجعية . هذا الوعي هو نتيجة فعَّالية منظومة كاملة من التعليم الجيد و المنقح و الإعلام الواقعي الصريح و الوسط السياسي و الثقافي الفكري الذي لا يلبِّس الحقائق و يزيفها و يداهن و يتملق؛ عطفا على الوسط الاجتماعي الراقي الذي يعيش فيه المواطن الغربي حيث تزدهر و تزهر الحقائق العلمية و المنطق و تشيع النخب المثقفة و رجال الأعمال .
على النقيض من ذلك نجد في الدول ذات المستوى التعليمي السيئ أن هذا التقهقر و التخلف قد أُسقط على الوضع السياسي و الاجتماعي و الإقتصادي للبلد , ما أوجد مواطنا فاقدا للذاكرة و القدرة على التفكير و تحديد رؤيته للواقع و استشراف المستقبل . في دول عربية نجد أن الدولة اعتمدت المقاربة الأمنية في مواجهة الظاهرة الوبائية فحشدت الجنود و المدرعات متحججة بإحكام السيطرة على التنقل و التجوال , و كنه الأمر يكمن في ترويض الشارع العام حيث انتفضت الشعوب قبل بداية الجائحة لأجل حقوقها الإنسانية الأساسية , فاستغلت الأنظمة هذا الوباء لإنزال ردع عام من خلال فرض الذات البوليسية و العسكرة ؛بما فحواه أن النظام قوي و يمكن أن يفرض نفسه في اللحظة التي يريد, أما الحراك الشعبي فمجرد نزوة عابرة و لعب صبياني بالنسبة لنا – بالنسبة النظام- .
في البلدان المتحضرة لم نرى مشاهد صراع بربرية بين قوى الأمن و المواطنين, لأن هذه الشعوب أدركت أن الكل مواطن في البلد و أن المهام المسنودة و الصلاحيات الممنوحة للموظفين أثناء خدمتهم هي تفويض من مجلس الشعب لأجل خدمة الشعب و الأمَّة . أما في الدول المتخلفة فشاهدنا ما يمكن اعتباره بروفة درامية , ففي الهند يقوم عناصر الأمن حاملين العِصي و يباشرون ضرب المواطنين الفقراء في مختلف أنحاء جسمهم ؛ما ينفي عن هذه الدولة خاصية التحضر و الرقي . في هذا السياق يصعب أن نتصور الهند كدولة تقود العالم في العقود المقبلة و هي مازالت متخلفة في ملف حقوق الإنسان و ملفات إجتماعية أخرى فسينما بوليود لا تعكس على أية حال واقع الهند .
نحن إذن أمام أزمة وعي بشري و تخلف إجتماعي و هشاشة المنظومة القانونية التي تُبروز علاقة الأفراد و المؤسسات أكثر من أزمة وباء عابر لا محال . فبناء الرأسمال البشري يكون قبل وضع أية استراتجية للإصلاح , لأن الفساد لا يتسرب من جدران الحائط أو البواليع بل من قبل أيادي الفساد البشرية . أذكر في هذا المضمار الإختراق التي تعرضت لها الصين حينما شيدت سورها العظيم لكن الإختراق كان يتم من الباب الرئيس بسبب رشوة حراسه الذين يسمحون للعدو بالتسلل للداخل و هو مطمئن لا يخشى على نفسه حتى أن يكون صيدا واقعا في كمين .
مشاهد مسرحية و كوميدية تتبعناها خلال فرض الحجر الصحي في المغرب , حيث عند أول إصابة بهذا الفيروس توجه بعض المواطنين إلى المستشفى الذي يتعالج فيه المريض؛ و السبب كان الفضول و التطفل و كأن كوفيد-19 له تأثير لسعة العنكبوت التي ولَّدت الرجل الخارق سبايدرمان, و كان الجميع فرحا و متشوقا لرؤية المريض و هذه مهزلة حقيقية تنم على أننا أمام مواطنين يقتلهم الفراغ الزمني و العقلي .
في صورة أخرى رأينا تدخلات عنيفة من قبل قواد المقاطعات – أحد مستويات التقسيم الإداري في المغرب تضم أحياء عدة و تدخل ضمن النظام الإداري للعمالة أو الإقليم - مصحوبين ببعض عناصر القوات المساعدة و الشرطة ضد باعة متجولين بل متسولين لا يملكون قوت يومهم ؛ فيسقطون العربة و ما عليها من حبات طماطم و بقدونيس و يعتقلون البائع المتجول – المتسول- , و هذا دليل على أننا لا نملك الأهلية القانونية لتدبير أمور البلد . فهذه التراكمات السلبية ستؤدي إلى تفجير الأوضاع فينحو البلد منحى اَخر أكثر قتامة و سوادا .
الأنكى من كل ما سبق اقتصرت بلاغات وزارة الصحة و الداخلية و خطابات المسؤولين على تقديم أرقام لا تفيد في شيئ اللهم في حشو الذاكرة بما لا ينفع . ما ضرورة تقديم عدد المصابين في اليوم إذا كان الكشف عن الفيروس يحتاج لأيام , فما تعتبره الدولة عدد المصابين في اليوم المحدد إنما هو في الحقيقة يخص أيام سابقة على اعتبار صعوبة الكشف عن الفيروس في اللحظة أو اليوم نفسه .
ما يزيد الطين بلَّة هو أن هذه الخطابات كانت فارغة تماما من أية إشارة إلى تسريع البحث عن علاج أو لقاح محلي و تشجيع المختبرات و الباحثين على البحث العلمي و الدعوة إلى رفع ميزانية التعليم و الصحة و البحث العلمي في الميزانية المقبلة . بل اقتصر الأمر على الإشارة إلى أن المغرب سيساهم من خلال تقديم فئران تجارب بشرية لفائدة الصين أو روسيا و هذه مهزلة تاريخية .
الحقيقة هي أنه في المغرب على غرار دول إفريقية – أقصد دول متخلفة معرفيا - عديدة نهج المقاربة الأمنية بدل الصحية فلم نتفاجئ أن المستشفيات غير مستعدة لتقديم المساعدة لأنه ببساطة المستشفيات العمومية تحتاج هي بنفسها للعلاج , و لا أظن أن مشكل الصحة في المغرب سيلقى طريقا للحل إلا إذا أبرمنا شراكة مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ اون تقضي بإرسال بعثة إلى المغرب للتحقيق في ملفات الفساد ولا شك أن السواد الأعظم من المسؤولين سيغدو نقانق دجاج متبلة تحت مقصلة القانون .
و يطرح سؤال استنكاري عن الجدوى من الأموال الطائلة التي تصرف على الزوايا و الأضرحة التي يفوق عددها في المملكة المغربية السبعة اَلاف , و التي تخالف في مجموعها الدين الإسلامي و المذهب المالكي حيث تُسقط الناس في الشرك و الضلال . كما نتساءل عن إهمال الدولة للبحث العلمي و عدم إقامة أقطاب و مختبرات و مؤسسات تعنى بذلك .
إن الدول التي لم تنخرط في البحث العلمي و لم ترفع من مستوى التعليم و جودته و أهملت المدرسة العمومية و أساءت للمعلمين؛ ينضاف لذلك فشلها في إيجاد منظومة صحية و قوية لا يحق لها البتة أن تؤاخذ أحدا على إهماله أو جهله . بل يجب محاسبة المتورطين في ملفات الفساد و الإختلاس و المتاجرة بقضايا الوطن الأساسية , و متابعتهم بجريمة الخيانة العظمى ضد الوطن . ففي إحدى قضايا الجاسوسية , اعتقل عميل سري تابع لإحدى الأجهزة الإستخباراتية و عند التحقيق معه اعترف له ضباط الجورنالجيه الذين اعتقلوه أنهم لم يجدوا ضده أي شيئ لكنهم اكتشفوا ارتباطه بأجهزة مخابراتية معادية , فسألوه عن دوره الخفي الذي لم يستطيعوا تحديده , فكان جوابه أن دوره السري كان يقتصر على توظيف كل شخص في منصب لا يستحقه و لا يفهم فيه , و هكذا بدأت إدارات الدولة في التقهقر فكانت السكتة قريبة .