الوطنية و الوثنية في العقد الإجتماعي

المهدي بوتمزين
2020 / 8 / 20

بعد أن انتقل الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية و تألَّب في جماعات واسعة و أسس لنفسه مدنا و حضارات حاول معها حوكمة علاقاته الشخصية و المعنوية؛ فجاء العقد الاجتماعي كصيغة توافق بين الأفراد و المؤسسات و أصبح الشعب و الأرض أهم ركنين للدولة . في هذا السياق مرَّ التاريخ البشري بمراحل و أطوار عدة اختلفت معها طبيعة المجتمعات و نُظمها السياسية و الاجتماعية .
ولتجاوز احتمال أي إسهاب تسقطنا فيه فضفضة التاريخ و محطاته الأفَّاقة و الوارفة, ارتأينا الركون إلى الزمن الحاضر باعتباره محطة مشهودة لا يمكن أن ننخدع فيها بجرم التزوير و التشويه أو تَبَسُّر الحقائق .
المجتمعات الغربية في الزمن الاَني بعد أن دمرتها الحروب و الخلافات , غدت اليوم نموذجا راقيا و مدرسة فكرية تحطِّم كل أغلال الرق و الرجعية و تحقق رسالة الوجود السامية التي تدعو للتعايش و السلم . المجتمعات البشرية لم تستطع التخلص من تمظهرات العبودية و تحقيق العدالة و المساواة إلا في زمن بعض الرسل, لكن سرعان ما تعود إلى جرثومتها و أصلها و لعل العلَّة تكمن في غياب ردع عام يفرضه المجتمع الكبير – دول العالم – على المجتمع الذي ساد فيه الظلم و ضاعت فيه الحقوق السماوية و الوضعية .
هذا المجتمع الكبير يتمثل اليوم في منظمات دولية و أنظمة بيحكومية, حيث نجد الأمم المتحدة و المحكمة الدولية و مجلس الأمن الدولي و منظمات حقوقية تسهر على استتباب الأمن و تنزيل بنود القوانين و المعاهدات , على ما يعتريها من أُبنة و نقص تارة بسبب التواطئ و غض الطرف و حينا أخر بعلَّة البيروقراطية و مراعاة السيادة و التحالفات و المصالح بين الدول .
نرى المجتمع الدولي ممثلا في المنظمات السالفة الذكر يعزف على أكثر من وتر في قضايا إنسانية يندى لها الجبين . فالحرب السورية التي استعملت فيها أسلحة محرمة دوليا ناهيك عن أصناف التعذيب النفسي و الجسدي و الجنسي لم يتمتع فيها الضحايا بحق التقاضي ما جعل حقوقهم أسيرة بيد أطراف أجنبية لها مصالحها في إدانة النظام أو تبرئته . أما قانون قيصر فلا يمكن أن يغير شيئا لأن توالي سنين الحرب اجتثت معها جينات جغرافيا و شعب سوريا و أضحت حلب الشهباء سوداء بالرماد . ثم يكفي أن ترفع الأطراف التي تدعي دفاعها عن الحق المدني بعد تنزيل قانون قيصر فهي نفسها – أو أغلبها- التي تدعم النظام السوري بطريقة مباشرة أو غير مباشرة .
البون بين دول الشمال و الجنوب كبير جدا , حيث تبدو معرفة مواطني الدول الغربية بحقوقهم و وضعهم التعاقدي أكثر بكثير من نظرائهم في الدول الإفريقية على سبيل المثال . فيغدو رئيس الدولة في المنطقة الأولى مجرد موظف منتخب له صلاحياته المحدودة التي لا يمكن أن تتجاسر على حقوق الاَخرين , هذا ما يبقيه ضمن دائرة الشعب و يَحفظ البلد من نظام سلطوي يشكل عاملا لبداية تكون أذرع الفساد في إدارات الدولة . حيث يدرك رئيس الدولة و كبار كوادرها و المسؤوليين فيها أنهم ليسوا بمعزل عن المحاسبة و العزل .
في الجانب الإفريقي – أقصد كل الدول المتخلفة معرفيا- لا ضمانة في البداية عن نزاهة الانتخابات حيث يتم اختيار رئيس صوري من قبل الدولة العميقة أو انقلاب على الشرعية الممنوحة من قبل الشعب أو تعيين من قبل مكاتب الظلاميين و هي المكاتب التي تمثل امتدادا لإستراتجية الإستعمار الذي انتقل من العسكرة إلى الإستخبارات, و مراميها لا تختلف عن السابق من تقسيم للبلدان و استنزاف لمقدراتها الاقتصادية و الحضارية و العسكرية و العلمية .
فالشعوب الغربية تعيش في ظل وطن يحكمه القانون الأفقي الذي يجعل القواعد عامة و مجردة , فيكون المواطن هو المحور الأساسي و المركز الرئيس الذي يهدم البنية الهرمية حيث تكون كل العناصر متفاعلة في دائرة واحدة . فيكون كل فرد أسندت إليه صلاحيات معينة في الأمن أو القضاء أو الإدارة و غيرها موظفا لأجل خدمة المواطن , هذا الأخير يخدم مصالح الأول حسب مركزه الوظيفي بما يخلق تفاعلا متجانسا يقوي أعصاب البلد .
في الدول المتخلفة التي غزتها الإمبريالية و دمرتها الرأسمالية و الإستعمار , نجد مواطنا من الدرجة الأولى تُجنَّد كل الإدارت في الدولة لخدمة مصالحه و يتمتع بحصانة ضد الإعتقال أو المساءلة و يملك النفوذ و مسالك للإستفادة من الثروة و المناصب, و غالبا ما يكون لاعبا في رقعة شطرنج الدولة من خلال الأحزاب السياسية أو الشركات الكبرى أو عمالته لجهة معينة لإستغلال ملفات محددة كالقضية الأمازيغية و حقوق الإنسان و العمَّال أو أن يكون إسلامويا أو ضد التيار الإسلامي و غيرها . ثم نجد درجات المواطنة الأدنى و كلما تقلصت مساحة الإرتباط بنفوذ الدولة و زاد هامش الإبتعاد عنه نصادف مواطنا في وطن اَخر إلى أن نبلغ درجة مواطن لاجئ أو أسير .
فعلى نقيض المواطن من الدرجة الأولى الذي يرتبط مباشرة بكوادر الصف الأول من الدولة و الذين تمت تسميتهم في المغرب ب خُدَّام الدولة , نعثر في أسفل الهرم على طبقة مسحوقة تئن في صمت مريب لا تستفيد من علاج و لا مسكن و لا ثروة بل أن حالها أسوء من اللاجئين في مخيم الهول و موريا , لا تملك أموالا لسداد أبسط حاجيات العيش , تحيا في تشرد و فقر مدقع لا يرضاه حتى أتباع الفلسفة الكلبية أو التشاؤمية التي أسسها الفيلسوف أنتيستنيس .
هذا المواطن الأنتيستنسي – نسبة إلى مؤسس الفلسفة الكلبية - قد نجد أنه السبب الأول في تثبيت أركان الفساد و العبودية و الإستغلال . ففي الوطن العربي و بدعم من قوى أجنبية تم الإنقلاب على الرئيس المنتخب من قبل الشعب و إقامة حكم عسكري ساهم في وضعه إلى جانب القوة الخارجية قوة داخلية تمثلت في طبقة فقيرة أردات أن تلعب دور المرتزقة و قطاع الطرق فظهرت لنا الشبيحة في سوريا الذين رفعوا شعار الأسد أو نحرق البلد , كما كان لهم دور في باقي البلدان العربية مندفعين بجهلهم أو من قبل أجهزة الأمن الفاسدة نفسها .
إن الدول العربية تختزل الوطنية في تقبيل صور الرئيس و علم البلد و التغني بمنجزاته حتى و ان كانت إقامة مهرجان لإختيار أفضل كبش أو كلب أو عنزة . فحُرِّفت الأغنية و الفن و الرياضة و السياسة و التعليم عن مسارها الصحيح , فأضحينا نرى الكل يصدح بالرئيس و علم البلد و نسي الجميع أن البلد ليس ملكا للرئيس و أن الراية مجرد قطعة قماش رمزية .
إن الوطنية أن تدافع عن مصالح المواطنين جميعا , و هذا لا يكون إلا إذا وضعنا الحلول العملية للمشاكل و العراقيل و الحل يحتاج لتحليل و التحليل يقتضي التصريح بكل المعطيات و انتقادها . أما أن يستمر المواطن العربي الإفريقي في مدح السلطات و تقبيل التراب و الحذاء فسنبقى في مؤخرة الركب إن بقينا موجودين أصلا .
خلاصة القول إننا بحاجة اليوم في وطننا العربي إلى إعادة قراءة العقد الاجتماعي و جعل المادة القانونية في مقدمة المواد المعتمدة في التدريس قبل الجامعي , حتى يكون لنا مواطن يدرك حقوقه و واجباته وليس ألة حمقاء للداعية و الديماغوجية و الغوغائية . و لا يمكن أن نحقق نتائج إيجابية إلا بفصل السلط و أن يقوم كل بالدور المنوط به لاسيما في النقد البناء ورفع العراقيل و تقديم الحلول حتى إن كان الحل حل البرلمان و الحكومة و تغيير رئيس البلد , فمصلحة المواطن أولى من مصلحة الوطن .