تمثال غائب

كاظم الموسوي
2020 / 8 / 18

قبل سنوات نصب في مكتبة اللغات الأجنبية بموسكو تمثال من البرونز للروائي العراقي غائب طعمة فرمان في ذكرى رحيله اعترافا بإبداعه الأدبي والترجمات التي أنتجها خلال حياته بالعاصمة الروسية، التي عاش ودفن فيها. يمثل هذا التمثال رمزا لاحترام المبدع وتكريما له ولما أبدعه وأنتجه في بلد عرف بهذا العمل، واعترافا لما تركه فيه من أثر ثقافي. وهو استحقاق إبداع الأديب وتذكير بعطاءاته وجهوده الثقافية ومساهمته في صناعة جسور الثقافة والتواصل الحضاري. ولعل هذا التمثال يسد جميلا للمبدع ويذكر الآخرين بذلك.
عرف بأنه “غائب بن طعمة بن فرمان بن رزوقي بن حمادي بن ناصر آل سماعيل الموسوي الجزائري من أهالي محلة المربعة في بغداد ولد في بغداد عام 1927 (وفق إجابته لسؤال عنه).. وتوفي في موسكو في العام 1990.” .
والآن ثلاثة عقود مرت على آخر يوم من حياة/ رواية غائب الواقعية.. يوم 18 من شهر آب/ أغسطس عام 1990 غاب غائب في غربته في موسكو التي عاش فيها آخر سنوات عمره وكتب فيها كل الروايات التي نصبته واحدا من رواد الرواية العراقية والعربية الفنية الحديثة.
ولد في حي شعبي، وفيه عاش سنواته الأولى التي ظلت منقوشة في ذاكرته، مع ما أحدثته مناخات الحرب العالمية الثانية والحياة السياسية العراقية في تكوين شخصيته الإبداعية والسياسية، والتي نقل أجواءها في استرجاعاته وحنينه إلى مرابعه الأولى وحبه للتراث والتاريخ في معظم رواياته. وترك العراق إلى القاهرة وهو ابن عشرين عاما لاستكمال دراسته اللغة الإنجليزية، ليبدأ منها رحلة الغربة والهجرة، وهناك التقى بأعلام الثقافة والأدب وعاش حياة القاهرة الثقافية وأبهر في مجالسها، وقبل عودته إلى العراق للعمل في الصحافة والكتابة لرفض تعينه في مؤسسات الحكومة، نشر عددا من القصص القصيرة والمقالات الأدبية، عبرت عن تطوره الأدبي والفكري، وعكست قدراته وإمكانات بروزه الفني والثقافي. وهو القائل إنه من الجيل الذي فتح عينيه والحرب العالمية قائمة بكل ما تحمله من مدلولات، النضال ضد الفاشية والتطلع إلى جلاء الجيوش من بلاده، والاستفادة من الانفتاح العام وفتح نوافذ ثقافية على كل الاتجاهات للنهل منها والاقتناع بالواقعية منهجا وأسلوبا. وبعد مشاركته في عدد من المؤتمرات الثقافية أصدر كتابه السياسي الأول: الحكم الأسود في العراق، فأسقطت عنه جنسيته العراقية، وتوجه إلى الصين، ولكنه عاد منها بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وحين ضاقت به مدينته بغداد هاجر إلى موسكو ليمضي ما تبقى له من العمر ويبدع فيها كل تلك الروايات التي خلدت اسمه ووضعته في مكانته الرائدة.‏
أصدر غائب عام 1954 مجموعته الأولى بعنوان: حصيد الرحى، وتلتها عام 1959 مجموعته الثانية مولود آخر، وتتالت بعدها رواياته المعروفة: النخلة والجيران، خمسة أصوات، المخاض، القربان، ظلال على النافذة، آلام السيد معروف، المرتجى والمؤجل، المركب. كما ترجم نحو ثلاثين كتابا معظمها قصص وروايات ومقالات للعديد من أعمال رواد وكتاب عظام في الأدب الروسي وغيره إلى العربية. ومن بينها ترجمته لأعمال تورجينيف في خمسة مجلدات، ورواية لتولستوي، ومجموعة قصص لدوستويفسكي، وأعمال شتى لشاعر روسيا الأبرز بوشكين، وغيرها.
عكس غائب في رواياته المجتمع العراقي في مراحل سياسية مهمة في تاريخه، منذ الأربعينيات من القرن الماضي، راسما لوحة بانورامية لواقع الطبقات الكادحة في ظروف الاحتلال البريطاني قبل الثورة، ومن ثم الصراعات السياسية بين أحزابها فيما بعد اندلاعها، متعمقا في شخصياتها وأزمنتها ومكانها وظلالها وآلامها وغربتها ومعاناتها وصراعاتها من أجل حياة كريمة وخلاص من القيود والأغلال والاغتراب. حين حولت النخلة والجيران إلى المسرح الفني الحديث في بغداد أصبحت أكثر شعبية وشهرة لا سيما شخصياتها الشعبية التي باتت تتردد أسماؤها على السن الناس وتتناقل حواراتها وتعليقاتها في الشارع العام. مبينا فيها قدرته الفنية والروائية في التعبير عن أبطالها وسرد حياتهم الاجتماعية التي تعكس واقع المجتمع العراقي في تلك الفترة، إلى درجة أصبحت مثار اهتمام واسع بين النقاد والقراء والمشاهدين رغم أنها عن مرحلة زمنية سابقة وظرف تاريخي آخر. قدم غائب فيها صدقا فنيا وجهدا واضحا في بنائها ولغتها وأنساقها الفنية. ومثلها انكب الروائي في كتابة الروايات الأخرى بدرجات متوازية معها في السرد والبناء والإبداع.‏
عبّر غائب عن المنفى، في كلمته إلى المؤتمر الذي عقد في تشرين أول/أكتوبر 1988 في يوغسلافيا تحت عنوان الأدب والمنفى: “إن للمنفى تاريخا طويلا في العراق يعرفه المثقفون العراقيون، ومع تقدم الزمن، وشيوع المفاهيم الديمقراطية، وارتفاع أصوات متزايدة لاحترام حقوق الإنسان صارت أعداد متزايدة على النقيض من روح العصر تجد نفسها مضطرة لمغادرة وطنها، واللجوء إلى أي بلد يؤمن الإقامة لها، حتى شرق المثقفون العراقيون المنفيون وغربوا وهم المعروفون بتعلقهم بأرض وطنهم. والآن لا يكاد يوجد بلد في العالم لا يضم أعدادا منهم..”.
وبحرارة غائب وبصيرته الإبداعية، وهو من أوائل الروائيين المعاصرين المنفيين، وفي تلك الفترة المبكرة نسبيا لاحظ حياة المنفى الحقيقية لأعداد المثقفين العراقيين في المنافي البعيدة عن وطنهم وشعبهم وكتابهم ولغتهم وأحاسيسهم الإبداعية، وتلمس من تجربة طويلة صعوبات المنفى، “حيث تنقطع الصلة بينهم وبين قرائهم ويجدون أنفسهم في أحبولة الاسترخاء، والكسل، ويضطرون إلى ممارسة أعمال بعيدة جدا عن ممارستهم الأصلية، وهي الكتابة والإبداع، والتواصل مع الجمهور الذي تربّوا بين ظهرانيه”. ويتساءل بألم المبدع الكبير: ما أتعس الكاتب الموهوب، حين يترك القلم جانبا، ويرتضي بما يؤمن لقيمة الخبز؟.. ويرد عليه بحرقة: ذلك هو المنفى المزدوج، المنفى السجن/ مسخ النفس، الانطفاء.
ورغم أن الروائي غائب رسم أحزانه في ورقته المتماهية مع موضوع الندوة إلا أنه وضع الحقائق المرة عن حالة المنفى القسرية، وحتى الاختيارية للمبدع. وزادها ألما وحزنا أنه أرَّخ للحالة الثقافية الراهنة ولم يستطع تدوينها، حيث مات ودفن في المنفى، ولم يتواصل مع أشقائه في المهنة الصعبة، مهنة الكتابة والحرف المنشور والمقروء، ولم يعرف أن زملاءه المجايلين له إبداعيا قد ساروا على دربه الذي ارتسمه وعانى منه، مثل فؤاد التكرلي أو عبد الرحمن مجيد الربيعي أو محمود سعيد، وأن أجيالا جديدة ممن خطوا خطواته الفنية تمرنوا كذلك في السير على نهج آلامه ومحنته في الغربة.
اهتمت أوساط ثقافية ومؤسسات أكاديمية بعد وفاته في إعادة البحث والكتابة عنه (أغلبها خارج وطنه)، حيث صدرت دراسات أكاديمية عنه للنقاد والباحثين خالد المصري، وزهير شليبة وفاطمة عيسى وعلي إبراهيم وأسامة غانم، وميساء نبيل، ومقالات ومقابلات عنه ومعه لأحمد النعمان، وزينب باقر جواد. وهناك عدد من الدراسات التي ما زالت مخطوطة أو انتهت مناقشتها أكاديميا قريبا.. وذكر الدكتور ضياء نافع، أن وزارة الثقافة أطلقت اسمه على إحدى قاعاتها, زمن الوزير مفيد الجزائري. وأن ثلاثة من طلابه كتبوا أطروحات عن ترجماته للأدب الروسي، الأول خلف الموسوي والثاني جاسم الدليمي، والثالث كامل العزاوي” .. كما كتب عنه أبرز الكتاب والنقاد العرب في مناسبات الاحتفاء به وتذكره. مثلما قال عنه غسان كنفاني بأنه من أحسن من يمسكون القلم، ويضيف له دارسه، ليس من حيث الشكل وحسب، بل من حيث الصيغ الفنية (السرد، الحوار، البناء الدرامي). ومع كل ذلك فإن غائب يستحق الاهتمام أكثر بإبداعه وتعريف الأجيال الجديدة من الكتاب والروائيين بدوره ومساهماته الثقافية.
* نقطة حبر: أقوال مأثورة من (الواتس لور)
- إذا أردت النجاح فعليك الالتزام بقاعدة واحدة وأساسية، لا تدع الفاشلين يتحكمون في حياتك.
- ثلاثة لا تقترب منهم أبدا، الحصان من الخلف، والثور من الأمام، والجاهل من جميع الاتجاهات.