الحروب الدينية بين الفرس والروم البيزنطينيّين في عهد كسرى الثاني للفترة (590-628)م ج1

نافع شابو
2020 / 8 / 20

الحروب الدينية بين الفرس والروم البيزنطينيّين في عهد كسرى الثاني للفترة (590-628)م ج1
مدخل
في سنة 591م حدثت معركة بين الفرس و الأرمن استعملت فيها الفيلة من طرف الملك بهرام الفارسي. وقعت هذه المعركة المسماة بمعركة (بلاراثون) (رسول الإسلام بحسب الرواية الإسلامية كان عمره يومذاك 20 سنة لكن الرواة الفرس في العهد العباسي اي حوالي 200 سنة بعد موت محمد يغالطون أنفسهم و يخبرونا بأنه ولد في هذا العام بالضبط أي في عام الفيل!!!)، و قد دارت هذه المعركة بين القائد الفارسي بهرام الذي انقلب على الملك الفارسي خسرو الثاني(590-628)م الذي تحالف مع البيزنطيين المسيحيين من أجل الإطاحة بعدوهم المشترك القائد بهرام و التي انتهت بانتصار جيش التحالف البيزنطي-الفارسي و هزيمة و مقتل بهرام و استرجاع خسرو الثاني لسلطته على كامل الإمبراطورية الفارسية لكن بثمن باهظ كان هو تقسيم منطقة القوقاز - حسبما كان قد اتفق عليه قبل المعركة الحاسمة - و منح مناطق واسعة من أرمينيا و مدن كثيرة كان من أهمها مدينة (يريفان) عاصمة أرمينيا الحالية، لحكم الإمبراطورية البيزنطية .. هذه الإتفاقية التي جعلت من الحكم البيزنطي أقوى و أضعفت كثيرا" من الإمبراطورية الفارسية
للتذكير توجد مفارقة غريبة و تشابه مع قصة أبرهة الحبشي تذكر أنه هو أيضا" انقلب على النجاشي ملك الحبشة!!! و هناك شيء أخر و هو مشاركة الفرس الموالين لخسرو الثاني القتال إلى جانب الأرمن المسيحيين و الرسالة التي بعث بها القائد بهرام للملك موشق (مورق / موريق / موريس؟!) الثاني يهدده فيها بالقضاء على جيشه و على جيش بيزنطة عن طريق الفيلة و رد موشق الثاني على رسالته بأن قال له بأن "يترقب عذاب الله يسقط عليه من السماء" و هذا ما نراه يترجم إلى سورة شهيرة تبوأت مكانها المقدس في كتاب القرآن: {* ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * و أرسل عليهم طيرا" أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلتهم كعصف مأكول *}، صدق الرهبان السريان الذين ألفوا هذه الآيات البينات تأريخا" و تخليدا" لهذه المعركة أو المعركة التي جرت قبلها بمئة و أربعين سنة
هذا البحث قام به الأستاذ المغربي محمد المسيح و الرسالة محفوظة في معهد "ماتدنداران" للمخطوطات القديمة في أرمينيا تحت رقم MS 2639 .
matenadaran.am/?id=127&lng=4

لما هرب كسرى الثاني من جيش القائد بهرام (الذي انقلب عليه واستولى على الحكم منه مدة سنتين ) مرّ ب"إيّاس بن قبيصة" في الحيرة ، فحماه وأهدى له "فرسا وجزورا " فشكر كسرى الثاني له ذلك وحفط له هذا الصنيع حتى جاءت الفرصة التي كأفأه فيها وكان ذلك بتوليته ملكا على الحيرة (لأن كسرى قتل ملك الحيرة " النعمان بن المنذر" ، وكان مسيحيا ، وهو اسير . وهناك ابحاث تقول ان الذي نافق على النعمان بن منذر بتهمة خيانة كسرى الثاني والتمرد عليه ، هو ايليا بن قبيصة نفسه(1) )
الظروف الدينية في عهد خسرو الثاني (590-628)م قبل واثناء الحروب الدينية مع البيزنطيين
يقول توما المركي
لمّا توفيَّ الجاثليق عيشوعياب ألأول الأرزي سنة 595 م في زمن كسرى الثاني
نصب مار سبريشوع جاثليقا للكنيسة الجامعة الشرقية سنة 596 ، خلفا له ،واستمرت رئاسته على الكنيسة مدة 8 سنوات الى سنة 604 حيث وافته المنية ، عندما رافق كسرى الثاني في حربه ضد الرومان . وعندما حاصر كسرى الجبار في سنته الخامسة عشرة (اي سنة 605 م) مدينة دارا الواقعة على الحدود ، طلب المسيحيّون جاثليقا . فأمر الملك ان يقام على هذا المنصب "غريغور الفاضل " مطرافوليط مدينة نصيبين ، الذي كان مار سبريشوع قد أقصاه بغير مبرر . غير انّ قوما من ألأساتذة والمؤمنين الذين كان قد عُهد اليهم القيام بهذه المهمّة تآمروا على الطوباوي "غريغور " خوفا من الغيرة العارمة الت كانت تتملكه وكان في ماحوزي (المدائن عاصمة الفرس) مفسّر اسمه غيرغور ، فاحتالوا وأقاموه جاثليقا بدون إرادة الروح القدس ...حينما سمع الملك كسرى الثاني وعلم ان المسيحيين لم يرسموا غريغور ، الذي أمر أن يقام جاثليقا بل اقاموا غيره غدرا ، نسي كل المودة التي كان يكنها للمسيحيين ، ولاسيّما الصداقة التي كانت تربطه بسبريشوع الجاثليق. وصاح في سورة غضب قائلا : "لن يمارس غريغور مهام الرئاسة " .واقسم بالشمس الهه :"إنّي ما دمت حيا لن اسمح بقيام بطريرك في المشرق" . وأنجز وعيده هذا بالعمل
(راجع ايضا المقال السابق للكاتب عن وضع المسيحيين في عهد كسرو الثاني كما في الموقع التالي):
إنتشار المسيحية في عهد كسرو الثاني قبل الحروب الساسانية البيزنطية ج3
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=652010&r=0

يعلق توما المرجي في كتابه "الرؤساء" على هذا الفعل الذي قام به كسرى الثاني فيقول:" حاول تلميذ الشيطان(قصده كسرى الثاني) ان يزيل الكهنوت المقدس من بين مسيحي مملكته .لأنّه إذا انعدم الآباء ، ينتهي امر ألأبناء رويدا رويدا . وهكذا كان الى ان قيض الله للمسيحيين ابناء الكنيسة ان يودوا بحياته سنة (628م). فطيلة هذه الفترة ظلت الكنيسة بدون بطريرك ولم يرسم فيه رؤساء اساقفة ولا اساقفة . وكانت لابسة الحداد لحرمانها من رئيس ومدبر ،أي من ألآباء البطارك . فبعد وفات الجاثليق سبريشوع سنة (604)م بقيت الكنيسة بدون رئيس ".(2)
كان خسرو الثاني حليفا لبيزنطة وصديقا "حميما " لعظيم الروم ألأمبراطور البيزنطي موريس (موريق)(582-602)م ، لكن قُتل موريس على يد الجنرال " فوكاس" ، بانقلاب عسكري سنة 602 م( راجع مقال للكاتب كما في الموقع التالي)
انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=645449
كان مصرع الأمبراطور الروماني موريق (موريس)[قد يكون حمو كسرى ابرويز لأنّ مارية زوجة كسرى كانت بنت موريق كما تقول بعض المصادر] بمثابة صفّارة انذار تعلن حالة الطوارئ في البلاد الفارسية .فهبّ كسرى الثاني يتذرّع بالأنتقام لموريق(موريس) القتيل ولأبنه تاودوسيّوس الشاب ضدّ مغتصبي عرشه. وأوّل عمل قام بهِ كسرى هو تتويج ابن موريق بواسطة الجاثليق الشرقي ( في عهد الجاثليق سبريشوع ألأول ( 596- 604)م. ثمّ توجّه الى مدينة دارا وحاصرها سنة 604م . وبذلك انفتح باب المنطقة الرومانية امامه على مصراعيه . فراحت الجيوش الفارسية تغزو بلاد الروم زاحفة نحو الغرب في حرب لاتبقى ولاتذر، حتى استولت سنة 609 على مدينة الرها[معقل المسيحية] التي لم تطأطأ راسها امام الغزاة الفاتحين من قبل ولم يضع موت فوقا "او فوكاس" الغاصب حدا لتلك الحرب القاسية . ..سقطت دمشق على يد الفرس سنة 623 م، وبلغت الجيوش الفارسية في زحفها الكاسح أمام اسوار اورشليم المدينة المقدسة.(3)
في عام 614 زحف جيش القائد الفارسي شهربراز إلى إيلياء (معبد القدس). حيث حاصرها الفرس حوالي 20 يوماً، ثم دخلوها عنوة وجعلوها نهبا للحرائق. وقتل اليهود (حلفاء الفرس التقليديين) عدداً كبيراً من النصارى (المسيحيين المؤمنين بالثالوث) يقدره بعض المؤرخين بـ57 ألف. ودمر الفرس كنيسة القيامة واستولوا على الصليب المقدس ونقلوه الي عاصمتهم المدائن. وكان لسقوط بيت المقدس في أيدي الفرس صدمة كبيرة بين النصارى(المسيحيين ). فهذه كانت أول مرة تقع فيها هذه المدينة المقدسة بأيدي غير مسيحية
كان يقود الجيوش الفارسية "فروخان" الذي يسمّونه "روميزان" الملقب أيضا "شهربراز" أي خنزير الدولة (هو نفسه ابو سفيان ، حسب اللأبحاث الحديثة ) ، وأصبحت القدس عرضة للسلب والنهب ،وأسروا الباطريرك زكريا مع وجهاء المدينة . وأضرموا "الفرس" [حسب الأبحاث الحديثة بالتعاون مع الهاجريين والسراسين والأسماعيليين] النار في كنيسة القيامة والكنائس الأخرى ، بتحريض من اليهود القاطنين في اورشليم . أمّا ذخائر الصليب المقدس فقد نجت من الحريق بهمة المؤمن يزدين(وزير الخزانة في عهد خسرو الثاني وكان مسيحي نسطوري)
استعمل الفرس القوة المفرطة ضد مسيحيي القدس [وهذا دليل على أن أبرويز ليس مسيحيا بل نصرانيا مختلطا مع الزرادشتية]
إلا أنّ هذا الصليب أَخذ طريقه الى الخزائن الفارسية مع بقية النفائس التي سلبها الفرس من بيت المقدس
كسرى الثاني أراد جلب ذخائر الصليب لكي يضعه في "بيت المقدس" التابع للفرس الذي بناه كسرى باقتراح من يزدين وزوجتيه. زوجات كسرى النصرانيتين وهما شيرين ألآرامية ومارية البيزنطينية وأطبائه وحاشيته من المسيحيين الذين تغلغلوا في الحكم الفارسي.
عندما دخل الفرس سنة( 614 م) و احتلوا المدينة المقدسة عند المسيحيين و اليهود (أورشليم) عقد كسرى الثاني أبرويز إجتماعا" من أجل توحيد الدين على كامل تراب الإمبراطورية الجديدة التي كانت تضم أراضي الإمبراطورية الساسانية و الإمبراطورية البيزنطية التي باتت على وشك الانهيار، أي من حدود الهند و الصين إلى المحيط الأطلسي باعتبار شمال أفريقيا كانت مُقاطعات تابعة للبيزنطيين، فعند القضاء عليهم كانت مُستعمراتهم ستُصبح تابعة للفرس بشكل تلقائي. نقم كسرى أبرويز على الأرثوذوكس و استعان بالكنيسة الفارسية فأذخر عدداً من أساقفتها و قساوستها النّساطرة و المونوفيزيين
كسرى الثاني ابرويز أودع خشبة الصليب التي ارسلها له شاهين (ايليا ابن قبيصة ملك الحيرة وقائد الفرس ( الذي سوف يقود الفتوحات العربية كما سياتي ذلك لاحقا ) او شهربراز من بيت المقدس (اورشليم) الى زوجته المسيحية
وهذا ما يؤكده ابراهيم رمزي في كتاب "باب القمر" حيث ذكر ان اليعقبة(المونوفيزيون) سمعوا بعض القساوسة والرهبان يشيرون على ألأسقف في فرحهم بهذا الفوز الباهر (فوز الفرس على البيزنطيين في عهد أبرويز) أن ينهض فيقصد بهم الحيرة، و يدعو أُسقف بني تغلب ليذهب معهم هو و قسانه (الكهنةالمسيحيين ) وفدا" إلى ماريا زوجة كسرى أبرويز و أختهم في المسيحية اليعقوبية، رافعين لها آيات الشكر على برّها بدينها، إذ حملت زوجها على قتال الروم و ابادة دين الكفر، و يقيموا الصلوات في الكنيسة التي أقامتها لعبادة الرب في بلاد المجوس، ليتم لها النّصر بالإستيلاء على بيت المقدس، و تخليص الصليب المقدس من أيدي أدعياء الولاية عليه من بطاركة الروم على أن تعطيهم إياه ليحفظوه عندهم في كنيسة نجران(تقع بين السعودية واليمن) بعيدا" عن أيدي الطامعين
فلماذا أراد اليعاقبة أخذ خشبة الصليب إلى نجران؟ .. إنّ الحرب التي شنّها أبرويز على البيزنطيين كانت حربا" دينية لأجل مُعاقبة "المُشركين" المسيحيين على اضطهاد اليعاقبة المونوفيزيين (الطبيعة الواحدة للمسيح / المُوَحِّدين)، و ذلك بتأثير من زوجتيه ماريا و شيرين اليعقوبيتين!
أما القول بأنه خاض هذه الحرب من أجل الإنتقام لصديقه موريس فهو إدّعاء فقط، فقد أخبره هرقل لما أصبح حاكما" على بيزنطة بأنه قد انتقم له من قتلة موريس أي فوقاس و جنرالاته و أن الإستمرار في الحرب لا مُبرر لها.(4)
ففي سنة 610 م قام الجيش البيزنطي المُتَوَجِّه من قرطاجة في الشمال الإفريقي بقيادة هيراكيوليس / هرقل (المُتَحَدِّر من جبال سوفيان الواقعة في أرمينيا)، بالإنقلاب على القائد فوقاس و تمكّن من قتله و قام هرقل بتعيين نفسه إمبراطورا" على بيزنطة. ثمّ حاول هرقل فتح قنوات سلام مع خسرو الثاني لكن خسرو بعث له برسالة تهديد و وعيد يطلب منه فيها بأن يُسلِّم حكمه إليه حتى يتسنّى له تعيين إبن صديقه القتيل موريس على العرش البيزنطي بدلا منه[هذا يُذكّرنا برسائل محمد رسول المسلمين الى هرقل ملك الروم والتي كانت مختومة بكلمتين "سلّم تسلم ]، قام بعدها خسرو الثاني بإعدام رسول هرقل إليه بعد أن بعث له هرقل جوابه بالرفض القاطع! فاشتعلت الحرب بينهما و كان للفرس الغَلَبة في البداية بسبب خبرة و حنكة و مهارة القائدين شهرفاراز(ابو سفيان) و شاهين(إيليا بن قبيصة ، علي عند المسلمين) فسقط الجانب الشرقي لبحر إيجة بيد السّاسانين و فقدت البحرية البيزنطية فعاليتها مما دفع هرقل إلى التفكير بنقل عاصمته إلى مُستعمرة قرطاجنة الواقعة في الشمال الأفريقي، و في عام 622 م تمّ النّصر السّاساني بسيطرة الأسطول الفارسي التّامة على بحر إيجة.(5)
هناك رسالة من هرقل امبراطور بيزنطة ارسلها - قبل نشوب الحرب بين الأمبراطوريتين الى كسرى الثاني(الذي عاصر عهد محمد رسول العرب 575- 632 م حسب كتب التراث الأسلامي) يقول فيها:
إنني أسعى الى السلام ولم احرق فارس برغبة مني ، بل أنت (مخاطبا كسرى ابرويز ) أجبرتني على ذلك . دعنا ألآن نلقي السلاح ونتوجه للسلام . دعنا نُطفي النار قبل أن يحترق كُلِّ شيء".
لكن كسرى تعنت واقسم ألا يوقف الحرب حتى يقضي على ديانة المصلوب، يعني الديانة المسيحية(6).
استيلاء الفرس على ايلياء (بيت المقدس) بقيادة شهربراز سنة(614م) او شاهين ( يزدين) ، إيليا بن قبيصة قائد الجيش الفارسي، علي بن ابي طالب عند المسلمين )وجلبه خشبة "صليب المسيح" لم يكن الهدف تدميره او اهانة النصارى بل تخليصها من المشركين المسيحيين –( اي المسيحيين الذين يؤمنون بطبيعتين للمسيح كإله وانسان)- وجلبه الى "طيسفون " عاصمة الفرس ،من اجل تسليمها الى "النصارى" الموحدين او اليعاقبة المونوفيزيين . وربما كان هدف أبرويز جعل العاصمة الدينية للنصارى إما في بلاد فارس او في نجران ، حيث سيتم بناء كنيسة كبيرة تضم الصليب المقدس ، عوض القدس . وبهذا يجمع بين السلطتين الدينية والسياسية على كامل ألأمبراطورية(7).
تابعونا في الجزء الثاني للمقال

(1) راجع تاريخ ألأسطورة والأديان الحلقة 58
https://www.facebook.com/263584180658649/posts/473480986335633/
(2) راجع ص 50 من كتاب "الرؤساء " لتوما المرجي
(3) تاريخ الكنيسة الجزء ألأول للأب البير ابونا
(4) راجع
"إماطة اللثام عن البدايات المبكرة للأسلام ج1"عن الظروف الدينية قبل الغزو الفارسي لأراضي الدولة البيزنطية للكاتب شريف عبدالرزاق
(5) المصدر(1) اعلاه
(6) المصدر 3 أعلاه
(7) المصدر (4) اعلاه

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا